568 حَدِيثٌ سَابِعٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنِ الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ : إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ لَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَابَعَ يَحْيَى عَلَى رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَوَقَفَهُ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ فَجَعَلَاهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَرْفَعَاهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ مَرْفُوعًا كَرِوَايَةِ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنْ مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو الْمُصَعَبِ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَجَمَاعَةٌ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَوَارِسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السَّنَدِيِّ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ، وَاذْرُوَا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ لَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي . الْحَدِيثُ كَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ سَوَاءٌ ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَىُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ أَفَادَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا ، فَلَمَّا ذَهَبَ - يَعْنِي أَكْثَرَ عُمْرِهِ - قَالَ لِوَلَدِهِ : لَا أَدَعُ لَكُمْ مَالًا أَوْ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُ ، قَالُوا : يَا أَبَانَا لَا تَأْمُرُ بِشَيْءٍ إِلَّا فَعَلْنَاهُ ، قَالَ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ اذْرُونِي فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ لَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : كُنْ ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ ، قَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : مَخَافَتُكَ ، فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا ، فَغَفَرَ لَهُ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : كَذَا قَالَ أَبُو هِلَالٍ ، أَوْقَفَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، وَرَفَعَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَىُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنْ صَحَّتْ رَفَعَتِ الْإِشْكَالَ فِي إِيمَانِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، وَالْأُصُولُ كُلُّهَا تُعَضِّدُهَا ، وَالنَّظَرُ يُوجِبُهَا ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُغْفَرَ لِلَّذِينِ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا ، وَهَذَا مَا لَا مَدْفَعَ لَهُ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَفِي هَذَا الْأَصْلِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لَمْ يُعَذِّبْهُ إِلَّا مَا عَدَا التَّوْحِيدَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالْخَيْرِ ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ جَائِزٌ فِي لُغَتِهَا أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ الْكُلِّ ، وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُؤْمِنًا قَوْلُهُ حِينَ قِيلَ لَهُ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَالْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ ، بَلْ مَا تَكَادُ تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ عَالِمٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ قَالُوا : كُلُّ مَنْ خَافَ اللَّهَ فَقَدْ آمَنَ بِهِ وَعَرَفَهُ ، وَمُسْتَحِيلٌ أَنْ يَخَافَهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ فَهِمَ وَأُلْهِمَ رُشْدُهُ . وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَعْنَى مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ الْعَجْلَانِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ : خُذْ مَا يَسُرَ ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ ، وَتَجَاوَزْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا ، فَلَمَّا هَلَكَ ، قَالَ اللَّهُ : هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ ، فَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ يَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ خُذْ مَا يَسُرَ ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ ، وَتَجَاوُزْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا ، قَالَ اللَّهُ : قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَوْلُ هَذَا الرَّجُلِ - الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ غَيْرَ تَجَاوُزِهِ عَنْ غُرَمَائِهِ - : لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا - إِيمَانٌ ، وَإِقْرَارٌ بِالرَّبِّ وَمُجَازَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ الْآخَرُ : خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ ، إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ الْقُدْرَةُ ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ، قَالُوا : وَمَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَآمَنَ بِسَائِرِ صِفَاتِهِ وَعَرَفَهَا لَمْ يَكُنْ بِجَهْلِهِ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ كَافِرًا ، قَالُوا : وَإِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ لَا مَنْ جَهِلَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِنَ الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ فِي شَيْءٍ ، قَالُوا : وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذِي النُّونِ : إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مِنَ التَّقْدِيرِ وَالْقَضَاءِ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهَا مِنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ ، وَكُلُّ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ : لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ، فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ تَقْدِيرُهُ : كَأَنَّ الرَّجُلَ قَالَ : لَئِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ ذِي جُرْمٍ عَلَى جُرْمِهِ ، لَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَى إِجْرَامِي وَذُنُوبِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرِي ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ تَقْدِيرُهُ : وَاللَّهِ لَئِنْ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيَّ وَبَالَغَ فِي مُحَاسَبَتِي وَجَزَائِي عَلَى ذُنُوبِي لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُحَرَّقَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ إِفْرَاطِ خَوْفِهِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : بَلَغَنِي عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُقَالُ هَذَا قَدَرُ اللَّهِ وَقَدْرُهُ ، قَالَ : وَلَوْ قُرِئَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدْرِهَا مُخَفَّفًا أَوْ قُرِئَتْ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ مُثَقَّلًا جَازَ ، وَأَنْشَدَ : وَمَا صَبَّ رِجْلِي فِي حَدِيدِ مُجَاشِعٍ مَعَ الْقَدْرِ إِلَّا حَاجَةٌ لِي أُرِيدُهَا أَرَادَ الْقَدْرَ ، قَالَ : وَيُقَالُ : هَذَا عَلَى قَدْرِ هَذَا وَقَدَرِهِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَنْشَدَنِي عِيسَى بْنُ عُمَرَ لِبَدَوِيٍّ : كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى أَرَاكَ مَتَاعُ وَبِقَدَرٍ تَفَرُّقٌ وَاجْتِمَاعُ وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْهِلَالِ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٌ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قَالَ : هُوَ مِنَ التَّقْتِيرِ لَيْسَ مِنَ الْقُدْرَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدَّرَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ يُقَدِّرُهُ قَدْرًا بِمَعْنَى قَدَّرَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ ، وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ : وَلَا عَائِدًا ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى تَبَارَكْتَ مَا تُقَدِّرُ يَقَعُ وَلَكَ الشُّكْرُ يَعْنِي مَا تُقَدِّرُهُ وَتَقْضِي بِهِ يَقَعُ ، يَعْنِي يَنْزِلُ وَيَنْفَذُ وَيَمْضِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْبَيْتُ لِأَبِي صَخْرٍ الْهُذَلِيِّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ أَوَّلُهَا : لِلَيْلَى بِذَاتِ الْجَيْشِ دَارٌ عَرَفْتُهَا وَأُخْرَى بِذَاتِ الْبَيْنِ آيَاتُهَا سُطْرُ وَفِيهَا يَقُولُ : وَلَيْسَ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعَ لَنَا أَبَدًا مَا أُبْرِمَ السَّلَمُ النَّضْرُ وَلَا عَائِدٌ ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى تَبَارَكْتَ مَا تُقَدِّرُ يَقَعُ وَلَكَ الشُّكْرُ السَّلَمُ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ يُدْبَغُ بِهِ ، وَالنَّضْرُ النَّضَارَةُ وَالتَّنَعُّمُ ، وَأُبْرِمَ السَّلَمُ أُخْرِجَ بِرُمَّتِهِ ، وَأَبْرَمْتُ الْأَمْرَ أَحْكَمْتُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فَمَا النَّاسُ أَرْدَوْهُ وَلَكِنْ أَقَادَهُ يَدُ اللَّهِ وَالْمُسْتَنْصِرُ اللَّهَ غَالِبُ فَإِنَّكَ مَا يُقَدِّرُ لَكَ اللَّهُ تَلْقَهُ كِفَاحًا وَتَجْلِبُهُ إِلَيْكَ الْجَوَالِبُ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أَيْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فُلَانٌ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ ، وَمُقَتَّرٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا قَالَ : مُغَاضِبًا لِلْمَلِكِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قِيلَ مَا قَالَ ثَعْلَبٌ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِنَبِيٍّ كَانَ فِي زَمَانِهِ ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : خَرَجَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَلَوْلَا خُرُوجُنَا عَمَّا لَهُ قَصَدْنَا لَذَكَرْنَا خَبَرَهُ وَقِصَّتَهُ هَهُنَا . وَأَمَّا جَهْلُ هَذَا الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْقَدَرِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا بِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ كَافِرِينَ ، أَوْ يَكُونُوا فِي حِينِ سُؤَالِهِمْ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي الْقَدَرِ ، وَفِيهِ : فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلِأَيِّ شَيْءٍ نَعْمَلُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْفُضَلَاءُ - سَأَلُوا عَنِ الْقَدَرِ سُؤَالَ مُتَعَلِّمٍ جَاهِلٍ ، لَا سُؤَالَ مُتَعَنِّتٍ مُعَانِدٍ ، فَعَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَهِلُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَضُرَّهُمْ جَهْلُهُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوهُ ، وَلَوْ كَانَ لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ لِعِلْمِهِمْ ذَلِكَ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالْإِيمَانِ ، وَأُخِذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي حِينِ إِسْلَامِهِمْ ، وَلَجَعَلَهُ عَمُودًا سَادِسًا لِلْإِسْلَامِ ، فَتَدَبَّرْ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، فَهَذَا الَّذِي حَضَرَنِي عَلَى مَا فَهِمْتُهُ مِنَ الْأُصُولِ وَوَعَيْتُهُ ، وَقَدْ أَدَّيْتُ اجْتِهَادِي فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ وَلَمْ آلُ ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّابِعُ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ · ص 37 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ · ص 364 568 529 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ : إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ : فَغَفَرَ لَهُ . 11899 - قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوْقِيفِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) وَالصَّوَابُ رَفْعُهُ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) طُرُقًا كَثِيرَةً لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا . 11900 - وَذَكَرْنَا مَنْ رَوَاهُ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 11901 - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ . . ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي إِيمَانِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَالْأُصُولُ كُلُّهَا تُعَضِّدُهَا وَالنَّظَرُ يُوجِبُهَا ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلَّذِينِ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَقَالَ : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ، فَمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ شِرْكِهِ وَمَاتَ عَلَى كُفْرٍ لَمْ يَكُ مَغْفُورًا لَهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ . 11902 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ ، وَقَدْ رُوِيَ : لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ أَنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ إِلَّا مَا عَدَا التَّوْحِيدَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالْخَيْرِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ . 11903 - وَهَذَا شَائِعٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ الْكُلِّ وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ وَقَدْ يَقُولُ الْعَرَبُ : لَمْ يَفْعَلْ كَذَا قَطُّ يُرِيدُ الْأَكْثَرَ مِنْ فِعْلِهِ . 11904 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ يُرِيدُ أَنَّ الضَّرْبَ لِلنِّسَاءِ كَانَ مِنْهُ كَثِيرًا لَا أَنَّ عَصَاهُ كَانَتْ لَيْلًا وَنَهَارًا عَلَى عَاتِقِهِ . 11905 - وَقَدْ فَسَّرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . 11906 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُؤْمِنًا حِينَ قيلَ لَهُ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَالْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ يُصَدِّقُ ، بَلْ مَا تَكَادُ تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ عَالِمٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . 11907 - قَالُوا : كُلُّ مَنْ خَافَ اللَّهَ فَقَدْ آمَنَ بِهِ وَعَرَفَهُ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخَافَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ . 11908 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) مَا يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 11909 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 11910 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ الْقُدْرَةُ ، قَالُوا : وَمَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) وَآمَنَ بِهِ وَعَلِمَ سَائِرَ صِفَاتِهِ أَوْ أَكْثَرَ صِفَاتِهِ لَمْ يَكُنْ بِجَهْلِهِ بَعْضَهَا كَافِرًا ، وَإِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ لَا مَنْ جَهِلَهُ . 11911 - وَالشَّوَاهِدُ عَلَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنَ ( التَّمْهِيدِ ) . 11912 - وَمِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . 11913 - وَقَالَ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . 11914 - وَقَالَ : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . 11915 - وَقَالَ : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . 11916 - وَقَالَ : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ . 11917 - وَقَالَ : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ . 11918 - فَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِي الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ وَالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ . 11919 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بِهَا كَافِرًا إِذَا كَانَ مُصَدِّقًا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْقَدَرِ ، وَمَعْنَاهُ قِدَمُ الْعِلْمِ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ ، وَفِي ذَلِكَ يَجْرِي خَلْفَهُ ، لَا فِيمَا يُسْتَأْنَفُ ، بَلْ مَا قَدْ جَفَّ بِهِ الْقَلَمُ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسَطَّرٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَا أَخْطَأَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ فِي حِينَ سُؤَالِهِمْ وَقَبْلَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ . 11920 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى عَنْهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11921 - وَلَا يَسَعُ مُسْلِمًا أَنْ يَقُولَ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لَا يَسَعُهُ جَهْلُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ قِدَمُ الْعِلْمِ لِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَيَجْعَلُهُ عَمُودًا سَادِسًا لِلْإِسْلَامِ . 11922 - وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ : لَئِنْ كَانَ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَالتَّخْفِيفُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَالتَّشْدِيدُ سَوَاءٌ فِي اللُّغَةِ ، فَقَدَرَ هُنَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . 11923 - وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مِنَ التَّقْدِيرِ وَالْقَضَاءِ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهَا مِنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ . 11924 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي ( التَّمْهِيدِ ) مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 11925 - وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَئِنْ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيَّ وَبَالَغَ فِي مُحَاسَبَتِي وَلَمْ يَغْفِرْ لِي وَجَازَانِي عَلَى ذُنُوبِي لَيَكُونَنَّ مَا ذَكَرَ . 11926 - وَالْوَجْهُ الْآخَرُ كَأَنَّهُ قَالَ : لَئِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ ذِي جُرْمٍ عَلَى جُرْمِهِ لَيُعَذِّبَنَّنِي عَلَى ذُنُوبِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرِي . 11927 - وَهَذَا مِنْهُ خَوْفٌ وَيَقِينٌ وَإِيمَانٌ وَتَوْبِيخٌ لِنَفْسِهِ وَخَشْيَةٌ لِرَبِّهِ وَتَوْبَةٌ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ . 11928 - هَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ مُؤْمِنٍ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ . 11929 - وَفِي الْقَدَرِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ : قَدَّرَ اللَّهُ ( بِالتَّشْدِيدِ ) وَقَدَرُ اللَّهِ ( بِالتَّخْفِيفِ ) . 11930 - ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ ، وَذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ . 11931 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْجَنَائِزِ · ص 125 570 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ : إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَغَفَرَ لَهُ . 568 570 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالتَّخْفِيفِ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ) هَكَذَا رَفَعَهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَوَقَفَهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَمُصْعَبٌ ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي رَفْعِهِ ; لِأَنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ ( قَالَ رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : قِيلَ اسْمُهُ جُهَيْنَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، لِلْخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، يَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ : عِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ . ( لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ ) لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي التَّوْحِيدَ عَنْهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ مِنْ فِعْلِهِ كَحَدِيثِ : لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ . قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِي الصَّحِيحِ : مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ . وَفِي ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا أَيْ لِلْقُبُورِ يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى . ( لِأَهْلِهِ ) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ : ( إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرَقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ، ( ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ) بِخِفَّةِ الدَّالِ وَشَدِّهَا مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ الْقَضَاءُ ، لَا مِنَ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 87 ) أَوْ بِمَعْنَى ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 7 ) وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ ، وَلَا يَكْفُرُ جَاهِلُ بَعْضِهَا ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، ( لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) الْمُوَحِّدِينَ ، ( فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ ، وَزَادَ أَبُو عَوَانَةَ : فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخِطَابَ لِرُوحِهِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّذْرِيَةَ إِنَّمَا وَقَعَا عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي جُمِعَ وَأُعِيدَ ، ( ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ ) إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُهُ مِنْ خَشْيَتِكَ أَيْ خَوْفَ عِقَابِكَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِيمَانِهِ إِذِ الْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ بَلْ لِعَالِمٍ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ( سُورَةُ فَاطِرٍ : الْآيَةُ 28 ) وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخَافَهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ ، قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِي إِيمَانِهِ ، وَالْأُصُولُ تُعَضِّدُهَا : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 48 ) ، وَقَدْ ( قَالَ : فَغَفَرَ لَهُ ) وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنَّمَا غُفِرَ لَهُ لِتَوْبَتِهِ الَّتِي تَابَهَا ; لِأَنَّ قَبُولَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ ، وَالْأَشْعَرِيُّ قَطَعَ بِهَا سَمْعًا ، وَغَيْرُهُ جَوَّزَ الْقَبُولَ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَبُولُ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا ، وَعِنْدَنَا وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْوَعْدِ وَالتَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ ، إِذْ لَوْ وَجَبَ الْقَبُولُ عَلَى اللَّهِ عَقْلًا لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ إِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِالْقَبُولِ ، وَالْمُسْتَكْمِلُ بِالْغَيْرِ نَاقِصٌ بِذَاتِهِ ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ ، وَلِأَنَّ الذَّمَّ إِنَّمَا يَمْنَعُ مِنَ الْفِعْلِ مَنْ يَتَأَذَّى لِسَمَاعِهِ وَيَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعُهُ وَيَظْهَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ نَقْصُ حَالٍ ، أَمَّا الْمُتَعَالِي عَنِ الشَّهْوَةِ وَالنَّفْرَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلَا يُعْقَلُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 104 ) وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَمَدَّحَ بِهِ ; لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يُفِيدُ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعْظِيمَ ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : قَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَاعًا ، وَهَذَا مَحْمَلُ الْآيَةِ . وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَيُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُمَّةِ . وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْجَمِيعِ ؟ وَأَمَّا إِذَا عُيِّنَ إِنْسَانٌ تَائِبٌ فَيُرْجَى قَبُولُ تَوْبَتِهِ بِلَا قَطْعٍ ، وَأَمَّا إِذَا فَرَضْنَا تَائِبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحِيحَ التَّوْبَةِ فَقِيلَ يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ، وَعَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهَا الْفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثُونَ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ جَمِيعِ التَّائِبِينَ . وَذَهَبَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ بَلْ يَقْوَى فِي الرَّجَاءِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَالتَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .