حَدِيثٌ مُوفِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إليك غَيْرَ مَفْتُونٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو - الْحَدِيثَ - مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَلَا أَعْرِفُهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَّا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ الثِّقَاتُ . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَحَدِيثِ ثَوْبَانَ ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، وَرُوِيَ لِأَخِي أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ أَحْسَبُهُ قَالَ : فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ اللَّجْلَاجِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيَّ يَقُولُ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : مَا رَأَيْتُكَ أَسْفَرَ مِنْكَ وَجْهًا الْغَدَاةَ ، قَالَ : وَمَا لِي وَقَدْ تَبَدَّى لِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : فِي الْكَفَّارَاتِ ، قَالَ : وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ فِي الْمَكَارِهِ ، قَالَ : وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ ، وَيَمُتْ بِخَيْرٍ ، وَيَكُونُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَمِنَ الدَّرَجَاتِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَبَذْلُ السَّلَامِ ، وَأَنْ تَقُومَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، سَلْ تُعْطَهُ ، قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَأَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي قَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ فَتَعَلَّمُوهُنَّ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُنَّ لَحَقٌّ . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي صَدَقَةُ ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ : مَرَّ بِنَا خَالِدُ بْنُ اللَّجْلَاجِ ، فَدَعَاهُ مَكْحُولٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ ، حَدِّثْنَا حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيِّ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنْتَ أَعْلَمُ أَيْ رَبِّي ، قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قَالَ : فَفِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ ؟ قُلْتُ : فِي الْكَفَّارَاتِ ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ فِي الْمَكَارِهِ ، قَالَ : مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ ، وَيَمُتْ بِخَيْرٍ ، وَيَكُونُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَمِنَ الدَّرَجَاتِ : إِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَبَذْلُ السَّلَامِ ، وَأَنْ يَقُومَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، قَالَ : قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَأَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي قَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعَلَّمُوهُنَّ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُنَّ لَحَقٌّ . وَرَوَاهُ مِهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ اللَّجْلَاجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيِّ ، قَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ الْوَلِيدُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِيهِ أَصَحُّ ، قَالَ : وَحَدِيثُ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ، فَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَاءَى لِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ ، فَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ : فَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَنَقْلُ الْأَقْدَامِ فِي الْجُمُعَاتِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَوَاتِ إِلَى الصَّلَوَاتِ ، وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ : فَإِفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، قَالَ : صَدَقْتَ ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عَمَلًا بِالْحَسَنَاتِ ، وَتَرْكَ السَّيِّئَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذَنْبِي ، وَتَتُوبَ عَلَيَّ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً - وَأَنَا فِيهِمْ - فَنَحِّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : رَأَيْتُ رَبِّي ، مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَنَامِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْمُوفِي الثَّلَاثِينَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ · ص 321 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ · ص 326 حَدِيثٌ حَادٍ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَنِدُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ شَتَّى ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ جَرِيرٍ ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ سَنَّ سُنَّةَ هُدًى فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ ، أَوْ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ ضَلَالَةٍ فَاتُّبِعْ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأَكْثَرُهُمْ لَا يُصَحِّحُونَهُ ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُ أَحْيَانًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبَا رَافِعٍ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ سَمَاعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَنَحْنُ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَسَنُ مِنْ عُثْمَانَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيُّ بمصر ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ جَرِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبَلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْفَرَائِضِيُّ الْحَنِينِيُّ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي ، كَانَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ : سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ يَخْطُبُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَقْرُورٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنَا كَثِيرٌ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي ، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ ، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلُ إِثْمِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْئًا . وَحَدَّثَنَا عُبَيْدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ : اعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى آخِرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي فَضَائِلِ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ الْيَوْمَ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ ، وَإِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ مِنْهَا كَثِيرٌ جِدًّا ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَعْنَى ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَنْقَطِعُ عَمَلُ الْمَرْءِ بَعْدَهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : عِلْمٍ عَلِمَهُ فَعُمِلَ بِهِ بَعْدَهُ ، وَصَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ يَجْرِي عَلَيْهِ أَجْرُهَا ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ . وَقَدْ جَمَعْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - مِنْ فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ ، وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ ، وَحَمْلِهِ ، مَا فِيهِ شِفَاءٌ ، وَاسْتِغْنَاءٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَعَلَى قَدْرِ فَضْلِ مُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَأَجْرِهِ يَكُونُ ، وِزْرُ مَنْ عَلِمَ الشَّرَّ ، وَدَعَا إِلَى الضَّلَالِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرُ مَنْ تَعَلَّمَهُ مِنْهُ ، وَدَعَا إِلَيْهِ ، وَعَمِلَ بِهِ ، عَصَمَنَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حُبَابَةَ الْبَزَّارُ الْبَغْدَادِيُّ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَدْرِ النَّهَارِ ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ ، مُجْتَابِي النِّمَارِ ، عَلَيْهِمُ الْعَبَاءُ وَالصُّوفُ ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَغَيَّرُ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَفِي آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَعُمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا ، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعُمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئًا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ مُسَدَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ سُنَّةٍ صَالِحَةٍ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي أن قوله تعالى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا · ص 168 481 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا الْإِسْرَاءِ 110 ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ . 10917 - فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ عُرْوَةَ جَمَاعَةٌ ، وَقَدْ رَوَتْهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، مِنْهُمْ : ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ . 10918 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 10919 - فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي سَمَاعِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ من مَالِكٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا الْإِسْرَاءِ 110 ، فَقَالَ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِقِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ لِأَنَّهَا عَجْمَاءُ ، وَلَا يُخَافِتُ بِقِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَالصُّبْحِ مِنَ النَّهَارِ إِلَّا أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا . 10920 - وَفِي هَذَا أَيْضًا نَصٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ مِنَ النَّهَارِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 10921 - وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِقَوْلِ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ ، فَمِنْهُمْ : إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ . 10922 - وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ : لَا تُصَلِّهَا رِيَاءً وَلَا تَتْرُكْهَا حَيَاءً . 10923 - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ : لَا تُحْسِنْ عَلَانِيَتَهَا ، وَلَا تُسِئْ سَرِيرَتَهَا . 10924 - وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَسْمَعُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يُؤْذُونَهُ مَخَافَةً لِأَنْ لَا يَسْمَعَ أَحَدٌ قِرَاءَتَهُ ، فَنَزَلَتْ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا الْإِسْرَاءِ 110 . 10925 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ قَتَادَةُ . 10926 - وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا صَوْتًا شَتَمُوا الْقُرْآنَ ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَخَفَّضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ بِذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا الْإِسْرَاءِ 110 . 10927 - فَسَمَّى الْقِرَاءَةَ هَاهُنَا صَلَاةً لِأَنَّهَا بِهَا تَقُومُ الصَّلَاةُ . 10928 - وَقَدْ رَوَى شَرِيكٌ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ : نَزَلَتْ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِهَا هَزؤوا مِنْهُ ، وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يُسَمَّى الرَّحْمَنُ ، قَالُوا : يَذْكُرُ إِلَهَ الْيَمَامَةِ ، فَنَزَلَتْ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا الْإِسْرَاءِ 110 . 10929 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) يُخَافِتُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجْهَرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . 10930 - وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ : وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا الْإِسْرَاءِ 110 ، قَالَ : تَكُونُ سَرِيرَتُكَ مُوَافِقَةً لِعَلَانِيَتِكَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي أن قوله تعالى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا · ص 170 10931 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ . فَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الدُّعَاءُ يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُجِيزُونَ الدُّعَاءَ فِيهَا بِكُلِّ مَا لَيْسَ بِمَأْثَمٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا . 10932 - وَلِلْكَلَامِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاردعاء النبي اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ · ص 171 482 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَدَرْتَ ( أَرَدْتَ ) فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ . 10933 - فَلَيْسَ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا الْأَعْمَالُ الَّتِي يَرْضَاهَا اللَّهُ وَيَحْمَدُ فَاعِلَهَا عَلَيْهَا وَيُعْظِمُ أَجْرَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَجَازَاةُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ إِذَا قُصِدَ بِتَرْكِهَا رِضَا اللَّهِ عَنْهُ . 10934 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 10935 - وَالْمِسْكِينُ هَاهُنَا الْمُتَوَاضِعُ كُلُّهُ الَّذِي لَا جَبَرُوتَ فِيهِ وَلَا كِبْرَ ، الْهَيِّنُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ الْقَرِيبُ ، وَلَيْسَ بِالسَّائِلِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَرِهَ السُّؤَالَ وَنَهَى عَنْهُ ، وَحَرَّمَهُ عَلَى مَنْ يَجِدُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ . 10936 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْمِسْكِينِ هَاهُنَا الْمُتَوَاضِعُ الَّذِي لَا جَبَرُوتَ فِيهِ وَلَا نَحْوَهُ وَلَا كِبْرَ وَلَا بَطَرَ وَلَا تَجَبُّرَ وَلَا أَشَرَ . 10937 - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ سَوْدَاءَ أَبَتْ أَنْ تَزُولَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ . 10938 - وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ حَيْثُ قَالَ : إِذَا أَرَدْتَ شَرِيفَ النَّاسِ كُلِّهِمُ فَانْظُرْ إِلَى مَلِكٍ فِي زِيِّ مِسْكِينِ ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّهِ رَغْبَتُهُ وَذَاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ . 10939 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُحْشَرُ الْجَبَّارُونَ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ . 10940 - وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ · ص 172 483 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . 10941 - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَعْنَاهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 10942 - وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ سُنَّةٍ صَالِحَةٍ وَيُؤْزَرُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ . 10943 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمَا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالُوا : مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ شَرٍّ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا . 10944 - وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْضَلِ مَا رُوِيَ فِي تَعْلِيمِ الْخَيْرِ ، وَنَشْرُ الْعِلْمِ مِنْ أَفْضِلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَتَعْلِيمُ الشَّرِّ فِي الْوِزْرِ مِثْلُ ذَلِكَ . 10945 - وَقَدْ تَأَوَّلَ قَتَادَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ . 10946 - وَتَأَوَّلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ الْبَقَرَةِ 166 ، قَالَ : تَبَرَّأَ رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَسَادَتُهُمْ مِنَ الَّذِي اتَّبَعُوهُمْ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقول ابن عمر اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ · ص 174 484 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ . 10947 - فَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا الْفُرْقَانِ 74 . 10948 - وَفِي هَذَا الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ أَنْ تَكُونَ هِمَّةُ الْمُؤْمِنِ تَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي الْخَيْرِ ، وَإِذَا كَانَ إِمَامًا فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مِنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَهُ وَائْتَمَّ بِهِ فِيمَا عَلِمَهُ وَأَجْزَاهُ عَنْهُ . 10949 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ مُسَدَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ صَالِحَةٍ يَعْمَلُ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ . 10950 - وَأَمَّا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ . 10951 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعَلَمِ وَفَضْلِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حِينَ قِيَامِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ · ص 175 485 - وَلَيْسَ فِي قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حِينَ قِيَامِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ : نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . 10952 - أَكْثَرَ مِنَ اعْتِبَارِهِ فِي خَلْقِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَتَعْظِيمِ اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَأَنَّهُ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وَلَا تَغَيُّرٌ وَلَا تَحَوُّلٌ ، كَمَا تَصْنَعُ النُّجُومُ الَّتِي تَسِيرُ مَسِيرَهَا وَتَعُودُ عَوْدَهَا فَتَكُونُ مَرَّةً بَادِيَةً ظَاهِرَةً ، وَمَرَّةً غَائِبَةً غَائِرَةً مُسَخَّرَةً لِمَا خُلِقَتْ لَهُ وَخَالِقُهَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ الدَّائِمُ وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ · ص 58 508 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا فِي الدُّعَاءِ . قَالَ يَحْيَى : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا . 505 508 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ جِدًّا ، فَتَنْقَطِعَ وَتَنْبَتَّ وَلا تُخَافِتْ وَلَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ ( سَبِيلًا ) وَسَطًا ( فِي الدُّعَاءِ ) أَرْسَلَهُ مَالِكٌ ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَتَابَعُهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَأَطْلَقَتْ عَائِشَةُ الدُّعَاءَ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْمَعْمَرِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، فَزَادَ فِي التَّشَهُّدِ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ : كَانَ أَعْرَابٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 110 ) أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ، وَلا تُخَافِتْ بِهَا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 110 ) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعَهُمْ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 110 ) ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لِأَنَّهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ فَوَافَقَ عَائِشَةَ . وَعِنْدَهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدٍ ، وَمَكْحُولٍ مِثْلَهُ . وَأَسْنَدَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا قَالَ : يَقُولُ قَوْمٌ إِنَّهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَقَوْمٌ إِنَّهَا فِي الدُّعَاءِ . وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْتِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ فَنَزَلَتْ ، وَقِيلَ الْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 55 ) ، انْتَهَى . وَفِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ ، أَيْ لَا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَلَا تُخَافِتْ بِقِرَاءَتِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ ، وَهَذَا نَصٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ مِنَ النَّهَارِ . ( قَالَ يَحْيَى : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا ) وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَدْعُو إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَلَنَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . . . الْحَدِيثَ . وَقَالَ : غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ، وَأَسْلَمُ سَلَّمَهَا اللَّهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ · ص 59 509 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ . 505 509 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَطَائِفَةٍ ، مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَثَوْبَانَ ، وَأُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْكَ ( فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) الْمَأْمُورَاتِ أَيِ الْإِقْدَارَ عَلَى فِعْلِهَا وَالتَّوْفِيقَ لَهُ ( وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ) أَيِ الْمَنْهِيَّاتِ ، ( وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ) يُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ ، وَإِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ أَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُخْتَصُّ بِالتَّوَاضُعِ ، وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ ، ( وَإِذَا أَدَرْتَ ) بِتَقْدِيمِ الدَّالِّ عَلَى الرَّاءِ مِنَ الْإِدَارَةِ : أَوْقَعْتَ ( فِي النَّاسِ ) ، وَيُرْوَى بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الدَّالِ مِنَ الْإِرَادَةِ ( فِتْنَةً ) بَلَايَا وَمِحَنَ ( فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ) الْفِتْنَةُ لُغَةً الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَتُسْتَعْمَلُ عُرْفًا لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ الْعَافِيَةِ وَاسْتِدَامَةِ السَّلَامَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ · ص 61 510 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . 505 510 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَرِيرٍ وَغَيْرِهِمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى ) أَيْ إِلَى مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَنُكِّرَ لِيَشِيعَ فَيَتَنَاوَلَ الْحَقِيرَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ( إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ ) سَوَاءٌ ابْتَدَعَهُ أَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لَهُ تَوَلَّدَ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ( لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ ) الْإِشَارَةُ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ ( مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ أَجْرَ الدَّاعِي إِنَّمَا يَكُونُ بِتَنْقِيصِ أَجْرِ التَّابِعِ وَضَمِّهِ إِلَى أَجْرِ الدَّاعِي ، فَكَمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ يَتَرَتَّبُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ سَبَبُ فِعْلِهِ كَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْهُدَى إِمَّا الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ أَوْ مُطْلَقُ الْإِرْشَادِ ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُهْتَدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَهُوَ بِحَسَبِ التَّنْكِيرِ مُطْلَقٌ شَائِعٌ فِي جِنْسِ مَا يُقَالُ لَهُ هُدًى ، يُطْلَقُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَالْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ ، فَأَعْظَمُهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَأَدْنَاهُ هُدًى مَنْ دَعَا إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى ، وَلِذَا عَظُمَ شَأْنُ الْفَقِيهِ الدَّاعِي الْمُنْذِرِ حَتَّى فَضُلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَلْفِ عَابِدٍ ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ وَالْأَعْصَارَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . ( وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَةٍ ) ابْتَدَعَهَا أَوْ سَبَقَ بِهَا ( إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ ) أَيْ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَوَلُّدِهِ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ خِصَالِ الشَّيْطَانِ ، وَالْعَبْدُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى السَّبَبِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ، كَمَا يُعَاقَبُ السَّكْرَانُ عَلَى جِنَايَتِهِ حَالَ سُكْرِهِ لِمَنْعِ السَّبَبِ ، فَلَمْ يُعْذَرِ السَّكْرَانُ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا كَمَا يُثِيبُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا ، وَلِذَا كَانَ عَلَى قَابِيلَ الْقَاتِلِ لِأَخِيهِ كِفْلٌ مِنْ ذَنْبِ كُلِّ قَاتِلٍ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ( لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا ) ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ عَائِدٌ عَلَى ( مِنْ ) بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : أَفْعَالُ الْعِبَادِ ، وَإِنَّ كَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ وَلَا مُقْتَضِيَةٍ لِلثَّوَابِ وَلَا لِلْعِقَابِ بِذَاتِهَا ، لَكِنَّهُ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِرَبْطِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ ، وَفِعْلِ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي صُدُورِهِ بِوَجْهٍ ، وَلَمَّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْجَزَاءَ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُبَاشِرُ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ مِنْ أَجْرِهِ وَلَا مِنْ وِزْرِهِ شَيْئًا ، انْتَهَى . وَأَوْرَدَ إِذَا دَعَا وَاحِدٌ إِلَى ضَلَالَةٍ فَاتَّبَعُوهُ لَزِمَ كَوْنُ السَّيِّئَةِ وَاحِدَةً وَهِيَ الدَّعْوَةُ مَعَ أَنَّ هُنَا أَوْزَارًا كَثِيرَةً ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ فِي الْمَعْنَى مُتَعَدِّدَةٌ ; لِأَنَّ دَعْوَى الْجَمْعِ دَفْعَةُ دَعْوَةٍ لِكُلِّ مَنْ أَجَابَهَا ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ التَّوْبَةُ مِمَّا تَوَلَّدَ وَلَيْسَ فِعْلَهُ ، وَالْمَرْءُ إِنَّمَا يَتُوبُ مِمَّا فَعَلَهُ اخْتِيَارًا ؟ أُجِيبَ بِحُصُولِهَا بِالنَّدَمِ وَدَفْعِهِ عَنِ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ وَهُوَ إِقْنَاعِيٌّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي فَضْلِ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَإِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْخَيْرِ وَالْبَرِّ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ( سُورَةُ الِانْفِطَارِ : الْآيَةُ : 5 ) أَيْ مَا قَدَّمْتَ مِنْ خَيْرٍ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ شَرٍّ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهَا . وَقَالَهُ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ( سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ : الْآيَةُ 13 ) وَعَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ : 166 ) ، انْتَهَى . وَأُخِذَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلشَّهِيدِ أَوْ لِغَيْرِهِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إِلَى عِرْفِ نَشْرِهَا وَلَا تَبْلُغُ مِعْشَارَ عُشْرِهَا ، فَجَمِيعُ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ فِي صَحَائِفِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَعَ مُضَاعَفَةٍ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَعَامِلٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَهُ أَجْرٌ ، وَلِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلُهُ ، وَشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ ، وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ ، وَهَكَذَا تُضَعَّفُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ يُعَرَفُ فَضْلُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلْفِ ، فَإِذَا فَرَضْتَ الْمَرَاتِبَ عَشَرَةً بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرِ الْحَادِي عَشَرَ صَارَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَهَكَذَا كَلَّمَا زَادَ وَاحِدٌ تَضَاعَفَ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ · ص 62 511 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ . 505 511 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةُ 74 ) فَإِذَا كَانَ إِمَامًا فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الدُّعَاءِ · ص 62 512 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ : نَامَتْ الْعُيُونُ ، وَغَارَتْ النُّجُومُ ، وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . 505 512 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ : نَامَتِ الْعُيُونُ ، وَغَارَتِ النُّجُومُ ) أَيْ غَرَبَتْ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهَا ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : ( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) . ( وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ الَّذِي لَا يَزُولُ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ : قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيِ الدَّائِمُ حُكْمُهُ فِيهِمَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْقَيُّومُ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ( سُورَةُ الرَّعْدِ : الْآيَةُ : 33 ) أَيْ حَافِظٌ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .