( 11 ) بَابُ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ 557 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ . قَالَ : فَوَجَدْتُ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الصَّدَقَةِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَدُونَهَا الْغَنَمُ ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ، ابْنَةُ مَخَاضٍ . فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى سِتِّينَ ، حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، جَذَعَةٌ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى تِسْعِينَ ، ابْنَتَا لَبُونٍ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ . حِقَّتَانِ ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ . فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ، بِنْتُ لَبُونٍ . وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ . وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ ، إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، شَاةٌ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى مِائَتَيْنِ ، شَاتَانِ . وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ، إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ ، شَاةٌ . وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ . وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ . وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ . وَفِي الرِّقَةِ ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ ، رُبُعُ الْعُشْرِ . 12741 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كِتَابُ عُمَرَ هَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي الْمَدِينَةِ مَحْفُوظٌ ، وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا أَنَّ فِي الْغَنَمِ شَيْئًا مِنَ الْخِلَافِ نَذْكُرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ نَذْكُرُ الْخِلَافَ عَلَى الْإِبِلِ فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 12742 - وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ ، وَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ ، ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ ، فَكَانَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ ، وَذَكَرَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ سَوَاءً . وَقَدَ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي " التَّمْهِيدِ " . 12743 - وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْرَجَ إِلَيَّ سَالِمٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نُسْخَةَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَقْرَأَنِيهَا سَالِمٌ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا ، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ أُمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَمَرَ عُمَّالَهُ بِالْعَمَلِ بِهَا ، وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَعْمَلُونَ بِهَا . 12744 - قَالَ : وَهَذَا كِتَابُ تَفْسِيرِهَا : 12745 - لَا يُؤْخَذُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَشْرًا ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةً فَفِيهَا شَاتَانِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا فَرِيضَةٌ ، وَالْفَرِيضَةُ ابْنَةُ مَخَاضٍ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ ، فَإِذَا كَانَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعِينَ ، فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ حِينَ تَبْلُغُ عِشْرِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمِائَةً ، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، أَيَّ السِّنِّ وَجَدْتَ أَخَذْتَ . 12746 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ اخْتِلَافٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ إِلَّا فِي قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي رِوَايَتِهِ لِكِتَابِ عُمَرَ : فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَهً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، فَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَسَائِرُهُ إِجْمَاعٌ . 12747 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً وَاحِدَةً فَالْمُصَدِّقُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حِقَّتَيْنِ . 12748 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً تَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ . 12749 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : اتَّفَقَ مَالِكٌ وَابْنُ شِهَابٍ فِي هَذَا وَاخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . 12750 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَرَأَى عَلِيٌّ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ . 12751 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنَ دِينَارٍ ، كَانُوا يَقُولُونَ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ السَّاعِيَ مُخَيَّرٌ إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ . 12752 - وَذَكَرَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ الْمَخْزُومِيَّ كَانَ يَقُولُ : إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ لَا غَيْرَ إِلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . 12753 - قَالَ : وَلَيْسَ السَّاعِي فِي ذَلِكَ مُخَيَّرًا . 12754 - قَالَ : وَأَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ بِقَوْلِ الْمُغِيرَةِ هَذَا . 12755 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ عَلَى حِقَّتَيْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً . 12756 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ عُلَمَائِنَا الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ ؛ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي فَرَائِضَ الْإِبِلِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا : فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ، وَفِي كَلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، فَلَمَّا احْتَمَلَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ كَمَا رَأَيْتَ لِاحْتِمَالِ الْأَصْلِ لَهُ . 12757 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ كَقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . 12758 - وَهَذَا أَوْلَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ . 12759 - وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ وَالثَّوْرِيَّ قَالُوا : إِذَا زَادَتِ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ اسْتَقْبَلَتِ الْفَرِيضَةُ . 12760 - وَمَعْنَى اسْتِقْبَالِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ . وَهَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . 12761 - قَالَ سُفْيَانُ : إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ تُرَدُّ الْفَرَائِضُ إِلَى أَوَّلِهَا ، فَإِنْ كَثُرَتِ الْإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ سِتِّينَ جَذَعَةٌ . 12762 - وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مِثْلُ هَذَا . 12763 - وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْحِقَّتَانِ حَتَّى تَصِيرَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ فِي الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ وَفِي الْخَمْسِ شَاةٌ ، وَذَلِكَ فَرْضُ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ . فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ ؛ الْحِقَّتَانِ لِلْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَشَاتَانِ ، ثُمَّ ذَلِكَ فَرْضُهَا إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّتَانِ وَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ اسْتَقْبَلَ بِهَا الْفَرِيضَةَ كَمَا اسْتَقْبَلَ بِهَا إِذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ اسْتَقْبَلَ بِهَا أَيْضًا ، ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا . 12764 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ قَوْلَهُمْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مَا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا . 12765 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتَا أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ ، فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ ، وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ فِي مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ ثَلَاثَ شِيَاهٍ . وَكَذَلِكَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ . 12766 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ . 12767 - هُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَثَرِ . 12768 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ ثَلَاثَمِائَةِ شَاةٍ وَشَاةً فَفِيهَا خَمْسُ شِيَاهٍ . 12769 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ قَوْلَهُ هَذَا عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ . 12770 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فَعَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لا علَى مَا قَالَهُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ . 12771 - وَالسَّائِمَةُ مِنَ الْغَنَمِ وَسَائِرِ الْمَاشِيَةِ هِيَ الرَّاعِيَةُ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا . 12772 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَالْكِبَاشِ الْمَعْلُوفَةِ . 12773 - فَرَأَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ ؛ لِأَنَّهَا سَائِمَةٌ فِي طَبْعِهَا وخلفها ، وَسَوَاءٌ رَعَتْ أَوْ أَمَسَكَتْ عَنِ الرَّعْيِ . 12774 - وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ : لَا زَكَاةَ فِي الْإِبِلِ وَلَا فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُهْلَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ سَائِمَةٌ رَاعِيَةٌ . 12775 - وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ . وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ ، مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْإِبِلِ سَائِمَةٌ وَوَاحِدٌ عَامِلٌ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ مِنَ الْبَقَرِ رَاعِيَةٌ وَوَاحِدَةٌ عَامِلَةٌ أَوْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ شَاةً رَاعِيَةً وَكَبْشٌ مَعْلُوفٌ فِي دَارِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ . 12776 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلَا يَخْرُجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ " يَعْنِي مُجْتَهِدًا . فَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ; لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي الصَّدَقَاتِ الْعَدْلُ كَمَا قَالَ عُمَرُ عَدْلٌ بَيْنَ هَذَا الْمَالِ وَخِيَارِهِ لَا الزَّائِدِ وَلَا النَّاقِصِ . فَفِي التَّيْسِ زِيَادَةٌ ، وَفِي الْهَرِمَةِ وَذَاتِ الْعَوَارِ نُقْصَانٌ . 12777 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ " فَمَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ الْهَرِمَةُ وَذَاتُ الْعَوَارِ خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ مِنَ الَّتِي أَخْرَجَ صَاحِبُ الْغَنَمِ إِلَيْهِ ; فَيَأْخُذُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ . 12778 - وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : " لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ " ، كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ عُمَرَ . 12779 - وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ . 12780 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمْيَاءِ وَذَاتِ الْعَيْبِ هَلْ تُعَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا ؟ 12781 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : تُعَدُّ الْعَجْفَاءُ وَالْعَمْيَاءُ وَالْعَرْجَاءُ وَلَا تُؤْخَذُ . 12782 - وَرَوَى أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، عَنْ أَسَدِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالْعَمْيَاءِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ ، وَلَمْ تَأْتِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ . 12783 - وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعَدِّ عَلَى رَبِّ الْمَاشِيَةِ فِي السَّخْلِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 12784 - وَالتَّيْسُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ مَا يَبْدُو عَنِ الْغَنَمِ مِنْ ذُكُورِ الضَّأْنِ أَوْ مِنَ الْمَعْزِ ; لِأَنَّ الْغَنَمَ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ . 12785 - وَالْهَرِمَةُ : الشَّاةُ الشَّارِفُ . 12786 - وَذَاتُ الْعَوَارِ ( بِفَتْحِ الْعَيْنِ ) : الْعَيْبُ ، وَ( بِضَمِّهَا ) : ذَهَابُ الْعَيْنِ . وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ بَالضِّدِّ . 12787 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَوْرَاءَ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ إِذَا كَانَ بَيِّنًا ، وَكَذَلِكَ كَلُّ عَيْبٍ يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهَا نُقْصَانًا بَيِّنًا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ صِحَاحًا كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا ، فَإِنْ كَانَ كُلُّهَا عَوْرَاءَ أَوْ شَوَارِفَ أَوْ جَرْبَاءَ أَوْ عَجْفَاءَ أَوْ فِيهَا مِنَ الْعُيُوبِ مَا لَا يَجُوزُ مَعَهُ فِي الضَّحَايَا ، فَقَدْ قيل : لَيْسَ عَلَى رَبِّهَا إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهَا مِنْهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ بِسَائِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ صَحِيحَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي غَنَمِهِ . وَقِيلَ : عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقَ بِجَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةٍ تَجُوزُ ضَحِيَّةً . وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ إِنَّ شَاءَ اللَّهُ مُسْتَوْعِبًا فِي هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْخُذِ الرُّبَّى ، وَلَا الْمَاخِضَ ، وَلَا الْأَكُولَةَ ، وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ . وَتَأْخُذِ الْجَذَعَةُ وَالثَّنِيَّةَ . 12788 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بُيْنَ مُجْتَمِعٍ " ، فَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ : وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ " أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً ، قَدْ وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ . فَإِذَا أَظَلَّهُمُ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا ، لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً . فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ . وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ " وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ " أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ . فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَدِّقُ ، فَرَّقَا غَنَمَهُمَا . فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ . فَقِيلَ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 12789 - قَالَ مَالِكٌ : وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ الْمَوَاشِي . 12790 - لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ هَا هُنَا فِي " الْمُوَطَّأِ " ، وَهِيَ عِنْدَهُ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ مِنَ " الْمُوَطَّأِ " ، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ " الْمُوَطَّأِ " ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ . 12791 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ " هُوَ افْتِرَاقُ الْخُلَطَاءِ عِنْدَ قُدُومِ الْمُصَدِّقِ يُرِيدُونَ بِهِ بَخْسَ الصَّدَقَةِ ، فَهَذَا لَا يصلح . وَقَدْ يُرَادُ بِهِ السَّاعِي يَجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الأَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِمُ اعْتِدَاءً ، فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ فَالنَّفَرُ الثَّلَاثَةُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً ، فَإِنَّمَا فِيهَا شَاةٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُصَدِّقِ أَنْ يُفَرِّقَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُمْ ثَلَاثَ شِيَاهٍ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً عَلَى حَسَبِهِ ، فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا لِيَبْخَسُوهُ . 12792 - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ شَاةً فَيُفَرِّقُهَا عِشْرِينَ عِشْرِينَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ وَلَا مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ . 12793 - وَقَوْلُهُ " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ " أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ يَجْمَعَانِهَا لِئَلَّا يؤخذ مِنْهَا شَاةٌ . 12794 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي . 12795 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ خُلَطَاءَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ حَسَبَهُ إِذَا جُمِعَتْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاةٌ ; لِأَنَّهَا إِذَا فُرِّقَتْ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ " وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ " رَجُلٌ لَهُ مِائَةُ شَاهٍ وَشَاةٌ وَآخِرُ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ ، فَإِذَا تُرِكَا عَلَى افْتِرَاقِهِمَا كَانَ فِيهِمَا شَاتَانِ ، وَإِذَا جُمِعَتَا كَانَ فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، وَرَجُلَانِ لَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً ، فَإِذَا فُرِّفَتْ فَلَا شَيْءَ فِيهَا ، وَإِذَا جُمِعَتْ فَفِيهَا شَاةٌ ، وَالْخَشْيَةُ خَشْيَةُ السَّاعِي أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ وَخَشْيَةُ رَبِّ الْمَالِ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِاسْمِ الْخَشْيَةِ مِنَ الْآخَرِ ، فَأَمَرَ أَنْ يُقَرَّ كُلٌّ عَلَى حَالِهِ إِنْ كَانَ مُجْتَمِعًا صُدِقَ مُجِتَمِعًا وَإِنْ كَانَ مُفْتَرِقًا صُدِقَ مُفْتَرِقًا . 12796 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وأَصْحَابُهُ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجُتَمِعٍ " أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً فَفِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ فَرَّقَهَا الْمُصَدِّقُ أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ . 12797 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ " أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلَيْنِ أَرْبَعِينَ شَاةً ، فَإِنْ جَمَعَهَا صَارَتْ فِيهَا شَاةٌ وَلَوْ فَرَّقَهَا عِشْرِينَ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ . 12798 - قَالوا : وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ أَغْنَامِهِمَا . 12799 - وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : إِذَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ : " خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ " هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ ثَمَانُونَ شَاةً ، فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَالَ هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ . أَوْ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَيَأْخُذُ مِنْ إِخْوَتِهِ أربعون أربعون فَيَقُولُ : هَذِهِ كُلُّهَا لِي ، فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ . فَهَذِهِ خَشْيَةُ الصَّدَقَةِ ; لِأَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ يَخْشَى الصَّدَقَةَ . 12800 - وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ : " خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ " ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ أَنْ يَكُونَ يَجِيءُ الْمُصَدِّقُ إِلَى إِخْوَةٍ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ فَيَقُولُ : هَذِهِ بَيْنَكُمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ ، أَوْ يَكُونُ لَهُمْ أَرْبَعُونَ ، فَيَقُولُ الْمُصَدِّقُ : هَذِهِ لِوَاحِدٍ مِنْكُمْ . 12801 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا حَمَلَ الْكُوفِيُّونَ أَبَا يُوسُفَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إِنَّ الْخُلْطَةَ تُغَيِّرُ الصَّدَقَةَ ؛ وَإِنَّمَا يُصْدِقُ الْخُلَطَاءُ عِنْدَهُمْ صَدَقَةَ الْجَمَاعَةِ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ يُصَدِقُونَ صَدَقَةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 12802 - وَمَا تَأَوَّلُوهُ فِي الْحَدِيثِ " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ " يَرْتَفِعُ مَعَهُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ ، وَلِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا يَأْتِي فِي بَابِ الْخُلَطَاءِ . 12803 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ " عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَالسَّاعِي ؛ وَذَلِكَ أَنَّ السَّاعِيَ إِذَا جَاءَوا لرجُل عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ فَفَرَّقَهَا عَلَى أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَ شِيَاهٍ ، وَلَا يَحِلُّ لِلسَّاعِي ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلُّ لِلسَّاعِي أَنْ يَجِيءَ إِلَى قَوْمٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِشْرُونَ شَاةً أَوْ ثَلَاثُونَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يُزَكِّيهَا . وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً ، فَكَانَ فِيهَا الزَّكَاةُ ، فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ فَرَّقَهَا عَلَى نَفْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ؛ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَوْ يَكُونُ لِثَلَاثَةٍ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ شَاةً ، فَإِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا وَصَيَّرُوهَا لِوَاحِدٍ ، فَتُؤُخَذُ مِنْهَا شَاةٌ ، فَهَذَا لَا يَحِلُّ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ وَلَا لِلْمُصَدِّقِ . 12804 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : " وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ " ، فَسَنَذْكُرُ وَجْهَ التَّرَاجُعِ بَيْنَ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا أُخِذَتِ الشَّاةُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِهِمَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْخُلَطَاءِ . 12805 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رُبُعُ الْعُشْرِ " ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ فِي زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَبْلَغِ النِّصَابِ فِيهَا ، وَالرِّقَةُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْفِضَّةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا فِي الْمَضْرُوبِ مِنْهَا وَالنَّفْرِ وَالْمَسْبُوكِ ، وَمَضَى الْقَوْلُ فِي الْحَلْيِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْحَلْيِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاركِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ · ص 135 شرح الزرقاني على الموطأبَاب صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ · ص 164 11 - بَاب صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ 598 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ : فَوَجَدْتُ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابُ الصَّدَقَةِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَدُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى تِسْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ، وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَّدِّقُ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رُبُعُ الْعُشْرِ . 11 - بَابُ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ 598 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَةِ ) الْمَرْوِيَّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ وَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُبِضَ ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ ، فَذَكَرَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَرَوَاهُ يُونُسُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فِي الزُّهْرِيِّ فَأَرْسَلَهُ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْهُ وَقَالَ : إِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ; لِأَنَّهُ قَالَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَقْرَأَنِيهَا سَالِمٌ فَوَعِيتُهَا عَلَى وَجْهِهَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ بِهِ ، فَتَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ لَهُ بِاعْتِبَارِ شَاهِدِهِ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لِأَنَسٍ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لِأَنَسٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قَالَ : فَوَجَدْتُ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ، فَفِيهِ طَلَبُ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَ الْكِتَابِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَلَا الْعُرْفِيَّةُ بِابْتِدَاءِ الْمُرَاسَلَاتِ بِالْحَمْدِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ كُتُبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا الْبَدَاءَةُ بِالْحَمْدِ بَلْ بِالْبَسْمَلَةِ ، هَذَا ( كِتَابُ الصَّدَقَةِ ) وَلِلْبُخَارِيِّ : هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ، فَمَنْ سَأَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا ، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ ( فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَدُونَهَا ) الْفَاءُ بِمَعْنَى أَوْ ( الْغَنَمُ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فِي أَرْبَعٍ ، وَقَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْمَقَادِيرِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ فَحَسُنَ التَّقْدِيمُ ، ( فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ تَعَيَّنَ إِخْرَاجُ الْغَنَمِ ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنِ الْأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ : يُجْزِيهِ إِنْ وَفَّتْ قِيمَتُهُ بِقِيمَةِ أَرْبَعِ شِيَاهٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُجْزِي عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَأَوْلَى مَا دُونَهَا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ ، فَإِذَا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الْأَصْلِ أَجْزَأَهُ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . نَعَمْ ، صَحَّحَ الْمَالِكِيَّةُ إِجْزَاءَ بِعِيرٍ عَنْ شَاةٍ تَفِي قِيمَتُهُ بِقِيمَتِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ . قَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْوَقَصِ هَلْ هُوَ مُزَكَّى ؟ فَالْمَأْخُوذُ مِنَ الصَّدَقَةِ عَنِ الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، أَوِ الْمَأْخُوذُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا لَزِمَ وَالزَّايِدُ وَقَصٌ لَا تَجِبُ فِيهِ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَصَّارِ الثَّانِيَ ، قَالَ ابْنُ زَرْقُونَ : وَدَلِيلُهُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ، فَإِنَّمَا جَعَلَهَا فِي الْخَمْسِ ، ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ( إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ابْنَةُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : بِنْتُ ( مَخَاضٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ، أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي وَحَمَلَتْ أُمُّهَا ، وَالْمَخَاضُ الْحَامِلُ ، أَيْ دَخَلَ وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ ، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ شَاةً ، فَإِذَا صَارَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ فَبِنْتُ مَخَاضٍ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَإِسْنَادُ الْمَرْفُوعِ ضَعِيفٌ . ( فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ) وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ فَصَارَتْ أُمُّهُ لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، ( ذَكَرٌ ) وَصَفَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنٌ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَكَرًا زِيَادَةً فِي الْبَيَانِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانِ يُطْلَقُ عَلَى ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ لَفْظُ ابْنٍ كَابْنِ عِرْسٍ وَابْنِ آوَى ، فَرُفِعَ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَوْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ : وَغَرَابِيبُ سُودٌ ( سُورَةُ فَاطِرٍ : الْآيَةُ 27 ) قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى نَقْصِهِ بِالذُّكُورَةِ حَتَّى يَعْدِلَ بِنْتَ الْمَخَاضِ ، قَالَهُ ابْنُ زَرْقُونَ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَوْ لِيُنَبِّهَ رَبَّ الْمَالِ لِيَطِيبَ نَفْسًا بِالزِّيَادَةِ ، وَقِيلَ احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنِ الْخُنْثَى ، وَفِيهِ بُعْدٌ . ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ) وَالْغَايَةُ دَاخِلَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى الْغَايَةِ فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ; لِأَنَّ دَلِيلَهُ قَوْلُهُ : ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) إِذِ الْإِشَارَةُ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ ، وَهُوَ لِخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَا دُونَهَا ، أَوْ أَنَّ مَا دُونَهَا وَقَصٌ بِاللَّفْظِ ، وَهِيَ وَقَصٌ بِالْإِجْمَاعِ فَهُمَا وَقَصَانِ مُتَّصِلَانِ ، أَوْ أَنَّ الْأَعْدَادَ فِي الْغَايَاتِ تَخَالِفُ غَيْرَهَا عُرْفًا ، فَلَوْ أَبَاحَ لِغُلَامِهِ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ فُهِمَ مِنْهُ عُرْفًا إِبَاحَةُ الْعشْرَةِ ، بِخِلَافِ : أَبَحْتُ لَكَ الْجُلُوسَ بَيْنَ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى هَذِهِ الْأُخْرَى ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِبَاحَةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ( إِلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْقَافِ ، وَالْجَمْعُ حِقَاقٌ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ ( طَرُوقَةُ الْفَحْلِ ) بِضم الطَّاءِ أَيْ مَطْرُوقَةٌ ، فعُولَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ كَحُكُومَةٍ بِمَعْنَى مَحْكُومَةٍ ، أَيْ بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْجَمَلُ وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ ، وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ ، ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) وَهُوَ إِحْدَى وَسِتُّونَ ( إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا جَذَعَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا أَيْ أَسْقَطَتْهُ ، وَهِيَ غَايَةُ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ . ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) وَهُوَ سِتٌّ وَسَبْعُونَ ( إِلَى تِسْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) وَهُوَ إِحْدَى وَتِسْعُونَ ( إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ ) بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الذَّكَرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ ، ( فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْإِبِلِ ) بِوَاحِدَةٍ فَصَاعِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، ( فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ابْنَةُ ( لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ) ، فَوَاجِبُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ ، وَوَاجِبُ مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّتَانِ وَهَكَذَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ رَجَعَتْ إِلَى فَرِيضَةِ الْغَنَمِ ، فَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَشَاةٌ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي كِتَابِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ : فَإِذَا كَانَتِ الْإِبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً ، فَصَرَّحَ بِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ زَكَاتُهُ بِالْإِبِلِ خَاصَّةً ، وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلْغَنَمِ بَعْدَ الْخَمْسِ وَعِشْرِينَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ . ( وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ ) أَيْ رَاعِيَتِهَا ( إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا قَبْلَهُ ، ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) وَهُوَ إِحْدَى وَعِشْرونَ وَمِائَةٌ ( إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ ، ( وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ ) مِنْ وَاحِدَةٍ ( إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ) بِالْكَسْرِ جَمْعٌ ، ( فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ) أَيِ الثَّلَاثِمِائَةِ ( فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ) فَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعٌ وَهَكَذَا ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّابِعَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى تُوَفَّى أَرْبَعَمِائَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، قَالُوا : وَفَائِدَةُ ذِكْرِ ثَلَاثِمِائَةٍ لِبَيَانِ النِّصَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لِكَوْنِ مَا قَبْلَهُ مُخْتَلِفًا ، وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ كَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ : إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَاحِدَةً وَجَبَ أَرْبَعٌ ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَالْعَامِلَةِ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ : فِيهَا الزَّكَاةُ رَعَتْ أَمْ لَا ; لِأَنَّهَا سَائِمَةٌ فِي صِفَتِهَا ، وَالْمَاشِيَةُ كُلُّهَا سَائِمَةٌ ، وَمَنْعُهَا مِنَ الرَّعْيِ لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهَا سَائِمَةً ، وَالْحُجَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ . وَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا ، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، وَمِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً ، وَلَمْ يَخُصَّ سَائِمَةً مِنْ غَيْرِهَا . وَقَالَ سَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ : لَا زَكَاةَ فِيهَا . وَرُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ سَائِمَةٌ وَوَاحِدٌ عَامِلٌ ، أَوْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ بَقَرَةً رَاعِيَةً وَوَاحِدَةٌ عَامِلَةٌ ، أَوْ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ شَاةً رَاعِيَةً وَكَبْشٌ مَعْلُوفٌ فِي دَارِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالسَّائِمَةِ ; لِأَنَّهَا عَامَّةُ الْغَنَمِ لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِيهَا غَيْرُ سَائِمَةٍ ، وَلِذَا ذَكَرَهَا فِي الْغَنَمِ دُونَ الْإِبِلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى السَّائِمَةِ لِيُكَلِّفَ الْمُجْتَهِدَ لِلِاجْتِهَادِ فِي إِلْحَاقِ الْمَعْلُوفَةِ بِهَا فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْمُجْتَهِدِينَ . ( وَلَا يُخْرَجُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَا يُؤْخَذُ ( فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ ) وَهُوَ فَحْلُ الْغَنَمِ أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْمَعْزِ ; لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِدَرٍّ وَلَا نَسْلٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّسْلِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَلَا هَرِمَةٌ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، كَبِيرَةٌ سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا ( وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ أَيْ مَعِيبَةٌ ، وَبِالضَّمِّ الْعُوَرُ ، وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِهِ الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ ، وَقِيلَ : مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الضَّحِيَّةِ ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَعِيبِ الْمَرِيضُ وَالصَّغِيرُ سِنًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِنٍّ أَكْبَرَ مِنْهُ ( إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ ) يُرِيدُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ فَيَأْخُذُ بِاجْتِهَادِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ : إِنَّ ذَا الْعَيْبِ لَا يُجْزِي وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنَ السَّلِيمَةِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ فَقَرَأَهُ بِخِفَّةِ الصَّادِ وَهُوَ السَّاعِي ، وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّيْسَ مِنَ الْخِيَارِ ; لِأَنَّهُ يَنْزُو ، وَرُدَّ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ مَشِيئَةِ الْمُصَدِّقِ مَعَ اقْتِرَانِهِ بِالْهَرِمَةِ وَذَاتِ الْعَوَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الشِّرَارِ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : وَلَا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ ، قَالَ الْحَافِظُ : اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ ، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ أَيِ الْمَالِكِ وَتَقْدِيرُهُ : لَا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ أَصْلًا وَلَا تَيْسٌ إِلَّا بِرِضَا الْمَالِكِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ ، فَأَخْذُهُ بِلَا رِضَاهُ إِضْرَارٌ بِهِ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُخْتَصٌّ بِالثَّالِثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَهُوَ السَّاعِي ، وَكَأَنَّهُ أُشِيرَ إِلَى التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فَلَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَاعِدَتِهِ فِي تَنَاوُلِ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيعَ مَا قَبْلَهُ . وَعَنْ مَالِكٍ : يَلْزَمُ الْمَالِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً مُجْزِيَةً ؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ كَالْأَوَّلِ ، انْتَهَى . ( وَلَا يُجْمَعُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ ( بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ) بِفَاءٍ فَفَوْقِيَّةٍ فَرَاءٍ خَفِيفَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ مُتَفَرِّقٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ وَشَدِّ الرَّاءِ ، ( وَلَا يُفَرَّقُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ مُشَدَّدًا ( بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : مَخَافَةَ ( الصَّدَقَةِ ) ، وَنَصْبُ مَفْعُولٍ لِأَجْلِهِ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، فَيَحْصُلُ الْمُرَادُ بِلَا تَنَازُعٍ ، قَالَهُ الدَّمَامِينِيُّ وَيَأْتِي مَعْنَاهُ قَرِيبًا . ( وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ ) تَثْنِيَةُ خَلِيطٍ بِمَعْنَى مُخَالِطٍ كَنَدِيمٍ وَجَلِيسٍ بِمَعْنَى مُنَادِمٍ وَمُجَالِسٍ ، ( فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ) يَأْتِي تَفْسِيرُهُ ( وَفِي الرِّقَةِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَخِفَّةِ الْقَافِ الْفِضَّةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْرُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ ، قِيلَ أَصْلُهَا الْوَرِقُ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ وَعُوِّضَتِ الْهَاءُ نَحْوَ الْعِدَةِ وَالْوَعْدِ ، ( إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ ) بِالتَّنْوِينِ كَجِوَارٍ ، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ ( رُبُعُ الْعُشْرِ ) خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ يَجِبُ رُبُعُ عُشْرِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَدِرْهَمٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : اعْتَمَدَ مَالِكٌ وَالْعُلَمَاءُ وَالْخُلَفَاءُ قَبْلَهُمْ عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَمْ يَرِدْ عَنِ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ شَيْءٍ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي طَلَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ عُمَرَ هُوَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ، إِذْ لَوْ كَانَ خِلَافُهُ لَطَلَبَهُ مِنْ آلِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا طَلَبَهُ مِنْ آلِ عُمَرَ وَآلِ عَمْرٍو .