شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ اللَّيْثِيُّ . لِمَالِكٍ عَنْهُ حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ ، كَانَ صَالِحَ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ فِي عِدَادِ الشُّيُوخِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . 450 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِشَرِيكٍ مَالِكٌ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ؛ فَادْعُ اللَّهَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ ، وَالْآكَامِ ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ . قَالَ : فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفَزَعُ إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَى مَنْ تُرْجَى دَعْوَتُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ ، وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ مَا نَزَلَ لَيْسَ بِشَكْوَى إِذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، وَفِيهِ مَا عَلَيْهِ بَنُو آدَمَ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ ، أَلَا تَرَى سُرْعَةَ شَكْوَاهُمْ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا وَفِيهِ إِبَاحَةُ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِصْحَاءِ كَمَا يُدْعَى فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ فِي إِبَاحَةِ كُلِّ مَنْ دَعَاهُ إِلَى مَا أَرَادَ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَالصَّلَاةَ فِيهَا ، وَالْقِرَاءَةَ وَسَائِرَ سُنَنِهَا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ ( يَوْمَ ) الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، انْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، وَهَلَكَتِ الْأَمْوَالُ ، وَأَجْدَبَتِ الْبِلَادُ ؛ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ حِذَاءَ وَجْهِهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا . وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، وَلَكِنِ الْجِبَالَ وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ . قَالَ : فَتَمَزَّقَ السَّحَابُ فَمَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا . وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ بِأَتَمِّ مَعْنًى وَأَحْسَنِ سِيَاقَةٍ ، وَفِي آخِرِ حَدِيثِهِ قَالَ شَرِيكٌ : سَأَلْتُ أَنَسًا : الرَّجُلُ الَّذِي أَتَاهُ آخِرًا هُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ ؟ قَالَ : لَا . وَرَوَاهُ ثَابِتٌ ، وَحُمَيْدٌ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ شَرِيكٍ هَذَا . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرَ النَّاسُ حَتَّى سَالَتْ قَنَاهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَمِيلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّعْدِيُّ : سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَسْتَسْقِي ، فَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ ، قَالَ : فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِيمَ خَرَجَ لَهُ ؟ وَلَا أَشْعُرُ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ هُوَ الِاسْتِغْفَارُ ، قَالَ : فَقَلَّدَتْنَا السَّمَاءَ قَلْدًا كُلَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَتَّى رَأَيْتُ الْأَرْنَبَةَ تَأْكُلُهَا صِغَارُ الْإِبِلِ مِنْ وَرَاءِ حِقَاقِ الْعُرْفُطِ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا حِقَاقُ الْعُرْفُطِ ؟ قَالَ : ابْنَا سَنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ . قَالَ نَصْرٌ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْأَرْنَبَةُ شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ ، يَقُولُ : فَطَالَتْ مِنَ الْأَمْطَارِ حَتَّى صَارَتِ الْإِبِلُ كُلُّهَا تَتَنَاوَلُهَا مِنْ فَوْقِ شَجَرِ الْعُرْفُطِ . وَيُرْوَى هَذَا الْخَبَرُ عَنْ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ هَذَا ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا صَبِيٌّ يَغِطُّ ، وَلَا بَعِيرٌ يَئِطُّ ، وَأَنْشَدَ : أَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرَاءُ تُدْمِي لَبَانَهَا وَقَدْ شُغِلَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَنِ الطِّفْلِ وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ وَخَرَّ اسْتِكَانَةً مِنَ الْجُوعِ مَوْتًا مَا يُمِرُّ وَمَا يُحْلِي وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِيِّ وَالْعَلْهَزِ الْغِسْلِ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسْلِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا غَدَقًا طَبَقًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، عَاجِلًا غَيْرَ رَايِثٍ ، وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ، قَالَ : فَمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ حَتَّى الْتَقَتِ السَّمَاءُ بِأَبْرَاقِهَا ، وَجَاءَ أَهْلُ الْبِطَاحِ يَضِجُّونَ : الْغَرَقَ الْغَرَقَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا . فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَحْدَقَ بِهَا كَالْإِكْلِيلِ ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ دَرُّ أَبِي طَالِبٍ ، لَوْ كَانَ حَيًّا قَرَّتْ عَيْنَاهُ ، مَنْ يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَعَلَّكَ تُرِيدُ : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يُطِيفُ بِهِ الْهَلَاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَجَلْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ يَكُ شَاعِرٌ أَحْسَنَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ . أَخْبَرَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِحِيرٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْوَاسِطِيُّ ابْنُ ابْنَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ بْنِ خَيْثَمٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ : اللَّبَانُ : الصَّدْرُ ، وَالْحَنْظَلُ الْعَامِيُّ الَّذِي لَهُ عَامٌ ، وَالْعَلْهَزُ لَا أَعْرِفُهُ . وَهَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ : وَأَظُنُّهُ الْعَنْقَزُ وَهُوَ أَصُولُ الْبَرْدِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بَعِيرٌ يَئِطُّ ، فَالْأَطِيطُ الصَّوْتُ ، وَغَدَقًا : كَثِيرًا ، وَطَبَقًا : يُطْبِقُ الْأَرْضَ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ الْغَلَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَجْدَبَتْ عَلَيْهِ السَّنَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ مَرَّتْ بِنَا سُنُونَ كَسِنِي يُوسُفَ ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمِنْبَرِ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَحَوْلَهُ عَلَى كَتِفِهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ( مَرِيئًا مُرِيعًا ) فَمَا اسْتَتَمَّ الدُّعَاءَ حَتَّى اسْتَقَلَّتْ سَحَابَةٌ تُمْطِرُ سَحًّا ، فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ أَهْلُ الْأَسَافِلِ يَصِيحُونَ الْغَرَقَ الْغَرَقَ ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ أَبُو طَالِبٍ ، لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ ، أَمَا مِنْكُمْ أَحَدٌ يُنْشِدُنِي شِعْرَهُ ؟ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : لَعَلَّكَ تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَهُ : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ رَبِيعُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَكَانَ مِنْ مُزَيْنَةَ : لَكَ الْحَمْدُ وَالْحَمْدُ مِمَّنْ شَكَرْ سُقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ دَعَا رَبَّهُ الْمُصْطَفَى دَعْوَةً فَأَسْلَمَ مَعَهَا إِلَيْهِ النَّظَرْ فَلَمْ يَكُ إِلَّا أَنْ أَلْقَى الرِّدَاءَ وَأَسْرَعَ حَتَّى رَأَيْنَا الدُّرَرْ وَلَمْ يَرْجِعِ الْكَفُّ عِنْدَ الدُّعَاءِ إِلَى النَّحْرِ حَتَّى أَفَاضَ الْغُدُرْ سَحَابٌ وَمَا فِي أَدِيمِ السَّمَاءِ سَحَابٌ يَرَاهُ الْحَدِيدُ الْبَصَرْ فَكَانَ كَمَا قَالَهُ عَمُّهُ وَأَبْيَضُ يُسْقَى بِهِ ذُو غَدَرْ بِهِ يُنْزِلُ اللَّهُ غَيْثَ السَّمَاءِ فَهَذَا الْعِيَانُ لِذَاكَ الْخَبَرْ فَمَنْ يَشْكُرِ اللَّهَ يَلْقَ الْمَزِيدَ وَمَنْ يَكْفُرِ اللَّهَ يَلْقَ الْغِيَرْ لَيْسَ هَذَا الْبَيْتُ فِي رِوَايَةِ الْغَلَابِيِّ ، قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَاحِلَتَيْنِ وَكَسَاهُ ثَوْبًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْآكَامُ ، فَهِيَ الْكِدَاءُ وَالْجُبَارُ الصِّغَارُ مِنَ التُّرَابِ ، الْوَاحِدَةُ أَكَمَةُ ، وَمَنَابِتُ الشَّجَرِ : مَوَاضِعُ الْمَرْعَى حَيْثُ تَرْعَى الْبَهَائِمُ ، وَانْجِيَابُ الثَّوْبِ : انْقِطَاعُ الثَّوْبِ ، يَعْنِي الْخَلْقَ ، يَقُولُ صَارَتِ السَّحَابَةُ قِطَعًا ، وَانْكَشَفَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَنْكَشِفُ الثَّوْبُ عَنِ الشَّيْءِ يَكُونُ عَلَيْهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ · ص 61 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أنس جاء رجل إلى رسول الله فقال هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله · ص 144 450 424 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فَادْعُو اللَّهَ . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ . قَالَ : فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ . 9982 - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِمَعَانٍ مُتَفَاوِتَةٍ حِسَانٍ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 9983 - وَمِنْ أَكْمَلِهَا مَعْنًى ، وَأَحْسَنِهَا أَلْفَاظًا ، وَسِيَاقَةً حَدِيثُ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ ، وَلَا صَبِيٌّ يَصْطَبِحُ ، وَأَنْشَدَ : أَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرَاءُ يَدْمَى لَبَانُهَا وَقَدْ شُغِلَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَنِ الطِّفْلِ وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الْفَتَى اسْتِكَانَةً مِنَ الْجُوعِ ضَعْفًا مَا يُمِرُّ وَمَا يُحْلِي وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِّيِّ وَالْعِلْهِزِ الْفَسْلِ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسْلِ . 9984 - قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : الْعِلْهِزِ : اسْمٌ لِلنَّرْجِسِ وَيُقَالُ لِلْيَاسَمِينِ . 9985 - فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مَرِيعًا غَدَقًا طَبَقًا ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، تَمْلَأُ بِهِ الضَّرْعَ ، وَتُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ ، وَتُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ . قَالَ : فَمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ إِلَى نَحْرِهِ حَتَّى الْتَقَتِ السَّمَاءُ بِأَرْوَاقِهَا ، وَجَاءَ أَهْلُ الْبِطَانَةِ يَضِجُّونَ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْغَرَقَ الْغَرَقَ . فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَحْدَقَ بِهَا كَالْإِكْلِيلِ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ أَبُو طَالِبٍ ! لَوْ كَانَ حَيًّا قَرَّتْ عَيْنَاهُ ، مَنِ الَّذِي يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ ؟ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ كَذَّبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ يُبْزَى مُحَمَّدٌ وَلِمَا نُقَاتِلُ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجَلْ . فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَقَالَ : لَكَ الْحَمْدُ مِمَّنْ شَكَرْ سُقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ عَلَى حَسَبِ مَا كَتَبْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 9986 - وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا عَنْهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، لَيْسَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ شَيْءٌ مِنَ الشِّعْرِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى نَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ . 9987 - وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبَرِيِّ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَأَجْدَبَتِ الْبِلَادُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ حِذَاءَ وَجْهِهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا . . . وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا وَلَكِنِ الْجِبَالَ وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ ، فَتَفَرَّقَ السَّحَابُ فَمَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا . 9988 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : وَالْآكَامَ فَهِيَ : الْكُدَى وَالْجِبَالُ مِنَ التُّرَابِ ، وَهِيَ جَمْعُ أَكْمَةٍ مِثْلَ رَقَبَةٍ وَرِقَابٍ وَعَتَبَةٍ وَعِتَابٍ ، وَقَدْ تُجْمَعُ عَلَى آكَامٍ مِثْلَ آجَامٍ . 9989 - وَمَنَابِتُ الشَّجَرِ : مَوَاضِعُ الْمَرْعَى حَيْثُ تَرْعَى الْبَهَائِمُ . 9990 - وَانْجِيَابُ الثَّوْبِ : انْقِطَاعُ الثَّوْبِ يَعْنِي الْخَلِقَ ، يَقُولُ : صَارَتِ السَّحَابَةُ قِطَعًا وَانْكَشَفَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَنْكَشِفُ الثَّوْبُ عَنِ الشَّيْءِ يَكُونُ عَلَيْهِ . 9991 - وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِصْحَاءِ عِنْدَ نَوَالِ الْغَيْثِ كَمَا يُسْتَسْقَى عِنْدَ احْتِبَاسِهِ . 9992 - وَيَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَصَحَا أَنْ لَا يَدْعُوَ فِي رَفْعِ الْغَيْثِ جُمْلَةً ، وَلَكِنِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَا أَدَّبَ بِهِ أُمَّتَهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : مَنَابِتَ الشَّجَرِ وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ . يَعْنِي حَيْثُ لَا يَخْشَى هَدْمُ بَيْتٍ وَلَا هَلَاكُ حَيَوَانٍ وَلَا نَبَاتٍ . 9993 - وَرَوَيْنَا مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَخَرَجَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ وَنَسْتَشْفِعُ بِهِ فَاحْفَظْ فِينَا نَبِيَّكَ كَمَا حَفِظْتَ الْغُلَامَيْنِ لِصَلَاحِ أَبِيهِمَا ، وَأَتَيْنَاكَ مُسْتَغْفِرِينَ مُسْتَشْفِعِينَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا إِلَى قَوْلِهِ أَنَهَارًا ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ وَعَيْنَاهُ تَنْضَحَانِ ، فَطَالَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّاعِي لَا تُهْمِلُ الضَّالَّةَ ، وَلَا تَدَعُ الْكَسِيرَ بِدَارِ مَضِيعَةٍ فَقَدْ ضَرَعَ الصَّغِيرُ ، وَرَقَّ الْكَبِيرُ ، وَارْتَفَعَتْ إِلَيْكَ الشَّكْوَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ، اللَّهُمَّ فَأَغِثْهُمْ بِغِيَاثِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْنَطُوا فَيَهْلَكُوا فَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ . فَنَشَأَتْ طُرَيْرَةٌ مِنْ سَحَابٍ ، فَقَالَ النَّاسُ : تَرَوْنَ تَرَوْنَ ثُمَّ تَلَاءَمَتْ وَاسْتَتَمَّتْ وَمَشَتْ فِيهَا رِيحٌ ثُمَّ هَدَّتْ وَدَرَّتْ فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا حَتَّى اعْتَلقَوا الْحِذَاءَ وَقَلَّصُوا الْمَآزِرَ وَطَفِقَ النَّاسُ بِالْعَبَّاسِ يَمْسَحُونَ أَرْكَانَهُ وَيَقُولُونَ : هَنِيئًا لَكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ . 9994 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْ حَضَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : مَاذَا بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ : الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ سُقُوطِهَا سَبْعًا قَالَ : فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِرُوا . 9995 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ إِنْ شَاءَ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ ، وَإِنْ شَاءَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ; فَلِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُقْضَى لِزَامًا فَتُشْبِهُ الْفَرَائِضَ وَهِيَ فِعْلُ خَيْرٍ لَا يَخْرُجُ مَنْ قَضَاهَا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْاسْتِسْقَاءِ · ص 649 451 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ ، وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ ، قَالَ : فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ إِذَا رَجَعَ ، قَالَ مَالِكٌ : هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ . 450 451 - ( مَالِكٌ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، مَاتَ فِي حُدُودِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَفِي التَّمْهِيدِ : صَالِحُ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي عِدَادِ الشُّيُوخِ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ حَدِيثَانِ . ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ هَذَا الْمُبْهَمَ بِأَنَّهُ كَعْبُ الْمَذْكُورُ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مُرْسَلًا : مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّهُ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : يَا كَعْبُ ، حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا ، فَفِي هَذَا أَنَّهُ غَيْرُ كَعْبٍ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ الرَّجُلُ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ لِمُوَافَقَةِ سُؤَالِ السَّائِلِ مَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ مِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلِأَحْمَدَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : إِذْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ إِسْلَامِهِ ، وَيَنْفِي زَعْمَهُ قَوْلُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَيْ : لِأَنَّهُ لَا يَقُولُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ . ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهُوَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي ) لِعَدَمِ وُجُودِ مَا تَعِيشُ بِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ لِحَبْسِ الْمَطَرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْأَمْوَالُ ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمَوَاشِي لَا الصَّامِتُ ، وَفِي لَفْظِ : الْكُرَاعُ - بِضَمِّ الْكَافِ - الْخَيْلُ وَغَيْرُهَا ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ ، هَلَكَ الْعِيَالُ ، هَلَكَ النَّاسُ ، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ . ( وَتَقَطَّعَتْ ) بِفَوْقِيَّةٍ وَشَدِّ الطَّاءِ ( السُّبُلُ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَبِيلٍ ، الطُّرُقُ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ ضَعُفَتْ لِقِلَّةِ الْقُوتِ عَنِ السَّفَرِ ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ فِي طَرِيقِهَا مِنَ الْكَلَأِ مَا يُقِيمُ أَوْدَهَا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ نَفَادُ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ قِلَّتِهِ فَلَا يَجِدُونَ مَا يَحْمِلُونَهُ إِلَى الْأَسْوَاقِ . وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : قَحَطَ الْمَطَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ ، وَحُكِيَ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ . وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ : وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ ، كِنَايَةً عَنْ يَبْسِ وَرَقِهَا لِعَدَمِ شُرْبِهَا الْمَاءَ أَوْ لِانْتِثَارِهِ فَيَصِيرُ الشَّجَرُ أَعْوَادًا بِلَا وَرَقٍ . وَلِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ : وَأَمْحَلَتِ الْأَرْضُ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَهَا كُلَّهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَوَى شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ بِالْمَعْنَى ، فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ . ( فَادْعُ اللَّهَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : يُغِثْنَا ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ : أَنْ يَسْقِيَنَا ، وَفِي أُخْرَى : فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ . ( فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَعْفَرٍ : فَرَفَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ) قَالَ أَنَسٌ : وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سِلَعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ التُّرْسِ ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا وَفِي رِوَايَةٍ : فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا وَفِي مُسْلِمٍ : فَأُمْطِرْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ : حَتَّى أَهَمَّ الشَّابُّ الْقَرِيبُ الدَّارِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ ( قَالَ : فَجَاءَ ) رَجُلٌ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ دَلَّتْ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَقَدْ قَالَ شَرِيكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ : سَأَلْتُ أَنَسًا أَهْوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالتَّغَايُرِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمِثْلُهُ لِأَبِي عِوَانَةَ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظٍ : فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَزْمُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ ، فَلَعَلَّ أَنَسًا كَانَ يَتَرَدَّدُ تَارَةً ، وَيَجْزِمُ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ . ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ ) مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ ( وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ) لِتَعَذُّرِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ فَهُوَ سَبَبٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ ؛ أَيْ : لِكَثْرَةِ الْمَاءِ انْقَطَعَ الْمَرْعَى . ( وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي ) مِنْ عَدَمِ الْمَرْعَى أَوْ لِعَدَمِ مَا يُكِنُّهَا مِنَ الْمَطَرِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ : هُدِمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ ) أَيْ : يَا اللَّهُ أَنْزِلِ الْمَطَرَ ( ظُهُورَ الْجِبَالِ ) أَيْ : عَلَى ظُهُورٍ ؛ فَنُصِبَ تَوَسُّعًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقِنِّيسِيُّ ، والأويسي بِلَفْظٍ عَلَى ( وَالْإِكَامَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَتُمَدُّ ؛ جَمْعُ أَكَمَةٍ بِفَتَحَاتٍ ، قَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ : وَهُوَ التُّرَابُ الْمُجْتَمِعُ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْكُدْيَةِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : هِيَ الَّتِي مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْهَضْبَةُ الضَّخْمَةُ ، وَقِيلَ : الْجَبَلُ الصَّغِيرُ ، وَقِيلَ : مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ : الْأَكَمَةُ أَعْلَى مِنَ الرَّابِيَةِ ، ( وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ) أَيْ : مَا يَتَحَصَّلُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ ، قَالُوا : وَلَمْ يُسْمَعْ أَفْعَلَةَ جَمْعِ فَاعِلٍ إِلَّا أَوْدِيَةً جَمْعُ وَادٍ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ ) جَمْعُ مَنْبَتٍ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ : مَا حَوْلَهَا مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَنْبُتَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَنْبَتِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَطَرُ ، زَادَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ : وَرُءُوسَ الْجِبَالِ ، وفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : فَرَفَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ( قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَانْجَابَتْ ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ ( عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ ) أَيْ : خَرَجَتْ عَنْهَا كَمَا يُخْرَجُ الثَّوْبُ عَنْ لَابِسِهِ ، وَفِي الْمُنْتَقَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهُ تَدَوَّرَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ الْقَمِيصِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي تَقَطَّعَتْ عَنْهَا كَمَا يُقْطَّعُ الثَّوْبُ الْخَلَقُ . انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ : فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَكَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَزَّقَ السَّحَابُ حَتَّى مَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا ؛ أَيْ : فِي الْمَدِينَةِ ، وَلِمُسْلِمٍ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءَيْنِ يُطْوَى - بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ - وَقَدْ يَمُدُّ جَمْعَ مُلَاءَةٍ ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ . وَلِلْبُخَارِيِّ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَقْتَطِعُ يَمِينًا وَشِمَالًا ، يُمْطَرُونَ ؛ أَيْ : أَهْلِ النَّوَاحِي وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . وَلَهُ أَيْضًا : فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ . وَلَهُ أَيْضًا : فَتَكَشَّطَتْ فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَلَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ بَقَاءَ الْمَطَرِ فِيمَا سِوَاهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعِ الْإِهْلَاكُ وَلَا الْقَطْعُ وَهُوَ خِلَافٌ مَطْلُوبُ السَّائِلِ بِقَوْلِهِ : تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ فِيمَا حَوْلَهَا مِنْ أَكَامٍ وَظِرَابٍ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ لَا فِي الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ وَلَا الْبُيُوتِ ، وَوُقُوعُ الْمَطَرِ فِي بُقْعَةٍ دُونَ بُقْعَةٍ كَثِيرٌ وَلَوْ كَانَتْ تُجَاوِرُهَا ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ لِلْمَوَاشِي أَمَاكِنٌ تُكِنُّهَا وَتُرْعَى فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ الْمَطَرُ . وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي الدُّعَاءِ حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَرِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى اسْتِمْرَارِهِ ، فَاحْتَرَزَ فِيهِ بِمَا يَقْضِي رَفْعَ الضَّرَرِ وَإِبْقَاءِ النَّفْعِ ، وَمِنْهُ اسْتُنْبِطَ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْخِطَهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِيهَا ، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَ الْعَارِضِ ، وَإِبْقَاءِ النِّعْمَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ يَرْفَعُ الضُّرَّ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَإِنْ كَانَ مَقَامُ الْأَفْضَلِ التَّفْوِيضَ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجَدْبِ وَآخِرُ السُّؤَالِ تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِمَا سَأَلُوهُ بَيَانًا لِلْجِوَاز وَتَقْرِيرًا لِسُنَّةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، وَفِيهِ قِيَامُ الْوَاحِدِ بِأَمْرِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ لِسُلُوكِهِمُ الْأَدَبَ بِالتَّسْلِيمِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاءِ بِالسُّؤَالِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَنَسٍ : كَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنَ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلُهُ ، وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ عَقِبَهُ أَوْ مَعَهُ ابْتِدَاءً فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَانْتِهَاءً فِي الِاسْتِصْحَاءِ وَامْتِثَالُ السَّحَابِ أَمْرَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَنْ شُيُوخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ نَحْوُهُ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَفِي بَيْتِهِ إِذَا رَجَعَ قَالَ مَالِكٌ ) أَعَادَهُ لِيَفْصِلَ بَيْنَ التَّصْوِيرِ وَالْحُكْمِ ( هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ ) بِالْفَتْحِ فُسْحَةٌ ( إِنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ ) إِذَنْ شَأْنُ النَّوَافِلِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .