3684 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ آنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا ، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ ، فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ . 3685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا . 3686 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : سُئِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعْتُ بِالرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ . 3687 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ : أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا ؟ قَالَ : إِنَّمَا سَمِعْنَا بِالصَّلَاةِ . 3688 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قَالَ : لَا تَصُومُ ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَلَا تَمَسَّ الْمُصْحَفَ . 3689 - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ . 3690 - وَذَكَرَ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا . 3691 - وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . 3692 - وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ حُرَيْثٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَابْنِ سِيرِينَ . 3693 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْحَيْضَ أَذًى ، وَأَمَرَ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَهُوَ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْفَرْجِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ ، فَكُلُّ دَمٍ يَجِبُ غَسْلُهُ ، وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ ؛ إِذَا وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْوَطْءِ . 3694 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُصْعَبٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ - يَقُولُ : قَوْلُنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ - إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا - أَنَّا لَا نَدْرِي : هَلْ ذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا إِلَى أَيَّامٍ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَمْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ ؟ فَنَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا ، وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ وَلَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا انْتَقَلَتْ مِنْ أَيَّامٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا - عَمِلَتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ عَلَى الْأَيَّامِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا ، وَلَمْ يَضُرَّهَا مَا كَانَتِ احْتَاطَتْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ بِهَا اسْتِحَاضَةً كَانَتْ قَدِ احْتَاطَتْ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ . 3695 - قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : هَذَا قَوْلُنَا ، وَبِهِ نَقْضِي . 3696 - وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ، وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا . 3697 - وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إِجَازَةُ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ . 3698 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 3699 - وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَطَأَهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ . 3700 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا . 3701 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَرُوسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَإِنْ سَالَ الدَّمُ عَلَى عَقِبَيْهَا . 3702 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَصُومُ وَتُصَلِّي ، وَيُجَامِعُهَا زَوْجُهَا . 3703 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ : أَتُجَامِعُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الْجِمَاعِ . 3704 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ، وَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا . 3705 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَقَالَ مَالِكٌ : أَمْرُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ دَمُهَا كَثِيرًا . 3706 - وَقَالَ مَالِكٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَةً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُصِيبَهَا وَهِيَ تُصَلِّي وَتَصُومُ . 3707 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ ، وَتَعَبَّدُ فِيهِ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ عِبَادَةِ الْحَيْضِ ؛ لِذَلِكَ وَجَبَ أَلَّا يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ ، إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ ، فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ . وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى غَسْلِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ . 3708 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مُدَّةِ دَمِ النِّفَاسِ الْمُمْسِكِ لِلنِّسَاءِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ : فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : أَقْصَى ذَلِكَ شَهْرَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ النِّسَاءُ . 3709 - وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ شَهْرَانِ : سِتُّونَ يَوْمًا ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 3710 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَجْلِسُ كَامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِسَاءٌ كَأُمَّهَاتِهَا وَأَخَوَاتِهَا فَأَرْبَعُونَ يَوْمًا . 3711 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ عَطَاءٍ . 3712 - وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَائِذِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْمُزَنِيِّ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . 3713 - وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِيهِ . وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، وَدَاوُدُ . 3714 - وَقَدْ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : سَبْعُونَ يَوْمًا . 3715 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَكَادُ النِّفَاسُ يُجَاوِزُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَإِنْ جَاوَزَ خَمْسِينَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . 3716 - وَحَكَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَهْلِ دِمَشْقَ أَنَّ أَجَلَ النِّفَاسِ مِنَ الْغُلَامِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَمِنَ الْجَارِيَةِ أَرْبَعُونَ ليلة . 3717 - وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَوْلٌ شَاذٌّ أَيْضًا : أَنَّ النُّفَسَاءَ تَنْتَظِرُ سَبْعَ لَيَالٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ . 3718 - وَأَمَّا أَقَلُّ النِّفَاسِ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ تَرَ دَمًا اغْتَسَلَتْ ، وَصَلَّتْ . 3719 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 3720 - وَلَمْ يَحِدَّ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ حَدًّا . 3721 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا . 3722 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّحْدِيدُ فِي هَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ . وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَةِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ مَوْضِعٌ لِلِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِينَ ؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ . وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ جَاءَتْ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الْخِلَافُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالنَّفْسُ تَسْكُنُ إِلَيْهِمْ . فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ عَنْهُمْ دُونَ سُنَّةٍ وَلَا أَصْلٍ ؟ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأثران في غسل المستحاضة · ص 246 شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْمُسْتَحَاضَةِ · ص 245 138 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ ، فَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 141 138 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ ) عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ ( غُسْلًا وَاحِدًا ) لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ حَبِيبَةَ ، وَأَحَادِيثُ أَمْرِهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَأَمَّا فِعْلُهَا هِيَ ذَلِكَ فَمِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، خِلَافًا لِابْنِ حَزْمٍ حَيْثُ صَحَّحَهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ . ( ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاسْتِحْبَابًا عِنْدَ مَالِكٍ مُحْتَجًّا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ عِرْقٌ وَالْعِرْقُ لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا ) وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتِ ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ ، قَالَ مَالِكٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَةٌ فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُصِيبَهَا وَهِيَ تُصَلِّي . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَطَائِفَةٌ : لَا يُصِيبُهَا ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يَطَأَ إِلَّا أَنْ يَطُولَ . ( وَكَذَا النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ ) بالنصب مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ ( الدَّمُ ) أَيْ لَا يُصِيبُهَا وَأَقْصَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُهُ شَهْرَانِ سِتُّونَ يَوْمًا ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ) وَقَدْ عُلِمَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى جَوَازِ إِصَابَتِهِ لَهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ) عَنْ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ أَوَّلًا ( وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي صَحِيحِهِ بعد إخراجه مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ : هَذَا إِسْنَادٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ . وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : فِي الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ حَدِيثَانِ لَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُمَا شَيْءٌ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَالثَّالِثُ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الأَحَادِيثَ فَفِيهَا اخْتِلَافٌ وَاضْطِرَابٌ ، وَعُدَّ فِي فَتْحِ الْبَارِي الْمُسْتَحَاضَاتُ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرًا : بَنَاتُ جَحْشٍ الثَّلَاثَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَحَدِيثُهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مُعَلَّقًا وَابْنِ خُزَيْمَةَ مَوْصُولًا ، وَأُمُّ سَلَمَةَ وَحَدِيثُهَا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَهُوَ فِي أَبِي دَاوُدَ لَكِنْ عَلَى التَّرَدُّدِ هَلْ هُوَ عَنْهَا أَوْ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ مَرْثَدٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ اسْتُحِيضَتْ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حِكَايَةِ زَيْنَبَ عَنْ غَيْرِهَا وَهُوَ أَشْبَهُ فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَغِيرَةً لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّهَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَزَيْنَبُ تَرْضَعُ وَقَدْ كَمُلْنَ عَشْرًا بِحَذْفِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، انْتَهَى . وَنَظَمَ السُّيُوطِيُّ فِي قَلَائِدِ الْفَوَائِدِ تِسْعًا فَقَالَ : قَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى تِسْعُ نِسَاءٍ قَدْ رَوَاهَا الرَّاوِيَهْ بِنْتُ جَحْشٍ سَوْدَةُ فَاطِمَةُ زَيْنَبُ أَسَمَا سَهْلَةُ وَبَادِيَهْ فَعَدَّ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ وَأَسْقَطَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَوْ بِنْتَ مَرْثَدٍ لِأَنَّ النَّظْمَ فِيهِ أَسْمَاءُ وَاحِدَةٌ وَهُمَا اثْنَتَانِ فَلَوْ قَالَ : قَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةُ وَبَادِيَهْ وَهِنْدُ أَسَمَا سَوْدَةُ فَاطِمَةُ وَبِنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الرَّاوِيَهْ لَوَفَى بِالْعَشَرَةِ وَسَلِمَ مِنْ عَدِّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ وَاسْمُهَا هِنْدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .