332 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِأَبِي الزُّبَيْرِ . مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ قَالَ مَالِكٌ : أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ . أَمَّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَأَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْفُضَلَاءِ ( مِنَ التَّابِعِينَ ) ، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ صَبْرًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَهُوَ مَوْلَى لِبَنِي أَسَدٍ ، وَلَهُ أَخْبَارٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا شَدِيدًا عَلَى السُّلْطَانِ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكِرِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . إِسْنَادُهُ ثَابِتٌ ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَلِمَ يَتَأَوَّلُوا فِيهِ الْمَطَرَ ، وَرَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَقَالَ فِيهِ : فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا إِلَى تَبُوكَ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ ، وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَى حَالٍ أَلْبَتَّةَ ، إِلَّا طَائِفَةٌ شَذَّتْ سَنُورِدُ مَا إِلَيْهِ ذَهَبَتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي عُذْرِ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : جَائِزٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ ، ( قَالَ ) : وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي حَالِ الْمَطَرِ ، قَالَ : وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ إِذَا كَانَ طِينًا وَظُلْمَةً ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْحَضَرِ وَمَا يَنْتَابُ مِنْهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي فِي سُلُوكِهَا مَشَقَّةٌ ، وَقَالَ مَرَّةً : يَنْصَرِفُونَ مَعَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ، يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُؤَذِّنَ لَهَا وَيُقَامُ فَتُصَلَّى ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعَشَاءِ وَيُقِيمُونَهَا وَتُصَلَّى ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ مَعَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إِسْفَارٌ . وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِشَبْطُونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، لِفَضْلِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ غَيْرُهُ ، وَهُوَ يُقْصَدُ مِنْ بُعْدٍ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَرْوَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ . وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ، فَيُصَلِّيهَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُنْكِرُونَهُ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : رَأَيْتُ سَالِمًا وَالْقَاسِمَ يُصَلِّيَانِ مَعَهُمْ - يَعْنِي الْأُمَرَاءَ - فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ . وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مِنَ السُّنَّةِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ . قَالَ : وَكَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ يَمْكُثُ هُنَيْئَةً ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ أَيُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ . قُلْتُ لَهُ : بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا قَبْلُ ، كَمَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - : يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ : مَا سَمِعْتُ ، قُلْتُ لَهُ : فَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ لَهُ : فَسُنَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ عِنْدَكَ مَغِيبُ الشَّفَقِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَفِي السَّفَرِ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ ( الشَّافِعِيُّ ) يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي الْمَطَرِ إِذَا كَانَ الْمَطَرُ قَائِمًا دَائِمًا ، وَلَا يُجْمَعُ فِي غَيْرِ حَالِ الْمَطَرِ . وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ ، وَتَأَوَّلُوا ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجْمَعُ أَحَدُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ لَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَلَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ دَاوُدَ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا لَيْسَ فِيهِ صِفَةُ الْجَمْعِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَصَنَعَ كَذَلِكَ بِالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ، وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى جَمْعًا ، قَالُوا : وَلَسْنَا نُحِيلُ أَوْقَاتَ الْحَضَرِ إِلَّا بِيَقِينٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُبَاحٌ فِي الْحَضَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ إِذَا كَانَ عُذْرٌ يُحْرَجُ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ ، وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ . ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا أَرَادَ ( إِلَى ) ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا يَقُولُ الْأَعْمَشُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ . وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِيهِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِسْنَادُ حَدِيثِ مَالِكٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أَقْوَى وَأَوْلَى ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ : " مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ " ، مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، إِلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ لَمْ يَتَأَوَّلْ فِيهِ الْمَطَرَ ، وَقَالَ فِيهِ : لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ قَالَ قُلْتُ : فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرَجَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ . ( وَرَوَاهُ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِيهِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ ) . وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُسَافِرٍ وَلَا مَرِيضٍ ، وَلَا فِي حَالِ الْمَطَرِ ، يُجْمَعُ بَيْنَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ ، وَلَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلَا بَيْنَ الْعَشَاءِ وَالصُّبْحِ ، وَإِنَّمَا الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ : صَلَاتَيِ النَّهَارِ وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ ; لِأَنَّ الصَّلَاتَيْنِ مِنْهُمَا مُشْتَرِكَتَانِ فِي الْوَقْتِ لِلْمُسَافِرِ ، وَصَاحِبِ الْعُذْرِ ، أَلَا تَرَى اشْتِرَاكَهُمَا لِلْحَائِضِ تَطْهُرُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ ، وَنَحْوِهُمَا ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الصُّبْحَ لَا يُجْمَعُ مَعَ غَيْرِهَا أَبَدًا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . وَقَالَ أَشْهَبُ - مِنْ رَأْيِهِ - : لَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلَ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الْجَمْعِ فِي تَأْخِيرِ الْأُولَى وَتَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ : مَا وَجْهُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ إِنْ قَدَّمَ ( رَجُلٌ ) أَوْ أَخَّرَ نَحْوَ هَذَا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : هَذِهِ عِنْدِي رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَكَانَتْ رُخْصَةً فِي التَّأْخِيرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِلسَّعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِّينَا نَحْوَ هَذَا خَبَرًا ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى الْأُشْنَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا عِلَّةٍ لِلرُّخْصَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ( قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ) بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ وَلَمْ يَقُلْ سُلَيْمَانُ وَمُسَدَّدٌ : " بِنَا " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَزَادَ قَالَ عَمْرٌو : قُلْتُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ : أَظُنُّ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعَشَاءَ ؟ قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ ، فَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَمَنْ رَوَى حَدِيثًا كَانَ أَعْلَمَ بِمُخْرِجِهِ وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَمْعِ الْمَرِيضِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا خَافَ الْمَرِيضُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ عِنْدَ الْغُرُوبِ ، قَالَ : فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقَ بِهِ لِشِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ بَطَنٍ - يَعْنِي وَلَمْ يَخْشَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ - فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمَرِيضُ أَوْلَى بِالْجَمْعِ مِنَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ جَمَعَ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ إِلَى ذَلِكَ أَعَادَ ، مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ( وَكَانَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَرَى أَنْ يَجْمَعَ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ) ، وَقَالَ اللَّيْثُ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ وَالْمَبْطُونُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَجَمْعِ الْمُسَافِرِ عِنْدَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَبْلَ هَذَا عَنْهُ ، يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِلْمُسَافِرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ غَيْرُ هَذَا ، وَأَمَّا فِي الْمَطَرِ فَلَا يُجْمَعُ عِنْدَهُمْ عَلَى حَالٍ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا قَالَ عَمْرٌو : قُلْتُ يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعَشَاءَ . قَالَ : أَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ . رَوَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، فَأَقْحَمَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ أَبِي الشَّعْثَاءِ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا ، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعَشَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا ، غَيْرَ مَا قَالَ قُتَيْبَةُ حِينَ جَعَلَ التَّأْخِيرَ وَالتَّعْجِيلَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَنُّ عَمْرٍو وَأَبِي الشَّعْثَاءِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا قُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعَشَاءَ ؟ قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا جَمْعٌ مُبَاحٌ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ إِذَا صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَصَلَّى هُوَ بِالنَّاسِ فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَصَلَّى فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِهِ ، وَقَالَ لِلسَّائِلِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . وَعَلَى هَذَا تَصِحُّ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى : لِئَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى لِلرُّخْصَةِ ، وَهَذَا جَمْعٌ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِ الْحَضَرِ ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَتَأَوَّلْ فِيهِ الْمَطَرَ ، وَتَأَوَّلَ مَا قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا · ص 209 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين في غير خوف ولا سفر · ص 23 332 305 - وَفِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ . 7762 - قَالَ مَالِكٌ : أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ . 7763 - وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ . 7764 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رُوَاتِهِ اخْتِلَافٌ . 7765 - فَرَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ . قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا أَرَادَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَلَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ . 7766 - هَكَذَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ فِيهِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ . فَخَالَفَ أَبَا الزُّبَيْرِ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ . 7767 - وَأَبُو الزُّبَيْرِ أَيْضًا حَافِظٌ . 7768 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . 7769 - رَوَاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ . 7770 - وَقَدْ رَوَى صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ كَمَا قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ . 7771 - وَهَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِآخِرِة . 7772 - وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَالِكٍ فِيهِ وَقَوْلُهُ : أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ ; فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ، مِنْهُمُ : الشَّافِعِيُّ . 7773 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرِ الْمَطَرِ إِلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ . سَنُورِدُ مَا إِلَيْهِ ذَهَبَتْ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 7774 - وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِعُذْرِ الْمَطَرِ . 7775 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : أَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَجَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ الْمَطَرِ . 7776 - قَالَ : وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ طِينٌ وَظُلْمَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ . 7777 - فَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ . 7778 - وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ . 7779 - وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْصَارِ وَغَيْرِ الْأَمْصَارِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَضْلِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ - وَهُوَ يَقْصِدُ مِنْ بُعْدٍ . 7780 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ . 7781 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 7782 - وَهُوَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهَا . 7783 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 7784 - وَالْجَمْعُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ : أَنْ يُؤَخَّرَ الْمَغْرِبُ ثُمَّ يُؤَذَّنُ لَهَا وَتُقَامُ فَتُصَلَّى ، ثُمَّ يُؤَذَّنُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ لِلْعِشَاءِ وَيُقِيمُونَهَا وَتُصَلَّى ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ مَعَ مَغِيبِ الشَّفَقِ . 7785 - وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ أَسْفَارٌ . 7786 - وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ : لَا . مَا سَمِعْتُ . قُلْتُ : فَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ؟ قَالَ : لَا الْأُولَى كَمَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ . قُلْتُ : فَسُنَّةُ الْجَمْعِ فِيهِمَا فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : تُؤَخَّرُ أَيْضًا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . 7787 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ الْوَابِلِ إِذَا كَانَ الْمَطَرُ دَائِمًا وَلَا يُجْمَعُ فِي غَيْرِ الْمَطَرِ . 7788 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ . 7789 - وَتَأَوَّلُوا ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ . 7790 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجْمَعُ أَحَدٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ ، لَا الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَلَا الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . 7791 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ دَاوُدَ . 7792 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ شَذَّتْ عَنِ الْجُمْهُورِ : الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَإِنْ ( لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ مُبَاحٌ ) إِذَا كَانَ عُذْرٌ وَضِيقٌ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ . 7793 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ . 7794 - وَكَانَ ( ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْمَعَ ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ عُذْرٌ مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً . 7795 - وَقَالَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ عِنْدِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلَ ، وَهَذَا الْجَمْعُ عِنْدِي بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَأَوَّلِ وَقْتِ الْآخِرَةِ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ وَالسِّفْرِ ، فَأَمَّا أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا فَلَا إِلَّا فِي السَّفَرِ . 7796 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا . 7797 - قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قُلْتُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ : أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ . قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ . 7798 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 7799 - وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ لِمَنْ جَعَلَ الْوَقْتَ فِي صَلَاتَيِ اللَّيْلِ وَفِي صَلَاتَيِ النَّهَارِ فِي الْحَضَرِ كَهُوَ فِي السَّفَرِ ، وَأَجَازَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ; لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ كَانَتْ بِأَنْ أَخَّرَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيِ النَّهَارِ فَصَلَّاهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَصُنْعُ مِثْلِ ذَلِكَ بِالْعِشَاءِ بَيِّنٌ عَلَى مَا ظَنَّهُ أَبُو الشَّعْثَاءِ وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ ، هُوَ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَوْضِعُهُمَا مِنَ الْفِقْهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا فَوْقَهُ مَوْضِعٌ . 7800 - وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ يُسَمَّى جَمْعًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَطُلَتِ الشُّبْهَةُ الَّتِي نَزَعَ بِهَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ فِي الْحَضَرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ فِي - الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ - عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا فِي هَذَا الْبَابِ - وَسَنَّ لِلْمُسَافِرِ ذَلِكَ كَمَا سَنَّ لَهُ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَمْنِ تَوْسِعَةً أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا ، فَسَنَّهَا لِأُمَّتِهِ فَلَا يُتَعَدَّى بِهَا إِلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7801 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى جَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ ، فَقَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ فَمَعْنَاهُ مَكْشُوفٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، أَيْ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أُمَّتِهِ فَتُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَبَدًا وَفِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ أَبَدًا لَا تَتَعَدَّى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لِتُصَلِّ فِي الْوَقْتِ كَيْفَ شَاءَتْ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْوَقْتِ وَقْتٌ كُلُّهِ ، وَأَمَّا أَنْ تُقَدَّمَ صَلَاةُ الْحَضَرِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَلَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 7802 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَمْعِ الْمَرِيضِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . 7803 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا خَافَ الْمَرِيضُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَجَمَعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ عِنْدَ الْغُرُوبِ . 7804 - قَالَ : فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقَ بِهِ لِشِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ بَطَنٍ وَلَمْ يَخْشَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتٍ وَسَطَ الظُّهْرِ وَفِي غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ . 7805 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمَرِيضُ أَوْلَى بِالْجَمْعِ مِنَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ . 7806 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ جَمَعَ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ إِلَى ذَلِكَ أَعَادَ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 7807 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ وَالْمَبْطُونُ . 7808 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَجَمْعِ الْمُسَافِرِ . 7809 - وَقَدْ قَدَّمْنَا مَذْهَبَهُ وَمَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتَهُ فِي جَمْعِ الْمُسَافِرِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . 7810 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَكِنْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ . 7811 - وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ . 7812 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدِي عَلَى حَسَبِ جَمْعِ الْمُسَافِرِ عِنْدَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ · ص 506 329 - وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ . قَالَ مَالِكٌ : أُرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ . 332 329 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( الْمَكِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ) بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرٌ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ . قَالَ مَالِكٌ : أُرَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ ( ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ ) وَوَافَقَهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لَكِنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ ، وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْأُولَى رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ فَهِيَ أَوْلَى ، قَالَ : وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ الْجَمْعَ بِالْمَطَرِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ : وَلَا مَطَرٌ كَثِيرٌ ، أَوْ وَلَا مَطَرٌ مُسْتَدَامٌ ، فَلَعَلَّهُ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ، وَقِيلَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لِلْمَرَضِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ ، قَالَ الْحَافِظَ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ لَهُ لَمَا صَلَّى مَعَهُ إِلَّا مَنْ بِهِ الْمَرَضُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَقِيلَ : كَانَ فِي غَيْمٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ انْكَشَفَ الغيم فَبَانَ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ دَخَلَ فَصَلَّاهَا ، وَأَبْطَلَهُ النَّوَوِيُّ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فِي الظُّهْرَيْنِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ فِي الْعِشَاءَيْنِ ، وَكَأَنَّ نَفْيَهُ الاحتمال مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ ، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا يَمْتَدُّ إِلَى الْعِشَاءِ فَالِاحْتِمَالُ قَائِمٌ ، وَقِيلَ : الْجَمْعُ صُورِيٌّ بِأَنْ يُوقِعَ الظُّهْرَ آخِرَ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مُخَالَفَةً لَا يَحْتَمِلُ ، لَكِنَّ هَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ اسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَرَجَّحَهُ قَبْلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمِنَ الْقُدَمَاءِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَقَوَّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِأَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ قَالَ بِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ : قُلْتُ : يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ ، قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّهُ ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَدْرَى بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ . قُلْتُ : لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ بَلْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَطَرِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ لَكِنْ يُقَوِّي الْجَمْعَ الصُّورِيَّ أَنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا صِفَةُ الْجَمْعِ ، فَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مُطْلَقِهَا فَيَسْتَلْزِمَ إِخْرَاجَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ بِلَا عُذْرٍ ، وَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَلَا يَسْتَلْزِمَ الْإِخْرَاجَ وَيُجْمَعَ بِهَا بَيْنَ مُفْتَرَقِ الْأَحَادِيثِ ، وَالْجَمْعُ الصُّورِيُّ أَوْلَى . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَجَوَّزُوا الْجَمْعَ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ مُطْلَقًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا فِي مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَد مِنْ أُمَّتِهِ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ هَرَمٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الْأُولَى وَالْعَصْرَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ شُغُلٍ ، وَفِيهِ رَفْعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّ شُغْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ بِالْخُطْبَةِ وَأَنَّهُ خَطَبَ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ بَدَتِ النُّجُومُ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَفِيهِ تَصْدِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَفْعِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ التَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ ظَاهِرٌ فِي مُطْلَقِ الْجَمْعِ ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : صَنَعْتُ هَذَا لِئَلَّا تُحْرَجَ أُمَّتِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَإِرَادَةُ نَفْيِ الْحَرَجِ تَقْدَحُ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَجٍ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ .