382 حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَأَرْبَعُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى قَوْلَهُ : مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ ، فَمَعْنَاهُ تَتَرَحَّمُ عَلَى أَحَدِكُمْ وَتَدْعُو لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الصَّلَاةَ الْمَعْرُوفَةَ ، وَمَوْضِعُهَا الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ هُوَ الْمُصَلَّى ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ : مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ يَحْصُلُ فِي الْأَغْلَبِ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ قَعَدَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِ بَيْتِهَا ، أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شُهُودِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، لَكَانَ كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ذَكَرَ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ زُرَيْقٍ الْأَيْلِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَأَنَا مَعَهُ قَالَ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنَّا أَهْلُ قَرْيَةٍ لَا نَكَادُ أَنْ نُقْبِرَ مَوْتَانَا إِلَّا بِالْعَشِيِّ ، فَإِذَا خَرَجَتِ الْجِنَازَةُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهَا أحد إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ حُضُورَهَا ، فَكَيْفَ تَرَى ، اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُقْبَرَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَالتَّخَلُّفُ فِي الْمَسْجِدِ ( أَحَبُّ فَإِنِّي ) أَذْكُرُ اللَّهَ وَأُهَلِّلُ وَأُسَبِّحُ وَأَسْتَغْفِرُ ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، فَإِذَا فَعَلْتُ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْفُرُوضَ الَّتِي عَلَى الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنَ النَّوَافِلِ ، وَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ هَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ ، وَلِلصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وُجُوهٌ ; قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَالصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : تَكُونُ الصَّلَاةَ الْمَعْرُوفَةَ الَّتِي فِيهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : وأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَ الْأَعْشَى ، وَهُوَ جَاهِلِيٌّ : نُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا حُوَارَا الْحُوَارُ هَهُنَا : الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ : الْبَكَرَةُ تَدُورُ عَلَى الْمِحْوَرِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ : أَوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُهَا بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ قَالَ الْأَنْبَارِيُّ : وَتَكُونُ الصَّلَاةُ التَّرَحُّمَ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : صَلَّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمُ مِنْ فِتْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمُ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ وَقَالَ آخَرُ : صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَتِنَا ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى . يُرِيدُ : اللَّهُمَّ تَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ . وَتَكُونُ الصَّلَاةُ الدُّعَاءَ ، مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ ; لِأَنَّهُ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ . مَعْنَاهُ : فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ أَيْضًا : الصَّائِمُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ . مَعْنَاهُ : دَعَتْ لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى : لَهَا حَارِسٌ لَا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا وَلِلْأَعْشَى : تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا يُرِيدُ : عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي دَعَوْتِ ، وَيُرْوَى : فَاغْتَمِضِي عَيْنًا . وَمِنْ هَذَا عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالُوا : أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ ، هَذَا قَوْلُ مَكْحُولٍ وَأَبِي عِيَاضٍ . وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا فِي الدُّعَاءِ . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ( عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَوْلَهُ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ : مُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَدَّادٍ ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ : نَزَلَتْ فِي الْقِرَاءَةِ ، قَالُوا : كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهِ بِمَكَّةَ ، فَكَانَ ذَلِكَ يُعْجِبُ الْمُسْلِمِينَ وَيَسُوءُ الْكُفَّارَ ، فَهَمُّوا بِأَذَاهُ ، وَسَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ ، وَقَالُوا : يُؤْذِينَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا خَافَتَ مَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا . وَقَالَ الْحَسَنُ : مَعْنَى الْآيَةِ : لَا تُسِئْ صَلَاتَكَ فِي السِّرِّ وَتُحْسِنْهَا فِي الْعَلَانِيَةِ ، وَلْتَكُنْ سَرِيرَتُكَ مُوَافِقَةً لِعَلَانِيَتِكَ . وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ : لَا تُصَلِّيهَا رِيَاءً ، وَلَا تَدَعْهَا حَيَاءً . وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ : إِذَا كَانَتْ سَرِيرَةُ الْعَبْدِ أَفْضَلَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ ، فَذَلِكَ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ سَوَاءً فَذَلِكَ النَّصَفُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَانِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ ، فَذَلِكَ الْحَوْرُ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا قَرَأَ رَفَعَ صَوْتَهُ ، وَقَالَ : أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْفِضُ صَوْتَهُ ، فَأُمِرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ قَلِيلًا ، وَأُمِرَ عُمَرُ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ قَلِيلًا ، وَنَزَلَتْ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أشعث ، عن عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا دَعَا فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ صَوْتَهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُرْوَى فِي فَضْلِ الْمُنْتَظِرِ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ، وَفِي اسْتِغْفَارِهَا لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، وَإِنَّمَا صَارَ كَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَتَفْسِيرُهُ : " مَا لَمْ يُحْدِثْ " بِأَنَّهُ الْحَدَثُ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَقَالَ : هُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ وَالْخَوْضُ فِيمَا لَا يَصْلُحُ مِنَ اللَّهْوِ ، وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَحْدَثَ وَقَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ بِمُنْتَظِرٍ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَظِرُهَا مَنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ، وَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ تَتَرَحَّمَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى كُلِّ مُنْتَظِرٍ لِلصَّلَاةِ وَتَدْعُوَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ لِفَضْلِ انْتِظَارِهِ لِلصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَحْبِسْهُ غَيْرُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِذَا كَانَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ ، وَهَذَا أَوْلَى بِأَنْ تَدْعُوَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنْ خَاضَ فِي بَعْضِ مَا يُخَاضُ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الدُّنْيَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا كَانَ أَصْلُ عَقْدِهِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ · ص 39 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ · ص 208 382 ( 18 ) بَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا . 355 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ . 8673 - قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى قَوْلَهُ : مَا لَمْ يُحْدِثْ ، إِلَّا الْحَدَثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ . 8674 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ فَقَدْ بَانَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ اغْفِرِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ . 8675 - وَمَعْنَى تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ يُرِيدُ تَدْعُو لَهُ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ . 8676 - وَمُصَلَّاهُ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَذَلِكَ عِنْدِي فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ هُنَاكَ يَحْصُلُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مَعْنَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ . 8677 - وَلَوْ قَعَدَتِ الْمَرْأَةُ فِي مُصَلَّى بَيْتِهَا تَنْتَظِرُ وَقْتَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَتَقُومُ إِلَيْهَا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي شُغُلٍ يَفُوتُهَا مَعَهُ الصَّلَاةُ . 8678 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ : وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ ; لِأَنَّ الْمُرَابِطَ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَنِ الْمَكَاسِبِ وَالتَّصَرُّفِ إِرْصَادًا لِلْعَدُوِّ وَمُلَازَمَةً لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْشَى فِيهِ طَرِيقَ الْعَدُوِّ . 8679 - وَلِلصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وُجُوهٌ . 8680 - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : تَكُونُ الصَّلَاةُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي فِيهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 8681 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَ الْأَعْشَى : يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارًا . 8682 - وَالْجُؤَارُ هَاهُنَا الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ لِلْبَكَرَةِ تَدُورُ عَلَى الْحَوْرِ . 8683 - قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَتَكُونُ الصَّلَاةُ التَّرَحُّمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . 8684 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ . 8685 - وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : صَلَّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمُ مِنْ فِتْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمُ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ . 8686 - وَقَالَ آخَرُ : صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعْ . 8687 - وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ آلِ أَبِي أَوْفَى فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ، يُرِيدُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ . 8688 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى . 8689 - وَتَكُونُ الصَّلَاةُ : الدُّعَاءُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ ; لِأَنَّهَا لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ . 8690 - وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ يُرِيدُ يَدْعُو . 8691 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا فَقِيلَ : الصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ الْآيَةُ عَلَى مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 8692 - وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِذْ عُوتِبَ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ : قُعُودِي فِي الْمَسْجِدِ أَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ أَحَبُّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيَّ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . 8693 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرَ سَعِيدٍ هَذَا بِتَمَامِهِ ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي مَذْهَبِهِ هَذَا وَرَأَى شُهُودَ الْجَنَائِزِ أَفْضَلَ ; لِأَنَّهُ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَالْفَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ وَالنَّافِلَةِ . 8694 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يُحْدِثْ أَنَّهُ الْحَدَثُ الَّذِي يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ ، وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْمُحْدِثَ فِي الْمَسْجِدِ الْقَاعِدَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ . 8695 - وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْحَدَثَ هَاهُنَا الْكَلَامُ الْقَبِيحُ . 8696 - وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّ مِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَصْلُحُ مِنَ الْقَوْلِ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ وَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ; لِأَنَّهُ مُنْتَظِرٌ لِلصَّلَاةِ فِي حَالٍ يَجُوزُ لَهُ بِهَا الصَّلَاةُ إِذَا كَانَ عَقْدُهُ وَنِيَّتُهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . 8697 - وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا · ص 552 18 - بَاب انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا 382 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ . 18 - بَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا 382 382 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَنُونٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ ) الْحَفَظَةُ أَوِ السَّيَّارَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ ( تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ ) أَيْ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ، قِيلَ عَبَّرَ بِتُصَلِّي لِيَتَنَاسَبَ الْجَزَاءُ وَالْعَمَلُ ( مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ) صَلَاةً تَامَّةً ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ مُصَلَّاهُ انْقَضَى ذَلِكَ ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ بَعْدَهُ أَنَّ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْمُ الْمُصَلِّي سَوَاءٌ بَقِيَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ : فِي مُصَلَّاهُ ، عَلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ لَا الْمَوْضِعِ الْخَاصِّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَوَّلًا فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَمُصَلَّاهُ الْمَكَانُ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّةِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ كَانَ كَذَلِكَ ، انْتَهَى . بَلْ فِي الِاسْتِذْكَارِ مُصَلَّاهُ الْمَسْجِدُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مَعْنَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ قَعَدَتِ امْرَأَةٌ فِي مُصَلَّى بَيْتِهَا تَنْتَظِرُ وَقْتَ صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَدَخُلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ لِأَنَّ الْمُرَابِطَ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الْمَكَاسِبِ وَالتَّصَرُّفِ إِرْصَادًا لِلْعَدُوِّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ عَنِ الْمَبْسُوطِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى في غير جَمَاعَةً ثُمَّ قَعَدَ بِمَوْضِعِهِ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى أَتَرَاهُ فِي صَلَاةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يُحْدِثْ فَيَبْطُلُ ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَمَرَّ جَالِسًا . وَفِيهِ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ النُّخَامَةِ ؛ لِأَنَّ لَهَا كَفَّارَةً وَهِيَ دَفْنُهَا وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا كَفَّارَةٌ بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ . ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ) عَلَى إِضْمَارِ قَائِلِينَ أَوْ تَقُولُ ، وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تُصَلِّي ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَيَّنَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ ( اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ( سُورَةُ الشُّورَى : الْآيَةُ 5 ) ، وَقِيلَ : السِّرُّ فِيهِ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْخَلَلِ فِي الطَّاعَةِ فيقتصرون عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَوَّضُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الثَّوَابِ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَعَلَى تَفْضِيلِ صَالِحِي النَّاسِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، لِأَنَّهُمْ فِي تَحْصِيلِ الدَّرَجَاتِ بِعِبَادَتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ مَشْغُولُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ) لِأَنَّ الْقَاعِدَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ هُنَا : الْكَلَامُ الْقَبِيحُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْقَبِيحَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ : الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : الْمُرَادُ الْحَدَثُ حَدَثُ الْفَرْجِ ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اجْتِنَابَ حَدِيثِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْأَذَى مِنْهُمَا يَكُونُ أَشَدُّ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ . وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ( فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ) أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ صَلَّى ثُمَّ انْتَظَرَ صَلَاةً أُخْرَى ، وَتَتَقَيَّدُ الصَّلَاةُ الْأُولَى بِكَوْنِهَا مُجْزِيَةً ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .