701 حَدِيثٌ ثَانٍ لِيَزِيدَ بْنِ الْهَادِي مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ : مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ وَيُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُنَّةٌ لِأُمَّتِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ قَوْلُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاعْتَكَفَ عَامًا - ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ رَمَضَانَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ مَأْجُورٌ فِيهِ ، وَهَكَذَا سَبِيلُ السُّنَنِ كُلِّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا ، أَلَا تَرَى إِلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ : هَذَا فَرْضٌ ، وَهَذَا سُنَّةٌ ، أَيْ هَذَا وَاجِبٌ ، وَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَهَذِهِ فَرِيضَةٌ ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ، فَهَكَذَا رِوَايَةُ يَحْيَى : مِنْ صُبْحَتِهَا ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وأما القعنبي ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ - أَيْضًا - ، فَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ لَمْ يَقُولُوا مِنْ صُبْحَتِهَا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ مِنْ صُبْحَتِهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْ صُبْحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ كَرِوَايَةِ يَحْيَى إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، وَقَالَ : أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَالَ : رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ ، فَجَعَلَ فِي مَوْضِعٍ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَقَدْ أُرِيتُ فِي مَوْضِعِ رَأَيْتُ ، وَقَالَ : فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَزَادَ مِنْ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صُبْحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَرِوَايَةِ يَحْيَى حَرْفًا بِحَرْفٍ إِلَى آخِرِهِ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ يَخْرُجُ مِنْ صُبْحَتِهَا ، وَقَالَ يَحْيَى : يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحَتِهَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَخْرُجُ فِي صُبْحَتِهَا ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَطَائِفَةٌ : يَخْرُجُ فِيهَا ، وَلَمْ يَقُولُوا : مِنْ صُبْحِهَا ، وَلَا مِنْ صُبْحَتِهَا ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِكَافِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، وَوَسَطِهِ ، وَآخِرِهِ ، فَمَنِ اعْتَكَفَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ ، فَلْيَخْرُجْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَإِنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ ، فَلْيَنْصَرِفْ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ ، وَيَرْجِعُ مِنَ الْمُصَلَّى إِلَى أَهْلِهِ قَالَ : وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَإِنْ خَرَجَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَسَحْنُونٌ : يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ; لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَنَّهُ يَبِيتُ فِي مُعْتَكَفِهِ حَتَّى يُصْبِحَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ اعْتِكَافٍ ، وَلَا صِيَامٍ ، وَلَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِي الْمُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ مِنِ اعْتِكَافِهِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْفَضْلِ إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ ، فَقَدْ أَتَمَّ الْعَشْرَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعُوا فِي الْمُعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأُوَلَ أَوِ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوهِنُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ مِنْ صُبْحَتِهَا أَوْ فِي صُبْحَتِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ يَقْضِي عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى تَصْوِيبِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى : يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ يَعْنِي بَعْدَ الْغُرُوبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَالصَّحِيحُ فِي تَحْصِيلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ : أَنَّ مُقَامَ الْمُعْتَكِفِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ ، وَخُرُوجَهُ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ اسْتِحْبَابٌ ، وَفَضْلٌ لَا إِيجَابٌ ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، وَلَا صَحِيحِ الْأَثَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - أَيْضًا - فِي الْمُعْتَكِفِ مَتَى يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُرِيدُ الِاعْتِكَافَ فِيهِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ . وَقَالَ زُفَرُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَدْخُلُ فِي الشَّهْرِ ، وَفِي الْيَوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشَّهْرِ وَالْيَوْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِكَافِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ ، وَيَتَّصِلَ بِهِ اعْتِكَافُ نَهَارٍ ، وَذَهَبَ أُولَئِكَ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَةَ تَبَعٌ لِلْيَوْمِ فِي كُلِّ أَصْلٍ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مَعَانِيَ الِاعْتِكَافِ ، وَأُصُولَ مَسَائِلِهِ ، وَأُمَّهَاتِ أَحْكَامِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلِاعْتِكَافِ ، وَأَنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلِاعْتِكَافِ إِلَّا الْأَيَّامَ الَّتِي لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لَهُمْ مِنَ التَّنَازُعِ فِي الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : إِنِّي رَأَيْتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ . فَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الْمَذَاهِبِ ، وَالْآثَارِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، وَالِاخْتِيَارِ ، فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا وَنَسِيتُهَا ، وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وَرِيحٍ ، وَهَذَا نَحْوَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ . أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْظُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا فَنَسِيتُهَا ، وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وَرِيحٍ أَوْ قَالَ قَطْرٍ وَرِيحٍ . قَالَ الْبَزَّارُ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا اللَّفْظَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ شَرِيكٍ . وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةُ رِيحٍ وَمَطَرٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ الْوَقْتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ سَقْفَهُ كَانَ مُعَرَّشًا بِالْجَرِيدِ مِنْ غَيْرِ طِينٍ ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ يَعْنِي هَطَلَ ، فَصَارَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مَاءٌ ، وَطِينٌ ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جَبْهَتِهِ ، وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ سُجُودِهِ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى وَكَفَ : كَأَنَّ أَسْطَارَهَا فِي بَطْنِ مُهَرَّقِهَا نُورٌ يُضَاحِكُ دَمْعَ الْوَاكِفِ الْهَطْلِ وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الطِّينِ ، فَمَرَّةً قَالَ : لَا يُجْزِيهِ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْأَرْضِ وَيَسْجُدَ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ ، ومرة قَالَ : يُجْزِيهِ أَنْ يُومِئَ إِيمَاءً ، وَيَجْعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ أَحَاطَ بِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُومِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَوْمَأَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ . قَالَ عَمْرٌو : وَمَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ عَمْرٌو : وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَوْ نَزَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عِنْدَ قَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ لَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا عَمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ : ذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ الْحَسَنَ ، وَنَفَرًا مِنْ نَحْوِهِ ، فَقَالَ : مَا ذَكَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَالْحَسَنُ أَفْقَهُ مِنْهُ إِلَّا جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ . أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّمَّاحِ قَاضِي بَلْخَ قَالَ : أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو سَهْلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَتْنَا السَّمَاءُ ، فَكَانَتِ الْبَلَّةُ مِنْ تَحْتِنَا وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِنَا ، وَكَانَ فِي مَضِيقٍ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَصَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَالْقَوْمُ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِي الْأَثْرَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الرَّمَّاحِ ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ ، فَتَقَدَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَهُمْ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ أَوْ قَالَ : يَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ : أَقْبَلْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الشَّامِ حَتَّى أَتَيْنَا سَوَاءً بِبَطٍّ ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، وَالْأَرْضُ كُلُّهَا غَدِيرٌ ، فَصَلَّى عَلَى حِمَارٍ يُومِئُ إِيمَاءً . قَالَ : وحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي الَّذِي تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ : يُومِئُ إِيمَاءً . قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ غَزِيَّةَ فِي الرَّجُلِ تُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ : يُصَلِّي قَائِمًا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْقِبْلَةِ يُومِئُ بِرَأْسِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : إِذَا كَانَ رَدْعٌ أَوْ مَطَرٌ ، فَصَلِّ عَلَى الدَّابَّةِ . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَقَالَ : لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْأَمْنِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : إِمَّا فِي طِينٍ ، وَإِمَّا تَطَوُّعٍ قَالَ : وَصَلَاةُ الْخَوْفِ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَرَّةً أُخْرَى عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَقَالَ : أَمَّا فِي الطِّينِ فَنَعَمْ ، يَعْنِي الْمَكْتُوبَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَتَى مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَوْ عَلَى قَدَمَيْهِ بِالْإِيمَاءِ مِنْ أَجْلِ الطِّينِ وَالْمَاءِ ، احْتَجَّ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَوْلُهُ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ ، وَأَنْفِهِ ، وَيُرْوَى عَلَى جَبِينِهِ وَأَنْفِهِ ، أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينُ ، قَالُوا : فَلَوْ جَازَ الْإِيمَاءُ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَضَعَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ فِي الطِّينِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا إِذَا كَانَ الطِّينُ وَالْمَاءُ مِمَّا يُمْكِنُ السُّجُودُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ تَلْوِيثٍ ، وَفَسَادٌ لِلثِّيَابِ وَجَازَ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ ، وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ ، فَهَذَا مَوْضِعٌ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَلَا عَلَى الْأَقْدَامِ بِالْإِيمَاءِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدِ افْتَرَضَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ كَيْفَمَا قَدِرَ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الطِّينُ ، وَالْوَحْلُ وَالْمَاءُ الْكَثِيرُ قَدْ أَحَاطَ بِالْمَسْجُونِ أَوِ الْمُسَافِرِ الَّذِي لَا يَرْجُو الِانْفِكَاكَ مِنْهُ ، وَلَا الْخُرُوجَ مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَكَانَ مَاءً مَعِينًا غَرَقًا ، وَطِينًا قَبِيحًا وَحْلًا ، فَجَائِزٌ لِمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْإِيمَاءِ عَلَى مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْعُذْرِ ، وَلَيْسَ بِاللَّهِ حَاجَةٌ إِلَى تَلْوِيثِ وَجْهِهِ وَثِيَابِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ طَاعَةٌ إِنَّمَا الطَّاعَةُ الْخَشْيَةُ ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِي الطَّاقَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - أَيْضًا - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ ، وَالْجَبْهَةِ جَمِيعًا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ اللَّهِ فِي سُجُودِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ أَوْ جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ لَمْ يُجْزِهُ ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ ، كُرِهَ ذَلِكَ وَأَجْزَأَ عَنْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ بِالْأَرْضِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذَقْنِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَجْزَأَهُ ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أرَادبٍ ذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ قَالَ : فَأَيُّ شَيْءٍ وُضِعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةٌ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَذَلِكَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَا مَحَالَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنِّي رَأَيْتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَكَانَ كَمَا رَأَى فِي نَوْمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَفِي كُلِّ وِتْرٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - أَيْضًا - ، وَقَدْ قِيلَ في غير الْوِتْرُ ، وفي غير الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ - أَيْضًا - إِذَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي كُلِّ وَتْرٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْأَقَاوِيلِ ، وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْأَثَرِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَذَكَرْنَا فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا قِيلَ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَنْ قَطَعَ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَبَدًا ، وَهِيَ عِنْدَنَا تَنْتَقِلُ ، وَبِهَذَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَبَاحَةَ بَدْرٍ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَعَنِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ تَأْتِي . وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ ، وَهِيَ التِّسْعُ الْأَوَاخِرُ ، وَفِي التِّسْعِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وَتْرٍ مِنْهَا . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي بِإِسْنَادِهِ ، وَسَاقَهُ سِيَاقَةً حَسَنَةً ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْصَرِفُ إِذَا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا ، وَهَذَا يَرُدُّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْ صُبْحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَيُصَحِّحُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى : وهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ الْمَيْمُونَ بْنَ حَمْزَةَ الْحَسَنِيَّ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ ، فَإِذَا كَانَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي ، وَتَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ ، وَيَرْجِعُ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ ثُمَّ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، وَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ، فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ ثُمَّ بَدَا لِي أَنَّ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي ، فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، فَابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي صَبِيحَتَهَا أَسْجُدُ فِي طِينٍ ، وَمَاءٍ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَاشْتَمَلَتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَأَمْطَرَتْ ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ بَصُرَ عَيْنِي نَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا ، وَمَاءً .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ · ص 51 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي سعيد الخدري كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان · ص 318 701 ( 6 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 662 - مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ . فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ : مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ . وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ . فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . 15042 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِيهِ ، وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُنَّةٌ . 15043 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ قَوْلُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ . وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ . 15044 - وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ . 15045 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ . 15046 - هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ : يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صَبِيحَتِهَا . 15047 - وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالُوا فِيهِ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ . 15048 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَيَّ وَقْتٍ هُوَ فِي بَابِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ إِلَى الْعِيدِ . 15049 - وَأَمَّا خُرُوجُ مَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْوُسُطَ ، أَوِ اعْتَكَفَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَـ : 15050 - رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَلْيَخْرُجْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ ، وَإِنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفْ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 15051 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمُعْتَكِفِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِلَّا إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ اعْتِكَافِهِ . 15052 - وَهَذَا يُعَضِّدُ وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ . وَأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا وَهْمٌ ، وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ . 15053 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إَذَا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ . . ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 15054 - وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ : هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 15055 - كَذَا قَالَ : صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَرَادَ : خَطَبَهُمْ غَدَاةَ عِشْرِينَ لِيُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ الْآخِرُ مِنْ أَيَّامِ اعْتِكَافِهِمْ ، وَأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي تِلْكَ الصَّبِيحَةُ هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ - هِيَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِمَا رَأَى مِنَ الرُّؤْيَا . 15056 - وَقَوْلُهُ : إِنِّي أُرِيتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ; فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ ، وَيُخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يَعْنِي فِي الْوَتْرِ مِنْهَا ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كُلِّ عَامٍ ، وَرُؤْيَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّتْهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ فِي الْأَيَّامِ الْبَاقِيَةِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَهِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ وَأَنَّهَا فِي الْوَتْرِ مِنْهَا ؛ فَلِذَلِكَ خَاطَبَهُمْ ثُمَّ خَاطَبَهُمْ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15057 - وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا عَلَى مَا نَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 15058 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا فَنُسِّيتُهَا ، وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وَرِيحٍ . أَوْ قَالَ : قَطْرٍ وَرِيحٍ . 15059 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15060 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ سَقْفَهُ كَانَ مُعَرَّشًا بِالْجَرِيدِ مِنْ غَيْرِ طِينٍ ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَكِفُ . 15061 - وَقَوْلُهُ : فَوَكَفَ ، يَعْنِي : هَطَلَ فَتَبَلَّلَ الْمَسْجِدُ مِنْ ذَلِكَ مَاءً وَطِين . 15062 - وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الطِّينِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ; فَمَرَّةً قَالَ : لَا يُجْزِيهِ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْأَرْضِ وَيَسْجُدُ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ : فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ ، وَمَرَّةً قَالَ : يُجْزِيهِ أَنْ يُومِئَ إِيمَاءً وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ ، يَعْنِي إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ أَحَاطَ بِهِ . 15063 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَوْمَأَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ . 15064 - قَالَ عَمْرٌو : وَمَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ . 15065 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصَابَتْنَا السَّمَاءُ ، فَكَانَتِ الْبِلَّةُ مِنْ تَحْتِنَا وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِنَا وَنَحْنُ فِي مَضِيقٍ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالْقَوْمُ عَلَى رَاحِلَتِهِمْ ، يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ . 15066 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ . 15067 - وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ؟ فَقَالَ : فِي شِدَّةِ الْحَرْبِ ، وَأَمَّا الْأَمْنُ فَلَا إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : التَّطَوُّعُ ، وَفِي الطِّينِ الْمُحِيطِ بِهِ . 15068 - وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّمْهِيدِ وَأَتَيْنَا مِنْهُ هَاهُنَا وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 15069 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ جَمِيعًا ، وَاجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَ سُجُودِهِ . 15070 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ فَقَدْ أَدَّى وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 15071 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ . 15072 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 15073 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ . . وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ . 15074 - وَبَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا أَنَّ سُجُودَهُ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ . 15075 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ فِي الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ . 15076 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذَقْنِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَجْزَأَهُ . 15077 - وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أرَابٍ . . فَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ . 15078 - قَالُوا : فَأَيُّ شَيْءٍ وَضَعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ . 15079 - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ . 15080 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ . 15081 - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ · ص 316 6 - بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 695 - حَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ ، قَالَ : مَنْ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأُمْطِرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا ، أَيْ ذَاتُ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا وَلِوَصْفِهَا بِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( سُورَةُ الْقَدْرِ : الْآيَةُ 3 ) ، أَوْ لِتَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا أَوْ لِنُزُولِ الْبَرَكَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فِيهَا ، أَوْ لِمَا يَحْصُلُ لِمَنْ أَحْيَاهَا بِالْعِبَادَةِ مِنَ الْقَدْرِ الْجَسِيمِ ، وَقِيلَ : الْقَدْرُ هُنَا التَّضْيِيقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 7 ) ، وَمَعْنَى التَّضْيِيقِ إِخْفَاؤُهَا عَنِ الْعِلْمِ بِتَعْيِينِهَا أَوْ لِضِيقِ الْأَرْضِ فِيهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ ، وَقِيلَ : الْقَدْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُوَاخِي لِلْقَضَاءِ ، أَيْ يُقَدَّرُ فِيهَا أَحْكَامُ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( سُورَةُ الدُّخَانِ : الْآيَةُ 4 ) ، وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ وَنَسَبَهُ لِلْعُلَمَاءِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَقَالَ التُّورِبِشَتِيُّ : إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدَرِ مُوَاخِي الْقَضَاءِ فَتْحَهَا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَإِظْهَارُهُ وَتَحْدِيدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِيَحْصُلَ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارٌ بِمِقْدَارٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا مَصْدَرُ قَدَّرَ اللَّهُ الشَّيْءَ قَدْرًا وَقَدَرًا ، كَالنَّهْرِ وَالنَّهَرِ . 701 695 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ) بِلَا يَاءٍ بَعْدَ الدَّالِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْمَدَنِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ الْمَدَنِيِّ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ جَمْعُ وُسْطَى ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلُ : كَبَرَ وَكَبُرَ ، وَرَوَاهُ الْبَاجِيُّ بِإِسْكَانِهَا جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبُزْلٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . وَتَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي مُنْتَقَى الْبَاجِيِّ وَقَعَ فِي كِتَابِي مُقَيَّدًا بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَمْعُ وَاسِطٍ ، قَالَ فِي الْعَيْنِ : وَاسِطُ الرَّحْلِ مَا بَيْنَ قَادِمَتِهِ وَآخِرَتِهِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَسَطَ الْبُيُوتَ بَسَطَهَا إِذَا نَزَلَ وَسَطَهَا ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَاسِطٌ ، وَيُقَالُ فِي جَمْعِهِ وُسْطٌ ، كَبَازِلٍ وَبُزْلٌ . وَأَمَّا الْوَسَطُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَمْعُ أَوْسَطًا ، وَهُوَ جَمْعُ وَسِيطٍ ، كَمَا يُقَالُ : كَبِيرًا وَأَكْبَرًا وَأَكْبَرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْمٌ لِجَمْعِ الْوَقْتِ عَلَى التَّوْحِيدِ كَوَسَطِ الدَّارِ ، وَوَسَطِ الْوَقْتِ وَالشَّهْرِ ، فَإِنْ كَانَ قُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَاهُ ( مِنْ رَمَضَانَ ) فِيهِ مُدَاوَمَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ سُنَّةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَعَلَّ مُرَادَهُ رَمَضَانُ لَا بِقَيْدِ وَسَطِهِ إِذْ هُوَ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ . ( فَاعْتَكَفَ عَامًا ) مَصْدَرُ عَامَ إِذَا سَبَحَ فَالْإِنْسَانُ يَعُومُ فِي دُنْيَاهُ عَلَى الْأَرْضِ طُولَ حَيَاتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ غَرِقَ فِيهَا أَيِ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ فِي عَامٍ ، ( حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةً ) بِالنَّصْبِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ كَانَ التَّامَّةِ بِمَعْنَى ثَبَتَ نَحْوَهُ ، ( إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا ) ، وَقَوْلُهُ : ( مِنْ صُبْحِهَا ) رِوَايَةُ يَحْيَى ، وَابْنِ بُكَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ يَخْرُجُ فِيهَا ( مِنِ اعْتِكَافِهِ ) لَمْ يَقُولُوا مِنْ صُبْحِهَا ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ : مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ خَرَجَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ ، وَمَنِ اعْتَكَفَ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ . قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ خَطَبَ أَوَّلَ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ ، فَأَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْآخِرِ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، فَيُخَالِفُ قَوْلَهُ آخِرَ الْحَدِيثِ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ ، وَوُقُوعُ الْمَطَرِ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ ، فَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجُوُّزًا أَيْ مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا ، فَنِسْبَةُ الصُّبْحِ إِلَيْهَا مَجَازٌ . وَحَكَى الْمُطَرِّزُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَجْعَلُ لَيْلَةَ الْيَوْمِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ ، وَمِنْهُ : عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ( سُورَةُ النَّازِعَاتِ : الْآيَةُ 46 ) فَأَضَافَهُ إِلَى الْعَشِيَّةِ وَهُوَ قَبْلَهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةٍ تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ . وَقَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ : الْمَعْنَى حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَوْلُهُ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ ( قَالَ مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي ) الْعَشْرَ الْوَسَطَ ( فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ) لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِهِ اللَّيْلَةَ الْأُولَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَخَطَبَنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا : فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ : كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذا الْعَشْرَ ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ ، فَأَخَذَهُ فَنَحَّاهُ فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ كَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ : إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأُوَلَ ، أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ، ثُمَّ أُوتِيتُ فَقِيلَ لِي : إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ ، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ قُدَّامَكَ ، ( وَقَدْ رَأَيْتُ ) وَفِي رِوَايَةٍ أُرِيِتُ بِهَمْزَةِ أَوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أُعْلِمْتُ ، ( هَذِهِ اللَّيْلَةَ ) نَصِبَ مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفٌ ، أَيْ أُرِيتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ . وَجَوَّزَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْبَصَرِ أَيْ رَأَى عَلَامَتَهَا الَّتِي أُعْلِمَتْ لَهُ بِهَا وَهِيَ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ، ( ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، قَالَ الْقَفَّالُ : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْوَارَ عِيَانًا ثُمَّ نَسِيَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ رَأَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَلَّ أَنْ يُنْسَى ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ كَذَا وَكَذَا ، فَنَسِيَ كَيْفَ قِيلَ لَهُ . ( وَقَدْ رَأَيْتُنِي ) بِضَمِّ التَّاءِ ، وَفِيهِ عَمَلُ الْفِعْلِ فِي ضَمِيرَيِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ ، وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ أَيْ رَأَيْتُ نَفْسِي ، ( أَسْجُدُ مِنْ صُبْحَتِهَا ) بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ( سُورَةُ الْجُمُعَةِ : الْآيَةُ 9 ) ، أَوْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ الزَّمَانِيَّةِ ، ( فِي مَاءٍ وَطِينٍ ) عَلَامَةٌ جُعِلَتْ لَهُ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَيْهَا ، ثُمَّ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا تِلْكَ السَّنَةِ لَا رَفْعَ وَجُودِهَا لِأَمْرِهِ بِطَلَبِهَا بِقَوْلِهِ : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ) مِنْ رَمَضَانَ ، ( وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ ) مِنْهُ أَيْ أَوْتَارِ لَيَالِيهِ ، وَأَوَّلُهَا لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ إِلَى آخَرِ لَيْلَةِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلُهُ : الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَدِّثْ بِمَا هُنَا جَازِمًا بِهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُهَا فَنُسِّيتُهَا وَهِيَ لَيْلَةُ مَطَرٍ وَرِيحٍ ، أَوْ قَالَ : قَطْرٍ وَرِيحٍ . ( قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ) ، يُقَالُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ اللَّيْلَةُ إِلَى الزَّوَالِ فَيُقَالُ الْبَارِحَةَ . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ( وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ ) أَيْ عَلَى مِثْلِ الْعَرِيشِ ، وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ السَّقْفُ ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْخُوصِ وَالْجَرِيدِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكِنُّ مِنَ الْمَطَرِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ السَّقْفُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، ( فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ) أَيْ سَالَ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ سَقْفِهِ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ . ( قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ ) تَوْكِيدٌ كَقَوْلِكَ : أَخَذْتُ بِيَدِي ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي أَمْرٍ يَعِزُّ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِظْهَارًا لِلتَّعَجُّبِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْغَرِيبَةِ . ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : جَبِينِهِ ( وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ ) صَلَاةِ ( صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ انْصَرَفَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَوَجْهُهُ وَأَنْفُهُ فِيهِمَا الْمَاءُ وَالطِّينُ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ ، وَفِيهِ السُّجُودُ عَلَى الطِّينِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْخَفِيفِ وَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَحْدَهَا أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ قَالَهُ مَالِكٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذَقَنِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَجْزَأَ لِخَبَرِ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ ، فَأَيُّ شَيْءٍ وُضِعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَ فِيهِ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .