حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تأويل مختلف الحديث

طَعْنُ الْقَدَرِيَّةِ بِالثِّقَاتِ

طَعْنُ الْقَدَرِيَّةِ بِالثِّقَاتِ : وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ النَّضْرِ قَالَ: مَرَرْتُ بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَذَكَرَ شَيْئًا فَقُلْتُ : مَا هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا . قَالَ: وَمَنْ أَصْحَابُكَ ؟ قُلْتُ : أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَيُونُسُ وَالتَّيْمِيُّ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ أَرْجَاسٌ أَنْجَاسٌ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ غُرَّةُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَطِيبِ الْمَطْعَمِ ، وَقَدْ دَرَجُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ أَيْضًا عِنْدَهُ أَرْجَاسٌ أَنْجَاسٌ .

فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّ الَّذِينَ دَرَجُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِمْ فِي الْقَدَرِ، قُلْنَا لَهُمْ: فَلِمَ تَعَلَّقْتُمْ بِالْحَسَنِ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْلَانَ ؟ أَلَا تَعَلَّقْتُمْ بِعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ ؟ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَعْظَمَ فِي الْقُدْوَةِ ، وَأَثْبَتَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ كَقَتَادَةَ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، يَمْتَنِعُونَ عَنِ الْكِتَابَةِ عَنْ مِثْلِهِمْ ، مِثْلَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ فَائِدٍ ، وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا عَنْهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ ، وَأَهْلُ صِدْقٍ فِي الرِّوَايَةِ . وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَلَا بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ عَنْهُ ، وَالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ إِلَّا فِيمَا اعْتَقَدَهُ مِنَ الْهَوَى فَإِنَّهُ لَا يَكْتُبُ عَنْهُ ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ .

كَمَا أَنَّ الثِّقَةَ الْعَدْلَ ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا لِابْنِهِ ، وَلَا لِأَبِيهِ ، وَلَا فِيمَا جَرَّ إِلَيْهِ نَفَعًا أَوْ دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا . وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّادِقِ فِيمَا وَافَقَ نِحْلَتَهُ وَشَاكَلَ هَوَاهُ ، لِأَنَّ نَفْسَهُ تُرِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعْتَقَدَهُ ، وَأَنَّ الْقُرْبَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي تَثْبِيتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ . فَإِنْ قَالُوا : فَإِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا اعْتَقَدَهُ ، وَأَنَّ مُخَالِفَهُ عَلَى ضَلَالٍ وَهَوًى ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِيمَا انْتَحَلُوا .

فَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا عِلْمًا يَقِينًا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ ؟ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ أَهْلَ الْمَقَالَاتِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا وَرَأَى كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ لَا يَخْتَلِفُونَ . عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِ اسْتَضَاءَ بِالنُّورِ ، وَاسْتَفْتَحَ بَابَ الرُّشْدِ ، وَطَلَبَ الْحَقَّ مِنْ مَظَانِّهِ . وَلَيْسَ يَدْفَعُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا ظَالِمٌ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَى اسْتِحْسَانٍ وَلَا إِلَى قِيَاسٍ وَنَظَرٍ ، وَلَا إِلَى كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَلَا إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ .

فَإِنِ ادَّعَوْا عَلَيْهِمُ الْخَطَأَ بِحَمْلِهِمُ الْكَذِبَ وَالْمُتَنَاقِضَ ، قِيلَ لَهُمْ: أَمَّا الْكَذِبُ وَالْغَلَطُ وَالضَّعِيفُ فَقَدْ نُبِّهُوا عَلَيْهِ ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ . وَأَمَّا الْمُتَنَاقِضُ فَنَحْنُ مُخْبِرُوكَ بِالْمَخَارِجِ مِنْهُ ، وَمُنَبِّهُوكَ عَلَى مَا تَأَخَّرَ عَنْهُ عِلْمُكَ ، وَقَصُرَ عَنْهُ نَظَرُكَ ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ .

موقع حَـدِيث