654 حَدِيثٌ ثَانِيَ عَشَرَ لِسُمَيٍّ مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ ، وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرَجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ ، أَوْ مِنَ الْحَرِّ ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ ، فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ ، فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ . هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعُ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ هَذَا عَامَ الْفَتْحِ كَانَ فِي رَمَضَانَ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَفِي صَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يَصُومُ أَحَدٌ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، وَجَعَلَ الْفِطْرَ عَزْمَةً مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَصُومُ فِي سَفَرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنْهُ صِيَامَ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عُبَيْدَةَ ، وَسُوِيدِ بْنِ غَفَلَةَ ، وَكَانَ أَبُو مَجَازٍ يَقُولُ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَعَلَى إِجَازَةِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ ، فَصَامَ حَتَّى أَتَى عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ، أَوْ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ ، يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالسُّنَّةُ تَرُدُّهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، وَبَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالْعَمَلِ وَالنُّهُوضِ فِي سَفَرِهِ ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ فِي السَّفَرِ كَالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عمل ، وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى أَنْ يُسَافِرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي السَّفَرِ ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْمُسَافِرِ ، وَيَبْرُزَ عَنِ الْحَضَرِ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامُ الْمُسَافِرِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي الَّذِي يُؤَمِّلُ السَّفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْحَضَرِ حَتَّى يَخْرُجَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذَا إِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ : فَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ سَافَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُسَافِرْ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، قَالَ : وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ ، سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ . قَالَ : وَقَالَ سَحْنُونُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ : غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي فَتُفْطِرُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ : لَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُحْدِثُ السَّفَرَ إِذَا شَاءَ ، وَالْمَرْأَةُ لَا تُحْدِثُ الْحَيْضَةَ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي سَبَبِ الْحَرَكَةِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغَ ، وَعَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، فَإِنْ عَاقَهُ عَنِ السَّفَرِ عَائِقٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَنْجُوَ إِنْ سَافَرَ . وَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِي فِطْرِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يُصْبِحُ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَافِرُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَيَنْهَضُ فِي سَفَرِهِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنْ لَا يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَاخْتَلَفُوا إِنْ فَعَلَ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ : يَقْضِي وَلَا يُكَفِّرُ ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ ، وَالْمَخْزُومِيِّ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمَا هَذَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُمْ : لَا يُفْطِرُ اسْتِحْبَابًا لِتَمَامِ مَا عَقَدَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا وَجْهَ لَهَا ، وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَقَدْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُفْطِرُ إِنْ شَاءَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ، قَالَ أَحْمَدُ : يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ عَنِ الْبُيُوتِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : يُفْطِرُ حِينَ يَضَعُ رِجْلَهُ فِي الرَّحْلِ . وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ إِنْ شَاءَ يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْحَسَنِ شَاذٌّ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ حَاضِرٌ ، لَا فِي نَظَرٍ وَلَا فِي أَثَرٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ خِلَافُ ذَلِكَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَفْطَرَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ، فَيَصُومُ ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ . وَعَلَى ذَلِكَ مَذَاهِبُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : إِنْ صَحَّ حَدِيثُ الْكَدِيدِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ فِي سَفَرِهِ . وَرَوَى الْمَدِينِيُّ عَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرَى الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ أَيْضًا : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ قَزْعَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : آذَنَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ بِالرَّحِيلِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجْنَا صُوَّامًا حَتَّى بَلَغْنَا الْكَدِيدَ ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِطْرِ وَأَصْبَحَ النَّاسُ شَرْجَيْنِ : مِنْهُمُ الصَّائِمُ ، وَمِنْهُمُ الْمُفْطِرُ ، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الظَّهْرَانَ ، آذَنَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَأَمَرَنَا بِالْفِطْرِ ، فَأَفْطَرْنَا أَجْمَعِينَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَعْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا يَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ : فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ ، قَالَ : فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، ثم نَظَر النَّاسِ ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ : أَفْطِرُوا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِي ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَاحَ النَّاسُ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ فَشَرِبَ ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ ، وَصَامَ بَعْضٌ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ مُخْتَارًا لَهُ فِي رَمَضَانَ ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ فِي السَّفَرِ قَطُّ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ أَفْطَرَ حِينَ أَمْسَى ، فَقُلْتُ لَهُ : أَكُنْتَ صَائِمًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ أَرَى أَنِّي سَأَدْخُلُ مَكَّةَ الْيَوْمَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ صِيَامًا وَأَنَا مُفْطِرٌ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ يَكُونُ مُفْطِرًا فِي سَفَرِهِ ، وَيَدْخُلُ الْحَضَرَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ وَدَاوُدَ فِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ - وَقَدْ أَفْطَرُوا فِي السَّفَرِ ، أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ وَلَا يُمْسِكَانِ . قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : وَلَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَسْتَتِرَا بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ خَوْفَ التُّهَمَةِ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ قَدِ اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فَجَامَعَهَا . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ . قَالَ سُفْيَانُ : هُوَ كَصَنِيعِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ . وَلَمْ يَذْكُرْ سُفْيَانُ عَنْ نَفْسِهِ خِلَافًا لَهُمَا . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : الْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ وَقَدْ أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ : أَنَّهُمَا يُمْسِكَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ . وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنْ قَالَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ غُمَّ عَلَيْهِ هِلَالُ رَمَضَانَ فَأَكَلَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالْمُسَافِرُ . وَفَرَّقَ ابْنُ شُبْرُمَةَ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فَقَالَ فِي الْحَائِضِ : تَأْكُلُ وَلَا تَصُومُ إِذَا طَهُرَتْ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا ، وَالْمُسَافِرُ إِذَا قَدِمَ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا يَصُومُ يَوْمَهُ وَيَقْضِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الَّذِي يُصْبِحُ مُفْطِرًا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ - يَظُنُّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَيَأْكُلُ ، ثُمَّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ الثَّبَتُ أَنَّهُ رَمَضَانُ - أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ - إِنْ شَاءَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرُ عَطَاءٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ التَّوْفِيقِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ · ص 47 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في خروج النبي إلى مكة عام الفتح صائما ثم أفطر وأمره الناس بذلك · ص 63 653 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 613 - ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ; فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ ، فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 614 - وَذَكَرَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ - عَامَ الْفَتْحِ - بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ . ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ ، دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ . 615 - وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . 616 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ، قَالَ : لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . 617 - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . 618 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ ، وَنُسَافِرُ مَعَهُ ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ ، وَنُفْطِرُ نَحْنُ . فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ . 13934 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . 13935 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا . 13936 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ . 13937 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . 13938 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ . 13939 - وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ صَوْمُهُ فِي الْحَضَرِ ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ . 13940 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 13941 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . 13942 - رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ . 13943 - وَبِهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 13944 - وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِجَوَازِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ إِنْ شَاءَ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وِإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ . 13945 - وَعَلَى التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 13946 - وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ مَنِ اسْتَهَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 13947 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ مُسَافِرًا أَفْطَرَ ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ . 13948 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . 13949 - وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ . 13950 - كَذَا ، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . 13951 - وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ ; لِسَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، وَإِفْطَارِهِ فِيهِ . 13952 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِطْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 13953 - فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَقَدَّمَ الْفِطْرَ فِي لَيْلَةٍ ، فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ . 13954 - وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِنِ اخْتَارَ الْفِطْرَ إِنْ بَيَّتَهُ فِي سَفَرِهِ . 13955 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى صَدْرٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . 13956 - وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَاشْتَدَّ الصَّوْمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرِ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ فَدَعَا لَبَنًا ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ عَلَى يَدِهِ أَفْطَرُوا . 13957 - وَبِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ; فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . 13958 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ ، وَيَبِيتُ صَائِمًا ، ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ : فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ أَفَطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ . 13959 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ فَإنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ; لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ . 13960 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ : إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ . 13961 - وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُفْطِرُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمَسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ . 13962 - وَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . 13963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ جَابِرٍ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ . 13964 - وَأَمَّا حَدِيثُ سُمَيٍّ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعَ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 13965 - وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَابِرٌ . 13966 - وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُسَافِرَ جَائِزٌ لَهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . 13967 - وَأَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، فَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَقَالَ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ ، فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ; فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . . لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَنَّهُ كَانَ شَاهَدَهُمْ فِي حَالِهِمْ تِلْكَ . 13968 - وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْأَثَرِ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ : أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . سَوَاءً . 13969 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 13970 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ . 13971 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، مِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . 13972 - وَمِنْ هُنَا ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَا قَالَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَطَّانِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَدْ كَتَبْنَاهَا عَنْ شُيُوخِنَا ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذُكِرَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ أَوْلَى . 13973 - وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ . 13974 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . 13975 - وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . 13976 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ، وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ . فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ التَّسْلِمُ لَهُ . 13977 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13978 - فَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13979 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ . 13980 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ . 13981 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ . 13982 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ . 13983 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الرُّخْصَةَ أَفْضَلُ . 13984 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ ; لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ 13985 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا . 13986 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَسَافِرِ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ . 13987 - وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأبي سَعِيدٍ . 13988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ حُذَيْفَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو وَائِلٍ يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ . 13989 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ ، يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ . 13990 - فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ ، قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، أَيْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ ، وَاللَّهُ قد رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ . 13991 - حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِمٌ . فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . 13992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الصَّوْمُ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . 13993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . 13994 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ . 13995 - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ . 13996 - وَقَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ - تُرِيدُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ - . 13997 - وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينِ ؟ قَالَ : الَّذِي سُئِلَ وَلَا عَلَيْهِ . 13998 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي . . . الْحَدِيثَ . 13999 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ 14000 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً ; لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ . 14001 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بَرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَبَرَّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ . 14002 - فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ . 14003 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 14004 - وَدَلِيلٌ آخَرُ ، أَنَّ الْمَرِيضَ الْحَامِلَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا صَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 14005 - وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ يَحْيَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو وَسَائِرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14006 - كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَمْزَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ; كُلُّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَائِشَةَ . 14007 - وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . 14008 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عُمَرَ . 14009 - وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثَبَتٌ فِي عُرْوَةَ ، وقَدْ خَالَفَ هِشَامًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو . وَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14010 - وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ تَدُلُّ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ . 14011 - وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 14012 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي سَفَرِهِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ . 14013 - وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 14014 - رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : نَصُومُ . وَقَالَ سَالِمٌ : لَا نَصُومُ . فَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَلَمَّا امْتَرَيَا ، قَالَ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ، أَصُومُهُ فِي الْيُسْرِ ، وَأُفْطِرُهُ فِي الْعُسْرِ . 14015 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بَأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ مَضَتِ الْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ . 14016 - وَكَانَ عُرْوَةُ أَحَدَ الْمُخْتَارِينَ لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ · ص 246 652 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ وَقَالَ : تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ ، وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ طَائِفَةً مِنْ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ . 654 652 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ ) مَوْلَاهُ ( أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، وَإِبْهَامُ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ ) بِمَكَّةَ ، وَكَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ ، وَقِيلَ : اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَجَمَعَ بِأَنَّ الْعَشَرَةَ خَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَلَاحَقَ بِهِ الْأَلْفَانِ ( بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ ) بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ لِأَجْلِ أَنْ تَقْوُوا لِمُلَاقَاةِ عَدُوِّكُمْ ، ( وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، فَفِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 184 ) ، ( قَالَ أَبُو بَكْرِ ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ( قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْجِيمِ ، قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ ( يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ ) تُحْتَمَلُ أَوْ الشَّكُّ وَالتَّنْوِيعُ ، فَتُحْمَلُ الْمَشَقَّةَ فِي نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهَا فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قِيَامِهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ ؟ ( ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ ) لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ أَمْرَهُ بِالْفِطْرِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ صِيَامِهِ هُوَ ، أَوِ اخْتِصَاصِهِ بِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ جِدًّا ، وَالَّذِينَ صَامُوا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ . ( فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ ) مِنْ مَاءٍ ، ( فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ) زَادَ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ : فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ : إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ ، قَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ مَرَّتَيْنِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ لِمَصْلَحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الْعَدُوِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ . قَالَ غَيْرُهُمَا : أَوْ عَبَّرَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي حَثِّهِمْ عَلَى الْفِطْرِ رِفْقًا بِهِمْ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ صِيَامٌ فَقَالَ : إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَكَانَتْ رُخْصَةً ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا فَكَانَتْ عَزِيمَةً . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : خَرَجْنَا عَامَ الْفَتْحِ صُوَّامًا حَتَّى بَلَغْنَا الْكَدِيدَ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِطْرِ ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنْهُمُ الصَّائِمُ وَمِنْهُمُ الْمُفْطِرُ ، حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الظَّهْرَانَ آذَنَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَأَمَرَنَا بِالْفِطْرِ فَأَفْطَرْنَا أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ لَا تَعَارُضُ بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِالْكَدِيدِ ، وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ ، وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْطَرَ فِي عُسْفَانَ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي مُسْلِمٍ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ مَعَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَهَذِهِ أَمَاكِنُ مُخْتَلِفَةٌ ؛ لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ عِيَاضٌ : أَمَاكِنُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَعُسْفَانُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَنْ عَمَلَهَا ، أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِحَالِ النَّاسِ وَمَشَقَّتِهِمْ بِعُسْفَانَ ، وَكَانَ فِطْرُهُ بِالْكَدِيدِ لِحَدِيثِ الْمُوَطَّأِ هَذَا ، وَجَمْعُهُ الثَّانِي إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْمَشْهُودِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ عُسْفَانَ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، وَالْكَدِيدَ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْهَا ، لَا عَلَى مَا نَقَلَهُ هُوَ أَنَّ عُسْفَانَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ .