حَدِيثٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا مَوْتُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
قَالُوا : حَدِيثٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا مَوْتُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : لَقَدِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ الْعَرْشُ ، وَلَقَدْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، وَمَا كِدْتُ أَصِلُ إِلَى جِنَازَتِهِ ، ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَقَدْ ضُغِطَ ضَغْطَةً اخْتَلَفَتْ لَهَا أَضْلَاعُهُ ، قَالُوا : كَيْفَ يَتَحَرَّكُ عَرْشُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى بِهِ . وَقَدْ رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ . وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ الْقَمَرُ وَهُمَا عَلَى مَا رُوِّيتُمْ - ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ ، فَكَيْفَ بِالْعَرْشِ الْمَجِيدِ ؟ وَعَلَى أَنَّ الْعَرْشَ لَوْ تَحَرَّكَ لَتَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَكَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْعَرْشُ لِمَوْتِ مَنْ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَضُمُّ عَلَيْهِ قَبْرَهُ ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ؟ وَكَيْفَ يُعَذِّبُ مَنْ يُغَسِّلُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلِكٍ ، وَلَا يَصِلُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جِنَازَتِهِ لِازْدِحَامِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْمٌ ، فَذَهَبُوا فِيهِ إِلَى أَنَّ الِاهْتِزَازَ مِنَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ الْحَرَكَةُ ، كَمَا يَهْتَزُّ الرُّمْحُ ، وَكَمَا تَهْتَزُّ الشَّجَرَةُ إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيحُ ، وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا وَقَعْتِ الشَّنَاعَةُ وَوَجَبَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ .
وَقَالَ قَوْمٌ : الْعَرْشُ هَاهُنَا السَّرِيرُ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ تَحَرَّكَ ، وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ لِسَعْدٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَضِيلَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ سَرِيرٍ مِنْ سُرُرِ الْمَوْتَى لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَحَرَّكَ لِتَجَاذُبِ النَّاسِ إِيَّاهُ . وَبَعْدُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ السَّرِيرَ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَدْ رَوَى فِي حَدِيثٍ آخَرَ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِهِ ؟ وَلَيْسَ الِاهْتِزَازُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَلَا الْعَرْشُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْآخَرُونَ ، بَلِ الِاهْتِزَازُ: الِاسْتِبْشَارُ وَالسُّرُورُ ، يُقَالُ : إِنَّ فُلَانًا لَيَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ أَيْ : يَسْتَبْشِرُ وَيُسَرُّ ، إِنَّ فُلَانًا لَتَأْخُذُهُ لِلثَّنَاءِ هِزَّةٌ ، أَيِ : ارْتِيَاحٌ وَطَلَاقَةٌ . وَمِنْهُ قِيلَ فِي الْمَثَلِ : إِنْ فُلَانًا إِذَا دُعِيَ اهْتَزَّ ، وَإِذَا سُئِلَ ارْتَزَّ .
وَالْكَلَامُ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ اهْتَزَّ ، أَيِ : ارْتَاحَ وَسُرَّ ، وَإِذَا سُئِلَ الْحَاجَةَ ارْتَزَّ ، أَيْ : ثَبَتَ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يَطْلُقْ . فَهَذِهِ مَعْنَى الِاهْتِزَازِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا الْعَرْشُ ، فَعَرْشُ الرَّحْمَنِ - جَلَّ وَعَزَّ - عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِاهْتِزَازِهِ اسْتِبْشَارَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ وَيَحُفُّونَ حَوْلَهُ بِرُوحِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأَقَامَ الْعَرْشَ مَقَامَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيُحِيطُ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ : اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، يُرِيدُ مَا بَكَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلَا أَهْلُ الْأَرْضِ ، فَأَقَامَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مَقَامَ أَهْلِهِمَا ، وَكَمَا قَالَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، أَيْ : سَلْ أَهْلَهَا .
وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُحُدٍ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، يُرِيدُ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ ، يَعْنِي الْأَنْصَارَ ، وَنُحِبُّهُ أَيْ : نُحِبُّ أَهْلَهُ . كَذَلِكَ أَقَامَ الْعَرْشَ مَقَامَ حَمَلَتِهِ وَالْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَبْشِرُ بِرُوحِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابًا فِي السَّمَاءِ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ ، وَيُعْرَجُ فِيهِ بِرُوحِهِ إِذَا مَاتَ ثُمَّ يُرَدُّ .
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى سَهْلٌ قَرِيبٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَقَدِ اسْتَبْشَرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ بِرُوحِ سَعْدٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : كَيْفَ يُعَذَّبُ مَنْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ؟ فَإِنَّ لِلْمَوْتِ وَلِلْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ زَلَازِلًا شِدَادًا ، وَأَهْوَالًا لَا يَسْلَمُ مِنْهَا نَبِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ ، يَدُلُّكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . وَلَوْ كَانَ يَسْتَحِيلُ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ خَافَ مَا قَضَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ وَأَخْفَاهُ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَجْعَلْ مِنْهُمْ أَحَدًا عَلَى أَمْنٍ وَلَا طُمَأْنِينَةٍ ، وَيَدُلُّكَ قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي ، وَقَوْلُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي .
وَيَدُلُّكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾. أَعْلَمَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا يَرِدُ النَّارَ ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وَيذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَوْ كَانَ لِي طِلَاعُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتُدِيَتْ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾تَدْخُلُهُمْ دَهْشَةٌ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .