209 حَدِيثٌ ثَانٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ مُلَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : ) هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مَوْقُوفًا لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مُلَيْحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرْفُوعًا ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَوْقُوفًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَرَوَاهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءً ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ عَنْ مَالِكٍ ) وَأَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ؟ فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلَا خِلَافَ فِي مَعْنَاهُمَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ عَلَى أُصُولِهِمْ إِيجَابُ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ ( وَكَانَ عَمَلٌ عِنْدَهُمْ بِطَالِقه النَّهْيِ سَهْلٌ ) ، وَحُجَّتُهُمْ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ · ص 59 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ · ص 364 حَدِيثٌ حَادٍ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعٍ ، أَوْ سُجُودٍ : أَنْ يَخِرَّ رَاكِعًا ، أَوْ سَاجِدًا ، وَلَا يَقِفُ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . أَمَّا قَوْلُهُ : السُّنَّةُ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّغْلِيظُ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ . رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ رَاكِعًا ، أَوْ سَاجِدًا أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ، أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ . وَهَذَا وَعِيدٌ ، وَتَهْدِيدٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِإِعَادَةٍ ، فَهُوَ فِعْلُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ فَعَلَهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا أَكْمَلَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ . وَقَدْ أَسَاءَ وَخَالَفَ سُنَّةَ الْمَأْمُومِ ، وَعَلَى كَرَاهِيَةِ هَذَا الْفِعْلِ لِلْمَأْمُومِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبُوا فِيهِ إِعَادَةً ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِإِعَادَةٍ . وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُلَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ يَسْتَنِدُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، وَيَسْتَنِدُ قَوْلُهُ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده ، فَقُولُوا : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا ، فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ . رَوَاهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَحْدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا : اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا قَوْلَهُ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ . وَفِي قَوْلِهِ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةٍ ، وَيَكُونَ الْمَأْمُومُ فِي غَيْرِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِي ظُهْرٍ ، وَالْمَأْمُومُ فِي عَصْرٍ ، أَوْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِي نَافِلَةٍ ، وَالْمَأْمُومُ فِي فَرِيضَةٍ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ : فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْزِي أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ، وَلَا يُصَلِّيَ عَصْرًا خَلْفَ مَنْ صَلَّى ظُهْرًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَمَنْ خَالَفَهُ فِي نِيَّتِهِ فَلَمْ يَأْتَمَّ بِهِ ، وَقَالَ : فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، وَلَا اخْتِلَافَ أَشَدُّ مِنِ اخْتِلَافِ النِّيَّاتِ ، إِذْ هِيَ رُكْنُ الْعَمَلِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ صَلَّى ظُهْرًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي عَصْرًا ، أَوْ صَلَّى فَرِيضَةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً فَلَمْ يَأْتَمَّ بِإِمَامِهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ ; لِأَنَّهُ الْمَتْبُوعُ لَا التَّابِعَ ، وَاحْتَجُّوا مِنْ قِصَّةِ مُعَاذٍ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطْوِيلَ مُعَاذٍ بِهِمْ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا ، إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي ، وَإِمَّا أَنَّ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ . قَالُوا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ بِقَوْمِهِ كَانَتْ فَرِيضَتَهُ ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِصَلَاتِهِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالُوا : وَصَلَاةُ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرَيُّ : وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِجَوَازِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي الْفَرِيضَةِ بِالْمُتَنَفِّلِ ، وَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، فَإِنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ قَالُوا : إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْتَمَّ بِهِ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ ، أَمَّا النِّيَّةُ فَمُغَيَّبَةٌ عَنَّا ، وَمَا غَابَ عَنَّا لَمْ نُكَلَّفْهُ ، قَالُوا : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . فَعَرَفْنَا أَفْعَالَهُ الَّتِي يَأتَمُّ بِهِ فِيهَا ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ إِلَيْنَا مِنْ رُكُوعِهِ ، وَسُجُودِهِ ، وَتَكْبِيرِهِ ، وَقِيَامِهِ ، وَقُعُودِهِ ، فَفِي هَذِهِ أُمِرْنَا أَنْ لَا نَخْتَلِفَ عَلَيْهِ . قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ ، إِذْ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ، هِيَ لَهُ نَافِلَةٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ . قَالُوا : وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ مُعَاذٌ صَلَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَافِلَةً ، وَيَزْهَدَ فِي فَضْلِ الْفَرِيضَةِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ، وَهَذَا مَانِعٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ تُقَامَ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ لَمْ يُصَلِّهَا فَيَشْتَغِلَ بِنَافِلَةٍ عَنْهَا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ( الْآخِرَةَ ) ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَ مَعَهُمْ ، هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ سَوَاءً - . وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ خَائِفٌ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ إِنْ شَاءَ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَّاتِ لَا تُرَاعَى فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ · ص 303 209 ( 14 ) بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ 180 - مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . 5202 - هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ - فِيمَا عَلِمْتُ - مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ . 5203 - وَرَوَى شُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ؟ . 5204 - فَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ صَحِبَهُ وَلِسَائِرِ أُمَّتِهِ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَامِدًا غَيْرَ سَاهٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ · ص 305 5205 - وَقَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِيمَنْ سَهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ ، وَذَلِكَ مِمَّنْ فَعَلَهُ خَطْأً ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ . 5206 - وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . 5207 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ عَامِدًا ; لِقَوْلِهِ : وَذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ ; لِأَنَّ السَّاهِيَ الْإِثْمُ عَنْهُ مَوْضُوعٌ . 5208 - وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ قَوْلَانِ : 5209 - أَحَدُهُمَا : أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيهَا كُلِّهَا أَوْ فِي أَكْثَرِهَا عَامِدًا . 5210 - وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا طَابَقَ النَّهْيَ ، فَفَسَدَ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ; يَعْنِي مَرْدُودًا . 5211 - وَمَنْ تَعَمَّدَ خِلَافَ إِمَامِهِ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ; فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ; فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ - فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِصَلَاتِهِ ، وَخَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ فَوَاجِبٌ أَلَّا تُجْزِئَ عَنْهُ صَلَاتُهُ تِلْكَ . 5212 - وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْوَرْدِ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ ، فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَأَضَعُ قَبْلَهُ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِيَدِي ، فَلَوَانِي ، وَجَذَبَنِي ، فَقُلْتُ : مَا لَكَ ؟ قَالَ مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ . قَالَ : أَنْتَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ صِدْقٍ ، فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ ؟ قُلْتُ : أَوْ مَا رَأَيْتَنِي إِلَى جَنْبِكَ ؟ قَالَ : قَدْ رَأَيْتُكَ تَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ ، وَتَضَعُ قَبْلَهُ ، وَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ . 5213 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يَسْبِقَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَأَدْرَكَهُ الْإِمَامُ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ، ثُمَّ رَفَعَ الْإِمَامُ ، وَرَفَعَ بِرَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ - أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ رَفَعَ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ أَوْ يَسْجُدَ - لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُجْزِهِ . 5214 - وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَمْ تَفْسَدْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِمَامِ فِيهَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ، فَمَنْ خَالَفَهَا بَعْدَ أَنْ أَدَّى فَرْضَ صَلَاتِهِ بِطَهَارَتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَفَرَائِضِهَا - فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا ، وَإِنْ أَسْقَطَ بَعْضَ سُنَنِهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَنْفَرِدَ قَبْلَ إِمَامِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، وَبِئْسَ مَا فَعَلَ فِي تَرْكِهِ الْجَمَاعَةَ . 5215 - قَالُوا : وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ فَرَكَعَ بِرُكُوعِهِ وَسَجَدَ بِسُجُودِهِ ، وَلَمْ يَرْكَعْ فِي رَكْعَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى - فَقَدِ اقْتَدَى بِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَرْفَعُ قَبْلَهُ وَيَخْفِضُ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ يَرْكَعُ بِرُكُوعِهِ ، وَيَسْجُدُ بِسُجُودِهِ ، وَيَرْفَعُ بِرَفْعِهِ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُتَّبَعٌ لَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ سُنَّةِ الْمَأْمُومِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ · ص 344 14 - بَاب مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ 207 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ : إِنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ إِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ . 14 - بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفْعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ 209 207 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ) بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَنَافِعٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، وَشُعْبَةُ ، وَالسُّفْيَانَانِ وَجَمَاعَةٌ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَى لَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ قَبْلَهَا . ( عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ ) مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ ( وَيَخْفِضُهُ ) فِيهِمَا ( قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَإِخْبَارُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ بِهِ ، وَأَنَّ انْقِيَادَهُ لَهُ وَطَاعَتَهُ إِيَّاهُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ قَبْلَ إِمَامِهِ ، انْقِيَادُ مَنْ كَانَتْ نَاصِيَتُهُ بِيَدِهِ . وَقَالَ فِي الْقَبَسِ : لَيْسَ لِلتَّقَدُّمِ قَبْلَ الْإِمَامِ سَبَبٌ إِلَّا طَلَبُ الِاسْتِعْجَالِ ، وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا يَسْتَعْجِلُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ مَوْقُوفًا . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ مَلِيحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ . وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ قَالَ الْحَافِظُ : أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا وَهُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ؟ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَوِيٌّ ، فَإِنَّ الْحِمَارَ مَوْصُوفٌ بِالْبَلَادَةِ ، فَاسْتُعِيرَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَجَازَ أَنَّ التَّحْوِيلَ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ ، أَوْ حَقِيقِيٌّ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَوَازِ وُقُوعِهِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ مُتَعَرِّضٌ لِذَلِكَ ، وَكَوْنُ فِعْلِهِ مُمَكِّنًا لِأَنْ يَقَعَ ذَلِكَ الْوَعِيدُ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ . وَقَالَ ابْنُ بَزِيْزَةَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّحْوِيلِ الْمَسْخُ أَوْ تَحْوِيلُ الْهَيْئَةِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَوْ هُمَا مَعًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُقَوِّي حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ رِوَايَةُ ابْنُ حِبَّانَ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ ، فَهَذَا يُبْعِدُ الْمَجَازَ لِانْتِفَاءِ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ بَلَادَةِ الْحِمَارِ ، وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا إِيرَادُ الْوَعِيدِ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَبِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى تَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ ، لِأَنَّ الْبَلَادَةَ حَاصِلَةٌ فِي فَاعِلِ ذَلِكَ عِنْدَ فِعْلِهِ ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ يُخْشَى إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يَصِيرَ بَلِيدًا ، مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنَ الْبَلَادَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ : إِنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ ) حَتَّى يَرْفَعَ ( وَذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ فَعَلَهُ عَامِدًا ؛ لِأَنَّ السَّاهِيَ لَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ خَطِئَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ) إِمَامًا ( لِيُؤْتَمَّ بِهِ ) لِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَتَنْتَفِي الْمُقَارَنَةُ وَالْمُسَابَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ كَمَا قَالَ . ( فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ) وَالرَّفْعُ قَبْلَهُ وَالْخَفْصُ مِنَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ لِيَرْفَعَ بَعْدَ رَفْعِهِ وَيَخْفِضَ بَعْدَ خَفْضِهِ . ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ إِنَّمَا نَاصِيَتُهُ ) شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ( بِيَدِ شَيْطَانٍ ) يَجُرُّهُ مِنْهَا إِلَى حَيْثُ شَاءَ فَيُوقِعُهُ فِي حُرْمَةِ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُ : أَمَا يَخْشَى ، لِأَنَّهُ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالْمَسْخِ وَهُوَ أَشَدُّ الْعُقُوبَاتِ ، وَالْجُمْهُورُ الْحُرْمَةُ لِلْعَامِدِ وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ فَلَا إِعَادَةَ . وَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ : تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُتَعَمِّدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْمَعْنَى ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ لِلْحَدِيثِ وَلَوْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لَرَجَى لَهُ الثَّوَابَ وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ .