عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ لِمَالِكٍ عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا مُرْسَلٌ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَشُعْبَةُ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَوُهَيْبٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَرَوَى عَنْهُ مِمَّنْ فَوْقَ هَؤُلَاءِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . وَأَبُوهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ ، وَتُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . حَدِيثٌ أَوَّلُ لِعَمْرِو بْنِ يَحْيَى مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ : نَعَمْ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدْءًا بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي لَفْظِهِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ مُخْتَصَرًا ، وَلَمْ يَقُلْ : وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى . وَذَكَرَهُ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ أَبَا حَسَنٍ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَلَمْ يَقُلْ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَلَا ذَكَرَ عَمَّنْ رَوَاهُ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ : لَا نَعْرِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لِعَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي نُسْخَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، فَإِمَّا أَسْقَطَهُ وَإِمَّا سَقَطَ لَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى إِلَّا مَالِكٌ وَحْدَهُ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَإِنْ كَانَ جَدَّهُ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ جَدَّهُ لِأُمِّهِ . وَمِمَّنْ رَوَاهُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَوَهْبٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَقَدْ نَسَبْنَا عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بِمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ . وَذَكَرَ ابْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الْوُضُوءِ ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ ، وَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ . قَالَ ابْنُ سَنْجَرٍ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، الَ حَدَّثَنَا وَهْبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : شَهِدْتُ عَمِّي ابْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، فَأَخْطَأَ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَهَذَا خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَقَدْ نَسَبْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَأَوْضَحْنَا أَمْرَهُمَا . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، فَهُوَ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ فِي النَّوْمِ ، وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرَهُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ هُوَ عَمُّ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، وَهُوَ أَكْثَرُ رِوَايَةً ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ يَزْعُمُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ وَهِمَ فِيهِمَا ، فَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا فِيمَا حَكَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ عَنْهُ ، وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ إِذَا كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَعَ جَلَالَتِهِ يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ ، فَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَيْنَ يَقَعُ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ؟ إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ عِلْمًا وَأَقَلُّ عُذْرًا . أَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي الَّذِي وَهِمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّتَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَحَدٌ مَرَّتَيْنِ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَظُنُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَأَوَّلَ الْحَدِيثُ . قَوْلُهُ : فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، كُلُّهُمْ ذَكَرَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُ ، وَأَمَّا الْحَمِيدِيُّ ، فَإِنَّهُ مَيَّزَ ذَلِكَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَوْ حَفِظَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ ، فَذَكَرَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَمَسَحَ رَأَسَهُ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِفِ الْمَسْحَ ، وَلَا قَالَ مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ فِي الْإِسْنَادِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - لَمْ يَزِدْ : لَمْ يَقُلِ ابْنَ عَاصِمٍ وَلَا ابْنَ عَبْدِ رَبِّهِ فَتَخْلُصُ . وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ ، فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَزَادَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِيهِ ذِكْرَ تَوْرِ الصُّفْرِ . وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ فَذَكَرَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، أَنَّ حِبَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ وُضُوءَهُ . قَالَ : تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، وَالْأُخْرَى ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا . تَرَكْنَا ذِكْرَ الْأَسَانِيدِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ لِلِاخْتِصَارِ ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَرْنَا الْمُتُونَ إِلَّا مَوْضِعَ الِاخْتِلَافِ الْمُوَلِّدَ لِلْحُكْمِ ، وَالزَّائِدَ فِي الْفِقْهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِيجَابِ ، وَمَا لِلرُّوَاةِ فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - مُسْتَوْعَبًا مُمَهَّدًا فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، فَالثَّلَاثُ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ ، وَأَتَمُّهُ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ اعْتِدَاءٌ مَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ لِتَمَامِ نُقْصَانٍ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْمَضْمَضَةُ مَعْرُوفَةٌ ، وَهِيَ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْفَمِ مِنَ الْيَدِ وَتَحْرِيكُهُ فِي الْفَمِ هِيَ الْمَضْمَضَةُ ، وَلَيْسَ إِدْخَالُ الْأصْبَعِ ، وَدَلْكُ الْأَسْنَانِ بِهَا مِنَ الْمَضْمَضَةِ فِي شَيْءٍ ، فَمَنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ، وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي الْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَالِاعْتِلَالِ لِذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَبَيَانٌ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، وَمَضَى هُنَاكَ أَيْضًا الْقَوْلُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالِاخْتِيَارِ ، وَزِدْنَا ذَلِكَ بَيَانًا فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا غَسْلُ الْوَجْهِ ثَلَاثًا ، فَهُوَ الْكَمَالُ ، وَالْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمَّتْ تُجْزِئُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَهَذَا أَكْثَرُ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَلَقَّتِ الْجَمَاعَةُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ وَطَلَبِ الْفَضْلِ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لَا عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَسْخٌ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فَقِفْ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ فِيهِ وَالْوَجْهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ ، وَهُوَ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى الْعَارِضِ وَالذَّقَنِ وَالْأُذُنَيْنِ ، وَمَا أَقْبَلَ مِنَ اللِّحْيَتَيْنِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَارِضِ فِي الْوُضُوءِ ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَيْسَ مَا خَلْفَ الصُّدْغِ الَّذِي مِنْ وَرَاءِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ إِلَى الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَغْسِلُ الْمُتَوَضِّئُ وَجْهَهُ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ إِلَى أُصُولِ أُذُنَيْهِ ، وَمُنْتَهَى اللِّحْيَةِ إِلَى مَا أَقْبَلَ مِنْ وَجْهِهِ وَذَقْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَمَرَدَ غَسَلَ بَشَرَةَ وَجْهِهِ كُلَّهَا ، وَإِنْ نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ وَعَارِضَاهُ أَفَاضَ عَلَى لِحْيَتِهِ وَعَارِضَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلِّ الْمَاءُ إِلَى بَشَرَةِ وَجْهِهِ الَّتِي تَحْتَ الشَّعْرِ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ شِعْرُهُ كَثِيرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا : أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ مَا تَحْتَ شَعْرِ عَارِضَيْهِ ، فَقَضَى إِجْمَاعُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُتَيَمِّمِ بِمَسْحِ وَجْهِهِ كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِهِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : غَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَإِلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْمَفْصِلَ مَا بَيْنَ اللَّحْيَيْنِ وَالْأُذُنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه : الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعَذَارِ وَبَيْنَ الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ غَسْلُهُ وَاجِبٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ ، وَمَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا فَمِنَ الرَّأْسِ فَمَا دُونَ الْأُذُنَيْنِ إِلَى الْوَجْهِ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ هُرْمُزَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : يُبَلِّغُ بِالْوُضُوءِ مَقَاصَّ الشَّعْرِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالذَّقَنِ ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى : أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : وَلَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا يَجِبُ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ أَيْضًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ والليث وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي الْوُضُوءِ ، وَأَظُنُّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ ، وَأَظُنُّ مَالِكًا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الشَّعْرَ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ لِرِقَّةِ الْمَاءِ وَتَوَصُّلِهِ إِلَى الْبَشَرَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ تَحْرِيكٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ إِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً ، وَلَا يُخَلِّلُهَا ، وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَلْيُحَرِّكْهَا وَإِنْ صَغُرَتْ وَتَخْلِيلُهَا أَحَبُّ إِلَيْنَا وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يُحَرِّكُ الْمُتَوَضِّئُ ظَاهِرَ لِحْيَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهَا . قَالَ : وَهِيَ مِثْلُ أَصَابِعِ الرِّجِلِ ، يَعْنِي : أَنَّهَا لَا تُخَلَّلُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ فَيَقُولُ : يَكْفِيهَا مَا يَمَسُّهَا مِنَ الْمَاءِ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَاهُ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : لَيْسَ تَحْرِيكُ الْعَارِضَيْنَ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ بِوَاجِبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ فِي وُضُوئِهِ مِنْ وُجُوهٍ كُلُّهَا ضعيفة ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَإِيجَابُ غَسْلِ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ إِيجَابُ فَرْضٍ وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَمَنِ احْتَاطَ وَأَخَذَ بِالْأَوْثَقِ فَهُوَ أَوْلَى ( بِهِ ) فِي خَاصَّتِهِ ، وَأَمَّا الْفَتْوَى بِإِيجَابِ الْإِعَادَةِ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَنْ يَقِينٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَذَكَرَ ابْنُ خُوازِ بنْدَادَ : أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ : مَا بَالُ الرَّجُلِ يَغْسِلُ لِحْيَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ ، فَإِذَا نَبَتَتْ لَمْ يَغْسِلْهَا ؟ وَمَا بَالُ الْأَمْرَدِ يَغْسِلُ ذَقَنَهُ ، وَلَا يَغْسِلُهُ ذُو اللِّحْيَةِ ؟ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : التَّيَمُّمُ وَاجِبٌ فِيهِ مَسْحُ الْبَشَرَةِ قَبْلَ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ . ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَهَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : سَمِعْتُ مَالِكًا يُسْأَلُ : هَلْ سَمِعْتَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ ، فَلْيَمُرَّ عَلَيْهَا الْمَاءُ ؟ قَالَ مَالِكٌ : وَتَخْلِيلُهَا فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ ، وَعَابَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ ، قِيلَ لِسَحْنُونٍ : أَرَأَيْتَ مَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَلَمْ يَمُرَّ الْمَاءُ عَلَى لِحْيَتِهِ ؟ قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَنْسَدِلُ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ ، فَقَالَ مَرَّةً : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُمِرَّ الْمَاءَ عَلَى مَا سَقَطَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الْوَجْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ قَالَ : يُجْزِيهِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَلَا يُجْزِيهِ فِي الْآخَرِ . قَالَ الْمُزَنِيُّ : يُجْزِيهُ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ مَا سَقَطَ - يَعْنِي مَا انْسَدَلَ - عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنَ الرَّأْسِ ، فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا سَقَطَ عنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الْوَجْهِ مِنَ الْوَجْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ جَعَلَ غَسْلَ اللِّحْيَةِ كُلِّهَا وَاجِبًا ، جَعَلَهَا وَجْهًا ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ أَمْرًا مُطْلَقًا ، لَمْ يَخُصَّ صَاحِبَ لِحْيَةٍ مِنْ أَمْرَدَ ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَجْهٍ فَوَاجِبٌ غَسْلُهُ ; لِأَنَّ الْوَجْهَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ ، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُسَمَّى اللِّحْيَةُ وَجْهًا ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْبَشَرَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ ذَهَبَ إِلَى الْأَصْلِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهِ : الْبَشَرَةِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُ اللِّحْيَةِ ؛ لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ فَوْقَ الْبَشَرَةِ ، وَصَارَتِ الْبَشَرَةُ بَاطِنًا وَصَارَ الظَّاهِرُ هُوَ اللِّحْيَةُ ، فَصَارَ غَسْلُهَا بَدَلًا مِنَ الْبَشَرَةِ ، وَمَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ تَحْتَهُ مَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ ، فَيَكُونُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ بَدَلًا مِنْهُ ، كَمَا أَنَّ جِلْدَ الرَّأْسِ مَأْمُورٌ بِمَسْحِهِ ، فَلَمَّا نَبَتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ نَابَ مَسْحُ الشَّعْرِ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ بَدَلٌ مِنَ الرَّأْسِ الْبَاطِنِ تَحْتَهُ ، وَمَا انْسَدَلَ مِنَ الرَّأْسِ وَسَقَطَ فَلَيْسَ تَحْتَهُ بَشَرَةٌ يَلْزَمُ مَسْحُهَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّأْسَ سُمِّيَ رَأْسًا ؛ لِعُلُوِّهِ وَنَبَاتِ الشَّعْرِ فِيهِ ، وَمَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِهِ وَانْسَدَلَ فَلَيْسَ بِرَأْسٍ ، فَكَذَلِكَ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ فَلَيْسَ بِوَجْهٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ . وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَفْضَلَ : أَنْ يَغْسِلَ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ كَانَ يَتَوَضَّأُ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ ؛ فِي وُضُوئِهِ ، وَانْتِعَالِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ غَسَلَ يُسْرَى يَدَيْهِ قَبْلَ يُمْنَاهُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا تُبَالِي بِأَيِّ يَدَيْكَ بَدَأْتَ . وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى : سَأَلْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إِجَالَةِ الْخَاتَمِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَأْجِلْهُ ، وَإِنْ كَانَ سَلِسًا فَأَقِرَّهُ . وَأَمَّا إِدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ ، فَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إِلَّا زُفَرَ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمَرَافِقِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيِّينَ أَيْضًا ، وَمِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ غَسْلِ الْمَرْفَقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، فَمَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَهُمَا حَمَلَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ عَلَى أَنَّ إِلَى هَاهُنَا غَايَةٌ وَأَنَّ الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ دَاخِلَيْنَ فِي الْغَسْلِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، كَمَا لَا يَجِبُ دُخُولُ اللَّيْلِ فِي الصِّيَامِ لِقَوْلِهِ عِزَّ وَجَلَّ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَمَنْ أَوْجَبَ غَسْلَهُمَا جَعَلَ إِلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَالْمَرَافِقَ أَوْ مَعَ الْمَرَافِقِ وَ إِلَى بِمَعْنَى الْوَاوِ وَبِمَعْنَى مَعَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ أَيْ مَعَ اللَّهِ ، وَكَمَا قَالَ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ . وَأَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ تَكُونَ إِلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وبِمَعْنَى مَعَ وَقَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ الْيَدِ كُلِّهَا ، وَالْيَدُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْكَتِفِ ، وَقَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى عَنْ بَابِهَا ، وَيَذْكُرَ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْغَايَةِ أَبَدًا ، قَالَ : وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ إِلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَتَدْخُلُ الْمَرَافِقَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ ; لِأَنَّ الثَّانِي إِذَا كَانَ مِنَ الْأَوَّلِ كَانَ مَا بَعْدَ إِلَى دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ نَحْوَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمَرَافِقِ فَالْمَرَافِقُ دَاخِلَةٌ فِي الْغَسْلِ ، وَإِذَا كَانَ مَا بَعْدَهَا لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهِ نَحْوَ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْحَدُّ فِي الْمَحْدُودِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْحَدُّ فِي الْمَحْدُودِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَالْمَرَافِقُ مِنْ جِنْسِ الْأَيْدِي وَالْأَذْرُعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَدُّ مِنْهَا فِي الْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ هَذَا أَصْلُ حُكْمِ الْحُدُودِ وَالْمَحْدُودَاتِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ وَالنَّظَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَنْ غَسَلَ الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ طَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجِبٌ . وَأَمَّا الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ كُلِّهِ ، فَقَدْ أَحْسَنَ وَفَعَلَ أَكْمَلَ مَا يَلْزَمُهُ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحَةً وَاحِدَةً مُوعِبَةً كَامِلَةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ، إِلَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : أَكْمَلُ الْوُضُوءِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا كُلُّهَا سَابِغَةٌ ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا . وَرُوِيَ مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا عَنْ أَنَسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ بِمَسْحِ رَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمَ رَأْسِهِ ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِيَدَيْهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا يَقُولُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ : وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَقُولُ : يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ وَلَا يَصِحُّ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، وَهَذَا هُوَ النَّصُّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُمْتَثَلَ وَيُحْتَمَلَ عَلَيْهِ . وَرَوَى مُعَاوِيَةُ وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ سَوَاءً ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ، لِقَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا ( وَأَدْبَرَ ) وَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا ظُنُونٌ لَا تَصِحُّ ، وَفِي قَوْلِهِ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ لِمَنْ فَهِمَ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، وَتَفْسِيرُهُ : أَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَأَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ ; لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ الرُّتْبَةَ ، وَإِذِا احْتَمَلَ الْكَلَامُ التَّأْوِيلَ كَانَ قَوْلُهُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ - تَفْسِيرَ مَا أُشْكِلَ مِنْ ذَلِكَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ . وَرَوَى مُعَاوِيَةُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى فِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، أَنَّهَا وَصَفَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ ؛ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ، وَبِأُذُنِهِ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي أَلْفَاظِهِ ، وَهُوَ يَدُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ ، وَهَذَا لَفْظُ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَالْحُسْنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ لَيْسَ بِالْحَافِظِ عِنْدَهُمْ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي هَذَا ، وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ - وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا - بَدَأَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ ، وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ مَسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : الْفَرْضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ غَسْلَ شَيْءٍ مِنْ وَجْهِهِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ ، كَمَا أَمَرَ بمَسْح الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ . وَقَدْ أَجْمَعُوا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَسْلُ بَعْضِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا مَسْحُ بَعْضِهِ فِي التَّيَمُّمِ ، فَكَذَلِكَ مَسْحُ الرَّأْسِ ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ يُمْسَحُ كُلَّهُ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ مَسْحَ بَعْضِهِ سُنَّةٌ وَبَعْضِهِ فَرِيضَةٌ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ مَسْحُ بَعْضِهِ سُنَّةً دُلَّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ فَرِيضَةٌ مَسْحُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ إِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لِوُجُوبِ الْعُمُومِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ، بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَقَدْ أَجْمَعُوا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ بِبَعْضِهِ ، فَكَذَلِكَ مَسْحُ الرَّأْسِ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ : امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ ، وَمَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَلَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ . وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا لَهُمْ : أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، لَكِنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ أَشْهَبُ : يَجُوزُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ قَالَ : اخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بُدَّ أَنْ يُمْسِحَ كُلُّ الرَّأْسِ أَوْ أَكْثَرُهُ حَتَّى يَكُونَ الْمَمْسُوحُ أَكْثَرَ الرَّأْسِ ، فَيُجْزِئُ تُرْكُ سَائِرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَزَعَمَ الْأَبْهَرِيُّ : أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا مَسَحَ الثُّلُثُ فصاعدا أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ هو أَكْثَرَ . قَالَ : وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي ، وَأَوْلَاهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الثُّلُثَ فَمَا فَوْقَهُ قَدْ جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ ، وَمَذْهَبِهِ ، وَزَعَمَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُمْ ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْمَمْسُوحَ مِنَ الرَّأْسِ إِذَا كَانَ الْأَكْثَرُ وَالْمَتْرُوكَ مِنْهُ الْأَقَلُّ ، جَازَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ، فِي أَنَّ الثُّلُثَ يَسِيرٌ مُسْتَنْدَرٌ عِنْدَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُصُولِ مَسَائِلِهِ وَمَذْهَبِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ خَارِجٌ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الثُّلُثَ عِنْدَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرٍ وَفِي أَشْيَاءَ قَلِيلٍ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : الْفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَمْ يَحُدَّ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا : إِنَّ مَسْحَ ثُلُثِ الرَّأْسِ فصاعدا أَجْزَأُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : احْتَمَلَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ وَمَسْحَ جَمِيعِهِ ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ أَنَّ مَسْحَ بَعْضِهِ يُجْزِئُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّيَمُّمِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ أَيُجْزِئُ بَعْضُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ ؟ قِيلَ لَهُ : مَسْحُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ بَدَلٌ مِنْ عُمُومِ غَسْلِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ مَوْضِعِ الْغَسْلِ فِيهِ ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا ، وَعَفَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، وَلَمْ يَعْفُ عَنِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ عَلَى كَمَالِهِ وَأَصْلِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ مَسَحَ الْمُتَوَضِّئُ رُبُعَ رَأْسِهِ ، أَجْزَأَ وَيَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ وَاجِبٌ فَرْضًا ، كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْمَسْحُ لَيْسَ شَأْنُهُ فِي اللِّسَانِ الِاسْتِيعَابَ وَالْبَعْضُ يُجْزِئُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ والليث : يُجْزِئُ مَسْحُ الرَّأْسِ ، وَيَمْسَحُ الْمُقَدَّمُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ جَمِيعِهِمْ : أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَمْسَحَانِ مُقَدَّمَ رُؤوسِهِمَا ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِجَازَةُ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ : مَسَحَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاصِيَتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَيْنَ ابْنِ سِيرِينَ وَبَيْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ ، كَذَلِكَ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا بَكْرٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فَوْقَ الْعِمَامَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قَطَرِيَّةٌ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ ، فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ ، وَأَجَازَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، مَسْحَ الرَّأْسِ بِأصْبَعٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَمَا زَادَ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَ بِأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لم يجزه . وَالْمَرْأَةُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْحِ رَأْسِهَا كَالرَّجُلِ كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ . وَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَمْ يَحُدَّ ، وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إِذْ وَصَفَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ، وَفِي بَعْضِهَا : ثُمَّ غَسَلَ حَتَّى أَنْقَاهُمَا ، وَفِي بَعْضِهَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، عَنْ عُثْمَانَ : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ، وَفِي أَكْثَرِهَا : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَطْ ، وَفِي بَعْضِهَا : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَالْوُضُوءُ كُلُّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ : أَنَّ غَسْلَةً وَاحِدَةً سَابِغَةً فِي الرِّجْلَيْنِ وَسَائِرِ الْوُضُوءِ تُجْزِئُ . وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَحُدُّ فِي الْوُضُوءِ وَاحِدَةً وَلَا اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ وَمَا عَمَّ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَ ، وَالرِّجْلَانِ وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ سَوَاءٌ . وَالْقَوْلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي أُصُولِهِمْ فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الذِّرَاعَيْنِ ، كَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ فِي دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ : أَنَّ الْمِرْفَقَيْنِ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُمَا مَعَ الْقَطْعِ غُسِلَا ، قَالَ : وَأَمَّا الْكَعْبَانِ فَهُمَا بَاقِيَانِ مَعَ الْقَطْعِ وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِمَا مَعَ الرِّجْلَيْنِ ، هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْكَعْبَانِ هُمَا النَّاتِئَانِ فِي أَصْلِ السَّاقِ ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ فِي الْكَعْبَيْنِ وَأَمَّا الْعُرْقُوبُ فَهُوَ مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : كُلُّ مَفْصِلٍ عِنْدَ الْعَرَبِ كَعْبٌ . وَقَالَ : لِلنَّاسِ فِي الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ؛ فَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : أَنَّ فِي الْقَدَمِ كَعْبًا ، وَفِي السَّاقِ كَعْبًا ، فَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ ، قَالَ : وَغَيْرُهُ يَقُولُ : فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبٌ وَمَوْضِعُهُ ظَهْرُ الْقَدَمِ مِمَّا يَلِي السَّاقَ ، قَالَ : وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : الْكَعْبُ هُوَ الدَّائِرُ بِمَغْرِزِ السَّاقِ ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعُرُوقِ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ إِلَى الْعَرَاقِيبِ . قَالَ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : الْكَعْبَانِ هُمَا الْعُرْقُوبَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ - أَحْكَامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَإِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِمَسْحِهِمَا ، وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ ، وَذَكَرْنَا الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا فِي الْكَعْبَيْنِ هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ : أَنَّ الرَّأْسَ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ إِلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ ، يَأْخُذُهُ الْمُتَوَضِّئُ لَهُ كَمَا يَأْخُذُهُ لِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ فَضْلٍ مِنَ الْبَلَلِ فِي يَدَيْهِ عَنْ غَسْلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ : يُجْزِئُ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا ذِكْرُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْيُسْرَى فِي وُضُوئِهِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُكْمِ وَالِاخْتِيَارِ لِفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ أَيْضًا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَمَضَى هُنَاكَ أَيْضًا ذِكْرُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا لَا شَرِيكَ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ · ص 112 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي · ص 396 32 ( 1 ) كِتَابُ الطَّهَارَةِ ( 1 ) - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ 35 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : نَعَمْ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ . فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا . ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا . ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ؛ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ؛ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ؛ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . 1122 - هَكَذَا فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ - فِيمَا عَلِمْتُ - فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ . 1123 - وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ؛ إِلَّا مَالِكٌ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ . 1124 - وَهُوَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيِّ الْأَنْصَارِيِّ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 1125 - وَلِجَدِّهِ أَبِي حَسَنٍ صُحْبَةٌ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ جَدَّهُ لِأُمِّهِ . 1126 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ وَاخْتِلَافَ رُوَاتِهِ فِي سِيَاقَتِهِ وَأَلْفَاظِهِ . 1127 - وَلَيْسَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ . 1128 - وَذَكَرَهُ سَحْنُونُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَلْفَاظٍ لَا تُعْرَفُ لِمَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا مَتْنِهِ . 1192 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1130 - فَأَمَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي فَأَوَّلُ ذَلِكَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ . 1131 - فَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُدْخِلَ أَحَدٌ يَدَيْهِ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُمَا إِذَا كَانَ مُحْدِثًا ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ طَاهِرَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ وَضُوءَهُ . 1132 - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَسْتَيْقِظُ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 1133 - وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَأَصْبَغَ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ . 1134 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَيْسَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ غَسْلُ يَدِهِ إِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً ، وَكَانَتْ بِحَضْرَةِ الْوُضُوءِ . 1135 - وَسَنُورِدُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ وُضُوءِ النَّائِمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1136 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، فَالثَّلَاثُ فِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ وَأَتَمُّهُ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ اعْتِدَاءٌ مَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ لِتَمَامِ نُقْصَانٍ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ . 1137 - وَالْمَضْمَضَةُ مَعْرُوفَةٌ ، وَلَيْسَ إِدْخَالُ الْإِصْبَعِ وَدَلْكُ الْأَسْنَانِ بِهَا مِنَ الْمَضْمَضَةِ ، فَمَنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ . 1138 - وَحَسْبُ الْمُتَمَضْمِضِ أَخْذُ الْمَاءِ مِنَ الْيَدِ بِفِيهِ وَتَحْرِيكُهُ مُتَمَضْمِضًا بِهِ ، وَطَرْحُهُ عَنْهُ . فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَقَدْ بَلَغَ غَايَةَ الْكَمَالِ . 1139 - وَأَمَّا الِاسْتِنْثَارُ فَهُوَ : دَفْعُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ : أَخْذُهُ بِرِيحِ الْأَنْفِ . 1140 - وَهُمَا كَلِمَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ فِي الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَغَيْرِهَا ، مُتَدَاخِلَتَانِ فِي الْمَعْنَى ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُعَبِّرُونَ بِالْوَاحِدَةِ عَنِ الْأُخْرَى . 1141 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ بِهِمَا فِي التَّمْهِيدِ . 1142 - فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِهِمَا فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمَا يَقُولُونَ : الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْثَارُ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ ، لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ . 1143 - وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 1144 - وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . 1145 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَقَتَادَةَ . 1146 - فَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَأْتِ بِهِمَا وَلَا عَمِلَهُمَا فِي وُضُوئِهِ وَصَلَّى فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ . 1147 - وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي كِتَابِهِ وَلَا أَوْجَبَهُمَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى إِيجَابِهِمَا . وَالْفَرَائِضُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ . 1148 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : هُمَا فَرْضٌ فِي الْجَنَابَةِ ، وَسُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ فَإِنْ تَرَكَهُمَا فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَصَلَّى أَعَادَ كَمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً وَمَنْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 1149 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ ، وَفِي الْأَنْفِ مَا فِيهِ مِنَ الشَّعْرِ وَأَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَى غَسْلِ الْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ إِلَّا بِالْمَضْمَضَةِ . 1150 - وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالْفَرْجُ يَزْنِي وَنَحْوَ ذَلِكَ إِلَى أَشْيَاءَ نَزَعُوا بِهَا تَرَكْتُ ذِكْرَهَا . 1151 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : هُمَا فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . 1152 - وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . 1153 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُمَا فَرْضٌ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَرْضٌ . 1154 - وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَنْ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ . 1155 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ . قَالَا : مَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ وَصَلَّى أَعَادَ ، وَمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ لَمْ يُعِدْ . 1156 - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ . وَعِنْدَ أَصْحَابِ دَاوُدَ أَيْضًا مِثْلُهُ . 1157 - وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا 1158 - كَمَا قَالَ فِي الْوُضُوءِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 1159 - فَمَا وَجَبَ فِي الْوَاحِدِ مِنَ الْغُسْلِ وَجَبَ فِي الْآخَرِ . 1160 - وَلَمْ يَحْفَظْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي وُضُوئِهِ وَلَا غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَهُ . 1161 - وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مَعَ غَسْلِ سَائِرِ الْوَجْهِ . 1162 - وَحُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا ، وَأَفْعَالُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ . 1163 - وَفَعَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الِاسْتِنْثَارَ وَأَمَرَ بِهِ ، وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا أَنْ يَسْتَبِينَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ . 1164 - وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اعْتِلَالَاتٌ وَتَرْجِيحَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا . 1165 - وَأَمَّا غَسْلُ الْوَجْهِ ثَلَاثَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا فَهُوَ الْكَمَالُ ، وَالْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أَوْعَبَتْ تُجْزِئُ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثَةً . 1166 - وَهَذَا أَكْثَرُ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَلَقَّتِ الْجَمَاعَةُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ ، إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَسْخٌ لِغَيْرِهِ ، فَقِفْ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ فِيهِ . 1167 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَلَمْ يُوَقِّتْ . 1168 - وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : لَا أُحِبُّ الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَإِنْ عَمَّتَا . 1169 - وَالْوَجْهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ ، وَهُوَ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى الْعَارِضِ وَالذَّقَنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَمَا أَقْبَلَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ . 1170 - وَاخْتُلِفَ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَارِضِ ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَيْسَ مَا خَلْفَ الصُّدْغِ الَّذِي مِنْ وَرَاءِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ إِلَى الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ . 1171 - وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ مَذْهَبَهُ مَحْمُولٌ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ إِلَى الْعَارِضِ فَرْضٌ ، وَغَسْلُ مَا بَيْنَ الْعَارِضِ إِلَى الْأُذُنِ سُنَّةٌ . 1172 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَغْسِلُ الْمُتَوَضِّئُ وَجْهَهُ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ لِحْيَتِهِ إِلَى أُصُولِ أُذُنَيْهِ وَمُنْتَهَى اللِّحْيَةِ إِلَى مَا أَقْبَلَ مِنْ وَجْهِهِ وَذَقْنِهِ . 1173 - قَالَ : فَإِنْ كَانَ أَمَرْدَ غَسْلَ بَشَرَةَ وَجْهِهِ كُلِّهَا ، فَإِنْ نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ وَعَارِضَاهُ أَفَاضَ عَلَى لِحْيَتِهِ وَعَارِضَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى بَشَرَةِ وَجْهِهِ الَّتِي تَحْتَ الشَّعْرِ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ شَعْرُهُ كَثِيرًا . 1174 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَمْسَحَ مَا تَحْتَ عَارِضَيْهِ فَقَضَى إِجْمَاعُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُتَيَمِّمَ بِمَسْحِ وَجْهِهِ ، كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِهِ . 1175 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : غَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَإِلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعَارِضِ وَالْأُذُنِ . 1176 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ - مِنَ الْوَجْهِ ، وَغَسْلُهُ وَاجِبٌ . 1177 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا قَدِيمًا فِيمَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ هَلْ هُوَ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ مِنَ الْوَجْهِ مَا يُوَضِّحُ أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَارِضِ مِنَ الْوَجْهِ . 1178 - وَسَأَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُذُنَيْنِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1179 - قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : ابْلُغْ بِالْوُضُوءِ مَقَاصَّ الشَّعْرِ . 1180 - وَاخْتُلِفَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالذَّقَنِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ . 1181 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : وَلَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ . 1182 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجُنُبَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ . 1183 - قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . 1184 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعِدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ ، وَهَذَا عَلَى مَنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ شَعْرِهِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى بَشَرَتِهِ . 1185 - وَأَظُنُّ مَالِكًا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الشَّعْرَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ . 1186 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً ، وَلَا يُخَلِّلُهَا . 1187 - قَالَ : وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَلْيُحَرِّكْهَا وَإِنْ صَغُرَتْ ، وَتَخْلِيلُهَا أَحَبُّ إِلَيْنَا . 1188 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يُحَرِّكُ الْمُتَوَضِّئُ ظَاهِرَ لِحْيَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهَا . 1189 - قَالَ : وَهِيَ مِثْلُ أَصَابِعِ الرِّجْلِ ، يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُخَلَّلُ . 1190 - وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ . 1191 - وَرَوَى أَبُو فَرْوَةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ فَيَقُولُ : يَكْفِيهَا مَا مَسَّهَا مِنَ الْمَاءِ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ . 1192 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَيْسَ تَحْرِيكُ اللِّحْيَةِ وَتَخْلِيلُ الْعَارِضَيْنِ بِوَاجِبٍ . 1193 - وَقَالَ ابْنُ خُوَازَ بَنْدَاذَ : اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ ، إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . 1194 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : مَا بَالُ الرَّجُلِ يَغْسِلُ لِحْيَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ ، فَإِذَا نَبَتَتْ لَمْ يَغْسِلْهَا ؟ وَمَا بَالُ الْأَمْرَدِ يَغْسِلُ ذَقَنَهُ ، وَلَا يَغْسِلُهُ ذُو اللِّحْيَةِ ؟ . 1195 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ فِي وُضُوئِهِ مِنْ وُجُوهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . 1196 - وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ . وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ . 1197 - وَإِيجَابُ غَسْلِ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ دُونَ دَلِيلٍ قَاطِعٍ فِيهِ لَا يَصِحُّ ، وَمَنِ احْتَاطَ فَخَلَّلَ لَمْ يُعَبْ . 1198 - قَالَ الطَّحَاوِيُّ : التَّيَمُّمُ وَاجِبٌ فِيهِ مَسْحُ اللِّحْيَةِ ، ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ هَذَا عِنْدَهُمْ جَمِيعِهِمْ ، فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ . 1199 - وَأَمَّا مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ فَذُكِرَ عَنْ سَحْنُونَ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ : هَلْ سَمِعْتَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ . . . . . الْمَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَتَخْلِيلُهَا فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ ، وَعَابَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ . 1200 - قِيلَ لِسَحْنُونَ : أَرَأَيْتَ مَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَلَمْ يُمِرَّ الْمَاءَ عَلَى لِحْيَتِهِ ؟ قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . 1201 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا انْسَدَلَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ ، فَقَالَ مَرَّةً : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُمِرَّ الْمَاءَ عَلَى مَا سَقَطَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الْوَجْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِيهَا قَوْلَانِ : يُجْزِئُهُ فِي أَحَدِهِمَا ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ مَا سَقَطَ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الْوَجْهِ - مِنَ الْوَجْهِ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مَا سَقَطَ : مَا انْسَدَلَ . 1202 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ جَعَلَ غَسْلَ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَاجِبًا جَعَلَهَا وَجْهًا ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ أَمْرًا مُطْلَقًا ، لَمْ يَخُصَّ صَاحِبَ لِحْيَةٍ مِنْ أَمْرَدَ ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَجْهٍ فَوَاجِبٌ غَسْلُهُ ، لِأَنَّ الْوَجْهَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُسَمِّيَ اللِّحْيَةَ وَجْهًا فَوَجَبَ غَسْلُهَا لِعُمُومِ الظَّاهِرِ . 1203 - وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمَأْمُورَ بِغَسْلِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُ اللِّحْيَةِ لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ فَوْقَ الْبَشَرَةِ حَائِلَةً دُونَهَا ، وَصَارَتِ الْبَشَرَةُ بَاطِنًا ، وَصَارَ الظَّاهِرُ هُوَ شَعْرُ اللِّحْيَةِ ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا بَدَلًا مِنَ الْبَشَرَةِ . وَمَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ لِحْيَةً فَمَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ ، فَيَكُونُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ بَدَلًا مِنْهُ ، كَمَا أَنَّ جِلْدَ الرَّأْسِ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ ، فَلَمَّا نَبَتَ الشَّعْرُ نَابَ مَسْحُ الشَّعْرِ عَنْ مَسْحِ جِلْدَةِ الرَّأْسِ ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ . وَمَا انْسَدَلَ مِنَ الرَّأْسِ وَسَقَطَ فَلَيْسَ تَحْتَهُ بَشَرَةٌ يَلْزَمُ مَسْحُهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّأْسَ الْمَأْمُورَ بِمَسْحِهِ مَا عَلَا وَنَبَتَ فِيهِ الشَّعْرُ ، وَمَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِهِ وَانْسَدَلَ فَلَيْسَ بِرَأْسٍ ، وَكَذَلِكَ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَجْهٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1204 - وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1205 - وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . 1206 - وَجَاءَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَهُوَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ وَأَتَمُّهُ . 1207 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إِذَا كَانَتْ سَابِغَةً . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 1208 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَغْسِلَ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ كَانَ يَتَوَضَّأُ ، وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ ، كَمَا فِي طَهُورِهِ وَغَسْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ . 1209 - وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ غَسَلَ يُسْرَى يَدَيْهِ قَبْلَ الْيُمْنَى أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 1210 - وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا نُبَالِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأْنَا . 1211 - قَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى : سَأَلْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إِجَالَةِ الْخَاتَمِ عِنْدَ الْوُضُوءِ . قَالَ : إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَأَجِلْهُ ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَأَقِرَّهُ . 1212 - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ . 1213 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ . 1214 - وَأَمَّا إِدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغُسْلِ فَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ . 1215 - إِلَّا زُفَرَ ، فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ : فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمَرَافِقِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ . وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُدَ . 1216 - فَمَنْ أَوْجَبَ غَسْلَهَا حَمَلَ قَوْلَهُ : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ عَلَى أَنَّ إِلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، أَوْ بِمَعْنَى مَعَ ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ : وَأَيْدِيَكُمْ وَالْمَرَافِقَ أَوْ مَعَ الْمَرَافِقِ . 1217 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ أَيْ مَعَ اللَّهِ . 1218 - وَقَوْلُهُ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ . 1219 - وَأَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ تَكُونَ ( إِلَى ) بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَبِمَعْنَى ( مَعَ ) . 1220 - وَقَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ الْكَتِفِ . 1221 - وَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ ( إِلَى ) عَنْ مَعْنَاهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْغَايَةِ أَبَدًا . 1222 - وَقَالَ : جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ ( إِلَى ) هَاهُنَا بِمَعْنَى الْغَايَةِ ، وَتُدْخِلُ الْمَرَافِقَ فِي الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّ الثَّانِي إِذَا كَانَ مِنَ الْأَوَّلِ كَانَ مَا بَعْدَ ( إِلَى ) دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ ، فَدَخَلَتِ الْمَرَافِقُ فِي الْغُسْلِ لِأَنَّهَا مِنَ الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ فِي الصِّيَامِ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مِنَ النَّهَارِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : مَا كَانَ مِنَ الْجِنْسِ دَخَلَ الْحَدُّ مِنْهُ فِي الْمَحْدُودِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْجِنْسِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَحْدُودِ مِنْهُ حَدُّهُ . 1223 - وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَهَا حَمَلَ ( إِلَى ) عَلَى الْغَايَةِ ، كَقَوْلِهِ : وَ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنَ الْحُجَّةِ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ جَهْلُ التَّأْوِيلِ وَلَا تَحْرِيفُهُ ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِسُقُوطِ إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ قَلِيلٌ ، وَقَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَالشُّذُوذِ . وَمَنْ غَسَلَ الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجِبٌ . 1224 - وَأَمَّا الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ كُلِّهِ فَقَدْ أَحْسَنَ وَعَمِلَ أَكْمَلَ مَا يَلْزَمُهُ . 1225 - عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يُقْصَدُ إِلَى إِسْقَاطِهِ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ لَا يَضُرُّ الْمُتَوَضِّئَ . 1226 - وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحَةً وَاحِدَةً مُوعِبَةً كَامِلَةً لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ، إِلَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا . 1227 - وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ : ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا . 1228 - وَأَكْثَرُهَا عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ . 1229 - وَرُوِيَ مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَغَيْرِهِمْ . 1230 - وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ : يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ . وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ : يَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِيَدَيْهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ . 1231 - قَالَ : وَهُوَ أَبْلَغُ مَا سَمِعْتُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ . 1232 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ وَيُدِيرُ وَيُعِيدُ إِلَى حَيْثُ بَدَأَ . 1233 - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُمْتَثَلَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهِ . 1234 - وَرَوَى مُعَاوِيَةُ ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ . فَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ لِقَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا ، وَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا ظُنُونٌ . 1235 - وَفِي قَوْلِهِ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ لِمَنِ امْتَثَلَ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ . 1236 - وَهُوَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَأَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ ، وَالْوَاوُ لَا تُوجِبُ رُتْبَةً وَلَا تَعْقِيبًا . 1237 - وَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ التَّأْوِيلَ كَانَ قَوْلُهُ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ يُوَضِّحُ مَا أَشْكَلَ مِنْ ذَلِكَ . 1238 - وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ . 1239 - وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ : يَبْدَأُ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَنَّهَا وَصَفَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا . 1240 - وَقَدْ ذَكَرْنَا عِلَّةَ إِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 1241 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ عَمَّ رَأَسَهُ بِالْمَسْحِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ ، وَأَتَى بِأَكْمَلِ شَيْءٍ فِيهِ ، وَسَوَاءٌ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ بِوَسَطِهِ أَوْ بِمُؤَخَّرِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْعَلْ مَا اسْتُحِبَّ مِنْهُ . 1242 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ : 1243 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْفَرْضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ غَسْلَ شَيْءٍ ، مِنْ وَجْهِهِ . هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . 1244 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُلَيَّةَ . قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا أَمَرَ بِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَأَمَرَ بِغَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ . 1245 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَسْلُ بَعْضِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا مَسْحُ بَعْضِهِ فِي التَّيَمُّمِ . 1246 - وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ يُمْسَحُ كُلُّهُ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ : إِنَّ مَسْحَ بَعْضِهِ سُنَّةٌ ، وَبَعْضِهِ فَرِيضَةٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَسْحَهُ كُلَّهُ فَرِيضَةٌ . 1247 - وَاحْتَجَّ إِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى وُجُوبِ الْعُمُومِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ بِبَعْضِهِ ، فَكَذَلِكَ مَسْحُ الرَّأْسِ . 1248 - وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَيْ : امْسَحُوا رُءوسَكُمْ . وَمَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَلَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ . 1249 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ أَشْهَبُ : يَجُوزُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ . 1250 - وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ، قَالَ : اخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ ، لَا بُدَّ أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ الرَّأْسِ أَوْ أَكْثَرَهُ وَإِذَا مَسَحَ أَكْثَرَهُ أَجْزَأَهُ . 1251 - قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا مَسَحَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا أَجْزَأَهُ . 1252 - قَالَ : وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي وَأَوْلَاهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الثُّلُثَ فَمَا فَوْقَهُ قَدْ جَعَلَهُ مَالِكٌ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ وَمَذْهَبِهِ . 1253 - وَزَعَمَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : أَنَّ الْمَمْسُوحَ مِنَ الرَّأْسِ إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ الْأَقَلَّ جَازَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الثُّلُثَ عِنْدَهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ . 1254 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَالْأَبْهَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كِلَاهُمَا خَارِجٌ عَنْ أُصُولِ مَالِكٍ فِي الثُّلُثِ ، فَمَرَّةً يَجْعَلُهُ حَدًّا فِي الْيَسِيرِ ، وَمَرَّةً فِي الْكَثِيرِ . 1255 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : الْفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ . وَقَالَ : احْتَمَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ وَمَسْحَ جَمِيعِهِ ، فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ يُجْزِئَ . 1256 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ : فَإِنْ قِيلَ : مَسْحُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ غَسْلِهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ مَوْضِعِ الْغُسْلِ مِنْهُ . وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنِهِمَا . 1257 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السُّنَّةُ الَّتِي ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ يُجْزِئُ هِيَ مَسْحُهُ بِنَاصِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَقَطْ . 1258 - جَاءَ ذَلِكَ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا مَا أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْرَيْنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ : مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاصِيَتِهِ . 1259 - وَقَدْ رَوَى بَكْرُ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَهُ . 1260 - وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلُهُ . 1261 - ذَكَرَهُمَا أَبُو دَاوُدَ . وَقَدْ ذَكَرْتُهُمَا بِإِسْنَادِهِمَا فِي التَّمْهِيدِ . 1262 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ مَسَحَ الْمُتَوَضِّئُ بَعْضَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ ، وَيَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ . 1263 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ وَاجِبٌ فَرْضًا كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَسْحُ لَيْسَ شَأْنُهُ الِاسْتِيعَابَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَالْبَعْضُ يُجْزِئُ . 1263 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ ، وَيُمْسَحُ الْمُقَدَّمُ . وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَحْمَدَ . 1264 - وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ . 1265 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَمْسَحَانِ مُقَدَّمَ رُءُوسِهِمَا . 1267 - وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِجَازَةُ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ . 1268 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فمَا زَادَ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ . 1269 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ . 1270 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ لا يُجْزِئُ مَسْحُهُ إِلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ يَأْخُذُهُ لَهُ الْمُتَوَضِّئُ ، كَمَا يَأْخُذُهُ لِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ . 1271 - وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا فَضَلَ مِنَ الْبَلَلِ فِي يَدَيْهِ مِنْ غَسْلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ . 1272 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ : يُجْزِئُهُ . 1273 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا نَفَدَ الْمَاءُ عَنْهُ مَسَحَ رَأَسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ . 1274 - وَالْمَرْأَةُ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ فِي مَسْحِ رَأْسِهَا كَالرَّجُلِ سَوَاءٌ ، كُلٌّ مِمَّا أَصْلُهُ . 1275 - وَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَمْ يَجُرْ . 1276 - وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إِذْ وَصَفَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ، وَفِي بَعْضِهَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا ، وَفِي بَعْضِهَا : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ . 1277 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ غَسْلَةً وَاحِدَةً فِي الرِّجْلَيْنِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تُجْزِئُ إِذَا كَانَتْ سَابِغَةً . وَإِذَا أَجْزَأَتِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ فَأَحْرَى أَنْ تُجْزِئَ فِي الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَمْسُوحَتَانِ ، وَهُمَا فِي التَّيَمُّمِ مَعَ الرَّأْسِ يَسْقُطَانِ . 1278 - وَالْقَوْلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ كَهُوَ فِي الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ . 1279 - وَسَنُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1280 - وَيَأْتِي ذِكْرُ الْأُذُنَيْنِ وَحُكْمِهِمَا فِي بَابِهِمَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ · ص 115 بسم الله الرحمن الرحيم 2 - كِتَاب الطَّهَارَةِ 1 - بَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ 32 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : نَعَمْ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 2 - كِتَابُ الطَّهَارَةِ 1 - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ، وَحُكِيَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْأَمْرَانِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ الْحُسْنِ وَالنَّظَافَةِ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَنَظَّفُ بِهِ فَيَصِيرُ وَضِيئًا ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : التَّقْدِيمُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ بِلَا تَقْدِيرِ حَذْفٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى الْإِيجَابِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى النَّدْبِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ عَلَى الْإِيجَابِ ثُمَّ صَارَ مَنْدُوبًا ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ كُلَّ صَلَاةٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ قَالَ : عَمْدًا فَعَلْتُهُ أَيْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَتَمَسَّكَ بِالْآيَةِ مَنْ قَالَ : أَوَّلُ مَا فُرِضَ الْوُضُوءُ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَمَّا قَبْلَ فَنَقَلَ ذلك ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ ، قَالَ : وَهَذَا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : أَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَتْ : هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ فَقَالَ : ائْتُونِي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ الْحَدِيثَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ الْمَالِكِيُّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا ، وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي مُغَازِيهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدًا وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَاسْتَدَلَّ الْحَلِيمِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ سَارَةَ مَعَ الْمَلِكِ الَّذِي أَعْطَاهَا هَاجَرَ أَنَّ سَارَةَ لَمَّا هَمَّ الْمَلِكُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي . وَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ كَلَّمَ الْغُلَامَ . فَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي اخْتُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ هُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لَا أَصْلُ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرُكُمْ تَرِدُونَ عَلَي الْحَوْضِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ ، وَسِيمَا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ عَلَامَةٌ ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحَلِيمِيِّ بِحَدِيثِ : هَذَا وُضُوئِيِّ وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِهِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ إِلَّا هَذِهِ الْأُمَّةَ . 32 32 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ) بِكَسْرِ الزَّايِ مِنْ بَنِي مَازِنٍ الْبُخَارِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ابْنِ أَبِي حَسَنٍ وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَلِأَبِي حَسَنٍ صُحْبَةٌ وَكَذَا لِعُمَارَةَ فِيمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : فِيهِ نَظَرٌ ( أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ ) بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ صَحَابِيٍّ شَهِيرٍ رَوَى صِفَةَ الْوُضُوءِ وَعِدَّةَ أَحَادِيثَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا ، فِيمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ مَنْدَهْ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : شَهِدَ أُحُدًا وَغَيْرَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْحَرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، وَسَمَّى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ جَدَّهُ عَبْدَ رَبِّهِ فَغَلَّطَهُ الْحُفَّاظُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ ، لِأَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ مُتَغَايِرَانِ أَحَدُهُمَا جَدُّهُ عَاصِمٌ وَهُوَ رَاوِيِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْآخَرُ جَدُّهُ عَبْدُ رَبِّهِ رَاوِيِ حَدِيثِ الْأَذَانِ ، وَقَدْ قِيلَ : لَا يُعْرَفُ لَهُ سِوَاهُ ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى غَلَطِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، الْبُخَارِيُّ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي تَعْيِينِ السَّائِلِ ، فَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى كَمَا تَرَى أَنَّهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ وَوَافَقَهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى الْقَزَّازِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ أَبَا حَسَنٍ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ، وَكَذَا سَاقَهُ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَرَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِإِبْهَامِ السَّائِلِ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ قَالَ : شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ، وَجَمَعَ الْحُفَّاظُ بِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو حَسَنٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُهُ عَمْرٌو وَابْنُ ابْنِهِ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ فَسَأَلُوهُ عَنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَتَوَلَّى السُّؤَالَ مِنْهُمْ لَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ فَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ إِلَيْهِ كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ عَمِّي يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ يُكْثِرُ الْوُضُوءَ ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَخْبِرْنِي ، فَذَكَرَهُ ، وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ إِلَى أَبِي حَسَنٍ فَعَلَى الْمَجَازِ لِكَوْنِهِ الْأَكْبَرَ وَكَانَ حَاضِرًا ، وَحَيْثُ نُسِبَ السُّؤَالُ لِيَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ فَعَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ نَاقِلَ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَضَرَ السُّؤَالَ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا عَلَى سُؤَالِهِ لَكِنَّ مُتَوَلِّيَهُ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أَبِي حَسَنٍ ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : كُنْتُ كَثِيرَ الْوُضُوءِ فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ( وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَانْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ جَدُّ عَمْرٍو ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا وَهْمٌ قَبِيحٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ سُئِلَ عَنْهُ وَكَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فَقَالَ هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ وَوَقَفَ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَكَيْفَ جَازَ هَذَا عَلَى ابْنِ وَضَّاحٍ ؟ وَالصَّوَابُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي كَانَ يُقْرِيهَا وَيَرْوِيهَا عَنْ سَحْنُونٍ وَهِيَ بَيْنُ يَدَيْهِ يَنْظُرُ فِيهَا كُلَّ حِينٍ ، قَالَ : وَصَوَابُ الْحَدِيثِ مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَسَنٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلرَّجُلِ الْقَائِلِ الثَّابِتِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنْ كَانَ أَبُو حَسَنٍ فَهُوَ جَدُّ عَمْرٍو حَقِيقَةً ، أَوِ ابْنُهُ عَمْرٌو فَمَجَازٌ لِأَنَّهُ عَمُّ أَبِيهِ يَحْيَى فَسَمَّاهُ جَدًّا لِأَنَّهُ فِي مَنْزِلَتِهِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ضَمِيرَ وَهُوَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَدًّا لِعَمْرِو بْنِ يَحْيَى لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا . وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَمَالِ وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى ابْنِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ غَلَطٌ تَوَهَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُمَّ عَمْرٍو حُمَيْدَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بِنْتُ أَبِي حَبَّةَ . ( وَكَانَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ( مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَمُّ عَمْرٍو ، فَقَالَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَأَخْطَأَ فِيهِ ، إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مُتَغَايِرَانِ وَهِمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيهِمَا فَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا ، وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَإِذَا كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَعَ جَلَالَتِهِ غَلِطَ فِي ذَلِكَ فَإِسْمَاعِيلُ أَيْنَ يَقَعُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ عِلْمًا وَأَقَلُّ عُذْرًا . ( هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي ) أَيْ أَرِنِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ مُلَاطَفَةُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْإِرَاءَةَ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّعْلِيمِ ، وَسَبَبُ الِاسْتِفْهَامِ مَا قَامَ عِنْدَهُ مِنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ . ( كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ ) لِلصَّلَاةِ . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : نَعَمْ ) أَسْتَطِيعُ ( فَدَعَا بِوَضُوءٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ : فَدَعَا بِمَاءٍ ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ ، بِفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ، قَدَحٌ أَوْ إِنَاءٌ يُشْرَبُ مِنْهُ أَوِ الطَّسْتُ أَوْ شِبْهُ الطَّسْتِ أَوْ مِثْلُ الْقِدْرِ يَكُونُ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ ، صِنْفٌ مِنْ جَيِّدِ النُّحَاسِ ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الشَّبَهَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الذَّهَبَ ، وَالتَّوْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ إِذْ سُئِلَ عَنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي حِكَايَةِ صُورَةِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِهَا . ( فَأَفْرَغَ ) أَيْ صَبَّ يُقَالُ : أَفْرَغَ وَفَرَّغَ لُغَتَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ ( عَلَى يَدِهِ ) زَادَ أَبُو مُصْعَبٍ ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ الْيَمَنِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ بِالتَّثْنِيَةِ ، فَالتَّقْدِيرُ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ أَوِ الْمُرَادُ بِالْيَدِ جِنْسُهَا فَيَتَّفِقُ الرِّوَايَتَانِ مَعْنًى . ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ لِجُمْهُورِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ يَدَهُ بِالْإِفْرَادِ عَلَى الْجِنْسِ فَيَتَّفِقُ الرِّوَايَتَانِ ، وَقَدْ رَوَاهُ وُهَيْبٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ : يَدَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ ( مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) ، قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا لِمَالِكٍ وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ ، وَكَذَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثَلَاثًا وَهَؤُلَاءِ حُفَّاظٌ وَقَدِ اجْتَمَعُوا فَزِيَادَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَافِظِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ ، عَنْ وُهَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى إِمْلَاءً فَتَأَكَّدَ تَرْجِيحُ رِوَايَتِهِ ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ لِاتِّحَادِ الْمُخَرِّجِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ ، وَفِيهِ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ وَلَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ نَوْمٍ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ لَا غَيْرَ . ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَلِأَبِي مُصْعَبٍ بَدَلُهُ وَاسْتَنْشَقَ ، فَأَطْلَقَ الِاسْتِنْثَارَ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ بِلَا عَكْسٍ ، وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ : فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ فَجَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ غَيْرُ الِاسْتِنْثَارِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَهُوَ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ وَهُوَ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى دَاخِلِ الْأَنْفِ وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَاهُ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ( ثَلَاثًا ) زَادَ وُهَيْبٌ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غُرْفَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ فَيَطْرُقُهَا احْتِمَالُ التَّوْزِيعِ بِلَا تَسْوِيَةٍ ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . ( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ ، وَيَلْزَمُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ - يَعْنِي كَمَالِكٍ وَتَبِعَهُ الْبُخَارِيُّ - أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لِلْإِتْيَانِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ فِي الْجَمِيعِ ، لِأَنَّ كِلَا الْحُكْمَيْنِ مُجْمَلٌ فِي الْآيَةِ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِالْفِعْلِ ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ : مَسَحَ رَأْسَهُ ، مَعَ كَوْنِهَا فِي الْآيَةِ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِهِ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَكَّدَهُ فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ كُلِّهِ ، بِخِلَافِ لَفْظِ ثُمَّ لَا يُفِيدُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ بَلْ يَتَحَقَّقُ بِالسُّنَّةِ ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ التَّثْلِيثَ وَنَحْوَهُ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فِي الْآيَةِ أَيْضًا . ( ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) بِالتَّكْرَارِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَرَّتَيْنِ لِكِلْتَا الْيَدَيْنِ . قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : الْمَنْقُولُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ وَالْمَصَادِرَ وَالْأَجْنَاسَ إِذَا كُرِّرَتْ كَانَ الْمُرَادُ حُصُولَهَا مُكَرَّرَةً لَا التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ لَا يَحْسُنُ حَيْثُ يَكُونُ لِلْكَلَامِ مَحْمَلٌ غَيْرُهُ ، مِثَالُ ذَلِكَ : جَاءَ الْقَوْمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ، أَوْ رَجُلًا رَجُلًا ، وَضَرَبْتُهُ ضَرْبًا ضَرْبًا أَيِ اثْنَيْنِ بَعْدَ اثْنَيْنِ ، وَرَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ ، وَضَرْبًا بَعْدَ ضَرْبٍ ، قَالَ : وَهَذَا مِنْهُ أَيْ غَسْلِهِمَا مَرَّتَيْنِ بَعْدَ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ . وَفِيهِ وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا . فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُضُوءٌ آخَرُ لِاخْتِلَافِ مُخَرِّجِ الْحَدِيثَيْنِ . ( إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) تَثْنِيَةُ مِرْفَقٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَهُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي آخِرِ الذِّرَاعِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُرْتَفَقُ بِهِ فِي الِاتِّكَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى دُخُولِهِمَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 2 ) ، وَرَدَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَرِينَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ ، وَهِيَ أَنَّ مَا بَعْدَ إِلَى مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا . وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : الْيَدُ يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ إِلَى الْإِبِطِ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ تَيَمَّمَ إِلَى الْإِبِطِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَى الْمَرَافِقِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) مَغْسُولًا مَعَ الذِّرَاعَيْنِ بِحَقِّ الِاسْمِ . انْتَهَى . فَإِلَى هُنَا حَدٌّ لِلْمَتْرُوكِ لَا لِلْمَغْسُولِ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : لَفْظُ إِلَى يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا ، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 187 ) دَلِيلُ عَدَمِ دُخُولِهِ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ . وَقَوْلُ الْقَائِلِ : حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ كَوْنُ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَى الْمَرَافِقِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، قَالَ : فَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَوَقَفَ زُفَرُ مَعَ الْمُتَيَقَّنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِدُخُولِهِمَا بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ : فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ، وَفِي الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمِرْفَقَ . وَفِي الطَّحَاوِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : إِلَى فِي الْآيَةِ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إِيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، فَعَلَى هَذَا فَزُفَرُ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ ، وَكَذَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بَعْدَهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ صَرِيحًا وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَبُ كَلَامًا مُحْتَمَلًا . ( ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ) زَادَ ابْنُ الطَّبَّاعِ كُلَّهُ ، وَلِأَبِي مُصْعَبٍ بِرَأْسِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَجُوزُ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا لِذَلِكَ ، يُقَالُ : مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَمَسَحْتُ بِرَأْسِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا دَخَلَتِ الْبَاءُ لِتُفِيدَ مَعْنًى بَدِيعًا وَهُوَ أَنَّ الْغَسْلَ لُغَةً يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ وَالْمَسْحَ لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ ، فَلَوْ قِيلَ : ( رُءُوسَكُمْ ) لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ إِمْرَارًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى الرَّأْسِ فَدَخَلَتِ الْبَاءُ لِتُفِيدَ مَمْسُوحًا بِهِ وَهُوَ الْمَاءُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ وَذَلِكَ فَصِيحٌ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، إِمَّا عَلَى الْقَلْبِ كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : كَنَوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ وَمَسَحْتُ بِاللِّثتَيْنِ عَصْفَ الْإِثْمِدِ وَاللِّثَةُ هِيَ الْمَمْسُوحَةُ بِعَصْفِ الْإِثْمِدِ ، وَإِمَّا عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّسَاوِي فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ : مِثْلُ الْقَنَافِذِ هَذَا جَوْنٌ قَدْ بَلَغَتْ نَجْرَانَ أَوْ بَلَغَتْ سَوْءَاتُهُمْ هَجَرْ انْتَهَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ فِي وُضُوئِهِ أَيُجْزِيهِ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وُضُوئِهِ مِنْ نَاصِيَتِهِ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ ، فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْآيَةِ مُحْتَمِلًا مَسْحَ الْكُلِّ فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوِ الْبَعْضِ فَتَبْعِيضِيَّةٌ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ حَتَّى مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُ كُلِّ الرَّأْسِ وَاجِبًا مَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَاحْتِجَاجُ الْمُخَالِفِ بِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنِ الِاكْتِفَاءِ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ ذَلِكَ لَا يَنْهَضُ إِذِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْهُ فَهُوَ رَأْيٌ لَهُ فَلَا يُعَارِضُ الْمَرْفُوعَ ( بِيَدَيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ ( فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ : مَعْنَاهُ أَقْبَلَ إِلَى جِهَةِ قَفَاهُ وَرَجَعَ كَمَا فَسَّرَ بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ وَالْوَاوُ لَا تُعْطِي رُتْبَةً ، قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ فِي الْبُخَارِيِّ : فَأَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ . وَفِي مُسْلِمٍ : مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ وَمَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ . ( بَدَأَ ) أَيِ ابْتَدَأَ ( بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ) بِفَتْحِ الدَّالِّ مُشَدَّدَةً وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَالتَّخْفِيفُ وَكَذَا مُؤَخَّرٌ . ( ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ) بِالْقَصْرِ وَحُكِيَ مَدُّهُ وَهُوَ قَلِيلٌ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ ، وَفِي الْمُحْكَمِ وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . ( ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ) لِيَسْتَوْعِبَ جِهَتِي الشَّعْرِ بِالْمَسْحِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ أَنَّ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ ، وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ : بَدَأَ . . . . إِلَخْ ، عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ عَلَى بَدَأَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمَهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَلَمْ يُعَيَّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَلَا مَا أَدْبَرَ عَنْهُ ، وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبُدَاءَةَ بِالْمُقَدَّمِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ أَيْ بَدَأَ بِقُبُلِ الرَّأْسِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَذَكَرَ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، قَالَ : وَأَظُنُّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْإِقْبَالَ مَرَّةً وَالْإِدْبَارَ أُخْرَى . ( ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ) إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَالْبَحْثِ فِي إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ . وَحَكَى مُحَمَّدٌ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي تَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَقَدْ أَكْثَرُوا مِنَ الرَّدِّ عَلَى الثَّانِي ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الصَّحِيحُ فِي صِفَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ هَذَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمْ يَجِئْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِلْأُذُنَيْنِ ذِكْرٌ وَيُمْكِنُ أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الرَّأْسِ يَعُمُّهُمَا ، وَرَدَّهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْحَاكِمَ ، وَالْبَيْهَقِيَّ رَوَيَا مِنْ حَدِيثِهِ وَصَحَّحَاهُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ مَاءً لِأُذُنَيْهِ خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .