656 حَدِيثٌ سَادِسَ عَشَرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو ، وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ . وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ مِنْهُمُ : ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَيَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، وَعَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، والليث بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو ضَمْرَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، كَمَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ سَوَاءٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ : جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطِّئِهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسُنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، فَهَذَا أَبُو الْأَسْوَدِ ، وَهُوَ ثَبَتٌ فِي عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ قَدْ خَالَفَ هِشَامًا ، فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ ، وَهُشَامٌ يَجْعَلُهُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ ، وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا ، عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ فِي سَفَرِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : يَصُومُ ، وَقَالَ سَالِمٌ : لَا يَصُومُ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : فَلَمَّا امْتَرَيَا قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ غَفْرًا ، صُمْهُ فِي الْيُسْرِ ، وَأَفْطِرْهُ فِي الْعُسْرِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ التَّنَازُعِ بَيْنَ السَّلَفِ ، وَمَا فِيهَا بَيْنَ الْخَلَفِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ ، وَأَوْضَحْنَا الْمَعَانِيَ فِي ذَلِكَ وَبَسَطْنَاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، مِنْهَا بَابُ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَبَابُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَبَابُ سُمَيٍّ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ · ص 146 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في خروج النبي إلى مكة عام الفتح صائما ثم أفطر وأمره الناس بذلك · ص 63 653 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 613 - ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ; فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ ، فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 614 - وَذَكَرَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ - عَامَ الْفَتْحِ - بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ . ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ ، دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ . 615 - وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . 616 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ، قَالَ : لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . 617 - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . 618 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ ، وَنُسَافِرُ مَعَهُ ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ ، وَنُفْطِرُ نَحْنُ . فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ . 13934 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . 13935 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا . 13936 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ . 13937 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . 13938 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ . 13939 - وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ صَوْمُهُ فِي الْحَضَرِ ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ . 13940 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 13941 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . 13942 - رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ . 13943 - وَبِهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 13944 - وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِجَوَازِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ إِنْ شَاءَ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وِإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ . 13945 - وَعَلَى التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 13946 - وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ مَنِ اسْتَهَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 13947 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ مُسَافِرًا أَفْطَرَ ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ . 13948 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . 13949 - وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ . 13950 - كَذَا ، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . 13951 - وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ ; لِسَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، وَإِفْطَارِهِ فِيهِ . 13952 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِطْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 13953 - فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَقَدَّمَ الْفِطْرَ فِي لَيْلَةٍ ، فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ . 13954 - وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِنِ اخْتَارَ الْفِطْرَ إِنْ بَيَّتَهُ فِي سَفَرِهِ . 13955 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى صَدْرٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . 13956 - وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَاشْتَدَّ الصَّوْمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرِ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ فَدَعَا لَبَنًا ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ عَلَى يَدِهِ أَفْطَرُوا . 13957 - وَبِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ; فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . 13958 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ ، وَيَبِيتُ صَائِمًا ، ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ : فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ أَفَطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ . 13959 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ فَإنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ; لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ . 13960 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ : إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ . 13961 - وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُفْطِرُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمَسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ . 13962 - وَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . 13963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ جَابِرٍ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ . 13964 - وَأَمَّا حَدِيثُ سُمَيٍّ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعَ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 13965 - وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَابِرٌ . 13966 - وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُسَافِرَ جَائِزٌ لَهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . 13967 - وَأَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، فَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَقَالَ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ ، فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ; فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . . لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَنَّهُ كَانَ شَاهَدَهُمْ فِي حَالِهِمْ تِلْكَ . 13968 - وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْأَثَرِ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ : أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . سَوَاءً . 13969 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 13970 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ . 13971 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، مِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . 13972 - وَمِنْ هُنَا ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَا قَالَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَطَّانِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَدْ كَتَبْنَاهَا عَنْ شُيُوخِنَا ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذُكِرَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ أَوْلَى . 13973 - وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ . 13974 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . 13975 - وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . 13976 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ، وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ . فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ التَّسْلِمُ لَهُ . 13977 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13978 - فَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13979 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ . 13980 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ . 13981 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ . 13982 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ . 13983 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الرُّخْصَةَ أَفْضَلُ . 13984 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ ; لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ 13985 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا . 13986 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَسَافِرِ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ . 13987 - وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأبي سَعِيدٍ . 13988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ حُذَيْفَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو وَائِلٍ يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ . 13989 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ ، يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ . 13990 - فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ ، قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، أَيْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ ، وَاللَّهُ قد رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ . 13991 - حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِمٌ . فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . 13992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الصَّوْمُ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . 13993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . 13994 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ . 13995 - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ . 13996 - وَقَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ - تُرِيدُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ - . 13997 - وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينِ ؟ قَالَ : الَّذِي سُئِلَ وَلَا عَلَيْهِ . 13998 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي . . . الْحَدِيثَ . 13999 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ 14000 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً ; لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ . 14001 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بَرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَبَرَّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ . 14002 - فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ . 14003 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 14004 - وَدَلِيلٌ آخَرُ ، أَنَّ الْمَرِيضَ الْحَامِلَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا صَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 14005 - وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ يَحْيَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو وَسَائِرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14006 - كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَمْزَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ; كُلُّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَائِشَةَ . 14007 - وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . 14008 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عُمَرَ . 14009 - وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثَبَتٌ فِي عُرْوَةَ ، وقَدْ خَالَفَ هِشَامًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو . وَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14010 - وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ تَدُلُّ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ . 14011 - وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 14012 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي سَفَرِهِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ . 14013 - وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 14014 - رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : نَصُومُ . وَقَالَ سَالِمٌ : لَا نَصُومُ . فَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَلَمَّا امْتَرَيَا ، قَالَ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ، أَصُومُهُ فِي الْيُسْرِ ، وَأُفْطِرُهُ فِي الْعُسْرِ . 14015 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بَأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ مَضَتِ الْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ . 14016 - وَكَانَ عُرْوَةُ أَحَدَ الْمُخْتَارِينَ لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ · ص 249 654 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . 656 654 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ ) بْنَ عَمْرِو بْنِ عُوَيْمِرٍ ( الْأَسْلَمِيَّ ) أَبَا صَالِحٍ ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيَّ ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَلَهُ إِحْدَى وَسَبْعونَ ، وَقِيلَ : ثَمَانُونَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا لِيَحْيَى ، وَقَالَ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ حَمْزَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ثَلَاثَتُهُمْ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ حَمْزَةَ ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مَرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ ، فَهَذَا أَبُو الْأَسْوَدِ وَهُوَ ثَبْتٌ فِي عُرْوَةَ ، وَغَيْرِهِ قَدْ خَالَفَ هِشَامًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ . وَيَجُوزُ أَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ وَمِنْ أَبِي مَرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا . وَقَالَ الْحَافِظُ : رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ حَمْزَةَ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ حَمْزَةَ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ حَمْزَةَ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ : عَنْ حَمْزَةَ الرِّوَايَةَ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَارَ عَنْ حِكَايَتِهِ ، فَالتَّقْدِيرُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ قِصَّةِ حَمْزَةَ ، لَكِنْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمْزَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مَرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقَيْنِ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ ( قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أَسْرُدُ الصَّوْمَ ( أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ ) وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَرَاوِحٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَجِدُ لِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يُشْعِرُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاجِبِ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ أَنَّ حَمْزَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَهُ فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيَّ ؟ فَقَالَ : أَيُّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ ، قَالَ عِيَاضٌ : احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ الْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ فِيهِ : فَحَسَنٌ . وَقَالَ فِي الصَّوْمِ فَلَا جُنَاحَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ : هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِحَسَنٍ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ أَعَمُّ مِنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافَقِيهِ ؛ أَيْ : كَمَالِكٍ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ وَسَرْدَهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرًا ، وَلَا تَفْوِيتَ حَقٍّ ، بِشَرْطِ فِطْرِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِسَرْدِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُطِيقُ السَّرْدَ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : أَجِدُ بِي قُوَّةً . وَأَمَّا إِنْكَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي صَوْمَ الدَّهْرِ فَلِعِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ عَنْهُ ، وَقَدْ ضَعُفَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَكَانَ يَقُولُ : لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ا هـ . بَلِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّرْدَ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ سَوَّغَهُ لِحَمْزَةَ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ لَبَيَّنَهُ لِحَمْزَةَ ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَمْرٍو خَاصٌّ بِهِ لِعِلْمِهِ بِضَعْفِ حَالِهِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ ضَعُفَ حَالُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ مَوْصُولًا ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .