414 حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَجْمَعُوا لِلصَّلَاةِ فَأَحَقُّهُمْ وَأَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا أَفْقَهُهُمْ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ بِجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ ، وَلَا سِيَّمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَعْلَمُهُمْ إِذَا كَانَتْ حَالُهُ حَسَنَةً وَلِلسِّنِّ حَقٌّ . قِيلَ لَهُ : فَأَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا ؟ قَالَ : لَا ، قَدْ يَقْرَأُ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ ، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَسَنُّهُمْ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ لِلسُّنَّةِ ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ فَأَكْبُرُهُمْ سِنًّا ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ وَالسِّنِّ فَأَوْرَعُهُمْ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ أَقْرَؤُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا رِجَالًا فَتَفَقَّهُوا فِيمَا عَلِمُوا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَمَّا الْيَوْمَ فَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَهُمْ صِبْيَانٌ لَا فِقْهَ لَهُمْ . وَقَالَ اللَّيْثُ : يَؤُمُّهُمْ أَفْضَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ ، ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ إِذَا اسْتَوَوْا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ قَدَّمَ أَفْقَهَهُمْ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْتَفِي بِهِ فِي صِلَاتِهِ ، وَإِنْ قُدِّمَ أَقْرَؤُهُمْ وَعَلِمَ مَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَالْآخَرُ أَقْرَأُ مِنْهُ ، فَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ ، قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَفْهَمُ لِلْقُرْآنِ ، فَقُلْتُ لَهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَلَيْسَ هُوَ خِلَافَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّمَا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِنَّمَا أَرَادَ الْخِلَافَةَ ، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ فَضْلٌ بَيِّنٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِي الْإِمَامَةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ ، وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخِلَافَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَهِيَ عِظَمُ الدِّينِ ، وَكَانَتْ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا أَحَدٌ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَبَا بَكْرٍ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، اسْتَدَلَّ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ عَلَى فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ بَعْدُ ، وَعَلِمُوا ذَلِكَ فَارْتَضَوْا لِدُنْيَاهُمْ وَإِمَامَتِهِمْ وَخِلَافَتِهِمْ مَنِ ارْتَضَاهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَجْلِ دِينِهِمْ ، وَذَلِكَ إِمَامَتُهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَنْطِقُ فِي دِينِ اللَّهِ بِهَوَاهُ ، وَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ فِيهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى وَلَمْ يَكُنْ يُوحَى إِلَيْهِ فِي الْخِلَافَةِ شَيْءٌ ، وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فِي شَيْءٍ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ، فَلَمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيٌ وَنَعْنِي لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ أَرَاهُمْ مَوْضِعَ الِاخْتِيَارِ ، وَمَوْضِعَ إِرَادَتِهِ ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ فَخَيْرٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَنَفَعَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَبَارَكَ لَهُمْ فِيهِ ، فَقَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ حَتَّى أَقَامَ الدِّينَ كَمَا كَانَ ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ وَقَسَّمَ بِالسَّوِيَّةِ ، وَسَارَ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ حَمِيدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ قَالَ حَمَّادٌ : وَأَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : وَأَيُّ خِلَافَةٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا ؟ وَقَدْ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسُرُّهُ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مَوْلًى لِرَبِيعِيٍّ ، عَنْ رَبِيعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّافِعِيُّ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرْأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ رَجَعْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ ؟ - قَالَ : كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ - قَالَ : فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أُبَيٌّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ رَجَعْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ - تَعْنِي الْمَوْتَ - قَالَ : فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَتِ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - امْرَأَةٌ تُكَلِّمُهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ ؟ قَالَ : فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ إِمْلَاءً فِي الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ الرِّيَاحِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رُجُوعُ الْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِكَلَامٍ قَالَهُ عُمَرُ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْ مَقَامٍ أَقَامَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالُوا : كُلُّنَا لَا تَطِيبُ أَنْفُسُنَا أَنْ نَزِيلَهُ عَنْ مَقَامٍ أَقَامَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ أَبِي الْعَوَّامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كَانَ رُجُوعُ الْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بِكَلَامٍ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْ مَقَامٍ أَقَامَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالُوا : كُلُّنَا لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ ، نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ! وَأَجْمَعُوا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَكْتُبُ : مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا ، وَذَكَرَ نَافِعُ ابْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا رَاضٍ بِذَلِكَ ، وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُحَمَّدَ بْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى الْحَسَنِ يَسْأَلُهُ : هَلِ اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَدِيثِ ، وَاللَّهِ أَعْلَمُ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ، وَإِنْ لَمْ أَسْتَخْلِفْ فَلَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَخْلِفُ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ نصا وَلَا تَصْرِيحًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُبَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ : صَلِّ بِالنَّاسِ ، وَأَبُو بَكْرٍ غَائِبٌ فِي مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا كَبَّرَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ ، فَقَالَ : وَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ ، يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ ، مَرَّتَيْنِ ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا طَعْنَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالُوا لَهُ : أَلَا تَسْتَخْلِفُ ؟ قَالَ : أَحْتَمِلُكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا ؟ حَظِيَ مِنْكُمُ الْكَفَافَ ، لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ ، إِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، قَالَ : فَأَتَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ ، فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ يَتَقَدَّمُ أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ . قَالَ أَحْمَدُ ( بْنُ عَلِيٍّ ) : وَحَدَّثَنَا أَبُو خيثمة زُهَيْرِ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَّةَ ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْإِمَامُ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ وَثَابِتٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ : قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إِنَّ نَبِيَّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيُّ الرَّحْمَةِ لَمْ يُقْتَلْ قَتْلًا ، وَلَمْ يَمُتْ فَجْأَةً ، مَرِضَ لَيَالِيَ وَأَيَّامًا يَأْتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤَذِّنُهُ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ يَرَى مَكَانِي فَيَقُولُ : ائْتِ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرْتُ فِي أَمْرِي ، فَإِذَا الصَّلَاةُ عَظْمُ الْإِسْلَامِ ، وَقِوَامُ الدِّينِ ؛ فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدِينِنَا ، فَبَايَعْنَا أَبَا بَكْرٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَشْنَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَعْهَدُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُتَمَنٍّ وَقَائِلٍ أَنَا أَنَا ، وَسَيَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى ذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ الْآيَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّاعِيَ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ غَيْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَ الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ الْآيَةَ ، وَقَدْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَهُ إِلَى بَعْضِ مَا رَجَوْا فِيهِ الْغَنِيمَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ : لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ . وَفِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَامَتِهِ ، وَعَدَ اللَّهُ الْمُخَلَّفِينَ عَنْ رَسُولِهِ إِذَا أَطَاعُوا الَّذِي يَدْعُوهُمْ بَعْدَهُ بِالْأَجْرِ الْحَسَنِ ، وَأَوْعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ إِنْ تَوَلَّوْا عَنْهُ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ قَوْلَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ قَالُوا : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أَهْلَ الْيَمَامَةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ فَارِسَ ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالُوا أَهْلَ الْيَمَامَةِ ، فَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا فَارِسَ ، فَعُمَرُ دَعَا إِلَى قِتَالِهِمْ ، وَعُمَرُ إِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَعَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَالْقُرْآنُ يَقْتَضِي بِمَا وَصَفْنَا إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ وَخِلَافَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ فَارِسَ فَهُوَ دَلِيلُ إِمَامَةِ عُمَرَ وَخِلَافَتِهِ ، وَقَدْ قَالَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ : إِنَّهُمْ هَوَازِنُ وَحُنَيْنٌ . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ : فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا وَقَوْلِهِ : ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ الْآيَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ وَاسَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحِبَهُ أَخِيرًا لَا يَلْحَقُ فِي الْفَضْلِ بِمَنْ وَاسَاهُ وَنَصَرَهُ وَصَحِبَهُ أَوَّلًا ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ عَزَّرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَصَرَهُ ، وَآمَنَ بِهِ ، وَصَدَّقَهُ ، وَصَابَرَ عَلَى الْأَذَى فِيهِ ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا صَنَعَهُ غَيْرُهُ بَعْدَهُ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ ، وَفَاتَهُمْ وَسَبَقَهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ؛ فَلِفَضْلِهِ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ ، إِذْ شَأْنُهَا أَنْ تَكُونَ فِي الْفَاضِلِ أَبَدًا مَا وُجِدَ إِلَيْهِ السَّبِيلُ ، وَالْآثَارُ فِي فَضَائِلِهِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا اسْتِحْقَاقَهُ لِلْخِلَافَةِ بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : اجْعَلُوا إِمَامَكُمْ خَيْرَكُمْ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ إِمَامَنَا خَيْرَنَا بَعْدَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَوُزِنْتَ أَنْتَ فِيهِ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ بِأَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ وُزِنَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ بِعُمَرَ ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نُبُوَّةٌ وَخِلَافَةٌ ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ ، وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، وَاحْتِجَاجُ أَهْلِ الزَّيْغِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِخْلَافَهُ ، فَقَدْ أَجَابَهُ عَنْ ذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِجَوَابٍ عَلَى وَجْهَيْنِ مُجْمَلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَارُونَ كَانَ خَلِيفَةَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَلِيٌّ عَنْ خِلَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ عَلَى حَسْبَمَا كَانَ هَارُونُ خَلِيفَةَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ ، جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ زَمَانًا ، وَيَكُونُ غَيْرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْقَصْدَ إِلَى إِثْبَاتِ الْخِلَافَةِ لَهُ كَمَا ثَبَتَتْ لِهَارُونَ لَا أَنَّهُ اسْتَحَقَّ تَعْجِيلَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَعَجَّلَهَا هَارُونُ مِنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا خَرَجَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ ، وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِ لَا فِي الْإِمَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ حَقُّهُ ، وَصَارَ مُفَضَّلًا اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ ؛ لِأَنَّ هَارُونَ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِزَمَانٍ ، فَاسْتَخْلَفَ مُوسَى بَعْدَهُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ ، فَهَارُونُ إِنَّمَا كَانَ خَلِيفَةً لِمُوسَى فِي حَيَاتِهِ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَكُنْ هَارُونُ خَلِيفَةً لِمُوسَى بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي وَقْتِ خُرُوجِهِ غَازِيًا غَزْوَةَ تَبُوكَ ، وَهَذَا اسْتِخْلَافٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَقَدْ شَرِكَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِخْلَافِ غَيْرُهُ مَنْ لَا يَدَّعِي لَهُ أَحَدٌ خِلَافَةً ، جَمَاعَةٌ قَدْ ذَكَرَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَلَيْسَ فِي اسْتِخْلَافِهِ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، فَيُحْتَمَلُ لِلتَّأْوِيلِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فِي اللُّغَةِ ، أَصَحُّهَا : أَنَّهُ الْوَلِيُّ وَالنَّاصِرُ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهُ ، وَلَا يُنْكِرُ فَضْلَ عَلِيٍّ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَجْهَلُ سَابِقَتَهُ وَمَوْضِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ دِينِ اللَّهِ عَالِمٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ فَضَّلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، وَقَالَ : خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ . وَحَسْبُكَ بِهَذَا مِنْهُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ . فَإِنَّهَا كَرِهَتْ - فِيمَا زَعَمُوا - أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَبِيهَا فَيَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يُرَ إِمَامًا إِلَّا فِي حِينِ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِينَ مَوْتِهِ ، فَقَالَتْ مَا قَالَتْ ، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ عَلَيْهَا وَعَلَى حَفْصَةَ وَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ؛ يُرِيدُ إِنَّكُنَّ فِتْنَةٌ قَدْ فَتَنْتُنَّ يُوسُفَ وَغَيْرَهُ ، وَصَدَدْتُنَّهُ عَنِ الْحَقِّ قَدِيمًا ، يُرِيدُ النِّسَاءَ وَيَعِيبُهُنَّ بِذَلِكَ ، كَلَامًا خَرَجَ عَلَى غَضَبٍ لِاعْتِرَاضِهِنَّ لَهُ وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَخَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ حَفْصَةَ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبُ مِنْكِ خَيْرًا . خَرَجَ عَلَى جِهَةِ الْغَضَبِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا عَرَّضَتْهَا لِمَا كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مِنَ الْقَوْلِ ، فَلَقِيَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا يَسُرُّهَا مِنْ إِنْكَارِهِ عَلَيْهَا وَانْتِهَارِهَا ، فَرَجَعَتْ تَلُومُ عَائِشَةَ إِذْ كَانَتْ سَبَبَ ذَلِكَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي طِبَاعِ بَنِي آدَمَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أُولَئِكَ فَغَيْرُهُمْ أَحْرَى بِأَنْ يُسَامِحَ فِي ذَلِكَ وَشِبْهِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا كَانَتْ مُرَاجَعَتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ لِلنَّاسِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ رَجُلٍ يَقُومُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا وَلَا يَضُرُّهَا إِذَا كَانَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ ، أَوْ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِ اللَّهِ ، ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي ، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ ، يَعْنِي مِنَ الْبُكَاءِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَنِينِ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : الْأَنِينُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِلْمَرِيضِ وَأَكْرَهُهُ لِلصَّحِيحِ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ النَّشِيجُ وَالْأَنِينُ وَالنَّفْخُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَقْطَعُ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَكْرَهُ الْأَنِينَ لِلصَّحِيحِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَ لَهُ حُرُوفٌ تُسْمَعُ وَتُفْهَمُ قَطَعَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ لَمْ يَقْطَعْ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ قَطَعَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مَرِيضٌ وَلَا ضَعِيفٌ مِنَ الْأَنِينِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ الشَّخِّيرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا تُفْهَمُ حُرُوفُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ ضَعْفًا وَعَبَثًا ، وَكَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، أَوْ فِيمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَلَّ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعَاشِرُ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ · ص 123 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ · ص 323 414 387 - وَحَدِيثُهُ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . 9200 - فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا اجْتَمَعُوا لِلصَّلَاةِ فَأَحَقُّهُمْ وَأَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا أَفْضَلُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ بِجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ . 9201 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٌ . 9202 - فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا . 9203 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَعْلَمُهُمْ إِذَا كَانَتْ حَالَتُهُ حَسَنَةً ، وَلِلْمُسِنِّ حَقٌّ . 9204 - قِيلَ لَهُ : فَأَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا ؟ 9205 - قَالَ : لَا ، قَدْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ . 9206 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنَّ اسْتَوَوْا ، فَأَسَنُّهُمْ . 9207 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ . 9208 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ فَأَكْثَرُهُمْ سِنًّا ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي السِّنِّ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ فَأَوْرَعُهُمْ . 9209 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ أَقْرَؤُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا رِجَالًا فَتَفَقَّهُوا فِيمَا عَلِمُوا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَيَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ وَهُمْ صِبْيَانٌ لَا فِقْهَ لَهُمْ . 9210 - وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَؤُمُّهُمْ أَفْضَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ ، ثُمَّ أَقْرَؤُهُمْ ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ إِذَا اسْتَوَوْا . 9211 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَؤُمُّهُمْ أَقْرَأُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ قُدِّمَ أَفْقَهُهُمْ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْتَفِي بِهِ فِي صَلَاتِهِ ، وَإِنْ قُدِّمَ أَقْرَأُهُمْ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مَا يَلْزَمُ فِي الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ . 9212 - وَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَالْآخَرُ أَقْرَأُ مِنْهُ . 9213 - فَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ . 9214 - ثُمَّ قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عَمْرٌو أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنِ . 9215 - فَقُلْتُ لَهُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، هُوَ خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ ! 9216 - قَالَ : إِنَّمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَرَادَ الْخِلَافَةَ ، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ فَضْلٌ بَيِّنٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِي الْإِمَامَةِ إِلَى الْقِرَاءَةِ ، وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الْخِلَافَةَ . 9217 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُقْتَدَى بِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا بِحَضْرَتِهِ ، فلما مَرِضَ وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ ، وَوُجُوهُ قُرَيْشٍ ، وَسَائِرُ الْمُهَاجِرِينَ ، وَكِبَارُ الْأَنْصَارِ ، حُضُورٌ ، وَقَالَ لَهُمْ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْتَضُوا لِإِقَامَةِ دُنْيَاهُمْ وَأَمَانَتِهِمْ مَنِ ارْتَضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدِينِهِمْ . 9218 - وَلَمْ يَمْنَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَنْظُرُ فِي دِينِ اللَّهِ بِهَوَاهُ ، وَلَا يُشَرِّعُ فِيهِ إِلَّا بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي الْخِلَافَةِ شَيْءٌ . 9219 - وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ، فَأَرَاهُمْ بِتَقْدِيمِهِ إِيَّاهُ إِلَى الصَّلَاةِ مَوْضِعَ اخْتِيَارِهِ ، وَأَرَادَ بِهِ . 9220 - فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ فَنَفَعَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَبَارَكَ لَهُمْ فِيهِ ، فَقَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ ، وَقَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ ، وَقَسَمَ بِالتَّسْوِيَةِ ، وَسَارَ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . 9221 - وَقَدْ رُوِيَتْ فِي هَذَا الْبَابِ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالِاسْتِخْلَافِ ; لِتَكُونَ شُورَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 9222 - مِنْهَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . 9223 - وَمِنْهَا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَجَعَتُ وَلَمْ أَجِدْكَ - كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ - قَالَ : فَائْتِ أَبَا بَكْرٍ . 9224 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَانَ رُجُوعُ الْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِكَلَامٍ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ عَنْ مَقَامِهِ الَّذِي أَقَامَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالُوا : كُلُّنَا لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ . 9225 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ لِخِلَافَتِهِ وَإِمَامَتِهِ هُنَاكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . 9226 - وَاسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي فَضَائِلِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 9227 - وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا . 9228 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي وَبِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ ، يَعْنِي مِنَ الْبُكَاءِ . 9229 - وَالْبُكَاءُ الَّذِي لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مَا كَانَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ غَلَبَهُ حُزْنٌ لَا يَمْلِكُهُ ضَعْفًا أَوْ عَبَثًا ، وَلَا فُهِمَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ حُرُوفِ الْكَلَامِ . 9230 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ النِّسَاءَ وَأَنَّهُنَّ يَسْعَيْنَ أَبَدًا إِلَى صَرْفِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَأَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ فِتْنَةً يَدْعُونَ إِلَى الْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنِ الْحَقِّ فِي الْأَغْلَبِ . 9231 - وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي النِّسَاءِ : هُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، وَدَاوُدَ ، وَجُرَيْجٍ . 9232 - وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النِّسَاءِ : إِنَّ مِنْهُنَّ مَائِلَاتٌ عَنِ الْحَقِّ مُمِيلَاتٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ . 9233 - وَقَالَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ . 9234 - وَخَرَجَ كَلَامُهُ هَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِهَةِ الْغَضَبِ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَهُنَّ فَاضِلَاتٌ ، وَأَرَادَ جِنْسَ النِّسَاءِ غَيْرَهُنَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 9235 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ حَفْصَةَ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا قَطُّ ، مَا يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ صُدُورِ بَنِي آدَمَ بِمَا يُؤْذِيهِمْ ، وَأَنَّ الْمُكْتَرِثَ رُبَّمَا قَالَ قَوْلًا عَامًّا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ الْحَرَجُ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَعْدَمُ مِنْ عَائِشَةَ خَيْرًا وَأَنَّهَا تُصِيبُ مِنْهَا الْخَيْرَ لَا الشَّرَّ . 9236 - وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ فَمَنْ دُونِهِمْ أَحْرَى أَنْ يُعْذَرَ فِي مَثَلِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 9237 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا كَانَتْ مُرَاجَعَتِي لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ رَجُلٍ يَقُومُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبِي .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الصَّلَاةِ · ص 591 414 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُنْ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . 414 414 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا وَهُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ مُرْسَلٌ لَيْسَ فِيهِ عَائِشَةُ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ) فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ ( مُرُوا ) بِضَمَّتَيْنِ بِوَزْنِ كُلُوا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ تَخْفِيفًا ( أَبَا بَكْرٍ ) الصِّدِّيقَ ( فَلْيُصَلِّ ) بِسُكُونِ اللَّامِ الْأُولَى وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا مَعَ زِيَادَةِ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الثَّانِيَةِ ، ( لِلنَّاسِ ) بِاللَّامِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِالْبَاءِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَمْرًا بِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأُصُولِ ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْمَعْنَى بَلِّغُوا أَبَا بَكْرٍ أَنِّي أَمَرْتُهُ ، وَفَصْلُ النِّزَاعِ أَنَّ الثَّانِي إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا حَقِيقَةً ، فَمُسْلِمٌ إِذْ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ أَمْرٍ لِلثَّانِي ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ فَمَرْدُودٌ . ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) زَادَ الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ : رَجُلٌ أَسِيفٌ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ، مِنَ الْأَسَفِ شِدَّةُ الْحُزْنِ ، وَالْمُرَادُ رَقِيقُ الْقَلْبِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي مُوسَى فِي الصَّحِيحِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ ( إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ فِي ( لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ) لِرِقَّةِ قَلْبِهِ ( فَمُرْ عُمَرَ ) بْنَ الْخَطَّابِ ( فَلِيُصَلِّيَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِلَا يَاءٍ وَإِسْكَانِ اللَّامِ الْأُولَى ( لِلنَّاسِ ) بِاللَّامِ وَالْبَاءِ ( قَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ) بِلَامٍ وَمُوَحَّدَةٍ بَدَلَهَا ( قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ ) بِنْتِ عُمَرَ ( قَوْلِي لَهُ : ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ ) قِرَاءَتَهُ ( فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ ) بِالْجَزْمِ ( بِالنَّاسِ ) بِمُوَحَّدَةٍ أَوْ لَامٍ ( فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ) ذَلِكَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَهْ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ زَجْرٌ بِمَعْنَى اكْفُفِي ( إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ) جَمْعُ صَاحِبَةٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُنَّ مِثْلَهُنَّ فِي إِظْهَارِ خِلَافَ مَا فِي الْبَاطِنِ ، وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَالْمُرَادُ بِهِ عَائِشَةُ فَقَطْ ، كَمَا أَنَّ صَوَاحِبَ جَمْعٌ وَالْمُرَادُ زَلِيخَا فَقَطْ ، وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ أَنَّ زَلِيخَا اسْتَدْعَتِ النِّسْوَةَ وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَامَ بِالضِّيَافَةِ ، وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْنِ يُوسُفَ وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّتِهِ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَبَ إِرَادَتِهَا صَرْفِ الْإِمَامَةِ عَنْ أَبِيهَا كَوْنِهِ لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَةَ لِبُكَائِهِ ، وَمُرَادَهَا هِيَ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ ، وَصَرَّحَتْ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ فَقَالَتْ : لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ : لَمْ يَقَعْ مِنْ صَوَاحِبِ يُوسُفَ إِظْهَارُ مَا يُخَالِفُ مَا فِي الْبَاطِنِ . وَفِي أَمَالِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُنَّ أَتَيْنَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ يُظْهِرْنَ تعنيفها ومقصودهن فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَدْعُونَ يُوسُفَ إِلَى أَنْفُسِهِنَّ ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ مَا يُسَاعِدُ مَا قَالَ ؛ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : أَرَادَ أَنَّهُنَّ قَدْ دَعَوْنَ إِلَى غَيْرِ صَوَابٍ كَمَا دُعِينَ فَهُنَّ مِنْ جِنْسِهِنَّ ، وَأَنْكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَاجَعَتَهُنَّ بِأَمْرٍ تَكَرَّرَ سَمَاعُهُ وَلَمْ يَرَهُ فَذَكَرَهُمَا بِفَسَادِ رَأْيِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسِهِنَّ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَلِذَا أَقَرَّهُمَا عَلَى اعْتِرَافِهِمَا بِالرَّأْيِ بَعْدَ نَصِّهِ عَلَى الْحُكْمِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ جِنْسَ النِّسَاءِ وَأَنَّهُنَّ يَسْعَيْنَ إِلَى صَرْفِ الْحَقِّ . وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ وَدَاوُدَ ، وَجُرَيْجٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ مَائِلَاتٍ مُمِيلَاتٍ ، وَفِيهِ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَخَرَجَ كَلَامُهُ عَلَى جِهَةِ الْغَضَبِ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَهُنَّ فَاضِلَاتٌ ، وَأَرَادَ غَيْرَهُنَّ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ . ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا ) لِأَنَّ كِلَاهُمَا صَادَفَ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الْمُعَاوَدَةِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَلَمَّا أَشَارَ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرَ وَجَدَتْ حَفْصَةُ فِي نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الَّتِي أَمَرَتْهَا بِذَلِكَ ، وَلَعَلَّهَا تَذَكَّرَتْ مَا وَقَعَ لَهَا أَيْضًا مَعَهَا فِي قِصَّةِ الْمَغَافِيرِ . قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ أَنَّ الْمُكْتَرِبَ رُبَّمَا قَالَ قَوْلًا يَحْمِلُهُ الْحَرَجُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ حَفْصَةَ لَمْ تَعْدَمْ مِنْ عَائِشَةَ خَيْرًا ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ فَأَحْرَى مَنْ دُونَهُمْ ، وَزَادَ الدَّوْرَقِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُشِيرَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَأْمُرَ عُمَرَ بِالصَّلَاةِ ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ . زَادَ الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى . وَلَهَا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَأَتَاهُ الرَّسُولُ ؛ أَيْ : بِلَالٌ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا : يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ يُرِدْ أَبُو بَكْرٍ بِهَذَا مَا أَرَادَتْهُ عَائِشَةُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوَاضُعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ قَالَهُ لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّهُ رَقِيقُ الْقَلْبِ كَثِيرُ الْبُكَاءِ فَخَشِيَ أَنْ لَا يُسْمِعَ النَّاسَ ، انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى ، وَعَلِمَ مَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنَ الْخَطَرِ ، وَعَلِمَ قُوَّةَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ فَاخْتَارَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَفَهِمَ مِنَ الْأَمْرِ لَهُ بِذَلِكَ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ لَهُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ أَوِ اسْتَخْلَفَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِلْمُسْتَخْلَفِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يَتَوَقَّفَ عَلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لَهُ بِذَلِكَ ، انْتَهَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اسْتَدَلَّ الصَّحَابَةُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ فَرَضُوا لِدُنْيَاهُمْ مَنْ رَضِيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدِينِهِمْ ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِلَافَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَنْطِقُ فِي دِينِ اللَّهِ بِهَوَاهُ بَلْ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي الْخِلَافَةِ بِشَيْءٍ ، وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلِيفَةَ فَأَرَاهُمْ بِتَقْدِيمِهِ لِلصَّلَاةِ مَوْضِعَ اخْتِيَارِهِ فَخَارَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَقَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ ، وَقَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ . وَقَالَ عُمَرُ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : أَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْ مَقَامٍ أَقَامَهُ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالُوا : كُلُّنَا لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَكَانَ رُجُوعُ الْأَنْصَارِ لِكَلَامِ عُمَرَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الِاعْتِصَامِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .