أَبُو حَنِيفَةَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ فَنَجِدُهُمْ أَيْضًا يَخْتَلِفُونَ وَيَقِيسُونَ ، ثُمَّ يَدَّعُونَ الْقِيَاسَ وَيَسْتَحْسِنُونَ ، وَيَقُولُونَ بِالشَّيْءِ وَيَحْكُمُونَ بِهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ . أَبُو حَنِيفَةَ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مِخْنَفٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِكِتَابٍ مِنْهُ بِمَكَّةَ عَامًا أَوَّلَ ، فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ يَسْأَلُ عَنْهُ ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . فَوَضَعَ الرَّجُلُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النَّاسِ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ عَامًا أَوَّلًا ، فَأَفْتَانِي بِهَذَا الْكِتَابِ ، فَأَهْرَقْتُ بِهِ الدِّمَاءَ ، وَأَنْكَحْتُ بِهِ الْفُرُوجَ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ الْعَامَ .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : فَحَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لَهُ كَيْفَ هَذَا ؟ قَالَ: كَانَ رَأْيًا رَأَيْتُهُ ، فَرَأَيْتُ الْعَامَ غَيْرَهُ ، قَالَ: فَتَأْمَنُنِي أَنْ لَا تَرَى مِنْ قَابَلٍ شَيْئًا آخَرَ ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَدْرِي ، كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَكِنِّي أَدْرِي أَنَّ عَلَيْكَ لَعْنَةَ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : إِنَّا لَا نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى ، كُلُّنَا يَرَى ، وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ . حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : شَهِدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلَبِسَ سَرَاوِيلَ ، فَقَالَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .
فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي الْمُحْرِمِ : إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ فَقَالَ : دَعْنَا مِنْ هَذَا ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَرَوَى أَبُو عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ وَدِيًّا ، فَقَالَ : عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، فَقُلْتُ لَهُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ فَقَالَ : مَا بَلَغَنِي هَذَا . قُلْتُ لَهُ : فَالرَّجُلُ الَّذِي أَفْتَيْتَهُ رُدَّهُ ، قَالَ : دَعْهُ فَقَدْ جَرَتْ بِهِ الْبِغَالُ الشُّهُبُ .
قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : أَخَافُ أَنْ تَكُونَ إِنَّمَا جَرَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ : حَدَّثْتُ أَبَا حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الَّذِي قَالَ : مَنْ يَذْبَحُ لِلْقَوْمِ شَاةً أُزَوِّجُهُ أَوَّلَ بِنْتٍ تُولَدُ لِي ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ ، فَقَضَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَأَنَّ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هَذَا قَضَاءُ الشَّيْطَانِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَلْهَجَ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَتَنْقُصِّهِمْ وَالْبَحْثِ عَلَى قَبِيحِ أَقَاوِيلِهِمْ وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ .
وَكَانَ يَقُولُ : نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسُنَنَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَزِمُوا الْقِيَاسَ .