227 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِسُمَيٍّ مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةٍ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ ، وَحَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الذِّكْرُ هَاهُنَا الْخُطْبَةُ وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَرَادَ سَاعَاتِ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْبُكُورَ إِلَى الْجُمُعَةِ غُدْوَةً وَضُحًى ، وَيُسْتَحَبُّ التَّهْجِيرُ عَلَى قَدْرٍ إِلَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنِ الْمَسْجِدِ فَلْيَخْرُجْ قَدْرَ مَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدُوَادُ : يُسْتَحَبُّ الْبُكُورُ إِلَى الْجُمُعَةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْبُكُورُ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - : كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاكِرًا ؟ فَقَالَ : هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كَالْمُهْدِي جَزُورًا وَكَالْمُهْدِي كَذَا . وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَيُنْكِرُ قَوْلَ مَالِكٍ ، وَقَالَ : هُوَ تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . قَالَ : وَالشَّمْسُ إِنَّمَا تَزُولُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النَّهَارِ ، وَهُوَ وَقْتُ الْأَذَانِ ، وَخُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الْخُطْبَةِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ سَاعَاتُ النَّهَارِ الْمَعْرُوفَاتُ ، فَبَدَأَ بِأَوَّلِ سَاعَاتِ الْيَوْمِ فَقَالَ : مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، ثُمَّ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ بَيْضَةً ، ثُمَّ انْقَطَعَ التَّهْجِيرُ وَحَانَ وَقْتُ الْأَذَانِ . قَالَ : فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ ، وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَشُرِحَ بِالْخُلْفِ مِنَ الْقَوْلِ وَبِمَا لَا يَتَكَوَّنُ ، وَزَهَّدَ شَارِحُهُ النَّاسَ فِيمَا رَغَّبَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّهْجِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، قَالَ : وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِالتَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَقَدْ سُقْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ وَاضِحِ السُّنَنِ مَا فِيهِ بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْهُ تَحَامُلٌ عَلَى مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَجَعَلَهُ خُلْفًا مِنَ الْقَوْلِ وَتَحْرِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ الصِّحَاحُ الثَّابِتَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْفُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ ، مَعَ مَا صَحِبَهُ عِنْدَهُ مِنْ عَمَلِ الْعُلَمَاءِ بِبَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ مُجَالِسًا لِعُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَمُشَاهِدًا لِوَقْتِ حَرَكَتِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ أَشَدَّ الْفُقَهَاءِ اتِّبَاعًا لِسَلَفِهِ ، وَلَوْ رَآهُمْ يُبَكِّرُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ وَيَخْرُجُونَ إِلَيْهَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ، مَعَ حِرْصِهِ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَالِكٌ عِنْدِي أَتْبَعُ مِنْ سُفْيَانَ - يُرِيدُ أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِسَلَفِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، عَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السَّاعَاتِ أَهُوَ الْغُدُوُّ مِنْ أَوَّلِ السَّاعَاتِ النَّهَارِ ، أَوْ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذِهِ السَّاعَاتِ سَاعَةَ الرَّوَاحِ ؟ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ هَذَا فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي يَقَعُ فِي قَلْبِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ سَاعَةً وَاحِدَةً تَكُونُ فِيهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ ، مَنْ رَاحَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ السَّاعَةِ ، أَوِ الثَّانِيَةِ ، أَوِ الثَّالِثَةِ ، أَوِ الرَّابِعَةِ ، أَوِ الْخَامِسَةِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ مَا صُلِّيَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي تَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُبَلِّغُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا - حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفَ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ . أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : يَكْتُبُونَ النَّاسَ - الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ - الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ... الْحَدِيثَ . فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مُهَجِّرًا ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَالْهَجْرِ ، وَذَلِكَ وَقْتُ النُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَيْسَ بِهَاجِرَةٍ وَلَا هَجِيرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنَ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الصَّلَاةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا ، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ ، قِيلَ لِسُفْيَانَ : يَقُولُونَ هَذَا عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ذَكَرَ الْأَعْرَجَ قَطُّ ، مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِلَّا عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْمُهَجِّرُ - كَمَا تَرَى - ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، لَمْ يَذْكُرِ السَّاعَاتِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ : حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمُتَعَجِّلُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً ، ثُمَّ كَالْمُهْدِي طَائِرًا . هَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : الْمُتَعَجِّلُ ، وَلَمْ يَقُلِ الْمُهَجِّرُ ، وَلَا ذَكَرَ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ سُمَيٍّ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْمُهَجِّرُ إِلَى الصَّلَاةِ كَالَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي كَبْشًا ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي دَجَاجَةً ، قَالَ : وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : كَالَّذِي يُهْدِي بَيْضَةً . حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَجْلَانَ حَدِيثَ سُمَيٍّ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السَّاعَاتِ الَّتِي ذَكَرَ مَالِكٌ ، وَجَاءَ بِلَفْظٍ هُوَ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَجْلَانِ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : تَقْعُدُ مَلَائِكَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ ، فَالنَّاسُ فِيهَا كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي الْعَجْلَانُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُضَعَّفْ . وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : الْمُتَعَجِّلُ ، وَلَمْ يَقُلِ الْمُهَجِّرُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْمُتَعَجِّلُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي جَزُورًا ، وَالَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، وَالَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي شَاةً ، وَالَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي الطَّيْرَ ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ خُتِمَتِ الصُّحُفُ ، فَهَكَذَا أَحَادِيثُ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مِثْلُ ( حَدِيثِ ) سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ إِنَّمَا فِيهَا الْمُهَجِّرُ وَالْمُتَعَجِّلُ وَالَّذِي يَلِيهِ ، وَالَّذِي يَلِيهِ ، وَالَّذِي يَلِيهِ ، لَيْسَ فِيهَا سَاعَاتٌ ، وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السَّاعَاتِ أَيْضًا ، حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ : الْجِنَّ ، وَالْإِنْسَ ، عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ طَيْرًا ، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً ، فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ السَّاعَاتِ إِلَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ ، يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ ، جَاءَ فُلَانٌ مِنْ سَاعَةِ كَذَا ، جَاءَ فُلَانٌ مِنْ سَاعَةِ كَذَا ، جَاءَ فُلَانٌ مِنْ سَاعَةِ كَذَا ، جَاءَ فُلَانٌ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، جَاءَ فُلَانٌ وَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ، جَاءَ فُلَانٌ وَلَمْ يُدْرِكِ الْجُمُعَةَ ، إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْخُطْبَةَ ، حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ - قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ - قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ يَقُولُ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ ، فَيَرْمُونَ النَّاسَ بِالتَّرَابِيثِ وَيُبَطِّئُونَهُمْ عَنِ الْجُمُعَةِ ، وَتَغْدُو الْمَلَائِكَةُ فَيَجْلِسُونَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَيَكْتُبُونَ الرَّجُلَ مِنْ سَاعَةٍ ، وَالرَّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْنِ ، حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ ، فَإِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ وَالصَّمْتِ وَلَمْ يَلْغُ ، كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ ، وَإِنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ وِزْرٍ ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : صَهٍ فَقَدْ لَغَا ، وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ ، ثُمَّ يَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ : بِالتَّرَابِيثِ ، وَقَالَ : مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَجَدْنَا ذِكْرَ السَّاعَاتِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ : أَحِبُّ التَّبْكِيرَ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَأَنْ لَا تُؤْتَى إِلَّا مَشْيًا ، وَفِي قَوْلِهِ : التَّبْكِيرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الِاسْتِعْجَالُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُهَجِّرُ ، وَجَاءَ فِيهَا الْمُتَعَجِّلُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ الْمُهَجِّرُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ الْهَجِيرِ وَالْهَاجِرَةِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّهْجِيرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْبِدَارُ وَالِاسْتِعْجَالُ وَتَرْكُ الْحَاجَاتِ وَاطِّرَاحُ الْأَشْغَالِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : الْمُهَاجِرُ لِمَنْ تَرَكَ أَهْلَهُ وَوَطَنَهُ ، وَبَادَرَ إِلَى صُحْبَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ سُمَيٍّ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي تَفْضِيلِ الْبُدْنِ فِي الضَّحَايَا عَلَى الْكِبَاشِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : أَفْضَلُ الضَّحَايَا الْفُحُولُ مِنَ الضَّأْنِ ، وَإِنَاثُ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنْ فُحُولِ الْمَعْزِ ، وَفُحُولُ الْمَعْزِ خَيْرٌ مِنْ إِنَاثِهَا ، وَإِنَاثُ الْمَعْزِ خَيْرٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ . وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَذَلِكَ كَبْشٌ لَا جَمَلٌ وَلَا بَقَرَةٌ . وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ نَفْسِي ، فَقَالَ : يَجْزِيكَ كَبْشٌ سَمِينٌ ، ثُمَّ قَرَأَ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ عَلِمَ اللَّهُ حَيَوَانًا أَفْضَلَ مِنَ الْكَبْشِ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ ، وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، وَأَكْثَرُ مَا ضَحَّى بِهِ الْكِبَاشُ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الذِّبْحُ الْعَظِيمُ : الشَّاةُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْحُنَيْنِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا جِبْرِيلُ ، كَيْفَ رَأَيْتَ عِيدَنَا ؟ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، لَقَدْ تَبَاهَى بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ . وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اعْلَمْ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ السَّيِّدِ مِنَ الْمَعْزِ ، وَالْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ السَّيِّدِ مِنَ الْبَقَرِ ، وَالْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ السَّيِّدِ مِنَ الْإِبِلِ ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ ذِبْحًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَالْحُنَيْنِيُّ عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِبِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُضَحَّى بِهَا مِنَ الْبَقَرِ ، وَالْبَقَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغَنَمِ ، وَالضَّأْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَعْزِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْجَزُورُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مَا ضُحِّيَ بِهِ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ الْبَقَرُ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ تَتْلُوهُ الشَّاةُ . وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي شَاةً ؛ فَبَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالْبَقَرِ ، ثُمَّ بِالْغَنَمِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْهَدَايَا الْإِبِلُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا ، فَكَانَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْهَدْيِ قَاضِيًا عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الْأَضَاحِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَانٌ كُلُّهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ ، فَدَلَّ عَلَى نُقْصَانِ ذَلِكَ عَنْ مَرْتَبَةِ غَيْرِهِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفُسَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ أَكْثَرُ ثَمَنًا مِنَ الْغَنَمِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا الذِّبْحُ الْعَظِيمُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ الذَّبِيحُ فَجَائِزٌ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَظِيمٌ ؛ لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبْشٌ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، وَأَنَّهُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ ، وَرُفِعَ إِلَى الْجَنَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ فَضْلُ الْكَبْشِ إِلَّا أَنَّهُ أَوَّلُ قُرْبَانٍ تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَتَقَبَّلَهُ ، وَأَنَّهُ فُدِيَ بِهِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ مِنَ الذَّبْحِ ، قَالَ اللَّهُ فِيهِ : بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ : مَرَّ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي قُطْبَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشٍ أَعْيَنَ أَقْرَنَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَبْشَ بِالْكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ، فَاشْتَرَى مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ كَبْشًا أَقْرَنَ أَعْيَنَ ، وَأَهْدَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَحَّى بِهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسُ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى · ص 21 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة · ص 5 227 5 - كِتَابُ الْجُمُعَةِ ( 1 ) بَابُ الْعَمَلِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 197 - مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . 5637 - فِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاغْتِسَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ كَثِيرٌ جِدًّا ، مِنْهَا مَا ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَدْبٌ ، وَسَنُبَيِّنُ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي هَذَا الْبَابِ . 5638 - وَأَمَّا ذِكْرُهُ فِيهِ السَّاعَاتِ الْخَمْسَ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ فِي السَّادِسَةِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ : 5639 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَرَادَ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَفَائِهَا ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْبُكُورِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّ الْبُكُورَ إِلَيْهَا . 5640 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ بَكَّرَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَكَانَ حَسَنًا . 5641 - وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاكِرًا . 5642 - قَالَ : هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 5643 - وَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : كَالْمُهْدِي جَزُورًا . 5644 - وَأَمَّا مَالِكٌ فَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، عَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ وَهْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السَّاعَاتِ : أَهُوَ الْغُدُوُّ مَنْ أَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ ، أَوْ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ سَاعَاتِ الرَّوَاحِ ؟ 5645 - فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي يَقَعُ فِي قَلْبِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ سَاعَةً وَاحِدَةً تَكُونُ فِيهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ : مَنْ رَاحَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ السَّاعَةِ أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مَا صُلِّيَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ . 5646 - وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يُنْكِرُ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا ، وَيَمِيلُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ . 5647 - وَقَالَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ ، وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ . 5648 - قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . 5649 - قَالَ : وَالشَّمْسُ إِنَّمَا تَزُولُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النَّهَارِ ، وَهُوَ وَقْتُ الْأَذَانِ ، وَخُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الْخُطْبَةِ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ سَاعَاتُ النَّهَارِ الْمَعْرُوفَاتُ ، فَبَدَأَ بِأَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَقَالَ : مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، ثُمَّ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ : بَيْضَةً ، ثُمَّ انْقَطَعَ التَّهْجِيرُ ، وَحَانَ وَقْتُ الْأَذَانِ . 5650 - قَالَ : فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ ، وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَشُرِحَ بِالْخُلْفِ مِنَ الْقَوْلِ وَمَا لَا يَتَكَوَّنُ ، وَزَهَّدَ شَارِحُهُ النَّاسَ فِيمَا رَغَّبَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّهْجِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قُرْبَ زَوَالِ الشَّمْسِ . 5651 - قَالَ : وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِالتَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَقَدْ سُقْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ وَاضِحِ السُّنَنِ بِمَا فِيهِ بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ . 5652 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ . 5653 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى مَالِكٍ ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي أَنْكَرَهُ ، وَجَعَلَهُ خُلْفًا مِنَ الْقَوْلِ ، وَتَحْرِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ . 5654 - وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ الصِّحَاحُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَهُ ، وَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَرَدِّدٌ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يَخْفَى عَلَى عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ . 5655 - فَمِنَ الْآثَارِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَالِكٌ : مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ : الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ . فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ . 5656 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ إِلَى الزُّهْرِيِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ جَلَبْنَا فِيهَا الِاخْتِلَافَ عَنْهُ فِيهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ . 5657 - أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : يَكْتُبُونَ النَّاسَ : الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ؟ الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مُهَجِّرًا . 5658 - وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ ، وَذَلِكَ وَقْتُ النُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِهِ هَاجِرَةٌ وَلَا هَجِيرٌ . 5659 - وَفِي الْحَدِيثِ : ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَلَمْ يَذْكُرِ السَّاعَاتِ . 5660 - وَالطُّرُقُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي بَعْضِهَا : الْمُتَعَجِّلُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، وَفِي أَكْثَرِهَا : الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً الْحَدِيثَ . 5661 - وَفِي بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الرَّائِحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ ، وَفِي أَوَّلِ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ، وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ . 5662 - وَهَذَا كُلُّهُ مَذْكُورٌ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 5663 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْمُهَجِّرِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً النَّاهِضَ إِلَيْهَا فِي الْهَجِيرِ وَالْهَاجِرَةِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ التَّارِكَ لِأَشْغَالِهِ وَأَعْمَالِهِ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا لِلنُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهِيَ تَرْكُ الْوَطَنِ وَالنُّهُوضُ إِلَى اللَّهِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ . 5664 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ التَّبْكِيرَ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَلَا تُؤْتَى إِلَّا مَشْيًا . 5665 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ فَالذِّكْرُ هُنَا : الْخُطْبَةُ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَوْلُهُ : يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ . 5666 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ فِي تَفْضِيلِ الْبُدْنِ عَلَى الْبَقَرِ ، وَالْبَقَرِ عَلَى الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا . 5667 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ : 5668 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : أَفْضَلُ الضَّحَايَا فُحُولُ الضَّأْنِ ، وَإِنَاثُ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ فُحُولِ الْمَعْزِ ، وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ إِنَاثِهَا ، وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا . 5669 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَذَلِكَ كَبْشٌ لَا جَمَلٌ وَلَا بَقَرَةٌ . 5670 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ عَلِمَ اللَّهُ حَيَوَانًا أَفْضَلَ مِنَ الْكَبْشِ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ ، وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، وَأَكْثَرُ مَا ضَحَّى بِالْكِبَاشِ . 5671 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الذِّبْحُ الْعَظِيمُ : الشَّاةُ . 5672 - وَقَدْ رَوَى الْحُنَيْنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ تَرَى عِيدَنَا ؟ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ تَبَاهَى بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ الْمُسِنِّ مِنَ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ ذِبْحًا خَيْرًا مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ . 5673 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا أَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا ، انْفَرَدَ بِهِ الْحُنَيْنِيُّ ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ . 5674 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَبْشُ أَوَّلُ قُرْبَانٍ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ ، ثُمَّ فَدَى بِمِثْلِهِ الذَّبِيحَ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا كُلِّهِ فَضْلًا . 5675 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِبِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُضَحَّى بِهَا مِنَ الْبَقَرِ ، وَالْبَقَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغَنَمِ ، وَالضَّأْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَعْزِ . 5676 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْجَزُورُ فِي الْأُضْحِيَةِ أَفْضَلُ مَا ضُحِّيَ بِهِ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ الْبَقَرُ ، ثُمَّ يَتْلُوهُ الشَّاءُ . 5677 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي تَقْدِيمِ الْبُدْنِ فِي الْفَضْلِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ قَوْلُهُ : فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، ثُمَّ بَقَرَةً ، ثُمَّ كَبْشًا حَتَّى الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْهَدَايَا الْإِبِلُ ، فَكَانَ هَذَا الْإِجْمَاعُ يَقْضِي عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الضَّحَايَا لِأَنَّهَا نُسُكَانِ : شَرِيعَةٌ ، وَقُرْبَانٌ . 5678 - وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا : مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ : شَاةٌ ، فَدَلَّ عَلَى نُقْصَانِ ذَلِكَ عَنْ مَرْتَبَةِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ . 5679 - وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ ، فَقَالَ : أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا . 5680 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ أَنْفَسُ وَأَغْلَى عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْغَنَمِ . 5681 - قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فَجَائِزٌ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَظِيمٌ لِمَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، وَأَنَّهُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلُ مِنْهُ ، وَرُفِعَ إِلَى الْجَنَّةِ ; فَلِهَذَا قَالَ فِيهِ : عَظِيمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ · ص 368 5 - كِتَابُ الْجُمُعَةِ 1 - بَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 225 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ . 5 - كِتَابُ الْجُمُعَةِ 1 - بَابُ الْعَمَلِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 227 225 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ( مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السَّمَّانِ ) بَائِعِ السَّمْنِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ ) يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَصِحُّ التَّقَرُّبُ مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ) بالنصب نَعْتٌ لِمُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُمَيٍّ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَاغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ كَمَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ لِلْكَيْفِيَّةِ لَا لِلْحُكْمِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةَ 88 ) ، وَقِيلَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ لِيُغْتَسَلَ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ فِي الرَّوَاحِ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا تَمْتَدُّ عَيْنُهُ إِلَى شَيْءٍ يَرَاهُ فِيهِ ، وَأَيْضًا حَمَلَ الْمَرْأَةَ عَلَى الِاغْتِسَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ قَائِلُ ذَلِكَ حَدِيثَ مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ الْمُخَرَّجَ فِي السُّنَنِ عَلَى رِوَايَةِ غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى هَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّهُ أَنْسَبُ الْأَقْوَالِ فَلَا وَجْهَ لِادِّعَاءِ بُطْلَانِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَرْجَحَ ، وَلَعَلَّهُ عَنَى أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي الْمَذْهَبِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ أَجْرَ غُسْلِهِ وَأَجْرَ امْرَأَتِهِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ) أَيْ تَصَدَّقَ بِهَا مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ لِلْمُبَادِرِ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ نَظِيرَ مَا لِصَاحِبِ الْبَدَنَةِ مِنَ الثَّوَابِ مِمَّنْ شُرِعَ لَهُ الْقُرْبَانُ ; لِأَنَّ الْقُرْبَانَ لَمْ يُشْرَعْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْأُمَمِ السَّابِقَةِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُمَيٍّ : فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ الْجَزُورِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الثَّوَابَ لَوْ تَجَسَّدَ لَكَانَ قَدْرَ الْجَزُورِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إِلَّا بَيَانُ تَفَاوُتِ الْمُبَادِرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَأَنَّ نِسْبَةَ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ نِسْبَةُ الْبَقَرَةِ إِلَى الْبَدَنَةِ فِي الْقِيمَةِ مَثَلًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَفَضْلِ صَاحِبِ الْجَزُورِ عَلَى صَاحِبِ الْبَقَرَةِ . وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : كَمَثَلِ الَّذِي يَهْدِي بَدَنَةً ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِالْقُرْبَانِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الْإِهْدَاءُ إِلَى الْكَعْبَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَفِي لَفْظِ الْإِهْدَاءِ جِمَاعُ مَعْنَى التَّعْظِيمِ لِلْجُمُعَةِ ، وَأَنَّ الْمُبَادِرَ إِلَيْهَا كَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْوِحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَخُصُّ الْبَدَنَةَ بِالْأُنْثَى ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : الْبَدَنَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ . وَأَمَّا الْهَدْيُ فَمِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، هَذَا لَفْظُهُ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْبَدَنَةُ تَكُونُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَكَأَنَّهُ خَطَأٌ نَشَأَ عَنْ سَقْطٍ . وَفِي الصِّحَاحِ : الْبَدَنَةُ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّنُونَهَا ، اهـ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ تَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِالْبَقَرَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَقِسْمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قَسِيمَهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . ( وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، فَالتَّاءُ لِلْوِحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ . ( وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا ) ذَكَرًا ( أَقْرَنَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَصَفَهُ بِهِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ صُورَةً وَلِأَنَّ قَرْنَهُ يُنْتَفَعُ بِهِ . ( وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ وَالضَّمُّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا بِالْفَتْحِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَبِالْكَسْرِ مِنَ النَّاسِ . ( وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ) وَاسْتَشْكَلَ التَّعْبِيرُ فِيهَا وَفِي دَجَاجَةٍ بِقَرَّبَ كَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ : كَالَّذِي يَهْدِي لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَعْطَاهُ حُكْمَهُ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مِنَ الِاتِّبَاعِ كَقَوْلِهِ : مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ شَرْطَ الِاتِّبَاعِ أَنْ لَا يُصَرَّحَ بِاللَّفْظِ فِي الثَّانِي ، فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَمُتَقَلِّدًا رُمْحًا ، وَالَّذِي يُظْهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَرِينِهِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ قَرَّبَ بَيْضَةً ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : كَالَّذِي يَهْدِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقَرُّبِ الْهَدْيُ ، وَيَنْشَأُ مِنْهُ أَنَّ الْهَدْيَ يُطْلَقُ عَلَى مِثْلِ هَذَا حَتَّى لَوِ الْتَزَمَ هَدْيًا هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ أَوْ لَا ؟ اهـ . وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الثَّانِي ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ النَّذْرَ هَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَوْ وَاجِبِهِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَيُقَوِّي الصَّحِيحَ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَدْيِ هُنَا التَّصْدِيقُ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سُمَيٍّ زِيَادَةُ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الدَّجَاجَةِ وَالْبَيْضَةِ وَهِيَ الْعُصْفُورُ ، وَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ زِيَادَةُ بَطَّةٍ فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ : فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَطَّةً ، وَجَعَلَ الدَّجَاجَةَ فِي الْخَامِسَةِ وَالْبَيْضَةَ فِي السَّادِسَةِ ، لَكِنْ خَالَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ فِي مَعْمَرٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ وَإِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُمَا فَهُمَا شَاذَّتَانِ لِمُخَالَفَتِهِمَا الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ . ( فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ ) فِي الْجَامِعِ عَمَّا كَانَ مَسْتُورًا فِيهِ من منزل أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا اسْتَنْبَطَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ لِوَقْتِ الْخُطْبَةِ ، قَالَ : وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ أَقْرَبِ أَبْوَابِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ مَا قَالَهُ لَا يَظْهَرُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يُبَكِّرَ ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لَهُ فِي الْجَامِعِ إِلَّا إِذَا حَضَرَ الْوَقْتُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ مُعَدٌّ ( حَضَرَتِ ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا ( الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ) مَا فِي الْخُطْبَةِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَغَيْرِهَا وَهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكَرَ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سُمَيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ طَيِّ الصُّحُفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَانْتِهَاؤُهُ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِمْ لِلذِّكْرِ . وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ جِنْسُ الْبَابِ وَيَكُونُ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ التَّعْبِيرَ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعَثَ اللَّهُ مَلَائِكَةً بِصُحُفٍ مِنْ نُورٍ وَأَقْلَامٍ مِنْ نُورٍ ، الْحَدِيثَ ، فَبَيَّنَ صِفَةَ الصُّحُفِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ ، وَالْمُرَادُ بِطَيِّ الصُّحُفِ عَلَى صُحُفِ الْفَضَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُبَادِرِ إِلَى الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُشُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُهُ الْحَافِظَانِ قَطْعًا . وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُمَيٍّ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ هِيَ : ثُمَّ إِذَا اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : فَيَقُولُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضٍ : مَا حَبَسَ فُلَانًا ؟ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ ضَالًّا فَاهْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَعَافِهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْحَضُّ عَلَى الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفَضْلُهُ وَفَضْلُ السَّبْقِ إِلَيْهَا وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ جَمَعَهُمَا ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَطْلَقَهُ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ مِنْ تَرَتُّبِ الْفَضْلِ عَلَى السَّبْقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْغُسْلِ ، وَفِيهِ أَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرُ مُحْتَقَرٍ فِي الشَّرْعِ ، وَأَنَّ التَّقَرُّبَ بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبَقَرِ ، وَهُوَ بِاتِّفَاقٍ فِي الْهَدْيِ وَفِي الضَّحَايَا خِلَافٌ ، فَالْأَكْثَرُ كَذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَفْضَلُ فِي الضَّحَايَا الْغَنَمُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَأَكْثَرُ مَا ضَحَّى بِهِ الْكِبَاشُ وَقَالَ تَعَالَى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( سُورَةُ الصَّافَّاتِ : الْآيَةَ 107 ) وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَعْظَمَ مِنْهُ لَفَدَى بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَضْلِ الْكَبْشِ إِلَّا أَنَّهُ أَوَّلُ قُرْبَانٍ تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهُ فُدِيَ بِهِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ مِنَ الذِّبْحِ ، وَقَالَ اللَّهُ فِيهِ : بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مَرَّ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي قُطْبَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشٍ أَعْيَنَ أَقْرَنَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَبْشَ بِالْكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ ، فَاشْتَرَى مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ كَبْشًا أَعْيَنَ أَقْرَنَ فَأَهْدَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَحَّى بِهِ ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ التَّقْرِبَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودَيْنِ لِأَنَّ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ التَّذْكِيرُ بِقَضِيَّةِ الذَّبِيحِ وَهُوَ قَدْ فُدِيَ بِالْغَنَمِ ، وَالْمَقْصُودُ بِالْهَدْيِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَنَاسَبَ الْبَدَنَ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالسَّاعَاتِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَابْنُ حَبِيبٍ إِلَى أَنَّهَا سَاعَاتُ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ فَاسْتَحَبُّوا الْمَسِيرَ إِلَيْهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا الْقَلِيلُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى أَنَّهَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ أَوَّلُهَا زَوَالُ الشَّمْسِ وَآخِرُهَا قُعُودُ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّ السَّاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الزَّمَانِ غَيْرِ مَحْدُودٍ تَقُولُ جِئْتُ سَاعَةَ كَذَا . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : ثُمَّ رَاحَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّوَاحِ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ ، وَالْغُدُوُّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى الزَّوَالِ ، قَالَ تَعَالَى : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ( سُورَةُ سَبَأٍ : الْآيَةَ 12 ) ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : تَمَسَّكَ مَالِكٌ بِحَقِيقَةِ الرَّوَاحِ وَتَجَوَّزَ فِي السَّاعَةِ وَعَكَسَ غَيْرُهُ ، اهـ . وَقَالَ غَيْرُهُ : حَمْلُهَا عَلَى سَاعَاتِ النَّهَارِ الزَّمَانِيَّةِ الْمُنْقَسِمَةِ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا تُبْعِدُ حَالَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى حِسَابٍ وَمُرَاجَعَةِ آلَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ، الْحَدِيثَ ، فَإِنْ قَالُوا : قَدْ تُسْتَعْمَلُ الْهَاجِرَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ سَاعَةٍ . قُلْنَا : لَيْسَ إِخْرَاجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِأَوْلَى مِنْ إِخْرَاجِ السَّاعَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا ، فَإِذَا تَسَاوَيَا عَلَى زَعْمِكُمْ فَمَجَازُنَا أَرْجَحُ لِأَنَّهُ عَمَلُ النَّاسِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَالِهِمْ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ قَوِيٌّ وَهُوَ صِحَّةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، لِأَنَّهُ قَسَّمَ السَّاعَاتِ إِلَى خَمْسٍ وَعَقَّبَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَهِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَأَمَّا زِيَادَةُ ابْنِ عَجْلَانَ الْعُصْفُورَ فِي حَدِيثِ سُمَيٍّ فَشَاذَّةٌ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، لِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ سُمَيٍّ لَمْ يُذْكُرُوهَا ، وَقَدْ تَعَسَّفُوا الْجَوَابَ عَنْ هَذَا بِمَا لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ مَالِكٍ التَّبْكِيرَ خِلَافُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَالْمُهْدِي جَزُورًا ، وَكَالْمُهْدِي كَذَا مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ : فَالْمُتَهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ وَذَلِكَ وَقْتُ النُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ هَاجِرَةٍ وَلَا هَجِيرٍ . وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ : إِنَّهُ تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَالشَّمْسُ إِنَّمَا تَزُولُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَهُوَ وَقْتُ الْأَذَانِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الْخُطْبَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا سَاعَاتُ النَّهَارِ الْمَعْرُوفَةُ ، فَبَدَأَ بِأَوَّلِهَا فَقَالَ : مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، ثُمَّ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ بَيْضَةً فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ وَجْهِهِ وَشُرِحَ بِالْخَلْفِ مِنَ الْقَوْلِ وَبِمَا لَا يَكُونُ ، وَزَهَّدَ شَارِحُهُ بِذَلِكَ النَّاسَ فِيمَا رَغَّبَهُمْ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ مَا أَنْكَرَهُ وَجَعَلَهُ تَحْرِيفًا فِي التَّأْوِيلِ وَخُلْفًا مِنَ الْقَوْلِ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا فَقَالَ : إِنَّمَا أَرَادَ سَاعَةً وَاحِدَةً تَكُونُ فِيهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مَا صُلِّيَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَكُونَ تِسْعَ سَاعَاتٍ وَذَلِكَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مَعَ مَا صَحِبَهُ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ مُجَالِسًا لَهُمْ وَمُشَاهِدًا لِوَقْتِ خُرُوجِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ ، فَلَوْ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَيْهَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَا أَنْكَرَهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ ، ثُمَّ رَوَى بِأَسَانِيدِهِ أَحَادِيثَ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَطَالَ النَّفَسَ فِي ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .