عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لِمَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ ، أَحَدُهَا مُرْسَلٌ ؛ وَهُوَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، لِجَدِّهِ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو صُحْبَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَنَسَبْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . وَيُقَالُ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ فَهْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَتُوُفِّيَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ؛ وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَشُعْبَةُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . 642 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لَعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَتَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنِ جماع غير احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا يَرْوِي مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَخَالَفَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَاضِي الثَّغْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا يَصُومُ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا حُلُمٍ ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي . وَرَوَى قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - وَقَدْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، لِأَنَّهُ مَضَى مَعَ أَبِيهِ إِذْ أَرْسَلَهُ مَرْوَانُ إِلَيْهِمَا ، وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْهُ مِنْ حَدِيثٍ سُمَيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مَشْهُورٌ يُسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ ؛ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي بَابِ سُمَيٍّ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مِنْ المذاهب فِي الْجُنُبِ يُصْبِحُ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ ؛ وَفِي الْحَائِضِ أَيْضًا تُصْبِحُ طَاهِرًا وَلَمْ تَغْتَسِلْ - مُجَوَّدًا وَمُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ أَبِي طُوَالَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ · ص 29 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة وأم سلمة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ ثُمَّ يَصُومُ · ص 44 642 602 - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَتَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ ، غَيْرِ احْتِلَامٍ ، فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ يَصُومُ . 13862 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ مُتَّفِقَةٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمَا ، بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 13863 - وَمَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ . 13864 - وَقَدْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ مَا حَالَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 13865 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَدَعَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْقَارِي ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُهُ : مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُومُ ، مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهُ . 13866 - وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ عَقِيلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ احْتَلَمَ لَيْلًا ، فَاسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ . قَالَ : فَلَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ أَصْبَحْتُ ، فَاسْتَفْتَيْتَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَفْطِرْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرْتُ الَّذِي أَفْتَانِي بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَإِنْ أَفْطَرْتَ لَأُوجِعَنَّ مَتْنَيْكَ ، فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا آخَرَ فَافْعَلْ . 13867 - اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي اسْمِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا ؟ فَقِيلَ : عَبَدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقِيلَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَكَانَ مَا يَرْوِي كِلَاهُمَا ثِقَةٌ ثَبَتٌ . 13868 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذِهِ الْفَتْوَى إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمَنْ وَافَقَهَا . - رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : مَنِ احْتَلَمَ أَوْ وَاقَعَ أَهْلَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ ، فَلَا يَصُمْ . قَالَ : ثُمَّ سَمِعْتُهُ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ . 13869 - وَرَوَى مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 13870 - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَزَعَ أَيْضًا . 13871 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ; فَالَّذِي عَلَيْهِ فِقْهُ جَمَاعَةِ الْأَمْصَارِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ - الْقَوْلُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَيَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ . 13872 - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 13873 - وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَطَاوُسٍ ، أَنَّ الْجُنُبَ فِي رَمَضَانَ إِذَا عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ ، فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى يُصْبِحَ ، فَهُوَ مُفْطِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حِينَ يُصْبِحُ فَهُوَ صَائِمٌ . 13874 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا : يُتِمُّ صَوْمَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَيَقْضِيهِ إِذَا أَصْبَحَ فِيهِ جُنُبًا . 13875 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي رِوَايَةٍ : إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ ، وَيَقْضِي فِي الْفَرْضِ . 13876 - وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ . وَكَانَ يَقُولُ : يَصُومُ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا ، وَإِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يَدَّعِي عَلَى الْحَائِضِ إِذَا أَدْرَكَهَا الصُّبْحُ وَلَمْ تَغْتَسِلْ أَنْ تَقْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ . 13877 - وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْحَائِضِ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْمَذْهَبِ ، أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَخَّرَتْ غُسْلَهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيَوْمُهَا يَوْمُ فِطْرٍ ; لِأَنَّهَا فِي بَعْضِهِ غَيْرُ طَاهِرَةٍ ، وَلَيْسَتْ كَالَّتِي تُصْبِحُ جُنُبًا فَتَصُومُ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْحَيْضَ يَنْقُضُهُ . 13878 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الَّتِي تُؤَخِّرُ غُسْلَهَا بَعْدَ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ أَنَّ يَوْمَهَا يَوْمُ فِطْرٍ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي بَعْضِهِ حَائِضًا - غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَكَيْفَ تَكُونُ فِي بَعْضِهِ حَائِضًا وَقَدْ كَمُلَ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ ؟ وَلِذَلِكَ أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ . بَلْ هِيَ طَاهِرٌ فَرَّطَتْ فِي غُسْلِهَا ، فَحُكْمُهَا وَحُكْمُ الْجَنْبِ سَوَاءٌ . 13879 - وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - حَاشَا عَبْدَ الْمَلِكِ - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَغَيْرِهِمْ . 13880 - وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِ عَلَى ابْنِ الْمَاجِشُونِ ; لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ لَهَا إِذَا لَمْ تُفَرِّطْ فِي الْحَيْضِ مِنْ غُسْلِهَا حُكْمَ الْحَائِضِ ، وَأَسَقَطَ عَنْهَا الصَّلَاةَ - إِذَا لَمْ تُدْرِكُ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ - مِقْدَارَ رَكْعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا . 13881 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ . 13882 - وَأَمَّا الصِّيَامُ فَالطُّهْرُ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ : رُؤْيَتُهَا لِلنَّقَاءِ وَلَا يُرَاعُونَ غُسْلَهَا بِالْمَاءِ ، فَمَنْ طَلَعَ بِهَا الْفَجْرُ طَاهِرًا لَزِمَهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاغْتِسَالُ . 13883 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا مَا فِيهِ غَنَاءٌ وَاكْتِفَاءٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ ، وَدَلَّ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مِثْلِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ . 13884 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ 13885 - فَإِذَا أُبِيحَ الْجِمَاعُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ . 13886 - وَقَدْ نَزَعَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ : رَبِيعَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا . 13887 - وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ الِاحْتِلَامَ بِالنَّهَارِ لَا يُفْسِدُ الصِّيَامَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ · ص 235 639 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَتَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ . 642 639 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَلِجَدِّهِ قَيْسٍ صُحْبَةٌ وَهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَشُعْبَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَرَوَى لَهُ الْجَمِيعُ ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . وَقِيلَ : سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ ، ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ ) بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ . قِيلَ : اسْمُهُ مُحَمَّدٌ . وَقِيلَ : اسْمُهُ كُنْيَتُهُ . وَقِيلَ : أَبُو بَكْرٍ اسْمُهُ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا يَرْوِيهِ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ( عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَتَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ) صِفَةٌ لَازِمَةٌ ، قُصِدَ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَمْدًا يُفْطِرُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَاسِي الِاغْتِسَالِ وَالنَّائِمِ عَنْهُ أَوْلَى بِذَلِكَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي هَذَا فَائِدَتَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ كَانَ يُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ وَيُؤَخِّرُ الْغُسْلَ إِلَى بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْتَلِمُ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِهِ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِاسْتِثْنَائِهِ مَعْنًى ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهُ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الِاحْتِلَامَ يَقَعُ عَلَى الْإِنْزَالِ وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِ رُؤْيَةِ شَيْءٍ فِي الْمَنَامِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ الِاحْتِلَامَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْأَشْهَرُ امْتِنَاعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ ، وَلَا يَجْنُبَ مِنَ احْتِلَامٍ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 21 ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَتْلَهُمْ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ ( فِي رَمَضَانَ ) ، وَأَوْلَى فِي غَيْرِهِ ، ( ثُمَّ يَصُومُ ) ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يُصْبِحُ فِيهِ جُنُبًا . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَفْضَلَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا يَصُومُ ، فَقَالَتْ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا حُلُمٍ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي ، فَكَأَنَّ عَبَدَ رَبِّهِ سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ كَعْبٍ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَلَيْسَتْ رِوَايَةُ عَمْرٍو مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ، وَلَا رِوَايَةُ مَالِكٍ مُنْقَطِعَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ مُسْلِمًا صَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا جَمِيعًا ؛ رِوَايَةَ عَمْرٍو ، وَتَلَوْهَا رِوَايَةَ مَالِكٍ .