712 حَدِيثٌ مُوفِي عِشْرِينَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمُسَوَّرَ بن مخرمة ، اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ ; فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ، وَقَالَ الْمُسَوَّرُ : لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ; قَالَ : فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ ، قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَنَا ( عَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ حُنَيْنٍ ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ قَالَ : فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ ، فَطَأْطَأَ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ : اصْبُبْ ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ . رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ; فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى إِدْخَالِ نَافِعٍ بَيْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ أَحَدٌ ( مِنْ ) رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَذِكْرُ نَافِعٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مَالِكٍ ، خَطَأٌ عِنْدِي لَا أَشُكُّ فِيهِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ فِي الْإِسْنَادِ وَجْهًا ، وَطَرَحْتُهُ مِنْهُ كَمَا طَرَحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهَذَا مِمَّا يُحْفَظُ مِنْ خَطَأِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ وَغَلَطِهِ . وَمِثْلُ هَذَا مِنْ غَلَطِهِ الْوَاضِحِ أَيْضًا رِوَايَتُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى جَمَلًا ( كَانَ ) لِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، وَهَذَا غَلَطٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ ، وَلَيْسَ لِذِكْرِ نَافِعٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَجْهٌ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا عَنْ نَافِعٍ ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ ( كُلِّ ) مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ هَذَا ; ابْنُ شِهَابٍ ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، وَغَيْرُهُمْ . وَحُنَيْنٌ جَدُّ إِبْرَاهِيمَ هَذَا ، يُقَالُ : إِنَّهُ مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَقِيلَ : مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ; فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتُلِفَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ هَذَا ، ( فِي حَدِيثِهِ ) ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّهْيِ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ ، وَالتَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ ، اخْتِلَافًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَنَذْكُرُ ( ذَلِكَ ) فِي بَابِ حَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِإِسْنَادِهِ ; وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ الْمُسَوَّرُ بن مخرمة لِابْنِ عَبَّاسٍ : وَاللَّهِ لَا مَارَيْتُكَ أَبَدًا ) . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا الْخُشَنِيُّ . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : تَمَارَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُسَوَّرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فِي الْمُحْرِمِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ ، وَهُمَا بِالْعَرْجِ ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَغْتَسِلُ بَيْنَ قَرْنَيِ الْبِئْرِ ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ رَأَسَهُ ، وَضَمَّ ثَوْبَهُ إِلَى صَدْرِهِ ، حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى صَدْرِهِ ; فَقُلْتُ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابْنُ أَخِيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، أَسْأَلُكَ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ قَالَ : فَغَرَفَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ، وَأَمَرَّ عَلَى رَأْسِهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ ، وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ; فَقَالَ الْمُسَوَّرُ : وَاللَّهِ لَا مَارَيْتُكَ أَبَدًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا ، لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَالْمُسَوَّرَ بن مخرمة - وَهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَصْغَرِهِمْ سِنًّا ; اخْتَلَفَا ، فَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ ، حَتَّى أَدْلَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِالسُّنَّةِ فَفَلَجَ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ . هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّقْلِ ; لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ ثِقَاتٌ مَأْمُونُونَ عَدْلٌ رِضًى ، فَوَاجِبٌ قَبُولُ مَا نَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَشَهِدَ بِهِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلَوْ كَانُوا كَالنُّجُومِ فِي آرَائِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ إِذَا اخْتَلَفُوا ; لَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمُسَوَّرِ : أَنْتَ نَجْمٌ وَأَنَا نَجْمٌ ، فَلَا عَلَيْكَ ، وَبِأَيِّنَا اقْتَدَى فِي قَوْلِهِ : فَقَدِ اهْتَدَى ، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى طَلَبِ الْبَيِّنَةِ ( وَالْبُرْهَانِ ) مِنَ السُّنَّةِ عَلَى ( صِحَّةِ ) قَوْلِهِ . وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إِذَا اخْتَلَفُوا ، حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُسَوَّرِ بْنِ مَخْرَمَةَ سَوَاءٌ ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ تَلَا : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَإِلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنْ قُبِضَ ، فَإِلَى سُنَّتِهِ . أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ فِي أُخْتٍ وَابْنَةٍ ، وَابْنَةِ ابْنٍ : إِنَّ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ ; وَإنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ : ائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا . فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ بَلْ أَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلْثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ . وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْفَعْ ( هَذَا ) الْحَدِيثَ ، وَجَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ . وَكُلُّهُمْ رَوَى فِيهِ ، أَنَّهُ تَلَا : قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا الْآيَةَ . وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَفْتَى بِجَوَازِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ ، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا تَسْألُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الرَّبِيبَةِ ، إِلَى قَوْلِ أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ . وَهَذَا الْبَابُ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ، وَرَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَطَلَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الدَّلِيلَ وَالْبُرْهَانَ عَلَى مَا قَالَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِذَا خَالَفَهُ صَاحِبُهُ - أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُجْمَعَ فِي كِتَابٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكْتَبَ فِي بَابٍ ، وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ . وَإِذَا كَانَ هَذَا مَحَلَّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُمْ أُولُو الْعِلْمِ ) ( وَالدِّينِ ) وَالْفَضْلِ ، ( وَخَيْرُ ) أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَخَيْرُ الْقُرُونِ ، وَمَنْ قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمُ الرُّحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، الْأَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ، الرُّكَّعُ السُّجَّدُ ، وَأَنَّهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ; ( قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ قَالَ : أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إِلَى كَثِيرٍ مِنْ ثَنَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ ، وَاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا كَانُوا - وَهُمْ بِهَذَا الْمَحَلِّ مِنَ الدِّينِ وَالْعِلْمِ - لَا يَكُونُ أَحَدُهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ حُجَّةً ، وَلَا يُسْتَغْنَى عِنْدَ خِلَافِ غَيْرِهِ لَهُ عَنْ حُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; فَمَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُعَضِّدَ قَوْلَهُ بِوَجْهٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُتْبَةَ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ ; قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي زَنْبَرٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : الْعِلْمُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : كِتَابٌ نَاطِقٌ ، وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ ، وَلَا أَدْرِي . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْمُعَافِرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ التَّنُّوخِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، وَفَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : الْحُكْمُ حُكْمَانِ : حُكْمٌ جَاءَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَحُكْمٌ أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ . قَالَ : وَمُجْتَهِدٌ رَأْيَهُ ، فَلَعَلَّهُ يُوَفَّقُ . قَالَ : وَمُتَكَلِّفٌ فَطُعِنَ عَلَيْهِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : الْحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ النَّاسُ حُكْمَانِ : مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ ، فَذَلِكَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ ، وَذَلِكَ الصَّوَابُ . وَالْحُكْمُ الَّذِي يَجْتَهِدُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِرَأْيِهِ ، فَلَعَلَّهُ يُوَفَّقُ ، وَثَالِثٌ مُتَكَلِّفٍ فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ لَا يُوَفَّقَ . قَالَ : وَقَالَ لِي مَالِكٌ : الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ . وَقَالَ مَرَّةً : وَالْفِقْهُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَيُؤْتِيهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ ثَابِتَةٌ ، وَعِلْمٌ صَحِيحٌ ، إِذَا كَانَ طَرِيقُ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ التَّوْقِيفَ ، فَهُوَ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ السُّنَنِ ; وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادًا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُخَالِفًا ، فَهُوَ أَيْضًا عِلْمٌ وَحُجَّةٌ لَازِمَةٌ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا وَهَكَذَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ ، فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ ; لِأَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالٍ ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأُصُولَ ، فَكَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْأَقَاوِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ ، فِي كِتَابِنَا فِي الْعِلْمِ ، فَمَنْ أَحَبَّهُ تَأَمَّلَهُ هُنَاكَ ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ ، عِلْمٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنْبَأَهُ ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عِلْمَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا عَنْ جَمِيعِهِمْ ، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ لِأَبِي أَيُّوبَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : ( هَلْ ) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ عَلَى حَسْبَمَا اخْتَلَفَا فِيهِ ; فَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ ، فَكَانَ مَالِكٌ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ وَيَكْرَهُهُ ( لَهُ ) ، وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، إِلَّا مِنِ احْتِلَامٍ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِذَا رَمَى الْمُحْرِمُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ( جَازَ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ - وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ - قَبْلَ الْحَلْقِ ، لِأَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ) فَقَدْ حَلَّ لَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ ، وَحَلْقُ الشَّعْرِ ، وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ ، قَالَ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَعِنْدَ جُوَيْرِيَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ مَالِكٍ ، حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ; حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سَوَارُ بْنُ سَهْلٍ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءٍ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ ; أَنَّهُ رَأَى قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، غَسَلَ أَحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ بِالشَّجَرَةِ ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا هَدْيُهُ قَدْ قُلِّدَتْ ، فَقَامَ فَأَهَلَّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْآخَرَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ بِالْمَاءِ ; وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَيَقُولُ : لَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إِلَّا شَعَثًا . وَرُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ ( أَيْضًا ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ التَّابِعِينَ ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُحْرِمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَأَتْبَاعُ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَتِهِ لِلْمُحْرِمِ غَسْلَ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ ( قَلِيلٌ ) ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ يَتَغَاطَسَانِ - وَهُمَا مُحْرِمَانِ - مُخَالَفَةً لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إِبَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ; وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : إِنَّ مَنْ غَمَسَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ ، أَطْعَمَ شَيْئًا ، خَوْفًا مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ ، وَلَا بَأْسَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ أَنْ يُصَبَّ الْمَاءُ ( عَلَى ) الْمُحْرِمِ لِحَرٍّ يَجِدُهُ . وَكَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ : لَا أَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ غَمْسَ رَأْسِهِ فِي الْمَاءِ ، قَالَ : وَمَا يُخَافُ فِي الْغَمْسِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُخَافَ مِثْلُهُ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ مِنَ الْحَرِّ . وَأَمَّا غَسْلُ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَالسِّدْرِ ، فَالْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ . وَكَانَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ; يَرَيَانِ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ . وَكَانَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، يُرَخِّصُونَ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ قَدْ لَبَّدَ رَأْسَهُ ( فِي غَسْلِ رَأْسِهِ ) بِالْخِطْمِيِّ لِيَلِينَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَكَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِذَا لَبَّدَ ، حَلَقَ ; فَإِنَّمَا كَانَ فِعْلُهُ ( ذَلِكَ ) - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - عَوْنًا عَلَى الْحَلْقِ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ ، بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ أَنْ يُغَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَأَمَرَهَمْ أَنْ يُجَنِّبُوهُ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ ، قَالَ : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ غَسْلِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ ، قَالَ : وَالْخِطْمِيُّ فِي مَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِيهِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي دُخُولِ ( الْمُحْرِمِ ) الْحَمَّامَ ، فَكَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ : مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ ، فَتَدَلَّكَ ، وَأَنْقَى الْوَسَخَ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . وَكَانَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، لَا يَرَوْنَ بِدُخُولِ الْمُحْرِمِ الْحَمَّامَ بَأْسًا . وَرُوِيِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَهُوَ مُحْرِمٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا اسْتِتَارُ الْغَاسِلِ عِنْدَ الْغَسْلِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْتُرُهُ بِالثَّوْبِ لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى مَا يَسْتُرُهُ بِهِ عَنْ مِثْلِهِ ، فَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْتُرْ عَوْرَتَكَ إِلَّا عَنْ زَوْجَتِكَ أَوْ أَمَتِكَ . وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لَا غَيْرَ . وَسَيَأْتِي فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : الْقَرْنَانِ الْعَمُودَانِ الْمَبْنِيَّانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا السَّانِيَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُحْفَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هُمَا حَجَرَانِ مُشْرِفَانِ ، أَوْ عَمُودَانِ عَلَى الْحَوْضِ يَقُومُ عَلَيْهِمَا السُّقَاةُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ · ص 260 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاراختلاف ابن عباس والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه · ص 13 712 ( 2 ) بَابُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ 673 ( م ) - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ، اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ . قَالَ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ . وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ . أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ قَالَ ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانِ يَصُبُّ عَلَيْهِ : اصْبُبْ . فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ . ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ . 15181 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ . . ، فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى إِدْخَالِ نَافِعٍ بَيْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَذِكْرُ نَافِعٍ هُنَا خَطَأٌ مِنْ خَطَأِ الْيَدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ طَرَحْتُهُ مِنَ الْإِسْنَادِ كَمَا طَرَحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ . 15182 - وَقْدَ رَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ هَذَا : ابْنُ شِهَابٍ ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، وَغَيْرُهُمْ . 15183 - وَحُنَيْنٌ جَدُّ إِبْرَاهِيمَ هَذَا يُقَالُ : إِنَّهُ مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَقِيلَ : مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15184 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ تَكُنْ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجَبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ . أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ لَمَّا اخْتَلَفَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى أَدْلَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْحُجَّةِ بِالسُّنَّةِ فَفَلَجَ . 15185 - وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ قَوْلَهُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ . هُوَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ : وَأَنَّ ذَلِكَ فِي النَّقْلِ ; لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ ثِقَاتٌ عُدُولٌ ، فَوَاجِبٌ قَبُولُ مَا نَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَوْ كَانُوا كَالنُّجُومِ فِي آرَائِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ إِذَا اخْتَلَفُوا لَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمِسْوَرِ : أَنْتَ نَجْمٌ ، وَأَنَا نَجْمٌ فَلَا عَلَيْكَ ، وَبِأَيِّنَا اقْتَدَى الْمُقْتَدِي فَقَدِ اهْتَدَى ، وَلَمَا احْتَاجَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ . 15186 - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ ( رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ) إِذَا اخْتَلَفُوا ; حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرِ ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ تَلَا : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ 15187 - قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) مَا كَانَ حَيًّا ، فَإِنْ قُبِضَ فَإِلَى سُنَّتِهِ . 15188 - أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ فِي أُخْتٍ وَابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ : إِنَّ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ . وَأَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ : ائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا . فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ . 15189 - وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْفَعْ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَجَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكُلُّهُمْ رَوَوْا فِيهِ : وَ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا الْآيَةَ . 15190 - وَفِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَفْتَى بِجَوَازِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ ، وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ أَبُو مُوسَى : لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . 15191 - وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الرَّبِيبَةِ إِلَى قَوْلِ أَصْحَابِهِ فِي الْمَدِينَةِ . 15192 - وَهَذَا الْبَابُ طَوِيلٌ ، إِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمْ حُجَّةً عَلَى صَاحِبِهِ ، إِلَّا الْحُجَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى أَنْ يُعَضِّدَ قَوْلَهُ بِمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . 15193 - قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ) قَالَ : أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) . 15194 - قَالَ مَالِكٌ : الْحُكْمُ حُكْمَانِ : حُكْمٌ جَاءَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَحُكْمٌ أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ . 15195 - قَالَ : وَمُجْتَهِدُ رَأْيِهِ فَلَعَلَّهُ يُوَفَّقُ ، وَمُتَكَلِّفٌ فَطَعَنَ عَلَيْهِ . 15196 - قَالَ : وَذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُؤْتِي مَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ . 1519 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . 15198 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، عِلْمٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْبَأَهُ ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُهُ . 15199 - أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلِمٌ . 15200 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَسْلِ رَأْسِهِ ; فَكَانَ مَالِكٌ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ ، وَيَكْرَهُهُ لَهُ . 15201 - وَمِنْ حُجَّتِهِ : أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنِ احْتِلَامٍ . 15202 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِذَا أَوْفَى الْمُحْرِمُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ جَازَ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ قَبْلَ الْحَلْقِ ; لِأَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدَ حَلَّ لَهُ قَتْلُ الْقُمَّلِ وَحَلْقُ الشَّعْرِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ . وَلُبْسُ الثِّيَابِ . 15203 - قَالَ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . 15204 - وُرَوَى جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ رَأَى قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ غَسَلَ أَحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ بِالشَّجَرَةِ فَالْتَفَتَ ، فَإِذَا هَدْيُهُ قَدْ قُلِّدَتْ ، فَقَامَ ، فَأَهَلَّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْآخَرَ . 15205 - وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ أَوْ قُلِّدَ عَنْهُ هَدْيُهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ سَتَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 15206 - وَفِيهِ : أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَانَ لَا يَرَى أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ . 15207 - وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ مَالِكٍ : أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ مُحْرِمًا ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ حُجَّةٌ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى الْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي الْحَدِيثِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الْجَنَابَةِ . وَمُحَالٌ أَنْ يَخْتَلِفَ عَالِمَانِ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . 15208 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ . 15209 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَقُولُ : لَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إِلَّا شَعَثًا . 15210 - وَرُوِيَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ عَنِ : ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ التَّابِعِينَ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُحْرِمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . 15211 - وَأَتْبَاعُ مَالِكٍ فِي كَرَاهَتِهِ لِلْمُحْرِمِ غَسْلَ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ قَلِيلٌ . 15212 - وَقَدْ كَانَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ يَتَغَاطَسَانِ فِي الْمَاءِ وَهُمَا مُحْرِمَانِ مُخَالَفَةً لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إِبَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : إِنَّ مَنْ غَمَسَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ أَطْعَمَ شَيْئًا خَوْفًا مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ . 15213 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَجِبُ الْفِدَاءُ فِي ذِمَّةِ الْمُحْرِمِ إِلَّا بِيَقِينِ الْحُكْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ ، وَلَا بَأْسَ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ لِحَرٍّ يَجِدُهُ . 15214 - وَكَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ : لَا أَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ غَمْسَ رَأْسِهِ فِي الْمَاءِ . 15215 - قَالَ : وَمَا يُخَافُ فِي الْغَمْسِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَافَ مِثْلُهُ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ مِنَ الْحَرِّ . 15216 - وَأَمَّا غَسْلُ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ أَوِ السِّدْرِ . فَالْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ . 15217 - هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . 15218 - وَكَانَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَيَانِ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ . 15219 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ فَعَلَ . 15220 - وَكَانَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ : يُرَخِّصُونَ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ قَدْ لُبِّدَ رَأْسُهُ فِي الْخِطْمِ لِيَلِينَ . 15221 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ . 15222 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَكَانَ إِذَا لَبَّدَ حَلَقَ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى الْحَلْقِ . 15223 - وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى جَوَازِ غَسَلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْمُحْرِمِ الْمَيِّتِ أَنْ يُغَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَنِّبُوهُ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ غَسْلِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ ، قَالَ : وَالْخِطْمِيُّ فِي مَعْنَاهُ . 15224 - وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 5225 - وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْمُحْرِمِ الْحَمَّامَ فَتَدَلَّكَ ، وَإِنْ نَقَّى الْوَسَخَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 15226 - وَكَانَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ : لَا يَرَوْنَ بِدُخُولِ الْمُحْرِمِ بَأْسًا . 15227 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ : أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَهُوَ مُحْرِمٌ . 15228 - وَفِيهِ : اسْتِتَارُ الْغَاسِلِ بِالثَّوْبِ مَعْلُومٌ . 15229 - وَفِيهِ : أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْتُرُهُ بِالثَّوْبِ لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى مَا يَتَسَتَّرُ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ ، فَالسُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ عَنِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ . 15230 - وَأَمَّا قَوْلُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هُمَا الْعَمُودَانِ الْمَبْنِيَّانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا السَّاقِيَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُحْفَةِ . 15231 - وَقَالَ غَيْرُهُ : هُمَا حَجَرَانِ مُشْرِفَانِ أَوْ عَمُودَانِ عَلَى الْحَوْضِ يَقُومُ عَلَيْهِمَا السُّقَاةُ . فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ مَالِكٍ
شرح الزرقاني على الموطأبَاب غُسْلِ الْمُحْرِمِ · ص 334 2 - بَاب غُسْلِ الْمُحْرِمِ 706 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ، قَالَ : فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ قَالَ : فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ : اصْبُبْ ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ . 2 - بَابُ غُسْلِ الْمُحْرِمِ 712 706 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى ، الْهَاشِمِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ أَبِي إِسْحَاقَ ، مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، ( عَنْ أَبِيهِ ) مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَدَنِيِّ ، مَاتَ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَدْخَلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، نَافِعًا وَهُوَ خَطَأٌ - لَا شَكَّ فِيهِ - مِمَّا يُحْفَظُ مِنْ خَطَأِ يَحْيَى وَغَلَطِهِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ وَقَدْ طَرَحَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ ، ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَالْمِسْوَرَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْوَاوِ ، ( ابْنَ مَخْرَمَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ، ابْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، ( اخْتَلَفَا ) وَهُمَا نَازِلَانِ ( بِالْأَبْوَاءِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ ، جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ وَعِنْدَهُ بَلْدَةٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ ، قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَبَائِهِ ، وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ وَإِلَّا لَقِيلَ الْأَوْبَاءُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ السُّيُولَ تَتَبَوَّؤُهُ أَيْ تَحُلُّهُ . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ عَبَّاسٍ ( يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأَسَهُ ، وَقَالَ الْمِسْوَرَ بْنُ مَخْرَمَةَ : لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ) ، قَالَ الْأَبِيُّ : الظَّنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَنَدٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَدَلَّ كَلَامُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَحْرِيكِ الشَّعْرِ إِذْ لَا خِلَافَ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ ، فَخَافَ الْمِسْوَرُ أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيكِهِ بِالْيَدِ قَتْلُ بَعْضِ دَوَابٍّ أَوْ طَرْحُهَا ، وَعَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ عِلْمُ ذَلِكَ . ( قَالَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ( فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ ) خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ ( الْأَنْصَارِيِّ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ تَثْنِيَةُ قَرْنٍ ، وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْقَائِمَتَانِ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَشِبْهُهُمَا مِنَ الْبِنَاءِ ، وَيُمَدُّ بَيْنَهُمَا خَشَبَةٌ يُجَرُّ عَلَيْهَا الْحَبْلُ الْمُسْتَقَى بِهِ ، وَيُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ : هُمَا مَنَارَتَانِ تُبْنَيَانِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مَدَرٍ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ مِنْ جَانِبَيْهَا ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ خَشَبٍ فَهُمَا نُوقَانِ ، ( وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ ) فَفِيهِ التَّسَتُّرُ فِي الْغُسْلِ ، ( فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ) ، قَالَ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا : فِيهِ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَطَهِّرِ فِي حَالِ طَهَارَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ عَلَى الْحَدَثِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدْ لِقَوْلِهِ : ( فَقَالَ : مَنْ هَذَا ) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ سَلَامِهِ وَبَيْنَهَا بِشَيْءٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى عَكْسِ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ ، وَتَرْكَ ذِكْرَهُ لِوُضُوحِهِ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ وُقُوعِهِ ، وَأَمَّا الْفَاءُ فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ( سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : الْآيَةُ 63 ) أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ ، فَالِانْفِلَاقُ مُعْقِبٌ لِلضَّرْبِ لَا لِلْأَمْرِ بِالضَّرْبِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي الْآيَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْمُسِيءِ صِلَاتَهُ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : لَمَّا لَمْ يُصَرِّحُ بِذِكْرِ رَدِّ السَّلَامِ احْتُمِلَ الرَّدُّ وَعَدَمُهُ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ لِلْجَانِبَيْنِ ، انْتَهَى وَفِيهِ وَقْفَةٌ . ( فَقُلْتُ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : يَسْأَلُكَ ( كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُ غَسْلِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْبَأَهُ أَبُو أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الصَّحَابَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : هَلْ كَانَ يَغْسِلُ ؟ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأَصْلِ الْغَسْلِ ، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَصْلِهِ ، وَأَنَّ غَسْلَ الْبَدَنِ كَانَ عِنْدَهُ مُتَقَرِّرُ الْجَوَازِ إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ غَسْلِ الرَّأْسِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ ، إِذِ الشَّعَرُ عَلَيْهِ وَتَحْرِيكُ الْيَدِ يُخَافُ مِنْهُ نَتْفُ الشَّعَرِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا وَقَعَ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَمْ يَقُلْ : هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ لِيُوَافِقَ اخْتِلَافَهُمَا بَلْ سَأَلَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الْجَوَابَ ، ثُمَّ أَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ أُخْرَى فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ . ( قَالَ : فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ ) أَيْ خَفَضَ الثَّوْبَ وَأَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ ، ( حَتَّى بَدَا ) بِالتَّخْفِيفِ ، أَيْ ظَهَرَ ( لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ ) لَمْ يُسَمَّ ، ( يَصُبُّ عَلَيْهِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ : الْمَاءَ ، ( اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ ) أَبُو أَيُّوبَ ( رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ ، ( فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ) فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ . ( ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ . وَزَادَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ ، لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ لَا أُجَادِلُكَ ، وَفِيهِ رُجُوعُ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِلَى مَنْ يَظُنَّانِ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ ابْنَ حُنَيْنٍ لِيَسْأَلَ أَبَا أَيُّوبَ ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَبُولُ خَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَبُولُ خَبَرِ ابْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ ، وَتَرْكُ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ النَّصِّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَأَنَّ حَدِيثَ : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ مَحَلُّهُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّظَرِ كَالْمُزْنِيِّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا فِي الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ وَإِلَّا لَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، لِلْمَسْوَرِ : أَنْتَ نَجْمٌ وَأَنَا نَجْمٌ فَبِأَيِّنَا اقْتُدِيَ اهْتُدِيَ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَبِ الْبُرْهَانِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الصَّحَابَةِ إِذَا اخْتَلَفُوا ، وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ فِي الطِّهَارَةِ لِقَوْلِهِ اصْبُبْ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَرَدَ فِي الِاسْتِعَانَةِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ ، وَفِي تَرْكِهَا شَيْءٌ لَا يُقَابِلُهَا فِي الصِّحَّةِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ .