صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعَارِ
صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشِّعَارِ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ الْأَشْعَثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا . ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَانِبِهِ ، وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ .
وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ ، لِأَنَّهُ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : كَانَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا وَهُوَ جَمْعُ شِعَارٍ ، وَالشِّعَارُ : مَا وَلِيَ الْجَسَدَ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلَا يُسَمَّى شِعَارًا حَتَّى يَلِيَ الْجَسَدَ . وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ : أَنْتُمْ لِي شِعَارٌ ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ يُرِيدُ أَنَّكُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ كَالشِّعَارِ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ أَيْ : أَبْعَدُ مِنْكُمْ ، كَمَا أَنَّ الدِّثَارَ فَوْقَ الشِّعَارِ ، وَالشِّعَارُ يُصِيبُهُ الْمَنِيُّ وَالْعَرَقُ وَالنَّدَى ، إِذَا كَانَ بِالْمَرْءِ قَاطِرُ بَوْلٍ ، أَوْ بَدَرَتْ مِنْهُ بَادِرَةٌ ، فَكَانَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِ نِسَائِهِ ، لِمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنَالَهَا ، إِذَا هُوَ جَامَعَ ، أَوْ إِذَا اسْتَثْقَلَتِ الْمَرْأَةُ ، أَوْ إِذَا حَاضَتْ مِنَ الدَّمِ .
وَقِيلَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَانِبِهِ ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ . وَالْمِرْطُ لَا يَكُونُ شِعَارًا ، كَمَا يَكُونُ الْإِزَارُ شِعَارًا ، لِأَنَّهُ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ شَعْرٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ خَزٍّ ، وَإِنَّمَا يُلْقَى فَوْقَ الْإِزَارِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ هَذَا ، حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: نَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ ذَاتَ غَدَاةٍ ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ .
وَالْمُرَحَّلُ الْمُوَشَّى ، وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ : التَّرْحِيلُ . قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَذَكَرَ امْرَأَتَهُ : فَقُمْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَحَّلِ وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الْمِرْطَ لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمِرْطِ ، وَعَلَيْهَا بَعْضُهُ . وَلَوْ كَانَ شِعَارًا لَانْكَشَفَتْ مِنْهُ ، لِأَنَّ الشِّعَارَ لَطِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُصَلَّى فِيهِ ، وَتَكُونُ هِيَ مَسْتُورَةً بِهِ .