مُخَالَفَاتُ الْجَاحِظِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ
مُخَالَفَاتُ الْجَاحِظِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى الْجَاحِظِ ، وَهُوَ آخِرُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَالْمُعَايِرُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَأَحْسَنُهُمْ لِلْحُجَّةِ اسْتِثَارَةً ، وَأَشَدُّهُمْ تَلَطُّفًا لِتَعْظِيمِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَعْظُمَ ، وَتَصْغِيرِ الْعَظِيمِ حَتَّى يَصْغُرَ ، وَيَبْلُغَ بِهِ الْاقْتِدَارُ إِلَى أَنْ يَعْمَلَ الشَّيْءَ وَنَقِيضَهُ ، وَيَحْتَجَّ لِفَضْلِ السُّودَانِ عَلَى الْبِيضَانِ ، وَتَجِدُهُ يَحْتَجُّ مَرَّةً لِلْعُثْمَانِيَّةِ عَلَى الرَّافِضَةِ ، وَمَرَّةً لِلزَّيْدِيَّةِ عَلَى الْعُثْمَانِيَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ . وَمَرَّةً يُفَضِّلُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَرَّةً يُؤَخِّرُهُ ، وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُتْبِعُهُ ، قَالَ : ابْنُ الْجَمَّازِ ، وَقَالَ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ غَزْوَانَ ، كَذَا وَكَذَا مِنَ الْفَوَاحِشِ . وَيُجِلُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ يُذْكَرَ فِي كِتَابٍ ذُكِرَا فِيهِ ، فَكَيْفَ فِي وَرَقَةٍ أَوْ بَعْدَ سَطْرِ وَسَطْرَيْنِ ؟ وَيَعْمَلُ كِتَابًا ، يَذْكُرُ فِيهِ حُجَجَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
فَإِذَا صَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ تَجَوَّزَ فِي الْحُجَّةِ ، كَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَنْبِيهَهُمْ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُونَ ، وَتَشْكِيكَ الضَّعَفَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَتَجِدُهُ يَقْصِدُ فِي كُتُبِهِ الْمَضَاحِيكَ وَالْعَبَثَ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِمَالَةَ الْأَحْدَاثِ وَشُرَّابَ النَّبِيذِ . وَيَسْتَهْزِئُ مِنَ الْحَدِيثِ اسْتِهْزَاءً لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَذِكْرِهِ كَبِدَ الْحُوتِ وَقَرْنَ الشَّيْطَانِ وَذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، وَأَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ فَسَوَّدَهُ الْمُشْرِكُونَ ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُبَيِّضَهُ الْمُسْلِمُونَ حِينَ أَسْلَمُوا ، وَيَذْكُرُ الصَّحِيفَةَ - الَّتِي كَانَ فِيهَا الْمُنْزَلُ فِي الرَّضَاعِ - تَحْتَ سَرِيرِ عَائِشَةَ فَأَكَلَتْهَا الشَّاةُ .
وَأَشْيَاءَ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فِي تَنَادُمِ الدِّيكِ وَالْغُرَابِ ، وَدَفْنِ الْهُدْهُدِ أُمَّهُ فِي رَأْسِهِ ، وَتَسْبِيحِ الضُّفْدَعِ وَطَوْقِ الْحَمَامَةِ ، وَأَشْبَاهَ هَذَا مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهُوَ مَعَ هَذَا مِنْ أَكْذَبِ الْأُمَّةِ وَأَوْضَعِهِمْ لِحَدِيثٍ وَأَنْصَرِهِمْ لِبَاطِلٍ ، وَمَنْ عَلِمَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ ، وَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَمَّا أَلَّفَ وَعَمَّا كَتَبَ ، لَمْ يَعْمَلِ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ ، وَلَمْ يَسْتَفْرِغْ مَجْهُودَهُ فِي تَثْبِيتِ الْبَاطِلِ عِنْدَهُ ، وَأَنْشَدَنِي الرِّيَاشَيُّ : وَلَا تَكْتُبْ بِخَطِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ .