445 حَدِيثٌ سَادِسٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ مَعَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ : نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، قَالُوا : وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ قَالُوا : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . هَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ ، فَحَصَّلَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجْدَاتٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكَذَلِكَ رَوَتْ عَائِشَةُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثُهَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَثْبَتُ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ ، رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَهَّلِ الْحِجَازِ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَأَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ فِيهَا دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَالرُّكُوعَ الْأَوَّلَ فِيهَا دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُوْلَى ، وَأَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِقَوْلِهِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ رُكُوعُهُ الثَّانِي فِيهَا دُونَ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذَا ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِتَكُونَ الرَّكْعَتَانِ مُعْتَدِلَتَيْنِ فِي أَنْفُسِهِمَا ، وَكَمَا نَقَصَ الْقِيَامُ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَنِ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَالرُّكُوعُ الثَّانِي فِي الْأُولَى عَنِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِيهَا نَفْسِهَا ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ يَنْقُصُ قِيَامُهَا الثَّانِي عَنْ قِيَامِهَا الْأَوَّلِ ، وَرُكُوعُهَا الثَّانِي عَنْ رُكُوعِهَا الْأَوَّلِ فِيهَا نَفْسِهَا ، وَيَكُونُ قِيَامُهَا الْأَوَّلُ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى ، وَرُكُوعُهَا الْأَوَّلُ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَجَائِزٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ الْقِيَامِ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَالْقَوْلُ فِي الرُّكُوعِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَتَدَبَّرْهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ السُّجُودَ يَطُولُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَرَأَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَطْوِيلَ السُّجُودِ فِي ذَلِكَ ، وَرَوَتْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : صَلَاةُ الْكُسُوفِ كَهَيْئَةِ صَلَاتِنَا رَكْعَتَانِ نَحْوُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ الدُّعَاءِ حَتَّى تَنْجَلِيَ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُسَلِّمُ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، أَوِ الْقَمَرُ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مَكْتُوبَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي بَعْضِهَا اضْطِرَابٌ ، تَرَكْتُ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَلِكَرَاهَةِ التَّطْوِيلِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَلِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَاسْتِعْمَالُ فَائِدَتِهَا ، وَلِأَنَّهُمَا قَدْ وَصَفَا صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَصْفًا يَرْتَفِعُ مَعَهُ الْإِشْكَالُ وَالْوَهْمُ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ طَاوُسًا رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ سَجَدَ ، وَإِنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِنَّ عَطَاءً رَوَى عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، وَإِنَّ أَبَا الْعَالِيَةَ رَوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتِيِ الْكُسُوفِ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ ، فَلَمْ يَكُنِ الْمَصِيرُ عِنْدَكَ إِلَى زِيَادَةِ هَؤُلَاءِ أَوْلَى ، قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ إِذَا ثَبَتَتَ عَنْهُ ، وَكَانَ أَحْفَظَ وَأَتْقَنَ مِمَّنْ قَصَّرَ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْحِفْظِ ; لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَأْنَفٌ . وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ حَافِظٍ وَلَا مُتْقِنٍ فَإِنَّهَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا ، وَحَدِيثُ طَاوُسٍ هَذَا مُضْطَرِبٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا ، وَوَقَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَلَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَهَذَا الِاضْطِرَابُ يُوجِبُ طَرْحَهُ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَتْنِهِ فَقَوْمٌ يَقُولُونَ : أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ : ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَلَا يَقُومُ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَإِنَّمَا يَدُورُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَادُ عِنْدَهُمْ بِالْقَوِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَإِنَّمَا يَرْوِيِهِ قَتَادَةُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَسَمَاعُ قَتَادَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَطَاءٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَتَادَةُ إِذَا لَمْ يَقُلْ : سَمِعْتُ ، وَخُولِفَ فِي نَقْلِهِ ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُدَلِّسُ كَثِيرًا عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ بينهما غير ثِقَةً ، وَلَيْسَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ يُعَارَضُ بِهَا حَدِيثُ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَا حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْآثَارِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِيهَا ، وَقَدْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ يَرْوِي حَدِيثَ قَتَادَةَ هَذَا عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا لَا يَرْفَعُهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَكَمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : صَلَاةُ الْآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ . قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : وَلَمْ يَرْفَعْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَفَعَهُ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِنَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنْ تَكُونَ سِرًّا . وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَقَامَ ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ سِرًّا ، وَلِذَلِكَ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ له صوت فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَجَّةُ لَهُمْ مَا ذَكَرْنَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْمًا لِسَمُرَةَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْكُسُوفِ بِتَمَامِهِ ، وَفِيهِ : فَصَلَّى بِنَا فَقَامَ كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ كُسُوفَ الشَّمْسِ لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ : كُنْتُ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا سَمِعَتُ مِنْهُ حَرْفًا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ : صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءٌ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ حَزَرُوا قِرَاءَتَهُ بِالرُّومِ ، وَيس أَوِ الْعَنْكَبُوتِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ سَأَلَ سَائِلٌ ، وَالَّذِي اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُوْلَى بِالْبَقَرَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِآلِ عِمْرَانَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ ، وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمُّ الْقُرْآنِ لَا بُدَّ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُسْمَعُ لِلْقَارِئِ فِيهِ صَوْتٌ ، وَقَالَ : أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ جَهَرَ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَالْعَلَاءِ بْنِ يَزِيدَ مِثْلَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا يَدْعُو ، ثُمَّ انْجَلَى كُسُوفُهَا ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : سُورَةٌ مِنَ الطُّوَلِ فِي تَقْدِيرِهِ ، وَالظَّاهِرُ فِيهِ الْجَهْرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ ، عَنْ أُبَيٍّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فِي الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمَيْرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَكُلُّهُمْ لَيِّنُ الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِالْجَهْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ سُنَّتُهَا أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ مِنْ صَلَوَاتِ السُّنَنِ سُنَّتُهَا الْجَهْرُ كَالْعِيدَيْنِ ، وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْخُسُوفِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنْ شَاءَ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ ، وَرَكَعَ فِيهَا رُكُوعَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَ قِرَاءَاتٍ ، وَرَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ هَلْ هِيَ فِي كُلِّ النَّهَارِ أَمْ لَا ؟ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا يُصَلَّى الْكُسُوفُ إِلَّا فِي حِينِ صَلَاةٍ قَالَ : فَإِنْ كَسَفَتْ فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَاءَ حِينَ الصَّلَاةِ ، وَالشَّمْسُ لَمْ تَنْجَلِ صَلَّوْا ، فَإِنْ تَجَلَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُصَلُّوا . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ قَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُصَلَّى الْكُسُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَإِنَّمَا سُنَّتُهَا أن تُصَلَّى ضُحًى إِلَى الزَّوَالِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُصَلَّى الْكُسُوفُ نِصْفَ النَّهَارِ ; لِأَنَّ نِصْفَ النَّهَارِ لَا يَثْبُتُ لِسُرْعَةِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : حَجَجْتُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَعَلَى الْمَوْسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ ، وَبِمَكَّةَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَابْنُ أَبِي مَلِيكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَقَامُوا قِيَامًا يَدْعُونَ اللَّهَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُلْتُ لِأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى : مَا لَهُمْ لَا يُصَلُّونَ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُسُوفِ ؟ فَقَالَ : النَّهْيُ قَدْ جَاءَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَلِذَلِكَ لَا يُصَلُّونَ ، وَالنَّهْيُ يَقْطَعُ الْأَمْرَ ، ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَأَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ جَمِيعًا ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالطَّبَرِيُّ : لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُصَلَّى نِصْفَ النَّهَارِ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : تُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَّا فِي حِينِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ ، وَالنَّهْيُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّطَوُّعِ الْمُبْتَدَأِ ، فَأَمَّا الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ ، وَمَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُصَلِّيَهُ فَلَا ، وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِحُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ : إِنْ شَاءَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، كُلُّ ذَلِكَ مُؤْتَلِفٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ إِذَا لَمْ يَرَ الشَّمْسَ قَدْ تَجَلَّتْ ، فَإِذَا تَجَلَّتْ سَجَدَ ، قَالَ : فَمِنْ هَاهُنَا زِيَادَةُ الرَّكَعَاتِ ، وَلَا يُجَاوِزُ بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَيِّنٌ ، وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ ، فَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ : أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ كُلَّهَا حِسَانٌ ، وَبِأَيِّهَا عَمِلَ النَّاسُ جَازَ عَنْهُمْ ، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَهُمْ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ ومَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ ، وَلَكِنْ يُصَلِّي النَّاسُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ، وَخَصَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالْجَمْعِ لَهَا ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ فَخَرَجَتْ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِهَا ، وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّوْفِيقِ فِيهَا ، وَبَقِيَتْ صَلَاةُ كُسُوفِ الْقَمَرِ عَلَى أَصْلِ مَا عَلَيْهِ النَّوَافِلُ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ ، وَلَكِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهِمَا ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : الصَّلَاةُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ كَهِيَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءٍ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَكَانَ الذِّكْرُ الَّذِي فَزِعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ هُوَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ ، فَكَذَلِكَ خُسُوفُ الْقَمَرِ ، يَجْمَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ عَلَى حَسَبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ ، وَلَمْ يَخُصَّ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى بِشَيْءٍ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا ، وَادْعُوا ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ، وَعَرَفْنَا كَيْفَ الصَّلَاةُ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْأُخْرَى . اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي الْقَمَرِ جَمَاعَةً رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، يُخَوِّفُ بِهِمَا اللَّهُ عِبَادَهُ ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لَهُ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ نَاسٌ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةٌ ، وَلَا صَلَاةَ فِيهَا إِلَّا لِمَنْ شَاءَ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ صَلَاةَ كُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةً ، كُلٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرِيِّ : يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْكُسُوفِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ ، وَفِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ - الْحَدِيثَ - ، وَبِهِ احْتَجَّ كُلُّ مَنْ رَأَى الْخُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا خُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا خَطَبَ النَّاسَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِذَلِكَ خَطَبَهُمْ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَيَانِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ ، وَلَا عِنْدَ الظُّلْمَةِ ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ ، وَرَآهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا سَمِعْتُمْ هَدًّا مِنَ السَّمَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ فَعَلَ ، فَحَسَنٌ ، وَمَنْ لَا ، فَلَا حَرَجَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنَّ الزَّلْزَلَةَ كَانَتْ فِي عَصْرِهِ ، وَلَا صَحَّتْ عَنْهُ فِيهَا سُنَّةٌ ، وَقَدْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَأَنْكَرَهَا فَقَالَ : أَحْدَثْتُمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ : زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَكَّتِ السُّرُرُ ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أَمْ بِي أَرْضٌ ؟ فَقَامَ بِالنَّاسِ ، فَصَلَّى يَعْنِي صَلَاةَ الْكُسُوفِ . اهـ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَخْنَسْتَ ، وَتَأَخَّرْتَ وَقَالَ الْفُقَهَاءُ : مَعْنَاهُ تَقَهْقَرْتَ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ قَرِيبٌ . وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ : وَلَكِنَّنِي أَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا بَعْضُ مَنْ لَاقَى الْخُطُوبَ تَكَعْكَعَا وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، وَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَإِنَّ الْآثَارَ فِي رُؤْيَتِهِ لَهُمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ رَآهُمَا مِرَارًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ كَيْفِيَّةِ رُؤْيَتِهِ لَهُمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُمْكِنُ أَنْ يُمَثَّلَا لَهُ فَيَنْظُرَ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْ وَجْهِهِ ، كَمَا مُثِّلَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ كَذَّبَهُ الْكُفَّارُ بِالْإِسْرَاءِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، وَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ عَنْهُ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْقَلْبِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : فُرِجَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ إِلَى الْعَرْشِ ، وَفُرِجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ . اهـ . ذَكَرَهُ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ الشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ ، وَالنُّجُومُ ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ : الْجِبَالُ ، وَالشَّجَرُ ، وَالْبِحَارُ ، وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ ، وَالنَّارَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَتَنَاوَلَ مِنَ الْجَنَّةِ عُنْقُودًا عَلَى مَا ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ فَالظَّاهِرُ الْأَغْلَبُ أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيْنٍ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ وَالنَّظَرَ إِذَا أُطْلِقَا فَحَقُّهُمَا أَنْ يُضَافَا إِلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْكَلَامِ وَحَقِيقَتُهُ أَوْلَى ، إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ - دَلِيلٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّهُمَا لَا يَبِيدَانِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْعُنْقُودِ : وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ ما بقيت الدنيا فَكَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السِّجْسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْبِكَالِيِّ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْجَنَّةِ ، وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ : فِيهَا فَاكِهَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ شَجَرِ أَرْضِنَا تُشْبِهُ ؟ قَالَ : لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ أَرْضِكَ ، ائْتِ الشَّامَ ، هُنَاكَ شَجَرَةٌ تُدْعَى الْجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ يَفْتَرِشُ أَعْلَاهَا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عِظَمُ أَصْلِهَا ؟ قَالَ : لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذَعَةٌ مِنْ إِبِلِ أَهْلِكَ مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا ، قَالَ : هَلْ فِيهَا عِنَبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا عِظَمُ الْعُنْقُودِ مِنْهَا ؟ قَالَ : مَسِيرَةُ الْغُرَابِ شَهْرًا لَا يَقَعُ ، وَلَا يَفْتُرُ قَالَ : فَمَا عِظَمُ حَبِّهَا ؟ قَالَ : أَمَا عَمَدَ أَبُوكَ ، وَأَهْلُكَ إِلَى جَذَعَةٍ فَذَبَحَهَا ، وَسَلَخَ إِهَابَهَا فَقَالَ : افْرُوا لَنَا مِنْهَا دَلْوًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَتُشْبِعُنِي وَأَهْلَ بَيْتِي ، قَالَ : نَعَمْ ، وَأَهْلَ عَشِيرَتِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَا أَقِفُ عَلَى اسْمِهِ فِي وَقْتِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ يَسُرُّنَا أَنْ تَأْتِيَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا نُقْدِمُ نَحْنُ عَلَى السُّؤَالِ عَنْهَا أَوْ نَحْوِ هَذَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ ، وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِالْوَاوِ . قَالُوا : وَقَدْ تَابَعَهُ بَعْضُ مَنْ نَقَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَيْضًا غَلَطًا كَمَا عُدَّ عَلَى يَحْيَى ، وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَعَامَّةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْنَى ، وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَالْوَجْهُ فِيهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لَمَّا قَالَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ هَذَا جَوَابًا مَكْشُوفًا ; لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِأَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ، كَمَا أَنَّ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَدِيثِ إلى غير ذَلِكَ كَأَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ; فَإِنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَمْرِهِنَّ يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ : تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ . وَقَرَأَتُ عَلَى خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَوَاقِصِ عَقْلٍ قَطُّ أَوْ دِينٍ أَذْهَبَ لِقُلُوبِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْكُنَّ ، وَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتُنَّ ، وَكَانَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَاقَ الْحَدِيثَ فَقَالَتْ : فَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا ، وَعُقُولِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْتُ مِنْ نُقْصَانِ دِينِكُنَّ ، فَالْحَيْضَةُ الَّتِي تُصِيبُكُنَّ ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَمْكُثَ لَا تُصَلِّي ، وَلَا تَصُومُ ، فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِكُنَّ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُ مِنْ نُقْصَانِ عُقُولِكُنَّ فَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، فَالْعَشِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ - الزَّوْجُ ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ كُفْرُ النِّسَاءِ لِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ كُفْرَهُنَّ بِالْإِحْسَانِ جُمْلَةً فِي الزَّوْجِ ، وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَشِيرُ الْمَخَالِطُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ قَالَ الشَّاعِرُ : وَتِلْكَ الَّتِي لَمْ يَشْكُهَا فِي خَلِيقَةٍ عَشِيرٌ وَهَلْ يَشْكُو الْكَرِيمَ عَشِيرُ وَقَالَ آخَرُ : سَلَا هَلْ قَلَانِي مِنْ عَشِيرٍ صَحِبْتُهُ وَهَلْ ذَمَّ رَحْلِي فِي الرِّفَاقِ دَخِيلُ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ : أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ذَرٌّ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ، فَإِنَّكُنَّ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ النِّسَاءِ ، فَقَالَتْ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَا وُجِدَ مِنْ نَاقِصِ الْعَقْلِ والدين أَغْلَبُ لِلرِّجَالِ ذَوِي الرَّأْيِ عَلَى أُمُورِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ ، قَالَ : فَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا وَدِينِهَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ عَقْلِهَا ، فَجَعَلَ اللَّهُ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِهَا ; فَإِنَّهَا تَمْكُثُ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي لِلَّهِ فِيهِ سَجْدَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَحْوَهُ قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ أَغْلَبَ لِلرِّجَالِ ذَوِي الْأَمْرِ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ . وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ مَهَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا ، وَالصَّوَابُ فِيهِ رِوَايَةُ مَنْصُورٍ ، عَنْ ذَرٍّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ رُوِيَ كَلَامُ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذَا مَرْفُوعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فَوَعَظَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ ، وَكُفْرِكُنَّ الْعَشِيرَ ، وَمَا رَأَيْتُ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِأَلْبَابِ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْكُنَّ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نُقْصَانُ عُقُولِنَا وَدِينِنَا ؟ فَقَالَ : شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْكُنَّ شَهَادَةُ رَجُلٍ ، وَنُقْصَانُ دِينِهِنَّ الْحَيْضَةُ ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ لَا تُصَلِّي . وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، وَأَكْثِرْنَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؟ قَالَ : أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ ، فَهَذَا مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْلِ ، وَتَمْكُثُ لَيَالِيَ مَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ . هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُقْصَانَ الدِّينِ قَدْ يَقَعُ ضَرُورَةً لَا تُدْفَعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَبَلَهُنَّ عَلَى مَا يَكُونُ نَقْصًا فِيهِنَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ أَيْضًا بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضٍ ، وَبَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، وَبَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . اهـ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُ حَقَّ زَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا ، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ فَيَّاضٍ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أَعَدَّتِ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : الطَّاعَةُ لِلزَّوْجِ ، وَالِاعْتِرَافُ بِحَقِّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسُ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ · ص 301 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة وابن عباس في خسوف الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفة صلاة الكسوف · ص 86 444 ( 12 ) كتابَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ ( 1 ) بَابُ الْعَمَلِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ 418 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ - ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ . فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوَا اللَّهَ . وَكَبِّرُوا ، وَتُصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ! وَاللَّهِ ! مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ . يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ! وَاللَّهِ ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا . 419 - وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ . فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ . قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا . ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ . فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا . وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا . وَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ ! قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ . لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . 420 - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا . فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ . فَرَجَعَ ضُحًى . فَمَرَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْحُجَرِ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا . ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ . ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ . ثُمَّ رَفَعَ . ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . 9764 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 9765 - وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنْهُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ . 9766 - فَأَمَّا أَحَادِيثُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا تَضَمَّنَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ . 9767 - وَبِذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ . 9768 - وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ . 9769 - وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا . 9770 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، فَتَكُونُ الرَّكْعَةُ الْأَوْلَى قِيَامُهَا وَحْدَهُ أَطْوَلُ مِنْ قِيَامِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَذَلِكَ رُكُوعُهَا الْأَوَّلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ رُكُوعُهَا الثَّانِي دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فِيهَا ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9771 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ . 9772 - وَفِيمَا ذَكَرْنَا بَعْدُ فِي الْقِرَاءَةِ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا يُبَيِّنُ مَذْهَبَهُمَا فِي ذَلِكَ . 9773 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ السُّجُودَ يَطُولُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . 9774 - وَرَأَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَطْوِيلَ السُّجُودِ وَرِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 9775 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : صَلَاةُ الْكُسُوفِ كَهَيْئَةِ صَلَاتِنَا رَكْعَتَانِ نَحْوَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ الدُّعَاءُ حَتَّى يَنْجَلِيَ . 9776 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 9778 - وَرَوَى مُحَمَّدٌ قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَقَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . 9778 - وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي التَّمْهِيدِ وَهِيَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ صِحَاحٌ إِلَّا أَنَّ الْمَصِيرَ إِلَى زِيَادَةِ مَنْ حَفِظَ أَوْلَى . 9779 - فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَسِتِّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَةٍ ، فَهَلَّا صِرْتَ إِلَى زِيَادَةِ مَنْ زَادَ فِي ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : تِلْكَ آثَارٌ مَعْلُولَةٌ ضَعِيفَةٌ قَدْ ذَكَرْنَا عِلَلَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 9780 - وَمِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُسُوفِ نَحْوَ صَلَاتِكُمْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، وَيَسْأَلُ حَتَّى تَجَلَّتْ . 9781 - رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ . 9782 - وَقَالَ قَبِيصَةُ الْهِلَالِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مَكْتُوبَةً . 9783 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 9784 - وَإِنَّمَا يَصِيرُ كُلُّ عَالِمٍ إِلَى مَا رَوَى عَنْ شُيُوخِهِ وَرَأَى عَلَيْهِ أَهْلَ بَلَدِهِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا بِإِبَاحَةٍ وَتَوْسِعَةٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ مِرَارًا ، فَحَكَى كُلٌّ مَا رَأَى ، كُلٌّ صَادِقٌ قَدْ جَعَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالنُّجُومِ فَكُلُّهُمْ فِي النَّقْلِ مَنِ اقْتَدَى بِهِ اهْتَدَى . 9783 - وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعَلَمِ بِمَا فِيهِ بَيَانٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9786 - وَأَمَّا ظَنُّ مَنْ ظَنَّ مِنَ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ رُكُوعُهُ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ إِلَّا لِرَفْعِهِ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِيَعْلَمَ هَلْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ أَمْ لَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فِي صَحْرَاءَ قَطُّ فِيمَا عَلِمْتُ وَإِنَّمَا صَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ . وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْآثَارِ الصِّحَاحِ . 9786 - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عزة قَالَ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : عَلَيْكُمْ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ . 9788 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ لَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : لَوْ نَادَى مُنَادٍ لِصَلَاةٍ ; لِيَخْرُجَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ . 9789 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الْقِرَاءَةُ فِيهَا سِرًّا . 9790 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ نَحْوٌ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ كَانَتْ سِرًّا . 9791 - وَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ قَالَ : فَقَامَ لَنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا . 9792 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ فَحَزَرْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ . . . وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ ، فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ . 9793 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ : كُنْتُ جَنْبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفًا . 9794 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ . 9795 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ حَزَرُوا قِرَاءَتَهُ بِالرُّومِ وَيس أَوِ الْعَنْكَبُوتِ . 9796 - وَالَّذِي اسْتَحَبَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِالْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِآلِ عِمْرَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمَّ الْقُرْآنِ . 9797 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9798 - وَرَوَوْا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ جَهَرَ . 9799 - ذَكَرَهُ وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ : أَنَّ عَلِيًّا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ . 9800 - قَالَ وَكِيعٌ : وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي كُسُوفٍ رَكْعَتَيْنِ فَقَرَأَ فِي إِحْدَاهُمَا بِالنَّجْمِ . 9801 - قَالَ وَكِيعٌ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَجْمَعٍ ، عَنِ الْمَاجِشُونِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ قَرَأَ فِي الْكُسُوفِ سَأَلَ سَائِلٌ . 9802 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى قَالَ : صَلَّى بِنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى حِينَ انْكَسَفَ الْقَمَرُ مِثْلَ صِلَاتِنَا هَذِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِ يس . 9803 - وَرَوَوْا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّهُمْ جَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ . 9804 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ . 9805 - وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 9806 - وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ . وَكُلُّهُمْ لَيِّنُ الْحَدِيثِ فِي الزُّهْرِيِّ . 9807 - وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَا يُعَارِضُ حَدِيثَ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَيَدْفَعُهُ . 9808 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِالْجَهْرِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ سُنَّتُهَا أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَاتِ فَسُنَّتُهَا الْجَهْرُ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْكُسُوفُ . 9809 - قَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنْ شَاءَ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ وَرَكَعَ فِيهَا رُكُوعَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَ قِرَاءَاتٍ وَرَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ . 9810 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحْسَنَ أَبُو جَعْفَرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . 9811 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَهَلْ تُصَلَّى فِي كُلِّ النَّهَارِ أَمْ لَا ؟ 9812 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَا تُصَلَّى الْكُسُوفُ إِلَّا فِي حِينٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ فَإِنْ كَسَفَتْ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ لَمْ يُصَلُّوا ، فَإِنَّ جَازَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ تَنْجَلِ صَلَّوْا ، فَإِنْ تَجَلَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُصَلُّوا . 9813 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ قَالَ : لَا أَرَى أَنْ تُصَلَّى الْكُسُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَإِنَّمَا سُنَّتُهَا أَنْ تُصَلَّى ضَحًى إِلَى الزَّوَالِ . 9814 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : تُصَلَّى الْكُسُوفُ نِصْفَ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ النَّهَارِ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ لِسُرْعَةِ الشَّمْسِ . 9815 - قَالَ اللَّيْثُ : حَجَجْتُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَعَلَى الْمَوْسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَبِمَكَّةَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَامُوا قِيَامًا يَدْعُونَ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ لِأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى : مَا لَهُمْ لَا يُصَلُّونَ فَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُسُوفِ ؟ فَقَالَ : النَّهْيُ جَاءَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلِذَلِكَ لَا يُصَلُّونَ ، وَالنَّهْيُ يَقْطَعُ الْأَمْرَ . 9816 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالطَّبَرِيُّ : لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا . 9817 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ وَقْتٍ نِصْفَ النَّهَارِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . 9818 - وَحُجَّتُهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ إِلَّا عَنِ النَّافِلَةِ الْمُبْتَدَأَةِ لَا عَنِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَلَا عَنِ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَاتِ . 9819 - وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَاضِحًا فِي بَابِ الْأَوْقَاتِ . 9820 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : تُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَّا فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا . 9821 - وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ : إِنْ شَاءَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ ، كُلُّ ذَلِكَ مُؤْتَلَفٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ إِذَا لَمْ يَرَ الشَّمْسَ قَدْ تَجَلَّتْ ، فَإِذَا تَجَلَّتْ سَجَدَ . 9822 - قَالَ : وَلَا يُزَادُ عَلَى هَذِهِ الرَّكَعَاتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . 9823 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ . 9824 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ وَلَكِنْ يُصَلِّي النَّاسُ أَفْرَادًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ . 9825 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ، وَخَصَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالْجَمْعِ لَهَا ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ ، فَخَرَجَتْ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِدَلِيلِهَا وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّوْقِيتِ فِيهَا وَبَقِيَتْ صَلَاةُ الْقَمَرِ عَلَى أَصْلِ مَا عَلَيْهِ النَّوَافِلُ . 9826 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُجْمَعُ فِي صَلَاةِ الْقَمَرِ وَلَكِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ . 9726 - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ . ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَالَ : ذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا إِلَى الصَّلَاةِ . 9828 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ كَهِيَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ سَوَاءٌ . 9829 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ . 9830 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ . 9831 - قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : فَكَانَ الذِّكْرُ الَّذِي فَزَعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ هِيَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ ، فَكَذَلِكَ خُسُوفُ الْقَمَرِ تُجْمَعُ الصَّلَاةُ لِخُسُوفِهِ كَهِيَ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : فَصَلُّوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ 9832 - وَقَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ الصَّلَاةُ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْأُخْرَى . 9833 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 9834 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9835 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرِيِّ : يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْكُسُوفِ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ . 9836 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ ، وَفِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ . . . الْحَدِيثَ ، وَبِهِ احْتَجَّ كُلُّ مَنْ رَأَى الْخُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ . 9837 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا خُطْبَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ . 9838 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا خَطَبَ النَّاسَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِذَلِكَ خَطَبَهُمْ يُعَرِّفُهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ . 9839 - وَكَانَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَرَيَانِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ وَلَا عِنْدَ الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيد . 9840 - وَرَآهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 9841 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي الزَّلْزَلَةِ . 9842 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا سَمِعْتُمْ هَادًّا مِنَ السَّمَاءِ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ . 9843 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةِ : مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . 9844 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنَّ الزَّلْزَلَةَ كَانَتْ فِي عَصْرِهِ وَلَا صَحَّتْ عَنْهُ فِيهَا سُنَّةٌ ، وَقَدْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَأَنْكَرَهَا ، وَقَالَ : أَحْدَثْتُمْ وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . 9845 - رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ ، قَالَتْ : زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَكَّتِ السُّورُ . فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ . 9846 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أَمْ بِي أَرْضٌ ، فَقَامَ بِالنَّاسِ فَصَلَّى مِثْلَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9847 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ ، فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ : احْتَبَسْتَ وَتَأَخَّرْتَ . 9848 - وَقَالَ الْفُقَهَاءُ : مَعْنَاهُ تَقَهْقَرْتَ . 9849 - وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ . 9850 - وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ : . وَلَكِنَّنِي أَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقَدَّمًا إِذَا بَعْضُ مَنْ لَاقَى الرِّجَالَ تَكَعْكَعَا . 9851 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَإِنَّ الْآثَارَ فِي رُؤْيَتِهِ لَهُمَا كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ رَآهُمَا مِرَارًا عَلَى مَا جَاءَتْ عَنْهُ الْآثَارُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ كَيْفِيَّةِ رُؤْيَتِهِ لَهُمَا . 9852 - فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَمَثَّلَا لَهُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْ وَجْهِهِ ، كَمَا مَثَلَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ كَذَّبَهُ الْكُفَّارُ فِي الْإِسْرَاءِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ عَنْهُ . 9853 - وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْقَلْبِ ، قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . 9854 - وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . 9855 - فَقَالَ مُجَاهِدٌ : فُرِجَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ إِلَى الْعَرْشِ ، وَفُرِجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ . 9856 - ذَكَرَهُ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . 9857 - وَذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ الشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ ، وَالنُّجُومُ ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ الْجِبَالُ ، وَالشَّجَرُ ، وَالْبِحَارُ . 9858 - وَالظَّاهِرُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَتَنَاوَلَ مِنَ الْجَنَّةِ عُنْقُودًا عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَحَقُّ النَّظَرِ إِذَا أَطْلَقُوا الرُّؤْيَةَ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى بِهِمَا رُؤْيَةَ الْعَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا . 9859 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ . 9860 - وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، الشَّاهِدَةِ بِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 9861 - وَأَمَّا قَوْلُهُ اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمَعْنَى مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى مُتَوَاتِرَةٍ . 9862 - مِنْهَا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ ، وَإِذَا أَصْحَابُ الْجِدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ . 9863 - وَهَذَا أَثْبَتُ مَا يُرْوَى مِنَ الْآثَارِ . 9864 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 9865 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ . 9866 - فَهَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِالْوَاوِ ، وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَعَامَّةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْمَعْنَى . 9867 - وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَالْوَجْهُ فِيهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لِمَا قَالَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ، لَمْ يُجِبْهُ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ جَوَابًا مَكْشُوفًا لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ كَمَا مِنَ الرِّجَالِ مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَمَعَ إِيمَانِهِنَّ بِاللَّهِ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَالْإِحْسَانَ ، وَلَمْ يُجَاوِبْهُ عَنْ كُفْرِهِنَّ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . 9868 - أَلَّا تَرَى قَوْلَهُ لِلنِّسَاءِ : تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ . 9869 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 9870 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ فَالْعَشِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : الزَّوْجُ . 9871 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ كُفْرُ النِّسَاءِ لِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ كُفْرَهُنَّ بِالْإِحْسَانِ جُمْلَةً فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ . 9872 - وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْخَلِيطُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ . 9873 - وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ . 9874 - قَالَ الشَّاعِرُ : . فَتِلْكَ الَّتِي لَمْ يَشْكُهَا فِي خَلِيقَةٍ عَشِيرٌ وَهَلْ يَشْكُو الْكَرِيمَ عَشِيرُ . 9875 - وَقَالَ آخَرُ : سَلَا هَلْ قَلَانِي مِنْ عَشِيرٍ صَحِبْتُهُ وَهَلْ ذَمَّ رَحْلِي فِي الرِّفَاقِ دَخِيلُ 9876 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَا شُكْرَهُ وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . 9877 - وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ . 9878 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَكَثِيرًا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُصَدِّقُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ لِتَوَافُرِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9879 - وَقَدْ أَثْبَتْنَا مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 9880 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : خَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَالْخُسُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَهَابُ لَوْنِهَا . 9881 - وَأَمَّا الْكُسُوفُ فَتَغَيُّرُ لَوْنِهَا . 9882 - قَالُوا : يُقَالُ بِئْرٌ خَسِيفٌ ، إِذَا ذَهَبَ مَاؤُهَا ، وَفُلَانٌ كَاسِفُ اللَّوْنِ أَيْ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ إِلَى الصُّفْرَةِ . 9883 - وَقَدْ قِيلَ : الْكُسُوفُ وَالْخُسُوفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ · ص 633 446 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ ، سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ، وَرَأَيْتُ النَّارَ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، قَالُوا : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . 445 446 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : خَسَفَتْ ) بِفَتَحَاتٍ ( الشَّمْسُ ) ، زَادَ الْقَعْنَبِيُّ : عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَ ) صَلَّى ( النَّاسُ مَعَهُ ) ، فَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا ( فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ) فِيهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ كَانَتْ سِرًّا ، وَكَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهَا : فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ ، فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَغِيرًا ، فَمَقَامُهُ آخِرُ الصُّفُوفِ فَلَمْ يَسْمَعِ الْقِرَاءَةَ ، فَحَزْرُ الْمُدَّةِ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قُمْتُ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفًا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالَ : ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ) نَحْوَ الْبَقَرَةِ ، ( ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ) مِنَ الرُّكُوعِ ( فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ) بِنَحْوِ آلِ عِمْرَانَ ، فَفِيهِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ أَقْصَرُ مِنَ الْأُولَى . ( ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ) وَهُوَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، فَأَطَالَ فِيهِمَا نَحْوَ الرُّكُوعِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كَمَا مَرَّ ، ( ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ) بِنَحْوِ النِّسَاءِ ، ( وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الرُّكُوعَ الَّذِي يَلِيهِ ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا حَرَجَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : إِنَّمَا يُرِيدُ الْقِيَامَ الَّذِي يَلِيهِ لِأَنَّهُ أَبَيْنُ ، وَلِأَنَّهُ انْصَرَفَ إِلَى الْقِيَامِ الْأَوَّلِ لَمْ يَعْلَمْ إِنْ كَانَ تَقْدِيرُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِنْهُ ، فَإِضَافَتُهُ إِلَى مَا يَلِيهِ أَوْلَى . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا أَطْوَلُ مِنَ الثَّانِيَةِ بِقِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الثَّانِيَ وَرُكُوعَهُ فِيهِمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَرُكُوعِهِ فِيهِمَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعِهِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنَ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ وَرُكُوعِهِ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ ؟ قِيلَ : وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فَهْمُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فَيَكُونُ كُلُّ قِيَامٍ دُونَ مَا قَبْلَهُ ؟ وَرِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُعَيَّنُ الثَّانِي وَلَفْظُهُ الْأُولَى فَالْأُولَى أَطْوَلُ ، وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : الْقِيَامُ الْأَوَّلُ أَوَّلُ قِيَامٍ مِنَ الْأُولَى لَكَانَ الْقِيَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَسْكُوتًا عَنْ مِقْدَارِهِمَا الْأَوَّلِ أَكْثَرَ فَائِدَةً ، انْتَهَى . ( ثُمَّ رَفَعَ ) مِنَ الرُّكُوعِ ( فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ) نَحْوَ الْمَائِدَةِ ، ( وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ) سَجْدَتَيْنِ ( ثُمَّ انْصَرَفَ ) مِنَ الصَّلَاةِ . ( وَ ) الْحَالُ أَنَّهَا ( قَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ) قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَذَلِكَ بَيْنَ جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي الصَّحِيحِ : ثُمَّ جَلَسَ ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ ، ( فَقَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ السِّينِ ، ( لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ) ، بَلْ هُمَا مَخْلُوقَانِ لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا ، فَفِيهِ بَيَانُ مَا يُخْشَى اعْتِقَادُهُ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ ، وَرْدٌ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ تَأْثِيرًا فِي الْأَرْضِ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ عَنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، فَكَيْفَ بِمَا دُونَهُمَا ؟ ( فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ) ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : شَيْئًا صَنَعْتَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى . ( ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ ) بِتَاءٍ أَوَّلَهُ وَكَافَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَ كُلِّ عَيْنٍ سَاكِنَةٍ ؛ أَيْ : تَأَخَّرْتَ وَتَقَهْقَرْتَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : كَعْكَعْتُهُ فَتَكَعْكَعَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَعْكَعَ مُتَعَدٍّ وَتَكَعْكَعَ لَازِمٌ ، وَكَعْكَعَ يَقْتَضِي مَفْعُولًا ؛ أَيْ : رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ نَفْسَكَ ، وَلِمُسْلِمٍ : رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ نَفْسَكَ بِفَاءَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ مِنَ الْكَفِّ وَهُوَ الْمَنْعُ . ( فَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ) رُؤْيَةَ عَيْنٍ بِأَنْ كُشِفَ لَهُ دُونَهَا فَرَآهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا ، وَطُوِيَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَسْمَاءٍ فِي الصَّحِيحِ بِلَفْظِ : دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهَا مُثِّلَتْ لَهُ فِي الْحَائِطِ كَمَا تَنْطَبِعُ الصُّورَةُ فِي الْمِرْآةِ ، فَرَأَى جَمِيعَ مَا فِيهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ : لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ آنِفًا فِي عَرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَقَدْ مُثِّلَتْ ، وَلِمُسْلِمٍ : لَقَدْ صُوِّرَتْ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الِانْطِبَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَادِيٌّ ، فَيَجُوزُ أَنْ تَنْخَرِقَ الْعَادَةُ خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَكِنْ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَرَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَرَّتَيْنِ ، بَلْ مِرَارًا عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الرُّؤْيَةُ الْعِلْمُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا إِحَالَةَ فِي بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا وَوُجِدَتَا ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِنَبِيِّهِ إِدْرَاكًا خَاصًّا أَدْرَكَ بِهِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا . ( فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ) أَيْ : وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ بِحَيْثُ كُنْتُ قَادِرًا عَلَى تَحْوِيلِهِ لَكِنْ لَمْ يُقَدَّرْ لِي قَطْفُهُ ، ( وَلَوْ أَخَذْتُهُ ) أَيْ : لَوْ تَمَكَّنْتُ مِنْ قَطْفِهِ ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ : وَلَوْ أَصَبْتُهُ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : أَهْوَى بِيَدَيْهِ لِيَتَنَاوَلَ شَيْئًا ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاجْتِرَاءِ فَلَمْ يَجْتَرِئْ ، وَبِهَذَا لَا يُشْكَلُ قَوْلُهُ : وَلَوْ أَخَذْتُهُ ، مَعَ قَوْلِهِ : تَنَاوَلْتُ . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ تَنَاوَلْتُ لِنَفْسِي وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَكُمْ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَبِأَنَّ الْإِرَادَةَ مُقَدَّرَةٌ ؛ أَيْ : أَرَدْتُ أَنْ أَتَنَاوَلَ ثُمَّ لَمْ أَفْعَلْ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ . وَمِثْلُهُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظٍ : حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ آخُذُ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ : أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا أُرِيكُمُوهُ فَلَمْ يُقَدَّرْ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ( لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الْعُنْقُودِ ( مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ) لِأَنَّ ثِمَارَ الْجَنَّةِ لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ ، وَإِذَا قُطِفَتْ خَلَّفَتْ فِي الْحَالِ ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا إِذَا شَاءَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ فِي وُجُوبِ الدَّوَامِ وَجَوَازِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ . وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَن يخلق فِي نَفْسِ الْآكِلِ مِثْل الَّذِي أَكَلَ دَائِمًا ، بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ عَنْ ذَوْقِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَأْيٌ فَلْسَفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَا حَقَائِقَ لَهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمْثَالٌ . وَبَيَّنَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ هَذَا التَّنَاوُلَ الْمَذْكُورَ كَانَ حَالَ قِيَامِهِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يَأْخُذِ الْعُنْقُودَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ ، وَهُوَ لَا يَفْنَى ، وَالدُّنْيَا فَانِيَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا مَا لَا يَفْنَى . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَوْ رَآهُ النَّاسُ لَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالْغَيْبِ ، فَيُخْشَى أَنْ تُرْفَعَ التَّوْبَةُ ، فَلَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّ الْجَنَّةَ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ ، وَالْجَزَاءُ بِهَا لَا يَقَعُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ . ( وَرَأَيْتُ النَّارَ ) قَبْلَ رُؤْيَةِ الْجَنَّةِ . فَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : عُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّارُ ، فَتَأَخَّرَ عَنْ مُصَلَّاهُ ، حَتَّى إِنَّ النَّاسَ لَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَإِذَا رَجَعَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ ، فَذَهَبَ يَمْشِي حَتَّى وَقَفَ فِي مُصَلَّاهُ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا ، وَفِيهِ : ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي وَزَادَ فِيهِ : مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ سَمُرَةَ : لَقَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ قُمْتُ أُصَلِّي مَا أَنْتُمْ لَاقُونَ فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ ( فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ ) أَيِ : الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ( مَنْظَرًا ) نُصِبَ بِأَرَى ( قَطُّ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ : أَفْظَعَ أَقْبَحَ وَأَشْنَعَ وَأَسْوَأَ صِفَةً لِلْمَنْصُوبِ ؛ أَيْ : لَمْ أَرَ مَنْظَرًا مِثْلَ مَنْظَرٍ رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ ، فَحَذَفَ الْمَرْئِيَّ وَأَدْخَلَ التَّشْبِيهَ عَلَى الْيَوْمِ لِبَشَاعَةِ مَا رَأَى فِيهِ ، وَبُعْدِهِ عَنِ الْمَنْظَرِ الْمَأْلُوفِ . وَقِيلَ : الْكَافُ اسْمٌ وَالتَّقْدِيرُ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ هَذَا الْيَوْمِ مَنْظَرًا . ( وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ) اسْتَشْكَلَ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ مِنَ الدُّنْيَا فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النِّسَاءَ ثُلْثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَأُجِيبُ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِهِنَّ مِنَ النَّارِ ، أَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْوِيفِ ، وَعُورِضَ بِإِخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرُّؤْيَةِ الْحَاصِلَةِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَيْتُ فِيهَا النِّسَاءَ اللَّاتِي إِنِ اؤْتُمِنَّ أَفْشَيْنَ ، وَإِنْ سُئِلْنَ بَخِلْنَ ، وَإِنْ سَأَلْنَ أَلْحَفْنَ ، وَإِنْ أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي النَّارِ مِنْهُنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَاتٍ ذَمِيمَةٍ . ( قَالُوا : لِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكُفْرِهِنَّ ) بِـ لَامٍ هُنَا وَفِي لَمْ ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ : بِمَ بِالْبَاءِ فِيهِمَا وَأَصْلُهُ : بِمَا يَأْلَفُ ؛ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا . ( قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ) تَعَالَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ( قَالَ : وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ) أَيِ : الزَّوْجَ ؛ أَيْ : إِحْسَانَهُ ، كَذَا لِيَحْيَى وَحْدَهُ بِالْوَاوِ وَلَمْ يَزِدْهَا غَيْرُهُ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ سَائِرِ الرُّوَاةِ : بِلَا وَاوٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِغَيْرِ وَاوٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاوَ غَلَطٌ مِنْ يَحْيَى ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ تَغْلِيطِهِ أَنَّهُ خَالَفَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّوَاةِ فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَأَطْلَقَ عَلَى الشُّذُوذِ غَلَطًا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ فَسَادَ الْمَعْنَى فَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ طَابَقَ السُّؤَالَ ، وَزَادَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ النِّسَاءِ فَعَمَّ الْمُؤْمِنَةَ مِنْهُنَّ وَالْكَافِرَةَ ، فَلَمَّا قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ : وَيَكْفُرْنَ . . . . إِلَخْ ، كَأَنَّهُ قَالَ : نَعَمْ يَقَعُ مِنْهُنَّ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَغَيْرُهُ ، لِأَنَّ مِنْهُنَّ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ لَمْ يَقَعْ عَلَى وُفِقِ سُؤَالِ السَّائِلِ ، لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِأَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى جَوَابِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَدِيثِ خِلَافُهُ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَمْ يُعَدَّ كُفْرُ الْعَشِيرِ بِالْبَاءِ كَمَا عُدِّيَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّ كُفْرَ الْعَشِيرِ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ . ( وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ) كَأَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ كُفْرُ إِحْسَانِهِ لَا كُفْرَ ذَاتِهِ ، فَالْجُمْلَةُ مَعَ الْوَاوِ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولَى نَحْوُ : أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ ، وَالْمُرَادُ بِكُفْرِ الْإِحْسَانِ تَغْطِيَتُهُ أَوْ جَحْدُهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ) نَصَبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ( كُلَّهُ ) أَيْ : مُدَّةَ عُمُرِ الرَّجُلِ أَوِ الزَّمَانِ مُبَالَغَةً ( ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ) قَلِيلًا لَا يُوَافِقُ غَرَضَهَا مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ، فَالتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ ( قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) بَيَانٌ لِلتَّغْطِيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَ لَوْ شَرْطِيَّةٌ لَا امْتِنَاعِيَّةٌ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا امْتِنَاعِيَّةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا عَلَى التَّعْيِينِ ، وَالْمَظْرُوفُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى مِنَ الْمَذْكُورِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خِطَابَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَأَتَّى أَنْ يُخَاطَبَ فَهُوَ خَاصٌّ لَفْظًا عَامٌّ مَعْنًى . وَفِي الْحَدِيثِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الطَّاعَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُحْذَرُ مِنْهُ ، وَاسْتِدْفَاعُ الْبَلَاءِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْوَاعِ طَاعَتِهِ ، وَمُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ نُصْحِ أُمَّتِهِ ، وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ وَتَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ ، وَمُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ لِلْعَالَمِ فِيمَا لَا يُدْرِكُهُ فَهْمُهُ ، وَجَوَازُ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ ، وَبَيَانُ الْعَالِمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ تِلْمِيذُهُ ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ الْحُقُوقِ ، وَوُجُوبُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ ، وَجَوَازُ إِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ ، وَجَوَازُ تَعْذِيبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي ، وَالْعَمَلُ الْقَلِيلُ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ ، وَأَنَّ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ زِيَادَةُ رُكُوعَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا كَمَا مَرَّ ، وَجَاءَتْ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ، فَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَآخَرَ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ . وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَالْبَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ : فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ رُكُوعِاتٍ . وَلَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا عَنْ عِلَّةٍ كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَالْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ عَدُّوا الزِّيَادَةَ عَلَى رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ يُمْكِنُ رَدُّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَيَجْمَعُهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِذَا اتَّحَدَتِ الْقِصَّةُ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ ، وَأَنَّ الْكُسُوفَ وَقَعَ مِرَارًا فَتَجُوزُ هَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا إِسْحَاقُ ، لَكِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ اخْتِلَافُ إِبَاحَةٍ وَتَوْسِعَةٍ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْكُسُوفَ مِرَارًا ، فَحَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مَا رَأَى ، وَكُلُّهُمْ صَادِقٌ جَعَلَهُمُ الْمُصْطَفَى كَالنُّجُومِ مَنِ اقْتَدَى بِأَيِّهِمُ اهْتَدَى ، انْتَهَى . وَرَوَى حَدِيثَ الْبَابِ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .