3 حَدِيثٌ سَادِسٌ وَعِشْرُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلٌ ، وَهُوَ أَوَّلٌ حَدِيثٌ مِنْ مَرَاسِيلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، صَلَّى الصُّبْحَ ( حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ ) مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : هَأَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى سَوَاءً ، وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى : مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ; إِلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا سُؤَالَ السَّائِلِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ جُمْلَةً ، وَإِجَابَتَهُ إِيَّاهُ فِي الصُّبْحِ بِمِثْلِ ( مَعْنَى ) حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مِثْلَ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا سَوَاءً فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَحْدَهَا ، لَمْ يُشْرَكْ مَعَهَا غَيْرُهَا ; رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسٍ ; مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : صَلِّهَا مَعَنَا غَدًا ، فَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَلَسٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَخَّرَ حَتَّى أَسْفَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَيْسَ قَدْ حَضَرْتَهَا مَعَنَا أَمْسَ وَالْيَوْمَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ ، أَمَرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، أَسْفَرَ ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ بِلَفْظِ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَمَعْنَاهُ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ . وَبَلَغَنِي أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ صِحَّةُ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ ؟ وَأَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ مُرْسَلَاتِ عَطَاءٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ يَجِبُ فِيهِ فِعْلُ ( ذَلِكَ ، إِذَا كَانَ لِعِلَّةٍ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ) . وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ حِينِ تَكْلِيفِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَهَذَا بَابٌ طَالَ فِيهِ الْكَلَامُ بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ ; فَمَنْ أَجَازَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فِي هَذَا الْبَابِ ، احْتَجَّ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، ( وَالْمَنَاسِكُ ) لَمْ تَتِمَّ إِلَّا فِي أَيَّامٍ ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ ذَلِكَ قَوْلًا ، فِي مُدَّةٍ أَقْرَبَ مِنْ مُدَّةِ تَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ عَمَلًا ; وَكَذَلِكَ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ مِيقَاتَ تِلْكَ الصَّلَاةِ ، وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِقَوْلِهِ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ ذَلِكَ لَهُ عَمَلًا ; وَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَانَ أَنْبَأَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ حَتَّى يُكْمِلَ بِهِ الدِّينَ ، وَيُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ ; وَكَذَلِكَ فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا . وَقَدْ يَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ أَثْبَتُ أَحْيَانًا فِيمَا فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الْقَوْلِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ . رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَرَوِهِ ( غَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ لَمْ يُخْبِرُوا بِمَا سَمِعُوا مِنَ الْأَخْبَارِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، بَلْ كَانُوا يُخْبِرُونَ بِالشَّيْءِ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ ، وَنُزُولِ النَّوَازِلِ ; وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ الْمُسْتَفِيضَةُ أَيْضًا ، لَمْ تَقَعْ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ جِدًّا ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ; وَفِيمَا لَوَّحْنَا بِهِ مِنْهُ كِفَايَةٌ وَتَنْبِيهٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ ، وَأنَّ وَقْتَهَا مَمْدُودٌ إِلَى آخِرِ الْإِسْفَارِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . فَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِهَا ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ ، عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ; وَهُوَ إِجْمَاعٌ ، فَسَقَطَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَالْفَجْرُ هُوَ أَوَّلُ بَيَاضِ النَّهَارِ الظَّاهِرِ الْمُسْتَطِيرِ فِي الْأُفُقِ ، الْمُسْتَنِيرِ الْمُنْتَشِرِ ، تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ; يُرِيدُ بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ . قَالَ أَبُو دَؤُادَ الْإِيَادِيُّ : فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْفَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا وَقَالَ آخَرُ : قَدْ كَادَ يَبْدُو أَوْ بَدَتْ تُبَاشِرُهُ وَسُدَفُ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سَاتِرُهُ وَقَدْ سَمَّتْهُ أَيْضًا الصَّدِيعَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : انْصَدَعَ الْفَجْرُ . قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ ، أَوْ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ : بِهِ السَّرْحَانُ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأَنَّ بَيَاضَ لِبَّتِهِ الصَّدِيعُ وَشَبَّهَهُ الشَّمَّاخُ بِمَفْرِقِ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : إِذَا مَا اللَّيْلُ كَانَ الصُّبْحُ فِيهِ أَشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأْسِ الدَّهِينِ وَيَقُولُونَ لِلْأَمْرِ الْوَاضِحِ : هَذَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ ، وَكَانْبِلَاجِ الْفَجْرِ ، وَتَبَاشِيرِ الصُّبْحِ . قَالَ الشَّاعِرُ : فَوَرَدَتْ قَبْلَ انْبِلَاجِ الْفَجْرِ وَابْنُ ذُكَاءَ كَامِنٌ فِي كُفْرِ وَذُكَاءُ : الشَّمْسُ ، فَسَمَّى الصُّبْحَ ابْنَ ذُكَاءَ ، وَالْكُفْرِ : ظُلْمَةُ اللَّيْلِ ، وَيُقَالُ لِلَّيْلِ : كَافِرٌ ، لِتَغْطِيَتِهِ الْأَشْيَاءَ بِظُلْمَتِهِ . وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا ، فَكَانَ مَالِكٌ فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : آخِرُ وَقْتِ ( صَلَاةِ ) الصُّبْحِ الْإِسْفَارُ ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ ، فَكَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : إِنَّ مَا عَدَا هَذَيْنِ فَلَيْسَ بِوَقْتٍ ; وَمَعْنَى قَوْلِهِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ ، يُرِيدُ هَذَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَأَهْلُ الْآثَارِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : آخِرُ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ : آخِرُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ الْإِسْفَارُ ، أَنَّهُ أَرَادَ الْوَقْتَ الْمُسْتَحَبَّ ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُمْ وَقْتٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ ذَلِكَ ، لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ سَوَاءٌ ، وَبِهَذَا نَزَعَ مَنْ قَالَ : ( أَنْ لَا ) فَضْلَ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى آخِرِهِ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . قَالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَنَزَعُوا بِأَشْيَاءَ ، سَنَذْكُرُ بَعْضَهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالَّذِي فِي قَوْلِهِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ، سَعَةُ الْوَقْتِ ، وَبَقِيَ التَّفْضِيلُ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ : أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَغَيْرُهُمْ ، إِلَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّغْلِيسِ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا ; فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ . وَحَدِيثُ رَافِعٍ يَدُورُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، رَوَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَابْنُ عَجْلَانَ ، وَغَيْرُهُمَا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ ( بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ) ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَاهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ دَاوُدَ الْبَصَرِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعناه ، وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ بَقِيَّةَ ضَعِيفٌ ، وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، كَانَا يُسْفِرَانِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ . وَكَانَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ التغليس بصلاة الصُّبْحَ أَفْضَلُ ; وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ . وَالْحُجَّةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ ( مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ) ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُغْلِسُ بِالصُّبْحِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَا مَعْنَى قَوْلِهِ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ؟ فَقَالَ : إِذَا بَانَ الْفَجْرَ فَقَدْ أَسْفَرَ ; قُلْتُ : كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَكُلَّمَا أَسَفَرْتُمْ بِهَا فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، فَقَالَ : نَعَمْ كُلُّهُ سَوَاءٌ ; إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَبَيَّنَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَسْفَرَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مُتَنَقِّبَةً فَكَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا : قَدْ أَسْفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا ، فَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَنْكَشِفَ الْفَجْرُ ، وَهَكَذَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغْلِسُونَ ; وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ ، وَيَأْتُوا الدُّونَ ، وَهُمُ النِّهَايَةُ فِي إِتْيَانِ الْفَضَائِلِ ; وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْإِسْفَارَ أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ مِنَ التَّغْلِيسِ ، وَقَدِ اخْتَارَ التَّغْلِيسَ لِفَضْلِهِ . وَجَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ . فَكَانَ الْعَفْوُ إِبَاحَةً ، وَالْفَضْلُ كُلُّهُ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ . وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ( الْقَاضِي ) ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَزَعَةُ بْنُ سُوِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ ، قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يَقُولُ : إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَاهُ ، وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ . وَأَصَحُّ دَلِيلٍ عَلَى تَفْضِيلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ مِمَّا قَدْ نَزَعَ بِهِ ابْنُ خُوَازِ بَنْدَادَ وَغَيْرُهُ ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ فَوَجَبَتِ الْمُسَابَقَةُ إِلَيْهَا ، وَتَعْجِيلُهَا ، وُجُوبَ نَدْبٍ وَفَضْلٍ ; لِلدَّلَائِلِ الْقَائِمَةِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ الْبَغْدَادِيِّ ( بِبَغْدَادَ ) ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَدِّي ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ( وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا ) ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُهَا كُلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ; لِأَنَّ مِنْ حَقُّهَا التَّبْعِيضُ . وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ وَقْتِهَا ، أَنَّهُ غَيْرُ حَرِجٍ إِذَا أَدْرَكَ وَقْتَهَا ; فَفِي هَذَا مَا يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ بَدَّرَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ ، كَانَ قَدْ سَلِمَ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُتَوَانِيَ مِنَ الْعَوَارِضِ ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ مَلَامَةٌ ; وَشُكِرَ لَهُ بِدَارُهُ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَفْضِيلِ تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ ; مَنْ قَالَ : إِنَّ وَقْتَهَا مَمْدُودٌ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، كُلُّهُمْ يَرَى تَعْجِيلَهَا أَفْضَلَ . وَأَمَّا الصُّبْحُ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ الْفَارُوقُ ، يُغْلِسَانِ بِهَا ; فَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْهُمَا ؟ وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ : أَنْ صَلُّوا الصُّبْحَ ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ . وَعَلَى تَفْضِيلِ أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى . وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا ( الْمَعْنَى فِي ) الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ · ص 331 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل عطاء بن يسار ما بين هذين وقت · ص 208 3 حَدِيثٌ ثَانٍ 3 - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ . قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ . ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ . ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : هَأَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 222 - لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى : مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا سُؤَالَ السَّائِلِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ جُمْلَةً ، وَإِجَابَتُهُ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهَا كُلِّهَا فِي الصُّبْحِ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . 223 - وَقَدْ رَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَذَكَرَ مِثْلَ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا سَوَاءً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ حُمَيْدٍ مِنْ وُجُوهٍ فِي التَّمْهِيدِ . 224 - وَبَلَغَنِي أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ يَسَارٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْإِرْسَالُ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ . 225 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ وَقْتٍ آخَرَ يَجِبُ فِيهِ فِعْلُ ذَلِكَ . 226 - فَأَمَّا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ حِينِ تَكْلِيفِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 227 - وَهَذَا بَابٌ طَالَ فِيهِ الْكَلَامُ بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 228 - وَقَدْ يَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ - فِيمَا سَبِيلُهُ الْعَمَلُ - أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْقَوْلِ ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ . رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ . 229 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَمْدُودٌ إِلَى آخِرِ الْإِسْفَارِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا . 230 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَظُهُورُهُ لِلْعَيْنِ . 231 - وَالْفَجْرُ هُوَ أَوَّلُ بَيَاضِ النَّهَارِ الظَّاهِرِ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ الْمُسْتَطِيرِ الْمُنِيرِ الْمُنْتَشِرِ ، تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ . 232 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ . يُرِيدُ بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ . 233 - وَقَالَ أَبُو دُاودٍ الْإِيَادِيُّ : فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْفَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا . 234 - وَقَالَ آخَرُ : قَدْ كَادَ يَبْدُو أَوْ بَدَتْ تَبَاشِرُهْ وَسُدَفُ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ سَاتِرُهْ . 235 - وَسَمَّتْهُ أَيْضًا : الصَّدِيعَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : انْصَدَعَ الْفَجْرُ . 236 - قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ ، أَوْ عَمْرُو بْنُ مُعْدِ يكَرِبَ : بِهِ السِّرْحَانُ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأَنَّ بَيَاضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ . 237 - وَشَبَّهَهُ الشَّمَّاخُ بِمَفْرِقِ الرَّأْسِ لِمَنْ فَرَقَ شَعْرَهُ ، فَقَالَ : إِذَا مَا اللَّيْلُ كَانَ الصُّبْحُ فِيهِ أَشَقَّ كَمَفْرِقِ الرَّأْسِ الدَّهِينِ . 238 - وَيَقُولُونَ لِلْأَمْرِ الْوَاضِحِ : هَذَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ ، وَتَبَاشِيرِ الصُّبْحِ ، وَكَانْبِلَاجِ الْفَجْرِ . 239 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ . 240 - وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ فِي الصُّبْحِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا قَدْ أَوْضَحْنَا فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَوْقَاتِ . 241 - وَنَزَعَ بِقَوْلِهِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ إِلَى جَعْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ كَآخِرِهِ فِي الْفَضْلِ . 242 - وَمَالَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَخَالَفَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَنَزَعُوا بِأَشْيَاءَ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ وَعُمْدَتُهَا أَنَّ الْمُبَادِرَ إِلَى أَدَاءِ فَرَضِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ - أَفْضَلُ مِنَ الْمُتَأَنِّي بِهِ ، وَطَالِبِ الرُّخْصَةِ فِي السَّعَةِ فِيهِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وَقَوْلِهِ : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . 243 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ . 244 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . 245 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ فِي التَّمْهِيدِ . 246 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَذَهَبُ الْكُوفِيُّونَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى أَنَّ الْإِسْفَارَ بِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّغْلِيسِ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا : الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . 247 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَسْفِرُوا بِالصُّبْحِ ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . 248 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَبَيَّنَّا عِلَّتَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ عَلَّلَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 249 - وَذَكَرُوا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا يُسْفِرَانِ بِالصُّبْحِ جِدًّا . 250 - وَكَانَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوَدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ . 251 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 252 - وَذَكَرُوا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يُغَلِّسَانِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ . 253 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي فَضْلِ الْبَدَارِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فِي الْقِيَاسِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآثَارِ . 254 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْإِسْفَارِ فِي قَوْلِهِ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فِي التَّمْهِيدِ وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْفَارَ : التَّبَيُّنُ ، وَالتَّبَيُّنُ بِالْفَجْرِ إِذَا انْكَشَفَ وَاتَّضَحَ لِيلَا يُصَلى فِي مِثْلِهِ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ : أَسْفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا : إِذَا كَشَفَتْ عَنْهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب وُقُوتِ الصَّلَاةِ · ص 78 3 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : هَا أَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 3 3 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي أُسَامَةَ الْمَدَنِيِّ ، فَقِيهٌ ثِقَةٌ عَالِمٌ وَكَانَ يُرْسِلُ ، وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ : لَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَجْلِسِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَرْبَعِينَ حِبْرًا فَقِيهًا أَدْنَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِمُ التَّوَاسِي بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَمَا يُرَى مُتَمَارِيَانِ وَلَا مُتَنَازِعَانِ فِي حَدِيثٍ لَا يَنْفَعُهُمَا قَطُّ ، وَكَانَ عَالِمًا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَهُ كِتَابٌ فِيهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : ابْنَ آدَمَ اتَّقِ اللَّهَ يُحِبَّكَ النَّاسُ وَإِنْ كَرِهُوا ، مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا مَرْفُوعَةٌ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى مَيْمُونَةَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ صَاحِبُ مَوَاعِظَ وَعِبَادَةٍ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِيمَا قِيلَ . ( أَنَّهُ قَالَ ) : اتَّفَقَتْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى إِرْسَالِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ صِحَّةُ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ ؟ وَالصَّحِيحُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ مِنْ مُرْسَلَاتِ عَطَاءٍ ، وَقَدْ وَرَدَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حَارِثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ) وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ ، قِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ آخِرِ وَقْتِهَا وَكَانَ عَالِمًا بِأَوَّلِهِ إِذْ لَا بُدَّ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ حِينَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ إِلَى أَيِّ وَقْتٍ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ ؟ ( قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) حَتَّى أَرَادَ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ ، وَلَمْ يَخَفِ اخْتِرَامَ الْمَنِيَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ نَبَّأَهُ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ حَتَّى يُكْمِلَ الدِّينَ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَالْمُرَادُ : سَكَتَ عَنْ جَوَابِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالَ : صَلِّهَا مَعِيَ الْيَوْمَ وَغَدًا . ( حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ) وَكَانَ ذَلِكَ بِقَاعِ نَمِرَةَ بِالْجُحْفَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدٍ . ( ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ) أَيِ : انْكَشَفَ وَأَضَاءَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو : ثُمَّ صَلَّاهَا مِنَ الْغَدِ فَأَسْفَرَ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدٍ : فَصَّلَاهَا أَمَامَ الشَّمْسِ ؛ أَيْ : قُدَّامَهَا ، بِحَيْثُ طَلَعَتْ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْهَا ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : ثُمَّ صَلَّاهَا يَوْمًا ، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ : حَتَّى إِذَا كَانَ بِذِي طُوًى أَخَّرَهَا ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً وَاحِدَةً وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ . ( قَالَ : هَا أَنَذَا ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ : تُفْصَلُ هَا التَّنْبِيهِ مِنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُجَرَّدِ بِأَنَا وَأَخَوَاتِهَا كَثِيرًا كَقَوْلِكَ : هَا نَحْنُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 119 ) وَقَوْلِ السَّائِلِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ هَا أَنَذَا ( يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ ) يَعْنِي هَذَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ ، وَهَذَا مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ : الْآيَةُ 7 ) فَمِنْ مَفْهُومِهِ : مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ قِنْطَارٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ . وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ : الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ أَمْسِ وَالْيَوْمِ وَإِنَّمَا أَخْرَجُوا بِهِ حَتَّى صَلَّى مَعَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ لِأَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ أَبْلَغُ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ يَجِبُ فِيهِ فِعْلُ ذَلِكَ ، أَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنْ تَكْلِيفِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . وَفِي ذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ وَقْتِ الصُّبْحِ خَاصَّةً ، وَوَرَدَ السُّؤَالُ عَنْ كُلِّ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، فَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ ، وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ ، وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى الْفَجْرَ فَانْصَرَفَ ، فَقُلْتُ : أَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ ؟ أَوْ قَالَ : أَمْسَى وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَارِيَةَ ، وَأَبُو يَعْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَحِينَئِذٍ فَحَدِيثُ الْمُوَطَّأِ إِمَّا مُخْتَصَرٌ مِنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَوْ هُوَ قَضِيَّةٌ أُخْرَى وَقَعَ السُّؤَالُ فِيهَا عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ خَاصَّةً .