باب الحاء حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بَصْرِيٌّ ، وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ مَوْلَى طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ ، وَهُوَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ . قِيلَ : كَانَ حُمَيْدٌ مِنْ سَبْيِ سَجْتَانَ ، وَقِيلَ : مِنْ سَبْيِ كَابُلَ ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ أَبِي حُمَيْدٍ ، فَقِيلَ : طَرْخَانُ ، وَقِيلَ : مِهْرَانُ ، وَقِيلَ : حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ هُوَ حُمَيْدُ بْنُ شَرَوَيْهِ قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ حُمَيْدُ بْنُ ثِيرَوَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَسٍ أَخَذَهَا عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ . تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . قَالَهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَكَانَ ثِقَةً ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : تَنَاوَلَ رَجُلٌ حُمَيْدًا الطَّوِيلَ عِنْدَ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ : أَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا أَمْثَالَهُ ، قَالَ عَفَّانُ : كَانَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ فَقِيهًا ، وَكَانَ هُوَ وَالْبَتِّيُّ يُفْتِيَانِ ، فَأَمَّا الْبَتِّيُّ فَكَانَ يَقْضِي . وَأَمَّا حُمَيْدٌ فَكَانَ يُصْلِحُ ، فَقَالَ حُمَيْدٌ لِلْبَتِّيِّ : إِذَا جَاءَكَ الرَّجُلَانِ ، فَلَا تُخْبِرْهُمَا بِمُرِّ الْحَقِّ ، وَلَكِنْ أَصْلِحْ بَيْنَهُمَا ، احْمِلْ عَلَى هَذَا ، وَاحْمِلْ عَلَى هَذَا ، فَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : أَنَا لَا أُحْسِنُ سِحْرَكَ ، وَكَانَ حُمَيْدٌ رَفِيقًا . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : رَأَيْتُ حُمَيْدًا الطَّوِيلَ وَلَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ ، كَانَ طَوِيلَ الْيَدَيْنِ . لِمَالِكٍ عَنْهُ مِنْ مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ سَبْعَةُ أَحَادِيثَ مُسْنَدَاتٍ ، وَوَاحِدٌ مَوْقُوفٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ مَالِكٍ خَاصَّةً إِلَّا مَنْ لَا يُوثَقُ بِحِفْظِهِ . 655 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِمَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ . وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَرْوِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يُسَافِرُونَ ، فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ ، وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ، فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا أَنَّهُ كَانَ يُشَاهِدُهُمْ فِي حَالِهِمْ هَذِهِ . وَهَذَا عِنْدِي قِلَّةُ اتِّسَاعٍ فِي عِلْمِ الْأَثَرِ ، وَقَدْ تَابَعَ عَلَى ذَلِكَ مَالِكًا جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءً . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَصْحَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْقَطَّانِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - وَلَا أَعْلَمُهُ قَالَ : إِلَّا فِي رَمَضَانَ - مِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا . هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الرُّوَاةُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَسَائِرُ مَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنَ الْحُفَّاظِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَسَنَذْكُرُ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعَانِيهِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ بِعَوْنِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا : إِنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ عَزْمَةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا . وَحَدِيثُ هَذَا الْبَابِ يَرُدُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلَ وَيُبْطِلُهَا كُلَّهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : خُذْ بِيُسْرِ اللَّهِ . وَهَذَا مِنْهُ إِبَاحَةٌ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ خِلَافَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عَنْهُ ، وَعَلَى إِبَاحَةِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ بِجَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، هَذَا إِنْ ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ، وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ . فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَلَزِمَ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ، أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَرُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ; لِأَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ ، إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ : هُوَ مُخَيَّرٌ . وَلَمْ يُفَضِّلْ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُ لَا يُفَضِّلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ : الرُّخْصَةُ أَفْضَلُ . وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، قَالَ عَلِيٌّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِهِ . حَدَّثَنَاهُ فَضْلُ بْنُ عَوْفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ حُذَيْفَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو وَائِلٍ يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِرُخْصَةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ التَّيْسِيرَ عَلَيْكُمْ ، فَمَنْ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلْيَصُمْ ، وَمِنْ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ فَلْيُفْطِرْ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْبَرُّ ، أَوْ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ . وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ ، فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ صَائِمٌ قَدْ ظَلَّلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، أَيْ : لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ، وَاللَّهُ قَدْ رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ في السفر إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، قَالَ : قَالَ جَابِرٌ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَامَ تَبُوكَ لَيَسِيرُ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى إِذَا هُوَ بِجَمَاعَةٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْجَمَاعَةُ ؟ فَقَالُوا : رَجُلٌ صَامَ فَجَهَدَهُ الصَّوْمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ ، أَوِ ابْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزُمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ زِحَامٌ ، وَقَدْ ظَلَّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : صَائِمٌ ، قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ - أَوْ : لَيْسَ الْبِرُّ - أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ، وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لَيْسَ الْبِرَّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ، أَيْ : لَيْسَ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ ، أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ . وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرَّا ; لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَهُ ، وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : لَيْسَ الْمِسْكِينَ الطَّوَّافُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ . قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينُ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَ تَطْوَافِهِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : رَدُّوا الْمِسْكِينَ ، وَلَوْ بِكَرَاعٍ مُحْرَقٍ ، وَرُدُّوا السَّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي ... الْحَدِيثَ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمْ مَعْنَاهُ : لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً ; لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لَيْسَ الْبِرَّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ . مَعْنَاهُ : لَيْسَ الْبِرُّ كُلُّهُ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ بِرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ كَقَوْلِهِ : لَيْسَ الْبِرُّ ، وَ مِنْ قَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِمْ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ ، أَيْ : مَا جَاءَنِي أَحَدٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ ، فَلَا دَلِيلَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ إِجْمَاعُهُمْ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَصَامَ وَأَتَمَّ يَوْمَهُ أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ فِي التِّلَاوَةِ ، وَفِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ . وَالْكَلَامُ فِي هَذَا أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى إِكْثَارٍ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَحَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَوَارِسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السِّنْدِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَيَّاطِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَصَامَ قَوْمٌ ، وَأَفْطَرَ قَوْمٌ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، لَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . وَبِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، لَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ ، فَكَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ . حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حِينَ فَتْحِ مَكَّةَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ ، أَوْ لِتِسْعَ عَشْرَةَ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَصَامَ صَائِمُونَ وَأَفْطَرَ مُفْطِرُونَ فَلَمْ يَعِبْ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلَمْ يَعِبْ عَلَى هَؤُلَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ أَضَافَ الْإِبَاحَةَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ لَمْ يَعِبْ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ إِسْنَادٍ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ ، فَقَالَ فِيهِ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ . وَقَالَ هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ : لِثَمَانَ عَشْرَةَ . وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : آذَنَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحِيلِ عَامَ الْفَتْحِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجْنَا صُوَّامًا حَتَّى بَلَغْنَا الْكَدِيدَ فَأَمَرَنَا بِالْفِطْرِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ مِنْهُمُ الصَّائِمُ وَمِنْهُمُ الْمُفْطِرُ حَتَّى بَلَغْنَا مَرَّ الظَّهْرَانِ فَآذَنَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَأَمَرَنَا بِالْفِطْرِ فَأَفْطَرْنَا جَمِيعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانِ ، أَحَدُهُمَا هَذَا عَنْ عَطِيَّةَ ، وَالْآخَرُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ الْفُقَهَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرًا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ · ص 167 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في خروج النبي إلى مكة عام الفتح صائما ثم أفطر وأمره الناس بذلك · ص 63 653 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 613 - ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ; فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ ، فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 614 - وَذَكَرَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ - عَامَ الْفَتْحِ - بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ . ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ ، دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ . 615 - وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . 616 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ، قَالَ : لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . 617 - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . 618 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ ، وَنُسَافِرُ مَعَهُ ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ ، وَنُفْطِرُ نَحْنُ . فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ . 13934 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . 13935 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا . 13936 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ . 13937 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . 13938 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ . 13939 - وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ صَوْمُهُ فِي الْحَضَرِ ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ . 13940 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 13941 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . 13942 - رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ . 13943 - وَبِهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 13944 - وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِجَوَازِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ إِنْ شَاءَ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وِإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ . 13945 - وَعَلَى التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 13946 - وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ مَنِ اسْتَهَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 13947 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ مُسَافِرًا أَفْطَرَ ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ . 13948 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . 13949 - وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ . 13950 - كَذَا ، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . 13951 - وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ ; لِسَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، وَإِفْطَارِهِ فِيهِ . 13952 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِطْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 13953 - فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَقَدَّمَ الْفِطْرَ فِي لَيْلَةٍ ، فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ . 13954 - وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِنِ اخْتَارَ الْفِطْرَ إِنْ بَيَّتَهُ فِي سَفَرِهِ . 13955 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى صَدْرٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . 13956 - وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَاشْتَدَّ الصَّوْمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرِ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ فَدَعَا لَبَنًا ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ عَلَى يَدِهِ أَفْطَرُوا . 13957 - وَبِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ; فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . 13958 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ ، وَيَبِيتُ صَائِمًا ، ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ : فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ أَفَطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ . 13959 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ فَإنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ; لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ . 13960 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ : إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ . 13961 - وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُفْطِرُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمَسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ . 13962 - وَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . 13963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ جَابِرٍ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ . 13964 - وَأَمَّا حَدِيثُ سُمَيٍّ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعَ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 13965 - وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَابِرٌ . 13966 - وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُسَافِرَ جَائِزٌ لَهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . 13967 - وَأَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، فَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَقَالَ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ ، فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ; فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . . لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَنَّهُ كَانَ شَاهَدَهُمْ فِي حَالِهِمْ تِلْكَ . 13968 - وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْأَثَرِ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ : أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . سَوَاءً . 13969 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 13970 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ . 13971 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، مِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . 13972 - وَمِنْ هُنَا ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَا قَالَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَطَّانِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَدْ كَتَبْنَاهَا عَنْ شُيُوخِنَا ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذُكِرَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ أَوْلَى . 13973 - وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ . 13974 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . 13975 - وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . 13976 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ، وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ . فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ التَّسْلِمُ لَهُ . 13977 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13978 - فَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13979 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ . 13980 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ . 13981 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ . 13982 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ . 13983 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الرُّخْصَةَ أَفْضَلُ . 13984 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ ; لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ 13985 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا . 13986 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَسَافِرِ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ . 13987 - وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأبي سَعِيدٍ . 13988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ حُذَيْفَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو وَائِلٍ يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ . 13989 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ ، يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ . 13990 - فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ ، قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، أَيْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ ، وَاللَّهُ قد رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ . 13991 - حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِمٌ . فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . 13992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الصَّوْمُ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . 13993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . 13994 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ . 13995 - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ . 13996 - وَقَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ - تُرِيدُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ - . 13997 - وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينِ ؟ قَالَ : الَّذِي سُئِلَ وَلَا عَلَيْهِ . 13998 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي . . . الْحَدِيثَ . 13999 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ 14000 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً ; لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ . 14001 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بَرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَبَرَّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ . 14002 - فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ . 14003 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 14004 - وَدَلِيلٌ آخَرُ ، أَنَّ الْمَرِيضَ الْحَامِلَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا صَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 14005 - وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ يَحْيَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو وَسَائِرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14006 - كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَمْزَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ; كُلُّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَائِشَةَ . 14007 - وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . 14008 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عُمَرَ . 14009 - وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثَبَتٌ فِي عُرْوَةَ ، وقَدْ خَالَفَ هِشَامًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو . وَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14010 - وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ تَدُلُّ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ . 14011 - وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 14012 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي سَفَرِهِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ . 14013 - وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 14014 - رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : نَصُومُ . وَقَالَ سَالِمٌ : لَا نَصُومُ . فَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَلَمَّا امْتَرَيَا ، قَالَ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ، أَصُومُهُ فِي الْيُسْرِ ، وَأُفْطِرُهُ فِي الْعُسْرِ . 14015 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بَأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ مَضَتِ الْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ . 14016 - وَكَانَ عُرْوَةُ أَحَدَ الْمُخْتَارِينَ لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ · ص 248 653 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . 655 653 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ ) ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ : أَخْبَرَنِي أَنَسٌ ( بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ ) وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ( سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبِ ) بِالْجَزْمِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ ؛ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ( الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ) لِأَنَّ كُلًّا فَعَلَ مَا يَجُوزُ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَبْطَلَ صَوْمَ الْمُسَافِرِ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ أَيَّامًا أُخَرَ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ إِنْكَارَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُتَعَارَفِ الَّذِي تَجِبُ الْحُجَّةُ بِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ : وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ نَصٌّ رَافِعٌ لِلنِّزَاعِ . هَذَا وَزَعَمَ ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابِعْ عَلَى لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَرْوِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ، فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا أَنَّهُ كَانَ يُشَاهِدُهُمْ فِي حَالِهِمْ هَذِهِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ قِلَّةُ اتِّسَاعٍ فِي عِلْمِ الْأَثَرِ ، فَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى لَفْظِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ : أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ ، قَالَ : وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ كَمَا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا شَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْعُودٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، انْتَهَى . وَهُوَ حَسَنٌ . لَكِنَّ قَوْلَهُ : لَا أَعْلَمُ . . . إِلَخْ تَقْصِيرٌ مِنْ مِثْلِهِ كَبِيرٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانِ الْأَحْمَرِ ، عَنْ حُمَيْدٍ كَذَلِكَ فَكَأَنَّ حُمَيْدًا حَدَّثَ بِهِ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ حُمَيْدٌ مُوَرِّقٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ ؛ فَسَقَطَ الصَّوَّامُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .