أثران في غسل المستحاضة
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صَلَّتْ آنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا ، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ ، فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ . 3685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا . 3686 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : سُئِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعْتُ بِالرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ .
3693 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْحَيْضَ أَذًى ، وَأَمَرَ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَهُوَ دَمٌ خَارِجٌ مِنَ الْفَرْجِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ ، فَكُلُّ دَمٍ يَجِبُ غَسْلُهُ ، وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ ؛ إِذَا وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْوَطْءِ . 3694 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُصْعَبٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ - يَقُولُ : قَوْلُنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ - إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا - أَنَّا لَا نَدْرِي : هَلْ ذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ دَمِ حَيْضِهَا إِلَى أَيَّامٍ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَمْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ ؟ فَنَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا ، وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ وَلَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا احْتِيَاطًا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا انْتَقَلَتْ مِنْ أَيَّامٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا - عَمِلَتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ عَلَى الْأَيَّامِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا ، وَلَمْ يَضُرَّهَا مَا كَانَتِ احْتَاطَتْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ بِهَا اسْتِحَاضَةً كَانَتْ قَدِ احْتَاطَتْ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .
قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا . 3701 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَرُوسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَإِنْ سَالَ الدَّمُ عَلَى عَقِبَيْهَا . 3702 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَصُومُ وَتُصَلِّي ، وَيُجَامِعُهَا زَوْجُهَا .
3706 - وَقَالَ مَالِكٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَةً فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُصِيبَهَا وَهِيَ تُصَلِّي وَتَصُومُ . 3707 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ ، وَتَعَبَّدُ فِيهِ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ عِبَادَةِ الْحَيْضِ ؛ لِذَلِكَ وَجَبَ أَلَّا يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ ، إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ ، فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ .
وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى غَسْلِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ . 3708 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي مُدَّةِ دَمِ النِّفَاسِ الْمُمْسِكِ لِلنِّسَاءِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ : فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : أَقْصَى ذَلِكَ شَهْرَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ النِّسَاءُ . 3709 - وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ شَهْرَانِ : سِتُّونَ يَوْمًا ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
3713 - وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَحَابَةٌ ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِيهِ . وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، وَدَاوُدُ . 3714 - وَقَدْ حُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : سَبْعُونَ يَوْمًا .
3721 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا . 3722 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّحْدِيدُ فِي هَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ . وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَةِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ مَوْضِعٌ لِلِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِينَ ؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ .
وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ جَاءَتْ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الْخِلَافُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالنَّفْسُ تَسْكُنُ إِلَيْهِمْ . فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ عَنْهُمْ دُونَ سُنَّةٍ وَلَا أَصْلٍ ؟ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .