الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ
الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَرُوِّيتُمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ . ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ : لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ .
وَسَالِمٌ لَيْسَ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهِيَ أَعْتَقَتْهُ وَرَبَّتْهُ ، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِحِلْفٍ ، فَجَعَلْتُمُ الْإِمَامَةَ تَصْلُحُ لِمَوَالِي الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ كَانَ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ لَأَمْكَنَ أَنْ تَحْتَجُّوا بِأَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ، قَالُوا : وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ تَنَاقُضٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ تَنَاقُضًا ، لَوْ قَالَ عُمَرُ : لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ عَلَيْكُمْ ، أَوْ فِي تَأْمِيرِهِ . فَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا تَخَالَجَنِي الشَّكُّ فِيهِ .
فَقَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ . وَكَيْفَ يُظَنُّ بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَقِفُ فِي خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ ، فَلَا يَخْتَارُ مِنْهُمْ ، وَيَجْعَلُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَهُمْ ، وَلَا يَتَخَالَجُهُ الشَّكُّ فِي تَوْلِيَتِهِ سَالِمًا عَلَيْهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْقَوْلِ وَضَعْفٌ فِي الرَّأْيِ ، وَلَكِنَّ عُمَرَ لَمَّا جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ ، ارْتَادَ لِلصَّلَاةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا أَنْ يَخْتَارُوا الْإِمَامَ مِنْهُمْ ، وَأَجَّلَهُمْ فِي الِاخْتِيَارِ ثَلَاثًا ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ ، فَذَكَرَ سَالِمًا فَقَالَ : لَوْ كَانَ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ .
وَذَكَرَ الْجَارُودَ الْعَبْدِيَّ ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ أُعَيْمِشُ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ حَيًّا لَقَدَّمْتُهُ . وَقَوْلُهُ: لَقَدَّمْتُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي سَالِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، مِنْ تَقْدِيمِهِ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ . ثُمَّ أَجْمَعَ عَلَى صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ فَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ الْقَوْمُ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلٍ مِنْهُمْ .