552 حَدِيثٌ ثَانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ أَبُو أُمِّهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ; قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوُجُوبُ ؟ قَالَ : إِذَا مَاتَ . فَقَالَتِ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شهيدا ، فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، إِلَّا أَنَّ غَيْرَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَعْهُنَّ يَبْكِينَ مَا دَامَ عِنْدَهُنَّ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَعَانٍ مِنْهَا : عِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَعِيَادَةُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ الْعَالِمِ الشَّرِيفِ لِمَنْ دُونَهُ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِهَا ، وَنَدَبَ إِلَيْهَا ، وَأَخْبَرَ عَنْ فَضْلِهَا بِضُرُوبٍ مِنَ الْقَوْلِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، فَثَبَتَتْ سُنَّةً مَاضِيَةً لَا خِلَافَ فِيهَا . وَفِيهِ الصِّيَاحُ بِالْعَلِيلِ عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ لَهُ لِيَسْمَعَ فَيُجِيبَ عَنْ حَالِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحَ بِأَبِي الرَّبِيعِ فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ اسْتَرْجَعَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ ، وَالِاسْتِرْجَاعُ قَوْلُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْوَاجِبُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ ، وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ لِمَنْ دُونَهُ ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا يُحْكَى عَنِ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُمْ لَا يُكَنُّونَ أَحَدًا ، عَصَمَنَا اللَّهُ عَمَّا دَقَّ وَجَلَّ مِنَ التَّكَبُّرِ بِرَحْمَتِهِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِالصِّيَاحِ وَغَيْرِ الصِّيَاحِ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ إِذَا وَجَبَ مَوْتُهُ ، وَفِي نَهْيِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ لِلنِّسَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَمِعَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ ، فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ - يَعْنِي يَبْكِينَ - حَتَّى يَمُوتَ ، ثُمَّ لَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : لَا تَبْكِيَنَّ نِيَاحًا وَلَا صِيَاحًا بَعْدَ وُجُوبِ مَوْتِهِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مَا لَمْ يُخْلَطْ ذَلِكَ بِنَدْبِهِ وَبِنِيَاحَةٍ ، وَشَقِّ جَيْبٍ ، وَنَشْرِ شَعْرٍ ، وَخَمْشِ وَجْهٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ بُكَاءِ الْعَيْنِ دُونَ نِيَاحَةٍ ، اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى وَاضِحًا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِنَازَةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا ، وَأَنَا مَعَهُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَانْتَهَرَهُمْ عُمَرُ ، فَقَالَ : دَعْهُنَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ ، والعين دَامِعَةً ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ . لَمْ يُتَابَعِ اللَّيْثُ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَإِنَّمَا رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أُمِّهِ سِيرِينَ ، قَالَتْ : حَضَرْتُ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ كُلَّمَا صِحْتُ أَنَا وَأُخْتِي لَا يَنْهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا مَاتَ نَهَانَا عَنِ الصِّيَاحِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا وَجَبَ ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، وَتَفْسِيرُهُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ ، فَأَظُنُّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَأْخُوذٌ مِنْ وَجْبَةِ الْحَائِطِ إِذَا سَقَطَ وَانْهَدَمَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَجَهِّزَ لِلْغَزْوِ إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْغَازِي ، وَيَقَعُ أَجْرُهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَالْآثَارُ الصِّحَاحُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى خَيْرًا وَهَمَّ بِهِ ، وَلَمْ يَصْرِفْ نِيَّتَهُ عَنْهُ ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ ، أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ فَغَلَبَتْهُ ( عَلَيْهَا ) عَيْنُهُ ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا ، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا ، وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ، وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ ، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يكونون معنا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنِّيَّاتِ ، وَأَنَّ نِيَّةَ الْمُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْآثَارِ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ بِلَا نِيَّةٍ ، وَفِيهِ طَرْحُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ ، أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ فِيكُمْ ؟ ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِخِلَافِ مَا عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ ذَكَرَهُمْ . فَأَمَّا قَوْلُهُ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ ذَكْوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِالْوَعَّاثِ قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، قَالَتْ : الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِ وَالْآبَاطِ ، مَنْ مَاتَ مِنْهُ مَاتَ شَهِيدًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ : قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : مِمَّ مَاتَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ؟ قُلْتُ : فِي الطَّاعُونِ ، قَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ هُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي سِيرِينَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَسِيرِينُ أَبُوهُمْ هُوَ أَبُو عَمْرَةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ : أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطَّاعُونِ ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤمِنِينَ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بِأَرْضِهِ فَيَثْبُتُ فِيهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ . وَأَمَّا الْغَرِقُ فَمَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرَقًا فِي الْمَاءِ ، وَذَاتُ الْجَنْبِ ، يَقُولُونَ هِيَ الشَّوْصَةُ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ ، وَصَاحِبُهَا شَهِيدٌ عَلَى مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يُقَالُ : رَجُلٌ جَنِبٌ بِكَسْرِ النُّونِ إِذَا كَانَتْ بِهِ ذَاتُ الْجَنْبِ ، وَقِيلَ فِي صَاحِبِ ذَاتِ الْجَنْبِ : الْمَجْنُوبُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ يَعُودُهُ فَقَالَ : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهَادَةٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهَادَةٌ ، وَالْغَرِقُ شَهَادَةٌ ، وَالْحَرِقُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَطْعُونُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَجْنُوبُ شَهَادَةٌ ، هَكَذَا يَقُولُ أَبُو الْعُمَيْسِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ فِيهِ مَالِكٌ ، وَلَمْ يُقِمْهُ أَبُو الْعُمَيْسِ ، وَأَمَّا الْمَبْطُونُ فَقِيلَ فِيهِ : الْمَحْبُورُ ، وَقِيلَ فِيهِ : صَاحِبُ الْإِسْهَالِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لِقَلِيلٌ ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ طَاعُونٍ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ بَطْنٍ فَهُوَ شَهِيدٌ ، قَالَ سُهَيْلٌ : فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ أَنَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ الْخَامِسَةَ ، وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَمَّا الْحَرِقُ فَالَّذِي يَحْتَرِقُ فِي النَّارِ فَيَمُوتُ ، وَأَمَّا الَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ فَأَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُفَسَّرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ ، وَمَاتَتْ مِنَ النِّفَاسِ ، وَهُوَ فِي بَطْنِهَا لَمْ تَلِدْهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْجُمْعُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدُهَا ، وَأَنَشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : وَرَدْنَاهُ فِي مَجْرَى سُهَيْلٍ يَمَانِيًا يصُعْرِ الْبَرَى مِنْ بَيْنِ جُمْعٍ وَخَادِجِ قَالَ : وَالْخَادِجُ الَّتِي أَلْقَتْ وَلَدَهَا ، وَقِيلَ : إِذَا مَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ ، فَسَوَاءٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، أَوْ وَلَدَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ بِأَثَرِ ذَلِكَ ; وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ عَذْرَاءَ لَمْ تُنْكَحْ وَلَمْ تُفْتَضَّ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَمْ تُطْمَثْ ; وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ أَيْ لَمْ يَطَأْهُنَّ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : يُقَالُ : هَلَكَتْ فُلَانَةٌ بِجِمْعٍ ، وَبِجُمْعٍ لُغَتَانِ أَيْ : وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، قَالَ : وَيُقَالُ أَيْضًا : الْعَذْرَاءُ هِيَ بِجُمْعٍ وَبِجِمْعٍ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ أَيْضًا ، وَذَكَرَ قَوْلَ امْرَأَةِ الْعَجَّاجِ إِذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ ، قَالَتْ لِلْوَالِي : إِنِّي مِنْهُ بِجُمْعٍ ، وَإِنْ شِئْتَ بِجِمْعٍ . وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الشُّهَدَاءُ فَقِيلَ : إِنَّ فُلَانًا قُتِلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا شَهِيدًا ، وَقُتِلَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا شَهِيدًا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَئِنْ لَمْ يَكُنْ شُهَدَاؤُكُمْ إِلَّا مَنْ قُتِلَ ، إِنَّ شُهَدَاءَكُمْ إِذًا لِقَلِيلٌ ; إِنَّ مَنْ يَتَرَدَّى مِنَ الْجِبَالِ ، وَيَغْرَقُ فِي الْبُحُورِ ، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ ، شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ - وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، فَمَاتَ فِي مَحْبَسِهِ ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ ظَالِمًا لَهُ فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ ذَلِكَ ، فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَكُلُّ مِيتَةٍ يَمُوتُ بِهَا الْمُسْلِمُ ، فَهُوَ شَهِيدٌ ، غَيْرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَفَاضَلُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ · ص 202 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث جابر بن عتيك في عيادة رسول الله عبد الله بن ثابت · ص 309 ( 12 ) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ 11635 - فِيهِ لِمَالِكٍ حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَلَى حَسَبِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 552 513 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَبُو أُمِّهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوُجُوبُ ؟ قَالَ : إِذَا مَاتَ ، فَقَالَتِ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُوَ أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ جِهَازَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ . 11636 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ لِلْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي مَتْنِهِ إِلَّا أَنَّ غَيْرَ مَالِكٍ يَقُولُ فِيهِ : دَعْهُنَّ يَبْكِينَ مَا دَامَ عِنْدَهُنَّ . 11637 - وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ مِنَ الْفِقْهِ مَعَانٍ حَسَنَةٌ مِنْهَا . 11638 - عِيَادَةُ الْفُضَلَاءِ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمُ الْمَرْضَى تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 11639 - وَفِي فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرْضَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ حِسَانٌ ، وَهِيَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَا خِلَافَ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا . 11640 - وَفِيهِ جَوَازُ مُنَادَاةِ الْعَلِيلِ لِيُجِيبَ عَنْ حَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِجَابَةِ فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْجَاعِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ . 11641 - وَالِاسْتِرْجَاعُ عَلَى الْمُصِيبَةِ سُنَّةٌ . 11642 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " الْبَقَرَةِ 156 . 11643 - وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الرَّئِيسِ الْكَبِيرِ لِمَنْ دُونَهُ ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ " وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ إِلَّا مَنْ حُرِمَ التَّقْوَى . 11644 - وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِالصِّيَاحِ وَغَيْرِ الصِّيَاحِ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ . 11645 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ . 11646 - وَتَسْكِيتُ جَابِرٍ لَهُنَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَمِعَ النَّهْيَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَوْتَى ، فَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ ، حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعْهُنَّ يَبْكِينَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِذَا مَاتَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ " . 11647 - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " فَإِذَا أَوْجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ " يُرِيدُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ بَاكِيَةً ، وَذَلِكَ مُفَسَّرٌ فِي الْحَدِيثِ . 11648 - وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَوْتَى فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِمْ هَذَا مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11649 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيِّتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : أَتَبْكُونَ عَلَيْهِ وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : دَعْهُنَّ مَا دَامَ عِنْدَهُنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا يَبْكِينَ . 11650 - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ " يَعْنِي بِالْوُجُوبِ الْمَوْتَ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الصِّيَاحَ وَالنِّيَاحَ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَمَّا دَمْعُ الْعَيْنِ وَحُزْنُ الْقَلْبِ فَالسُّنَّةُ ثَابِتَةٌ بِإِبَاحَتِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ . 11651 - بَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ ، وَقَالَ : " إِنَّهَا رَحْمَةٌ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ . 11652 - وَبَكَى عَلَى زَيْنَبَ ابْنَتِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : تَبْكِي ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ " مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . 11653 - وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السُّبَيْعِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَثَابِتِ بْنِ زَيْدٍ ، وَقَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ ، قَالُوا : رُخِّصَ لَنَا فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ . 11654 - وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّوْحِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، وَحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَحَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . 11655 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّيَاحَةَ لَا تَجُوزُ لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ . 11656 - وَرَخَّصَ الْجُمْهُورُ فِي بُكَاءِ الْعَيْنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ . 11657 - وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : " لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بِوَاكِيَ لَهُ " . 11658 - وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا وَأَنَا مَعَهُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَانْتَهَرَ اللَّاتِي يَبْكِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعْهُنَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ ، وَالْعَيْنَ دَامِعَةٌ ، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ " . 11659 - وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَجَهِّزَ لِلْغَزْوِ إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْغَازِي وَيَقَعُ أَجْرُهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ . 11660 - وَالْآثَارُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَوَاتِرَةٌ صِحَاحٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا : 11661 - " مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ بِاللَّيْلِ فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً " . 11662 - وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ أَوْ غَيْرِهَا : " لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ " . 11663 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا بِالْآثَارِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 11664 - وَفِيهِ طَرْحُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ لِقَوْلِهِ : " وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ " ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِخِلَافِ مَا عِنْدَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتِيلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَهُمْ . 11665 - وَأَمَّا قَوْلُهُ " الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ " فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ . 11666 - وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرِ الطَّاعُونِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، قَالَتْ : أَمَا الطَّعْنُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ ، تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِ وَالْأبَاطِ ، مَنْ مَاتَ مِنْهُ مَاتَ شَهِيدًا " . 11667 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 11668 - وَأَمَّا الْمَبْطُونُ ، فَقِيلَ الْمَحْبُوقُ ، وَقِيلَ صَاحِبُ انْخِرَاقِ الْبَطْنِ بِالْإِسْهَالِ . 11669 - وَأَمَّا الْغَرِقُ فَمَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ . 11670 - وَذَاتُ الْجَنْبِ ، قِيلَ هِيَ الشَّوْصَةُ ، وَقِيلَ إِنَّهَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعِ الشَّوْصَةِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْهَا الْمَنِيَّةُ فِي الْأَغْلَبِ ، وَصَاحِبُهَا شَهِيدٌ عَلَى مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 11671 - وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْمَجْنُوبُ شَهِيدٌ ، يُرِيدُ صَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ يُقَالُ لَهُ : رَجُلٌ جَنِبٌ ( بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ ) إِذَا كَانَتْ بِهِ ذَاتُ الْجَنِبِ . 11672 - وَأَمَّا الْحَرِقُ ، فَالَّذِي يَمُوتُ فِي النَّارِ مُحْتَرِقًا مِنَ النَّارِ . 11673 - وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ . 11674 - وَأَمَّا قَوْلُهُ " الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجمْعٍ شَهِيدٍ " فَفِيهِ قَوْلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ . 11675 - أَحَدُهُمَا : الْمَرْأَةُ تَمُوتُ مِنَ الْوِلَادَةِ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ . 11676 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الشَّوَاهِدَ بِذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11677 - وَقِيلَ إِذَا مَاتَتْ مِنَ النِّفَاسِ فَهِيَ شَهِيدَةٌ ، سَوَاءٌ أَلْقَتْ وَلَدَهَا أَوْ مَاتَ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا . 11678 - وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ وَتَطْمِثَ ، وَقِيلَ بَلْ هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ عَذْرَاءَ لَمْ يَمَسَّهَا الرِّجَالُ . 11679 - وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ وَأَكْثَرُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . 11680 - وَفِي جُمْعٍ لُغَتَانِ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ فِي الْعَذْرَاءِ وَالنُّفَسَاءِ مَعًا قِيلَ تَمُوتُ بِجُمْعٍ وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) أَيْضًا . 11681 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الشَّهَادَةِ وَالشُّهَدَاءِ آثَارًا كَثِيرَةً فِي ( التَّمْهِيدِ ) فِيهَا بَيَانٌ وَشِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 11682 - وَفِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب النَّهْيِ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ · ص 102 12 - بَاب النَّهْيِ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ 554 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ، عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَبُو أُمِّهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسَكِّتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوُجُوبُ ؟ قَالَ : إِذَا مَاتَ ، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا ، فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ جِهَازَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ . 12 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ 552 554 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِيهِمَا ، وَهَذَا مِمَّا تَوَافَقَ فِيهِ اسْمُ الْأَبِ وَابْنِهِ ( ابن جَابِرِ ) وَيُقَالُ جَبْرِ ( ابْنِ عَتِيكٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَكَافٍ ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ ) بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ( وَهُوَ جَدُّ ) الرَّاوِي عَنْهُ ( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ ، أَبُو أُمِّهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ، اخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ ظَفَرِيٌّ مَاتَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، قَالَ الْكَلْبِيُّ : كَفَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصِهِ ، وَعَاشَ الْأَبُ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَكَانَا جَمِيعًا شَهِدَا أُحُدًا ، وَكَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ أَخُو خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ ( فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ ) أَيْ غَلَبَهُ الْأَلَمُ حَتَّى مَنَعَهُ إِجَابَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَصَاحَ بِهِ ) أَيْ نَادَاهُ ( فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ قَالَ : ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) تَصْبِيرًا لِنَفْسِهِ ، وَإِشْعَارًا لَهَا أَنَّ الْكُلَّ لِلَّهِ وَرَاجِعٌ إِلَيْهِ ( وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ ) . قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّصْرِيحَ بِمَعْنَى اسْتِرْجَاعِهِ وَتَأَسُّفِهِ ، ( يَا أَبَا الرَّبِيعِ ) كُنْيَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الرَّئِيسِ لِمَنْ دُونَهُ وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَّا مَنْ حُرِمَ التَّقْوَى ، ( فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ ) ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِالصِّيَاحِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ ، ( فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسَكِّتُهُنَّ ) ; لِأَنَّهُ سَمِعَ النَّهْيَ عَنِ الْبُكَاءِ فَحَمَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ ) يَبْكِينَ حَتَّى يَمُوتَ ، ( فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ) أَيْ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ ، أَمَّا دَمْعُ الْعَيْنِ وَحُزْنُ الْقَلْبِ فَالسُّنَّةُ ثَابِتَةٌ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بَكَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ابْنَةِ زَيْنَبَ ابْنَتِهِ ، وَقَالَ : هِيَ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ، وَمَرَّ بِجَنَازَةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَانْتَهَرَهُنَّ عُمَرُ فَقَالَ : دَعْهُنَّ فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ ، وَالْعَيْنَ دَامِعَةٌ ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوُجُوبُ ؟ ) الَّذِي أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ فَإِذَا وَجَبَ ( قَالَ : إِذَا مَاتَ ) فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَشَارَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، إِلَى بُكَاءٍ مَخْصُوصٍ ، وَهُوَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ الصِّيَاحِ وَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ . وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ ( فَقَالَتِ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ ) أَيْ أَتْمَمْتَ ( جَهَازَكَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا ، مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِكَ لِلْغَزْوِ وَالْخِطَابُ لِأَبِيهَا ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : الْجَهَازُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ ، وَهُوَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي السَّفَرِ ، وَقَالَ فِي النُّورِ : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا ، بَلْ لَحَنَ مَنْ فَتَحَ ، وَالَّذِي فِي الصِّحَاحِ : وَأَمَّا جَهَازُ الْعَرُوسِ وَالسَّفَرِ فَيُفْتَحُ وَيُكْسَرُ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ) أَيْ عَلَى مِقْدَارِ الْعَمَلِ الَّذِي نَوَاهُ كَمَا نَوَاهُ ، فَالنِّيَّةُ بِمَعْنَى الْمَنْوِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ لِنِيَّتِهِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنْ يُخْبِرَ أَنَّ مَا نَوَاهُ لَمْ يَفُتْهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا بِقَدْرِ النِّيَّةِ لَمَا كَانَ لِابْنَتِهِ فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الْمُتَجَهِّزَ لِلْغَزْوِ إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْغَزْوِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ صِحَاحٌ ، مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَبُوكَ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ ، انْتَهَى . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ أَيْ أُعْطِيَ ثَوَابَهَا وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ : مَنْ سَأَلَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مِثْلُهُ ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا : مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ . ( وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ نَفْسِهِ : إنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَنْ لَقَلِيلٌ ( الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ ، فَقِيلَ نَسِيَ بَعْضُ رُوَاتِهَا بَاقِيَ السَّبْعِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ بَعِيدٌ لَكِنْ يُقَرِّبُهُ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ هَذَا ، وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ ، فَمِنْ زِيَادَتِهِ : وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْلِمَ بِالْأَقَلِّ ثُمَّ عَلِمَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَذَكَرَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا مِنَ الطُّرُقِ الْجَيِّدَةِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ خَصْلَةً ، وَتَبْلُغُ بِطُرُقٍ فِيهَا ضَعْفٌ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ ( الْمَطْعُونُ ) الْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ ( شَهِيدٌ ) ، وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَّا الطَّعْنُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ ( وَالْغَرِقُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، الَّذِي يَمُوتُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ( شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ ) مَرَضٌ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ ، وَيُقَالُ هُوَ الشَّوْصَةُ ، ( شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ هُوَ صَاحِبُ الْإِسْهَالِ ، وَقِيلَ الْمَحْسُورُ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ بَطْنِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ . وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ شَيْخِهِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ صَاحِبُ الْقُولَنْجِ ( شَهِيدٌ ، وَالْحَرِقُ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ، الْمَيِّتُ بِحَرْقِ النَّارِ ( شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ وَتُكْسَرُ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، الْمَيِّتَةُ فِي النِّفَاسِ وَوَلَدُهَا في بطنها لَمْ تَلِدْهُ وَقَدْ تَمَّ خَلْقُهُ ، وَقِيلَ هِيَ الَّتِي تَمُوتُ مِنَ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ أَلْقَتْ وَلَدَهَا أَمْ لَا ، وَقِيلَ الَّتِي تَمُوتُ عَذْرَاءَ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْحَافِظُ ، وَزَادَ : وَقِيلَ الْمَيِّتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ ، انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : الْجُمْعُ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مَاتَتْ مَعَ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ فيها غير مُنْفَصِلٍ عَنْهَا مِنْ حَمْلٍ أَوْ بَكَارَةٍ . ( شَهِيدٌ ) قَالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ أَيْ حَاضِرَةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَقِيلَ لِشُهُودِهِ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَكُوتَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْآخِرَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ عَلَيْهِ عَلَامَةً شَاهِدَةً أَيْ حَاضِرَةً بِأَنَّهُ قَدْ نَجَا . وَبَعْضُ هَذِهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَبَعْضُهَا يَعُمُّ غَيْرَهُ ، وَبَعْضُهَا قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ ، وَقَدْ زَادَ عَلَى هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : الْمَيِّتُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رَاشِدِ بْنِ حُبَيْشٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ وَالسِّلُّ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ اللَّامِ . وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَقَالَ فِي الدِّينِ وَالدَّمِ وَالْأَهْلِ مِثْلَ ذَلِكَ . وَلِلنَّسَائِيِّ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ مَرْفُوعًا : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا : مَنْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ ، أَوْ مَاتَ عَلَى أَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالصَّابُونِيِّ فِي الْمِائَتَيْنِ عَنْ جَابِرٍ كُلُّهُ مَرْفُوعًا : مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ . وَلِلْطَبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ اللَّدِيغَ ، وَالشَّرِيقَ ، وَالَّذِي يَفْتَرِسُهُ السَّبُعُ ، وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ شَهِيدٌ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ : الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَحَادِيثُ فِي مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ أَنَّهُ يُكْتَبُ شَهِيدًا . وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : مَنْ تَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ الْجِبَالِ شَهِيدٌ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ ، فَهَذِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ خَصْلَةً زَائِدَةً عَلَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ذَكَرَ الْحَافِظُ أَنَّ طُرُقَهَا جَيِّدَةٌ ، وَأَنَّهُ وَرَدَتْ خِصَالٌ أُخْرَى فِي أَحَادِيثَ لَمْ أُعَرِّجْ عَلَيْهَا لِضَعْفِهَا ، انْتَهَى . وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : صَاحِبُ الْحُمَّى وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ : الْمَيِّتُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حُبِسَ ظُلْمًا ، وَالدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْمَيِّتُ عِشْقًا ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ : الْمَيِّتُ وَهُوَ طَالِبٌ لِلْعِلْمِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ : هَذِهِ مِيتَاتٌ فِيهَا شِدَّةُ الْأَلَمِ فَتَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ جَعَلَهَا تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وَزِيَادَةً فِي أُجُورِهِمْ حَتَّى يُبَلِّغَهُمْ بِهَا مَرَاتِبَ الشُّهَدَاءِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ لَيْسُوا فِي الْمَرْتَبَةِ سَوَاءً ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : مَنْ عقره جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كُلُّ مَوْتَةٍ يَمُوتُ بِهَا الْمُسْلِمُ فَهُوَ شَهِيدٌ غَيْرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَفَاضَلُ وَتَحْصُلُ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الشُّهَدَاءَ قِسْمَانِ : شُهَدَاءُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَنْ قُتِلَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ مُخْلِصًا ، وَشُهَدَاءُ الْآخِرَةِ وَهُمْ مَنْ ذُكِرَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ جِنْسِ أَجْرِ الشُّهَدَاءِ وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُمْ فِي الدُّنْيَا . وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ ، وَأَحْمَدَ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ عَبْدٍ مَرْفُوعًا : يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فِرَاشِهِمْ فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ زَمَنَ الطَّاعُونِ فَيَقُولُ : انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مَعَهُمْ ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ الشَّهِيدِ عَلَى غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَجَازٌ ، فَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَالْمَانِعُ يُجِيبُ بِأَنَّهُ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ الشَّهِيدُ عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ لَكِنْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ لِعَارِضٍ يَمْنَعُهُ كَالِانْهِزَامِ وَفَسَادِ النِّيَّةِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ .