624 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : لَا تَشْتَرِهِ ، وَلَا شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ ، ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَرَسُ الْعَتِيقُ : هُوَ الْفَارِهُ عِنْدَنَا ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : عَتَقَتِ الْفَرَسُ تَعْتِقُ إِذَا سَبَقَتْ ، وَفَرَسٌ عَتِيقٌ رَائِعٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : إِجَازَةُ تَحْبِيسِ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَفِيهِ إِنْ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَغَزَا بِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ فِي سَائِرِ مَالِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى بَائِعِهِ بَيْعَهُ ، وَأَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ شِرَاءَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنَكَ بِهِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا بَلَغَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَرَسُ ضَاعَ حَتَّى عَجَزَ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ ، وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ ، وَنَزَلَ عَنْ مَرَاتِبِ الْخَيْلِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا ، فَأُجِيزُ لَهُ بَيْعُهُ لِذَلِكَ . وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ : يَضَعُ ثَمَنَهُ ذَلِكَ فِي فَرَسٍ عَتِيقٍ إِنْ وَجَدَهُ ، وَإِلَّا أَعَانَ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ لَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ إِذَا غَزَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أُعْطِيَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ : هُوَ لَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ، وَإِنْ قِيلَ : هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَكِبَهُ ، وَرَدَّهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْفَرَسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هِيَ لِمَنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا تَمْلِيكٌ ، قَالُوا : وَلَوْ قَالَ لَهُ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاكَ فَهُوَ لَكَ ، كَانَ تَمْلِيكًا عَلَى مُخَاطَرَةٍ ، وَلَمْ يَجُزْ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : مَنْ أُعْطِيَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَبْلُغَ مَغْزَاهُ ، ثُمَّ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَبْسًا فَلَا يُبَاعُ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا قَالَ : هُوَ لَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَرَجَعَ بِهِ ، رَدَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَسَيَأْتِي هَذَا فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَشِرَاؤُهُ ، فَجَائِزٌ لَهُ بَيْعُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلِ الثَّمَنِ ، وَكَثِيرِهِ ، كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَالَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ وَكِيلًا ، وَلَا وَصِيًّا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ شِرَاءِ الرَّجُلِ لِصَدَقَتِهِ : الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ لِوَجْهِهَا ، ثُمَّ أَرَادَ شِرَاءَهَا مِنَ الَّذِي صَارَتْ إِلَيْهِ . فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ ، فَبَاعَهُ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ ، فَوَجَدَهُ الْحَامِلُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَشْتَرِهِ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ ، وَالثَّوْبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ : وَمَنْ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَبَاعَهُ ، ثُمَّ وَجَدَهُ الْحَامِلُ فِي يَدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، فَتَرْكُ شِرَائه أَفْضَلُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَلَمْ يَرَوْا لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدٌ صَدَقَتَهُ لَمْ يَفْسَخُوا الْعَقْدَ ، وَلَمْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ ، وَرَأَوُا التَّنَزُّهَ عَنْهَا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي شِرَاءِ الْإِنْسَانِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مِثْلَ الصَّدَقَةِ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهُوا بَيْعَهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَفْسَخُوهَا ; لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ هَدِيَّةِ بَرِيرَةَ بِمَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا . وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ ، وَقَطْعِ الذَّرِيعَةِ إِلَى بَيْعِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا ، أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى التَّطَوُّعِ فِي التَّنَزُّهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ لِمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ ، وَكَفَّارَةَ يَمِينِهِ ، أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ : الْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْفَرَسِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ أَبَاحَ شِرَاءَ صَدَقَتِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ ; لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ الْفَيْءَ إِلَّا حَرَامًا . وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ طَابَتْ لَهُ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَحْبِسُهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ . وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَقَالَ : إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ ، وَجَّهَهَا فِيمَا كَانَ وَجَّهَهَا فِيهِ إِذَا كَانَتْ صَدَقَةً ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا يُكْرَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا . اهـ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحْتَمِلُ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي رَدِّ مَا رَجَعَ إِلَيْهِ مِنْ صَدَقَاتِهِ بِالْمِيرَاثِ ، أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَالتَّبَرُّعِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَدَعُ الْحَلَالَ وَرَعًا . وَلَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبَاحَةِ مَا رَدَّهُ الْمِيرَاثُ مِنَ الصَّدَقَاتِ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ رَبِيعَةَ فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرِيرَةَ ، وَأَوْضَحْنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ بِمَا لَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِمَنِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ ، أَحَدُهُمْ : رَجُلٌ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ ، فَكَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِمَالِهِ وَهِيَ صَدَقَةُ غَيْرِهِ ، فَكَذَلِكَ شِرَاءُ صَدَقَتِهِ ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَهَا لَيْسَ بِرُجُوعٍ فِيهَا فِي الْمَعْنَى عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي قِصَّةِ لَحْمِ بَرِيرَةَ ، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ فِيهَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ صَدَقَتِهِ ، أَوْ هِبَتِهِ دُونَ أَنْ يَبْتَاعَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ حَدِيثَ - عُمَرَ - هَذَا أَوْلَى أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ خَصَّ الْمُتَصَدِّقَ بِهَا ، فَنَهَى عَنْ شِرَائِهَا ، وَذَلِكَ نَهْيُ تَنَزُّهٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إِلَّا لِخَمْسَةٍ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِيمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ · ص 257 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث الفاروق عمر الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ · ص 322 624 ( 26 ) بَابُ اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدِ فِيهَا 584 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ . فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . 585 - وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ . 13485 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَرَسُ الْعَتِيقُ : هُوَ الْفَارِهُ - عِنْدَنَا - . 13486 - وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : عَتَقَتِ الْفَرَسُ ، تَعْتِقُ : إِذَا سَبَقَتْ ، وَفَرَسٌ عَتِيقٌ : رَائِعٌ . 13487 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : إِجَازَةُ تَحْبِيسِ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 13488 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّهُ قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 13489 - وَفِيهِ : أَنَّهُ مَنْ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَغَزَا بِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ فِي سَائِرِ مَالِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى بَائِعِهِ بَيْعَهُ ، وَأَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ شِرَاءَهُ . وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ وَادِي الْقُرَى فَشَأْنَكَ بِهِ . 13490 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا بَلَغَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ . 13491 - وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَرَسُ ضَاعَ حَتَّى عَجَزَ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ ، وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُجِيزَ لَهُ بَيْعَهُ لِذَلِكَ . 13492 - وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ : يَضَعُ ثَمَنَهُ ذَلِكَ فِي فَرَسٍ عَتِيقٍ إِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا أَعَانَ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ . 13493 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ كَسَائِرِ مَالِهِ إِذَا غَزَا عَلَيْهِ . 13494 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ : هُوَ لَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ، وَإِنْ قِيلَ : هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَكِبَهُ ، وَرَدَّهُ . 13495 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْفَرَسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هِيَ لِمَنْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا تَمْلِيكًا . 13496 - قَالُوا : وَإِنْ قِيلَ لَهُ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاكَ ، فَهُوَ لَكَ كَانَ تَمْلِيكًا عَلَى مُخَاطَرَةٍ ، وَلَمْ يَجُزْ . 13497 - وَقَالَ اللَّيْثُ : مَنْ أُعْطِيَ فَرْسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَبْلُغَ مَغْزَاهُ ، ثُمَّ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَبْسًا فَلَا يُبَاعُ . 13498 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا قَالَ : هُوَ لَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَجَعَ بِهِ ، رَدَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 13499 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : أَنَّ كُلَّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَشِرَائِهِ ، فَجَائِزٌ لَهُ بَيْعُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ ، كَانَ ، مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَالَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ وَكِيلًا وَلَا وَصِيًّا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ . 13500 - وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَحْكِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِفَسْخِ الْبَيْعِ فِيمَا كَانَ فِيهِ التَّغَابُنُ بِأَقَلِّ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ، وَهَذَا لَا يُقِرُّ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ عِنْدَنَا . 13501 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ شِرَاءِ الرَّجُلِ صَدَقَتَهُ : الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ ، إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ لِوَجْهِهَا ، ثُمَّ أَرَادَ شِرَاءَهَا مِنَ الَّذِي صَارَتْ إِلَيْهِ :
شرح الزرقاني على الموطأبَاب اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدِ فِيهَا · ص 211 26 - بَاب اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدِ فِيهَا 622 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ . 26 - بَابُ اشْتِرَاءِ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدِ فِيهَا 624 622 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ الْمُخَضْرَمِ مَوْلَى عُمَرَ ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ : حَمَلْتُ ) رَجُلًا ( عَلَى فَرَسٍ ) أَيْ : تَصَدَّقْتُ بِهِ ، وَوَهَبْتُهُ لَهُ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ ( عَتِيقٍ ) أَيْ : كَرِيمٍ سَابِقٍ ، وَالْجَمْعُ عِتَاقٌ ، وَالْعَتِيقُ الْفَائِقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَاسْمُ هَذَا الْفَرَسِ الْوَرْدُ ، أَهْدَاهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَأَعْطَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا لِأَنَّهُ يَحْمِلُ ، عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فُوِّضَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتِيَارَ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوِ اسْتَشَارَهُ فِي مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ الْعَطِيَّةُ لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِهَا ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الْجِهَادِ لَا الْوَقْفِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَوْقُوفِ إِذَا بَلَغَ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وُقِفَ لَهُ ، ( وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ ) أَيِ : الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ( قَدْ أَضَاعَهُ ) أَيْ : لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَقَصَّرَ فِي مُؤْنَتِهِ وَخِدْمَتِهِ ، وَقِيلَ : لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَهُ فَأَرَادَ بَيْعَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : فَوَجَدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ ؛ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ ، فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ وَإِلَى عُذْرِهِ فِي إِرَادَةِ بَيْعِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَبْعُدُ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ إِلَّا لِعُذْرٍ ، أَوْ صَيَّرَهُ ضَائِعًا مِنَ الْهُزَالِ لِفَرْطِ مُبَاشَرَةِ الْجِهَادِ وَالْإِتْعَابِ لَهُ فِيهِ . ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ، مَصْدَرُ رَخُصَ السِّعْرُ وَأَرْخَصَهُ اللَّهُ فَهُوَ رَخِيصٌ ، ( فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ ) بِلَا يَاءٍ قَبْلَ الْهَاءِ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ ، وَلِابْنِ مَهْدِيٍّ : لَا تَبْتَعْهُ ( وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ) مُبَالَغَةً فِي رُخْصِهِ وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى شِرَائِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ مَلَكَهُ وَلَوْ كَانَ وَقْفًا كَمَا قِيلَ ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ فِيمَا حُبِسَ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ لَهُ بَيْعُهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ الْوَافِرَةِ ، وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْبِسُ . وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا يُبَاعُ بِأَغْلَى مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ . وَعَلَيْهَا سَأَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ الْإِغْيَاءَ فِي النَّهْيِ عَادَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْأَخْفَى وَالْأَدْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 23 ) وَلَا خَفَاءَ أَنَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّاهُ بِدِرْهَمٍ أَقْرَبُ إِلَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ مِمَّا إِذَا بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ ، وَكَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْحُجَّةُ فِي الْفَصَاحَةِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ : لَا تُغَلِّبُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَإِنْ وَفَّرَهَا مُعْطِيهَا ، فَإِذَا زَهِدَ فِيهَا وَهِيَ مُوَفَّرَةٌ فَلِأَنْ يَزْهَدَ فِيهَا وَهِيَ مُقَتَّرَةٌ أَوْلَى ، فَهَذَا عَلَى وَفْقِ الْقَاعِدَةِ . ( فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ) الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ ؛ أَيْ : كَمَا يُقْبَحُ أَنْ يَقِيءَ ثُمَّ يَأْكُلُ ، كَذَلِكَ يُقْبَحُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَجُرُّهُ إِلَى نَفْسِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، فَشُبِّهَ بِأَخَسِّ الْحَيَوَانِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهِ تَصْوِيرًا لِلتَّهْجِينِ وَتَنْفِيرًا مِنْهُ ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ ، فَالتَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي الصَّدَقَةِ أَوْسَاخَهُ وَأَدْنَاسَهُ ، فَأَشْبَهَ تَغَيُّرَ الطَّعَامِ إِلَى حَالِ الْقَيْءِ ، وَأَلْحَقَ بِالصَّدَقَةِ مَا شَابَهَهَا مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُرُبَاتِ ، وَبِالشِّرَاءِ الْهِبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَتَمَلَّكُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَأَمَّا إِذَا وَرِثَهُ فَلَا كَرَاهَةَ ، وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : يَخُصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ ، وَوَالِدٌ وَهَبَ وَلَدَهُ ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَالَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إِلَى الْوَاهِبِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ كُلِّ ذَلِكَ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ كَالْغَنِيِّ يَهِبُ الْفَقِيرَ ، وَنَحْوَ مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ فَلَا رُجُوعَ لِهَؤُلَاءِ ، وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ ، وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ عُمَرَ لِذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِذَاعَةِ عَمَلِ الْبِرِّ وَكِتْمَانِهِ أَرْجَحُ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْمَصْلَحَتَانِ ؛ الْكِتْمَانُ وَتَبْلِيغُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، فَرَجَّحَ الثَّانِيَ فَعَمَلَ بِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ : حَمَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ مَثَلًا ، وَلَا يَقُولُ : حَمَلْتُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُ ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ أَذَاعَ ذَلِكَ فَانْتَفَى الْكِتْمَانُ ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أَنَّ فِي إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَقَعُ لَهُ الْقِصَّةُ أَجْدَرُ بِضَبْطِهَا مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا وُقُوعُهَا بِحُضُورِهِ ، فَلَمَّا أَمِنَ مَا يَخْشَى مِنَ الْإِعْلَانِ بِالْقَصْدِ صَرَّحَ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ مَحَلَّ تَرْجِيحِ الْكِتْمَانِ إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْإِعْلَانِ الْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ ، أَمَّا مَنْ أَمِنَ ذَلِكَ كَعُمَرَ فَلَا ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْهِبَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ - ، وَفِي الْجِهَادِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْوَصَايَا وَالصَّدَقَةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، الْخَمْسَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .