باب صاد : صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ وَسُلَيْمٌ أَبُوهُ مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ، كَانَ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، نَاسِكًا كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِمَا وَجَدَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، كَثِيرَ الْعَمَلِ خَائِفًا لِلَّهِ ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهَا ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةً . ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُسْأَلُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، فَقَالَ : ثِقَةٌ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ وَفُضَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ : ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ ، فَقَالَ : يُسْتَنْزَلُ بِذِكْرِهِ الْقَطْرُ ، وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَقَالَ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ : رَأَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ السَّاعَةَ غَدًا ، مَا كَانَ عِنْدَهُ مَزِيدٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : كَانَ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ أَسْوَدَ . لِمَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوَطَّأِ سَبْعَةُ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا حَدِيثَانِ مُسْنَدَانِ ، وَخَمْسَةُ أَحَادِيثَ مُرْسَلَةٍ . 228 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ رُوَاتِهِ - فِيمَا عَلِمْتُ - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ هَذَا ، وَرَوَاهُ بَكْرُ بْنُ الشَّرُودِ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْإِسْنَادِ ، وَبَكْرُ بْنُ الشَّرُودِ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مُسْتَوْعِبًا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ وَالْمَعَانِي - لِلسَّلَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلْفِ مِنْهُمْ - فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَهُنَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَاجِبٌ ، فَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ الْفَرْضُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِآثَارٍ وَرَدَتْ تُخْرِجُ هَذَا اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنَى السُّنَّةِ وَالْفَضْلِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عِنْدَ قَوْلِ عُمَرَ لِعُثْمَانَ : الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَاجِبٌ ، أَيْ : وُجُوبُ السُّنَّةِ ، أَوْ وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : وَجَبَ حَقُّكَ ، وَلَيْسَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَرْضًا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَأَوَّلْنَا فِيهِ - وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ - مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هَمَّامُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمِثْلِهِ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهِ ؟ هَذَا مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي ظَاهَرَهُ وُجُوبُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ يُفْتِي بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِهِ وَفَحْوَاهُ ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ مَا تَأَوَّلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، يَقُولُ : ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : الْغُسْلُ وَالسِّوَاكُ وَمَسُّ الطَّيِّبِ إِنْ وَجَدَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرَهُ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَتَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ وَهَذَا أَوْضَحُ شَيْءٍ فِي سُقُوطِ وُجُوبِ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْفَرَائِضِ أَنْ لَا تَجِبَ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَا يَقِينَ فِي إِيجَابِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ مَعَ مَا وَصَفْنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ · ص 207 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي سعيد وقول أبي هريرة غسل الجمعة واجب على كل محتلم · ص 17 228 198 - ثُمَّ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ . 199 - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ( الْمَقْبُرِيِّ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ . 5682 - وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ظَاهِرُهُمَا الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَرْضًا إِلَّا أَهَّلَ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوهُ ، وَجَعَلُوا تَارِكَهُ عَامِدًا عَاصِيًا لِلَّهِ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُجِيزُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ دُونَ غُسْلٍ لَهَا ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَهُمَا ثَابِتَانِ ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا غَيْرُ ظَاهِرِهِمَا بِالدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ إِخْرَاجَهُمَا عَنِ الظَّاهِرِ . 5683 - فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَتَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ . 5684 - فَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ قَدْ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَحُسْنِ الْمُجَالَسَةِ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : وَجَبَ حَقُّكَ : أَيْ فِي كَرَمِ الْأَخْلَاقِ وَالْبِرِّ بِالصَّدِيقِ وَنَحْوِ هَذَا . 5685 - وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ سَمُرَةَ ، ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ 5686 - وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ : قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ قَالَ : قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ، وَجَعَلَ رِوَايَتَهُ عَنْ سَمُرَةَ سَمَاعًا ، وَصَحَّحَهَا . 5687 - وَمِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : الْغُسْلُ وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ 5688 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5689 - وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الْهَيْئَةَ وَالْكَيْفِيَّةَ ، فَفِي هَذَا جَاءَ تَشْبِيهُهُ لَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا فِي الْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ ، مَعَ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ وَلَا يُوجِبُهُ فَرْضًا ، وَيَقُولُ فِيهِ : كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ . 5690 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي أَدْهَمَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَقِيَ امْرَأَةً قَدْ تَطَيَّبَتْ ، فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : إِلَى الْمَسْجِدِ ، قَالَ : وَلَهُ تَطَيَّبْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَارْجِعِي فَاغْسِلِي عَنْكِ الطِّيبَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْكِ حَتَّى تَرْجِعِي فَتَغْسِلِيهِ عَنْكِ كَغُسْلِكِ مِنَ الْجَنَابَةِ . 5691 - وَبَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَاصِمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 5692 - وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأَوْلَى الْحَدِيثَ - يَشْهَدُ أَيْضًا بِمَا وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَقَدْ سَاوَى أَبُو هُرَيْرَةَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ ، وَالطِّيبُ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ . 5693 - رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، يَغْسِلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ لِأَهْلِهِ . 5694 - وَهَذَا الْحَدِيثُ أَثْبَتُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 5695 - وَقَدْ مَضَى فِي الطِّيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَابِ السِّوَاكِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 5696 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ فَإِنَّ أَبَا حَاتِمٍ ذَكَرَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ : فَبِهَا ، أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ ، وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ ، أَوْ قَالَ : وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ فَعَلَ . 5697 - قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : وَنِعْمَتْ بِالتَّاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ هُنَا . 5698 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَرْضًا لَكَانَ مِنْ فَرَائِضِ الْجُمُعَةِ أَلَّا تُجْزِئَ إِلَّا بِهِ . 5699 - وَقَدْ أَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى وُضُوءٍ دُونَ غُسْلٍ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ . 5700 - وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ ، فَقَالَ عُمَرُ : الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ ! وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْغُسْلِ ، وَلَا بِالْإِعَادَةِ إِذَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ بِغَيْرِ غُسْلٍ . وَعُثْمَانُ قَدْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَمَلَهُ عَلَى شُهُودِهَا بِغَيْرِ غُسْلٍ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ · ص 376 228 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ . 230 228 - ( مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمَدَنِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمْ تَابِعِيٌّ ، ثِقَةٌ مُفْتٍ عَابِدٌ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً . ( عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَخِفَّةِ الْمُهْمَلَةِ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( الْخُدْرِيِّ ) صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَخَالَفَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فَرَوَاهُ عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ لَهُ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ : رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ مَعًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ، وَرَوَاهُ نَافِعٌ الْقَارِئُ عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَوَهِمَ فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ صَفْوَانُ عَنِ ابْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) ظَاهِرُ إِضَافَتِهِ لِلْيَوْمِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلْجُمْعَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ الْغُسْلُ فِيهِ كَفَى لِأَنَّهُ جَعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا لِلْغُسْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنِ اللَّامَ لِلْعَهْدِ فَتَتَّفِقُ الرِّوَايَتَانِ ، ( وَاجِبٌ ) أَيْ مَسْنُونٌ مُتَأَكَّدٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ فَرْضٌ بَلْ هُوَ مُئَوَّلٌ أَيْ وَاجِبٌ فِي السُّنَّةِ أَوْ فِي الْمُرُوءَةِ أَوْ فِي الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ كَقَوْلِ الْعَرَبِ : وَجَبَ حَقُّكَ ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوَاجِبٌ هُوَ ؟ قَالَ : هُوَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوَاجِبٌ هُوَ ؟ قَالَ : هُوَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ ، قِيلَ : إِنَّ فِي الْحَدِيثِ وَاجِبٌ ، قَالَ : لَيْسَ كُلُّ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَكُونُ كَذَلِكَ . ( عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ) أَيْ بَالِغٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاحْتِلَامَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فَيَدْخُلُ النِّسَائي فِي ذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُ بِالْبَالِغِ مَجَازٌ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ ، وَالْقَرِينَةُ الْمَانِعَةُ عَنِ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ الِاحْتِلَامَ إِذَا كَانَ مَعَهُ الْإِنْزَالُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ أَمْ لَا . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ فَرْضِيَّةَ الْغُسْلِ حَقِيقَةً رَدَّهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي مَذْهَبِهِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : نَصَّ مَالِكٌ عَلَى وُجُوبِهِ فَحَمَلَهُ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ مَذْهَبَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَبَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، قَالَ : وَإِلَى السُّنِّيَّةِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الظَّاهِرِ ، وَقَدْ أَوَّلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ عَلَى التَّأْكِيدِ كَمَا يُقَالُ : إِكْرَامُكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمُعَارِضُ رَاجِحًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ ، وَأَقْوَى مَا عَارَضُوا بِهِ حَدِيثُ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ . وَلَا يُعَارِضُ سَنَدُهُ سَنَدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، قَالَ : وَرُبَّمَا أَوَّلُوهُ تَأْوِيلًا مُسْتَنْكَرًا كَمَنْ حَمَلَ الْوُجُوبَ عَلَى السُّقُوطِ . قَالَ الْحَافِظُ : فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَعَوَّلَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِهِ كَثِيرٌ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ فَيَسْتَلْزِمُ إِجْزَاءَ الْوُضُوءِ ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ أَشْهَرُهَا وَأَقْوَاهَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ أَخْرَجَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّتَانِ : إِحْدَاهُمَا عَنْعَنَةُ الْحَسَنِ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ جَابِرٍ ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَعَارَضُوا أَيْضًا بِأَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُهُ وُجُوبُ الِاسْتِنَانِ وَالطِّيبِ لِذِكْرِهِمَا بِالْعَاطِفِ وَالتَّقْدِيرُ الْغُسْلُ وَاجِبٌ وَالِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ كَذَلِكَ وَلَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ اتِّفَاقًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، إِذْ لَا يَصِحُّ تَشْرِيكُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَعَ الْوَاجِبِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَطْفُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَاجِبِ لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِ الْمَعْطُوفِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ : إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ لَمْ يَنْفَعْ دَفْعُهُ بِعَطْفِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ خَرَجَ بِدَلِيلٍ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ ، عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي الطِّيبِ مَرْدُودَةٌ ، فَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الطِّيبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَكَرَ الْوُضُوءَ وَمَا مَعَهُ مُرَتِّبًا عَلَيْهِ الثَّوَابَ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَافٍ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْغُسْلِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ مَنِ اغْتَسَلَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذِكْرَ الْوُضُوءَ لِمَنْ تَقَدَّمَ غُسْلُهُ عَلَى الذَّهَابِ فَاحْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ الْوُضُوءِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوَاجِبٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ لِمَنِ اغْتَسَلَ وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ بَدْءِ الْغُسْلِ كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا ، فَلَمَّا آذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكَفُّوا الْعَمَلَ وَوَسِعَ الْمَسْجِدُ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، لَكِنَّ الثَّابِتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ ، فَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ طَاوُسٍ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا ، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ ، وَأمَا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ ، فَالْمَرْفُوعُ مِنْهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَأَمَّا نَفْيُ الْوُجُوبِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ لِأَنَّهُ مِنِ اسْتِنْبَاطِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ السَّبَبِ زَوَالُ الْمُسَبِّبِ كَمَا فِي الرَّمْلِ وَالْجِمَارِ ، وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَلِمَنْ قَصَرَ الْوُجُوبَ عَلَى مَنْ بِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ : الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . . . إِلَخْ .