265 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ ، فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْمُسْتَهِلِّ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ كَانَتْ وَاحِدَةً ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَمَا الْأَصْلُ فِيهِ ، وَكَيْفَ كَانَ بُدُوُّ أَمْرِهِ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بِالْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا زِيَادَةٌ حَفِظَهَا مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ بِمَا نَقَلَ مِنْهَا ، وَلَا يَضُرُّهَا تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا ، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ ، وَفِعْلُ خَيْرٍ ، وَعَمَلُ بِرٍّ ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُصَلِّي أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا سَلَامٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا جُلُوسٌ إِلَّا فِي آخِرِهَا ، وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ كَانَ مِنْهَا فِي كُلِّ مَثْنَى ، وَالتَّسْلِيمَ أَيْضًا ، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَرْبَعًا يَعْنِي فِي الطُّولِ وَالْحُسْنِ وَتَرْتِيبِ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ وَيَفْعَلَ خِلَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْأَقْوَالِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَمَا نَزَعُوا بِهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ وَنَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمَضَى فِي بَابِ نَافِعٍ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوِتْرِ بِوَاحِدَةٍ وَبِثَلَاثٍ ، وَبِمَا زَادَ ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَاخْتِصَارُ اخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، قَالُوا : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، تَقْتَضِي الْجُلُوسَ وَالتَّسْلِيمَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ : صَلَاةُ الظُّهْرِ مَثْنَى ; لَمَّا كَانَتِ الْأُخْرَيَانِ مُضَمَّنَتَيْنِ بِالْأُولَيَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ : إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ ، أَوْ أَرْبَعًا ، أَوْ سِتًّا ، أَوْ ثَمَانِيًا . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : صَلِّ بِاللَّيْلِ مَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْعُدَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ وَتُسَلِّمَ فِي آخِرِهِنَّ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ : ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِثْلُ مَا رَوَاهُ الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ . وَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقٌ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِتِسْعٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ . وَيَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَهْبٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ ، حَتَّى يَجْلِسَ فِي الْآخِرَةِ فَيُسَلِّمَ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَلَى غَيْرِ هَذَا . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، كَانَ يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ . وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً : تِسْعًا قَائِمًا ، وَاثْنَتَيْنِ جَالِسًا ، وَاثْنَتَيْنِ قَاعِدًا ، وَاثْنَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ . وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْ عَائِشَةَ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ هَذَا الِاخْتِلَافَ : وَتَدَافَعَتْ وَاضْطَرَبَتْ ، لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي نَقْلِهِ ، وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، كُلُّهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى . وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَطُرُقَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَضَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى ، عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ مِنْهَا فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ لِقَوْلِهِ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ; لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ ذِكْرِ الْوِتْرِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَتْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ ، ثُمَّ يَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُوتِرُ ، وَلِهَذَا مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا ، ثُمَّ ثَلَاثًا ، أَظُنُّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بَيْنَهُنَّ ، فَقَالَتْ : أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا - يَعْنِي بَعْدَ نَوْمٍ - ثُمَّ ثَلَاثٍ بَعْدَ نَوْمٍ ، وَلِهَذَا مَا قَالَتْ لَهُ : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّ الْأَرْبَعَ كُنَّ بِغَيْرِ تَسْلِيمٍ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ الْوِتْرِ ، وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ ، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هُنَاكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي فَهَذِهِ جِبْلَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا . وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْسَامَ الْوَحْيِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَذَكَرْنَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَعْنَى نَوْمِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى ضَرَبَهُ حَرُّ الشَّمْسِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ جَمِيعًا ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لِي : لِتَنَمْ عَيْنُكَ ، وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكُ ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ ، فَنَامَتْ عَيْنِي ، وَعَقَلَ قَلْبِي ، وَسَمِعَتْ أُذُنِي وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ وَيَغِطَّ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ، وَلَا يَتَوَضَّأُ ; لِأَنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكُنْ يَنَامُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ غَلَبَ النَّوْمُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَغَمَرَ نَفْسَهُ . وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْصُوصًا دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ بِأَنْ تَنَامَ عَيْنُهُ ، وَلَا يَنَامَ قَلْبُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَصْبِيُّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ عِكْرِمَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْفُوظًا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَزِيدُ فِي · ص 69 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عَائِشَةَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً · ص 235 265 235 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . 6579 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْبَيَانُ بِأَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ كَانَتْ سَوَاءً . 6580 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ . 6581 - وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً . 6582 - وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَالصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ . 6583 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ . 6584 - وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، تِسْعًا قَائِمًا وَاثْنَتَيْنِ جَالِسًا وَاثْنَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ . 6585 - وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . 6586 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا . 6587 - فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا سَلَامٌ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعُ بَعْدَهَا . 6588 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي آخِرِ الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ فِي الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ . 6589 - وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا ، عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى . 6590 - فَمِنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا تَأَوَّلَ فِي قَوْلِهِ : يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا أَيْ حَسَّنَهُنَّ وَطَوَّلَهُنَّ وَرَتَّلَ الْقُرْآنَ فِيهِنَّ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فَعَلَ فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَهُنَّ حَسَّنَهُنَّ وَطَوَّلَهُنَّ ، ثُمَّ الثَّلَاثِ بَعْدَهُنَّ لَمْ يَبْلُغْ فِيهِنَّ مِنَ الطُّولِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ لَكِنَّهُ سَلَّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاتِهِ تِلْكَ كُلِّهَا . 6591 - فَهَذَا مَعْنَى أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ . 6592 - وَحُجَّتُهُمْ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَلَا يُقَالُ لِلظُّهْرِ وَلَا لِلْعَصْرِ مَثْنَى ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا جُلُوسٌ . 6593 - وَاخْتِصَارُ اخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ أَنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبَا يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدًا قَالُوا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ : مَثْنَى مَثْنَى ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ مَا قَدَّمْنَا مِنْ تَسْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى . 6594 - وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجُلُوسَ وَالتَّسْلِيمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . 6595 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ : إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا ، وَإِنْ شِئْتَ سِتًّا وَثَمَانِيًا لَا تَسْلِيمَ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ . 6596 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ : صَلِّ بِاللَّيْلِ مَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْعُدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتُسَلِّمَ فِي آخِرِهِنَّ . 6597 - وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ عَنْ عَائِشَةَ . 6598 - مِنْهَا : حَدِيثُهَا هَذَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا ، ثُمَّ ثَلَاثًا . 6599 - وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الْأَسْوَدُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ . 6600 - وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِتِسْعٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ . 6601 - وَيَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ يَحْيَى فِي ذَلِكَ . 6602 - وَرَوَى ابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوُهَيْبٍ وَطَائِفَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ حَتَّى يَجْلِسَ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُنَّ . 6603 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هَذَا فَقَدَ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ : مُذْ صَارَ هِشَامٌ بِالْعِرَاقِ أَتَانَا عَنْهُ مَا لَمْ نَعْرِفْ مِنْهُ . 6604 - وَأَمَّا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ فَمُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، وَيَقْضِي عَلَيْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى مَعَ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ اثْنَتَيْنِ . 6605 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ . 6606 - قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا ، ثُمَّ ثَلَاثًا وَجْهٌ رَابِعٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ يَنَامُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ . 6607 - وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا وَصَفَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ وَقِرَاءَتَهُ ، فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى ، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى . وَنَعَتَتْ قِرَاءَاتَهُ حَرْفًا حَرْفًا . 6608 - وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ : ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَيُوتِرُ . 6609 - رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ . 6610 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقِيلَ : إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْرِفِ النَّوْمَ قَبْلَ الْوِتْرِ ; لِأَنَّ أَبَاهَا أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يُوتِرَ ، وَكَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ . 6611 - وَهَذَا عَنْهُ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ . 6612 - فَلِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ لِأَنَّهَا رَأَتْ أَبَاهَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ صَبِيَّةً فِيهَا يَقَظَةٌ . 6613 - أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لَهَا : إِنْ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي فَتِلْكَ مِنْ عَلْيَاءِ مَرَاتِبِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . 6614 - وَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا - مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ - تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا . 6615 - وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُفَارِقُونَ سَائِرَ الْبَشَرِ فِي نَوْمِ الْقَلْبِ ، وَيُسَاوُوهُمْ فِي نَوْمِ الْعَيْنِ ، وَلَوْ تَسَلَّطَ النَّوْمُ عَلَى قُلُوبِهِمْ كَمَا يَصْنَعُ بِغَيْرِهِمْ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَاهُمْ إِلَّا كَرُؤْيَا مَنْ سِوَاهُمْ ، وَقَدْ خَصَّهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بِمَا شَاءَ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِهِ . 6616 - وَمِنْ هَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ النَّوْمِ إِنَّمَا يَجِبُ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَى الْقَلْبِ لَا عَلَى الْعَيْنِ . 6617 - فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَاوِي أُمَّتَهُ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الْحَدَثِ وَلَا يُسَاوِيهِمْ فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ، كَمَا لَمْ يُسَاوِيهِمْ فِي وِصَالِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهِ . 6618 - فَإِنْ قِيلَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ مِنَ النَّوْمِ ، قِيلَ : كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ قَالَ : وُضُوئِي هَذَا مِنَ النَّوْمِ ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَتَوَضَّأَ إِذَا خَامَرَ النَّوْمُ قَلْبَهُ ، وَذَلِكَ نَادِرٌ ، كَنَوْمِهِ فِي سَفَرِهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُسْقِطُهَا خُرُوجُ الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ ، وَهَذَا وَاضِحٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . 6619 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . 6620 - قَالَ عِكْرِمَةُ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْفُوظًا . 6621 - وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ نَادِرًا ليسن لِأُمَّتِهِ كَمَا سَنَّ فِيمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ ، وَكَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَنْسَى لِأَسُنَّ . 6622 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قِيلَ لِي : لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكُ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ ، فَنَامَتْ عَيْنِي وَعَقَلَ قَلْبِي وَسَمِعَتْ أُذُنِي . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 6623 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ وَتَقَدَّمَ عَنْهُ فِي بَابِ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْوَادِي مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوِتْرِ · ص 431 262 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . 265 262 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) كَيْسَانَ ( الْمَقْبُرِيِّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا نِسْبَةٌ إِلَى الْمَقْبَرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ مُجَاوِرًا لَهَا ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ التَّابِعِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ) أَيْ غَيْرَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثُهَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ يَتَهَجَّدُ فِيهِ مَا لَا يَتَهَجَّدُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّطْوِيلِ فِي الرَّكَعَاتِ دُونَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَدَدِ ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ عَارَضَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَعَ كَوْنِ عَائِشَةَ أَعْلَمَ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلًا مِنْ غَيْرِهَا . قَالَ الْحَافِظُ : وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَنَّ التَّهَجُّدَ وَالْوِتْرَ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَفَرَائِضُ النَّهَارِ الظُّهْرُ وَهِيَ أَرْبَعٌ ، وَالْعَصْرُ وَهِيَ أَرْبَعٌ ، وَالْمَغْرِبُ وَهِيَ ثَلَاثٌ وِتْرُ النَّهَارِ ، فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ كَصَلَاةِ النَّهَارِ فِي الْعَدَدِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا . وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَبِضَمِّ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِكَوْنِهَا نَهَارِيَّةً إِلَى مَا بَعْدَهَا ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الصُّبْحَ نَهَارِيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 187 ) وَالْمَغْرِبَ لَيْلِيَّةٌ لِحَدِيثِ : إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ، وَيُرَدُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ النَّهَارِ فَأَوْتِرُوا صَلَاةَ اللَّيْلِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ ، فَأُضِيفَتْ إِلَى النَّهَارِ لِوُقُوعِهَا عَقِبَهُ فَهِيَ نَهَارِيَّةٌ حُكْمًا لَيْلِيَّةٌ حَقِيقَةً كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا . ( يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ) أَيْ إِنَّهُنَّ فِي نِهَايَةٍ مِنْ كَمَالِ الْحُسْنِ وَالطُّولِ مُسْتَغْنِيَاتٌ بِظُهُورِ ذَلِكَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُ . ( ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ) يَعْنِي أَرْبَعًا فِي الطُّولِ وَالْحُسْنِ وَتَرْتِيلِ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ وَيَفْعَلَ خِلَافَهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ فُقَهَاءُ الحجاز وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سَلَامٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا جُلُوسٌ إِلَّا فِي آخِرِهَا ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، اهـ . ( ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ) يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِهَا فَوْقَهُ وَالرَّكْعَتَانِ شَفْعٌ ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ ) بِفَاءِ الْعَطْفِ عَلَى السَّابِقِ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفِ النَّوْمَ قَبْلَ الْوِتْرِ لِأَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يُوتِرَ وَكَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، فَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهَا أَنْ لَا نَوْمَ قَبْلَ الْوِتْرِ ، فَأَجَابَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ ( فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ) ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا قَوِيَتْ حَيَاتُهُ لَا يَنَامُ إِذَا نَامَ الْبَدَنُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَلَوْ سُلِّطَ النَّوْمُ عَلَى قُلُوبِهِمْ كَانَتْ رُؤْيَاهُمْ كَرُؤْيَا مَنْ سِوَاهُمْ ، وَلِذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ وَيُسْمَعَ غَطِيطُهُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إِنَّمَا يَجِبُ بِغَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَى الْقَلْبِ لَا عَلَى الْعَيْنِ ، وَلَا يُعَارِضُ نَوْمُهُ بِالْوَادِي لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ لَا بِالْقَلْبِ كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِأَنَّ السُّؤَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْوِتْرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ قَبْلَ صَلَاتِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُوتِرُ ، وَلِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ : أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا أَظُنُّ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بَيْنَهُنَّ فَقَالَ : أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا تَعْنِي بَعْدَ نَوْمٍ ثُمَّ ثَلَاثٍ بَعْدَ نَوْمٍ ، وَلِذَا قَالَتْ : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ وَقَدْ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا يَنَامُ ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى ، الْحَدِيثَ ، يَعْنِي فَهَذَا شَاهِدٌ لِحَمْلِ خَبَرِ عَائِشَةَ عَلَى مَا ذُكِرَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الصَّوْمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِي الصِّفَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، الثَّمَانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .