260 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ امْرَأَةً تُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ : الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عَرَفْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلُفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكَمَ بِهِ طَاقَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ أَبِي حَكِيمٍ ، وَقَدْ يَتَّصِلُ مَعْنًى وَلَفْظًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ ، وَالْحَوْلَاءُ هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِيَ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَهِيَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ . حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ ، وَأَبُو الْمَيْمُونِ الْبَجَلِيُّ جَمِيعًا بِدِمَشْقَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ عُرْوَةُ : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا ، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ ، قَالُوا : إِنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا . وَذَكَرَهُ الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : هَذِهِ فُلَانَةٌ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَهْ ! عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَهُ ، وَبِهِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ آخَرُ لَيْسَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دِيمَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ قَلَّتْ ، قَالَتْ : وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ قَدْرَ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . قَالَتْ : وَكَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ قَلَّتْ ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو سَلَمَةَ : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ الْحَوْلَاءِ هَذَا مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : مَا تَصَوَّرْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَّا سَمِعْتُ صَوْتًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ ، لَا تَنَامُ إِذَا نَامَ النَّاسُ ، قَالَ : عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ إِجَازَةً ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ إِجَازَةً ، عَنِ الْعُقَيْلِيِّ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُوسَى الْمَكِّيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعَطَاءِ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى تَمَلُّوا أَنْتُمْ ، وَلَا يَسْأَمُ مِنْ أَفْضَالِهِ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِسَآمَتِكُمْ عَنِ الْعَمَلِ لَهُ ، وَأَنْتُمْ مَتَى تَكَلَّفْتُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُونَ لَحِقَكُمُ الْمَلَلُ ، وَأَدْرَكَكُمُ الضَّعْفُ وَالسَّآمَةُ ، وَانْقَطَعَ عَمَلُكُمْ ، فَانْقَطَعَ عَنْكُمُ الثَّوَابُ لِانْقِطَاعِ الْعَمَلِ ، يَحُضُّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَلِيلِ الدَّائِمِ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ الْمَلَلَ سَبَبٌ إِلَى قَطْعِ الْعَمَلِ . وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُشَادُّوا الدِّينَ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُغَالِبِ الدِّينَ يَغْلِبْهُ الدِّينُ . وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا يَقْطَعُ أَرْضًا ، وَلَا يُبْقِي ظَهْرًا . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ - : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ نَفِهَتْ نَفْسُكَ ، يَعْنِي أَعْيَتْ وَكَلَّتْ ، يُقَالُ لِلْمُعْيِ مُنْفِهٍ وَنَافِهٍ ، وَجَمْعُ نَافِهٍ نُفْهٍ ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَبِي عَمْرٍو قَالَ : وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْإِيغَالُ السَّيْرُ الشَّدِيدُ ، وَأَمَّا الْوُغولُ فَهُوَ الدُّخُولُ ، وَقَدْ جَعَلَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْغُلُوَّ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ سَيِّئَةً ، وَالتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً ، فَقَالَ : الْحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، فَلَفْظٌ مُخْرَجٌ عَلَى مِثَالِ لَفْظٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ سَوَاءً مَلَّ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَمَلُّوا ، وَلَا يَدْخُلُهُ مَلَالٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ جَلَّ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَضَعُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ لَفْظٍ وَقُبَالَتِهِ جَوَابًا لَهُ وَجَزَاءً ، ذَكَرُوهُ بِمِثْلِ لَفْظِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي مَعْنَاهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَقَوْلُهُ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً ، وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ اعْتِدَاءً لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وَقَوْلُهُ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَقَوْلُهُ : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُزُؤٌ ، وَلَا مَكْرٌ ، وَلَا كَيْدٌ ، إِنَّمَا هُوَ جَزَاءٌ لِمَكْرِهِمْ ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ ، وَجَزَاءُ كَيْدِهِمْ ، فَذَكَرَ الْجَزَاءَ بِمِثْلِ لَفْظِ الِابْتِدَاءِ لَمَّا وُضِعَ بِحِذَائِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَيْ إِنَّ مَنْ مَلَّ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ قُطِعَ عَنْهُ جَزَاؤُهُ ، فَأَخْرَجَ لَفْظَ قَطْعِ الْجَزَاءِ بِلَفْظِ الْمَلَالِ إِذْ كَانَ بِحِذَائِهِ وَجَوَابًا لَهُ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ عَامِلٍ فَتْرَةٌ ، وَلِكُلِّ فَتْرَةٍ شِرَّةٌ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرها ، وَلِكُلِّ شِره فَتْرَةً ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ ، هَكَذَا قَالَ ، جُعِلَ فِي مَوْضِعِ الْفَتْرَةِ الشِّره فَقُلِبَ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى عَلَى مَا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ خَارِجَ مَعْنَاهُ ، وَالشِّره الْحِرْصُ ، وَالشَّرِهُ وَالشَّرِهَانُ الْحَرِيصُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَطِيسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّجْسَجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَخَفُّهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ أَخَفَّهَا عَلَى الْقُلُوبِ ، وَأَحَبَّهَا إِلَى النُّفُوسِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَدُومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ عَادَةً وَخُلُقًا . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ أَخَفُّهَا يُرِيدُ عِيَادَةَ الْمَرْضَى ، فَمَنْ رَوَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْعِيَادَةِ التَّخْفِيفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ يَدْعُو الصَّدِيقَ إِلَى الْأُنْسِ بِهِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْعِيَادَةِ وَالْقَوْلُ فِيهَا فِي بَابِ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَمِعَ امْرَأَةً تُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ · ص 191 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا · ص 208 260 230 - وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ امْرَأَةً مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ : الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ ، لَا تَنَامُ اللَّيْلَ . فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكَمَ بِهِ طَاقَةٌ . 6458 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ أَسْنَدَهُ وَوَصَلَهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ . 6459 - وَالْحَوْلَاءُ امْرَأَةٌ قُرَشِيَّةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ ، وَالتُّوَيْتَاتُ فِي بَنِي أَسَدٍ . 6460 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . 6461 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعَطَاءِ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى تَمَلُّوا أَنْتُمُ الْعَمَلَ وَتَقْطَعُونَهُ فَيَنْقَطِعَ عَنْكُمْ ثَوَابُهُ ، وَلَا يَسْأَمُ مِنْ أَفْضَالِهِ عَلَيْكُمْ إِلَّا بِسَآمَتِكُمْ عَنِ الْعَمَلِ . 6462 - وَأَنْتُمْ مَتَى تَكَلَّفْتُمْ مِنَ الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ مَا لَا تُطِيقُونَ وَأَسْرَفْتُمْ لَحِقَكُمُ الْمَلَلُ وَضَعُفْتُمْ عَنِ الْعَمَلِ ، فَانْقَطَعَ عَنْكُمُ الثَّوَابُ بِانْقِطَاعِ الْعَمَلِ . 6463 - يَحُضُّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْقَلِيلِ الدَّائِمِ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِسْرَافَ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى قَطْعِ الْعَمَلِ . 6464 - وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . 6465 - وَمِنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَشَادُّوا الدِّينَ فَإِنَّهُ مَنْ غَالَبَ الدِّينَ يَغْلِبُهُ الدِّينُ . 6466 - وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا يَقْطَعُ أَرْضًا وَلَا يُبْقِي ظَهْرًا . 6467 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ - : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ نَفَهَتْ نَفْسُكَ . 6468 - أَيْ أَعْيَتْ وَكَلَّتْ ، يُقَالُ لِلْمُعْيِي مُنَفِّهٌ وَنَافِهٌ ، وَجَمْعُ نَافِهٍ : نُفَّهٌ . 6469 - كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي عَمْرٍو ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْإِيفالُ : السَّيْرُ الشَّدِيدُ ، وَأَمَّا الْوُغُولُ فَهُوَ الدُّخُولُ . 6470 - وَقَدْ جَعَلَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْغُلُوَّ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ سَيِّئَةً ، وَالتَّقْصِيرَ سَيِّئَةً ، فَقَالَ : الْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ . 6471 - وَأَمَّا لَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا فَهُوَ لَفْظٌ خَرَجَ عَلَى مِثَالِ لَفْظٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمَلُّ سَوَاءً مَلَّ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَمَلُّوا ، وَلَا يَدْخُلُهُ مَلَالٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا . 6472 - وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ ; فَإِنَّهُمْ إِذَا وَضَعُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ لَفْظٍ جَوَابًا لَهُ أَوْ جُزْءًا ذَكَرُوهُ بِمِثْلِ لَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ في مَعْنَاهُ . 6473 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا 6474 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ . 6475 - وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً ، وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ اعْتِدَاءً ، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ . 6476 - وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ 6477 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ . 6478 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا 6479 - وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ مَكْرٌ وَلَا هُزُوٌ وَلَا كَيْدٌ ، إِنَّمَا هُوَ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَكَيْدِهِمْ ، فَذَكَرَ الْجَزَاءَ بِمِثْلِ لَفْظِ الِابْتِدَاءِ لَمَّا وُضِعَ بِحِذَائِهِ وَقُبَالَتِهِ . 6480 - فَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . أَيْ مَنْ مَلَّ فَقَطَعَ عَمَلَهُ انْقَطَعَ عَنْهُ الْجَزَاءُ . 6481 - رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ قَدْرَ مَا تَطِيقُونَ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . 6482 - قَالَتْ : وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ . 6483 - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ : وَكَانَ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَاوَمَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَإِنْ قَلَّتْ . 6484 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا . 6485 - ثُمَّ قَرَأَ أَبُو سَلَمَةَ : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ . 6486 - وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْقَوْلِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ فَرْضٌ وَلَوْ كَقَدْرِ حَلْبِ شَاةٍ ، قَوْلٌ مَتْرُوكٌ وَشُذُوذٌ ، وَالْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ ، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ ، وَلَوْ كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرْضًا لَكَانَ مُقَدَّرًا مُوَقَّتًا مَعْلُومًا كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ . 6487 - وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا : حَدِّثِينِي عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ . فَقَالَتْ : أَلَسْتَ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَتْ : فَإِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَحُبِسَتْ خَاتِمَتُهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ أُنْزِلَ آخِرُهَا ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ . 6488 - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ . 6489 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ فِي التَّمْهِيدِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ · ص 426 257 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ . 260 257 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ الشَّيْخَانِ ( أَنَّهُ بَلَغَهُ ) كَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بَلَاغًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفَرَّدَ بِهِ الْقَعْنَبِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ دُونَ بَقِيَّةِ رُوَاتِهِ فَاقْتَصَرُوا مِنْهُ عَلَى طَرَفٍ مُخْتَصَرٍ ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْعُقَيْلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ امْرَأَةً مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي أَيْ سَمِعَ ذِكْرَ صَلَاتِهَا ، فَلَفْظُ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ الْمَذْكُورَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : فُلَانَةٌ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ نَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا ، فَقَالَ : مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَلَكِنْ تُغَايِرُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَارَّةَ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا مِنْ بَنِيِ أَسَدٍ أَيْضًا ، فَالْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ ، وَأَجَابَ الْحَافِظُ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، وَيُحْمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ لِتَخْرُجَ فَمَرَّتْ بِهِ فِي حَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : فُلَانَةُ وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَأْتِي قَوْلُ ابْنِ التِّينِ لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَمَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا . ( فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ فَقِيلَ لَهُ ) الْقَائِلُ عَائِشَةُ ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : ( هَذِهِ الْحَوْلَاءُ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا فَكَنَّتْ عَنْهَا بِفُلَانَةٍ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَصَرَّحَتْ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَفِي هَذَا الْبَلَاغِ بِاسْمِهَا وَاسْمِ أَبِيهَا فَقَالَتْ : ( بِنْتُ تُوَيْتٍ ) بِفَوْقِيَّتَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنُ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ ( لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ) تُصَلِّي كَمَا زَادَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ هِشَامٍ ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَنَّ عَائِشَةَ حَكَتْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهَا ( فَكَرِهَ ) ذَلِكَ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عُرِفَتِ الْكَرَاهِيَةُ ) بِخِفَّةِ الْيَاءِ ( فِي وَجْهِهِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : تَعْنِي أَنَّهُ رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ مِنَ التَّقْطِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا عَرَفَتْ بِهِ كَرَاهِيَتُهُ لِمَا وَصَفَتْ بِهِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَيْ أَنَّ مَنْ مَلَّ مِنْ عَمَلٍ قُطِعَ عَنْهُ جَزَاءُهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَلَالِ لِأَنَّهُ بِحِذَائِهِ وَجَوَابٌ لَهُ فَهُوَ لَفْظٌ خَرَجَ عَلَى مِثَالِ لَفْظٍ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا جَعَلُوهُ جَوَابًا لَهُ أَوْ جَزَاءً ذَكَرُوهُ مِثْلَ لَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ( سُورَةُ الشُّورَى : الْآيَةَ 40 ) ، وَ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 194 ) ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةَ 54 ) ، وَ : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 14 ، 15 ) ، وَ : يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا ( سُورَةُ الطَّارِقِ : الْآيَةَ 15 ، 16 ) . وَقَالَ الْحَافِظُ : الْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى - بِاتِّفَاقٍ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ : إِنَّمَا أَطْلَقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَأَنْظَارُهُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَجِهَةُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ قَطَعَ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدَ فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ ، وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلِلْتُمْ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ وَحَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ : لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ . وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى الْوَاوِ ، فَالتَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ ، قَالَ : وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ بِمَا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا ، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ . ( اكْلَفُوا ) بِسُكُونِ الْكَافِ وَفَتَحِ اللَّامِ أَيْ خُذُوا وَتَحَمَّلُوا ( مِنَ الْعَمَلِ ) أَيْ عَمَلِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا ( مَا لَكُمْ بِهِ ) أَيْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ ( طَاقَةٌ ) قُوَّةٌ ، فَمَنْطُوقُهُ الْأَمْرُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ ، وَمَفْهُومُهُ النَّهْيُ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ . وَقَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنْ هَذَا خَاصٌّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ لَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ ، وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ أَيْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : عَلَيْكُمْ ، وَبِقَوْلِهِ هُنَا : اكْلَفُوا ، مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ فَغَلَّبَ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَمَلَ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِهِ ، وَالصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَقَالُوا : يُكْرَهُ قِيَامُ جَمِيعِ اللَّيْلِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَإِنْ كَانَ يَأْتِي وَهُوَ نَاعِسٌ فَلَا يَفْعَلْ ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يُدْرِكُهُ كَسَلٌ وَفُتُورٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَكْرَهُهُ إِلَّا لِمَنْ خَشِيَ أَنْ يَضُرَّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ .