738 حَدِيثٌ تَاسِعٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : يَزِيدُ فِيهَا : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ وَالْعَمَلُ . يُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ مِنْ مالك غير هَذَا الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الدَّيْنَوَرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا أبو الطاهر مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ لَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ ، وَكُلُّ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ ذَكَرَهَا فِيهِ ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . وَزَادَ عَبْدُ الْأَعْلَى ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ نَافِعٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَهُ سَوَاءً . وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مثله بمعناه . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي تَلْبِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءً دُونَ زِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ : وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةُ : لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ . وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ إِذَا حَجَجْنَا نَقُولُ : لَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عُذْرًا هَذِي زُبَيْدٌ قَدْ أَتَتْكَ قَسْرًا تَعْدُو بِهَا مُضْمِرَاتٌ شَزْرًا يَقْطَعْنَ خَبْتًا وَجِبَالًا وُعْرًا قَدْ خَلَّفُوا الْأَوْثَانَ خُلْوًا صُفْرًا وَنَحْنُ نَقُولُ الْيَوْمَ كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ عَلَى حَسْبِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْحٍ إِنَّ وكسرها فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَخْتَارُونَ فِي ذَلِكَ الْكَسْرَ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ فِيهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُزَادَ فِيهَا مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنْ يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ ؛ فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ فِي التَّلْبِيَةِ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِيهَا مَا شَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قال : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَسْمَعُ ، فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا مَا ذَكَرَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ ، لَبَّيْكَ مَرْهُونًا مِنْكَ وَمَرْغُوبًا إِلَيْكَ . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ : لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَزِقًّا وَمَنْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ احْتَجَّ بِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ ، وَقَالَ : مَا كُنَّا نَقُولُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ سَعْدًا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ هَذَا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا يَحمُلُ وَيَحْسُنُ مِنَ الذِّكْرِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَهُوَ أَفْضَلُ - عِنْدِي - ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَمَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ اللَّهِ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ ، وَالْإِقَامَةِ عَلَى طَاعَتِهِ ؛ فَالْمُحْرِمُ بِتَلْبِيَتِهِ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ فِي إِيجَابِ الْحَجِّ عَلَيْهِ ، وَمِنْ أَجْلِ الِاسْتِجَابَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَبَّى ، لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ ، فَقَالَ : لَبَّيْكَ فَقَدِ اسْتَجَابَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَصْلَ التَّلْبِيَةِ الْإِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : أَلَبَّ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ . وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي ذَلِكَ : مَحَلُّ الْهَجْرِ أَنْتَ بِهِ مُقِيمُ مُلِبٌّ مَا تَزُولُ وَلَا تَرِيمُ وَقَالَ آخَرُ : لَبِّ بِأَرْضٍ مَا تَخَطَّاهَا النَّعَمْ قَالَ : وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَ يَذْهَبُ الْخَلِيلُ وَالْأَحْمَرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أَذَّنَ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ ، ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ : أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، قَالَ : رَبِّ ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ ؛ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ : أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، قَالَ : فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْبِلَادِ يُلَبُّونَ ؟ قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مَقَامِهِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ ، فَقَالُوا : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ ، فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، أَيْ إِجَابَتِي إِيَّاكَ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، أَيْ أَسْعِدْنَا سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ ، وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ ، وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَى سَعْدَيْكَ مُسَاعَدَةٌ لَكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ ؛ فَيُرْوَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ يَقُولُ : الْكَسْرُ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، لِأَنَّ الَّذِي يَكْسِرُهَا يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالَّذِي يَفْتَحُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَبَّيْكَ ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ ، أَيْ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَعْنَى - عِنْدِي - وَاحِدٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ أَرَادَ لَبَّيْكَ ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْمُلْكَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ وَحْدَكَ دُونَ غَيْرِكَ حَقِيقَةً لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَاسْتَحَبَّ الْجَمِيعُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْمُحْرِمِ بِالتَّلْبِيَةِ بِإِثْرِ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا نَافِلَةٍ ، أَوْ فَرِيضَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ إِذَا كَانَتْ صَلَاةً لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا ، فَإِنْ كَانَ في غير وَقْتَ صَلَاةٍ لَمْ يَبْرَحْ حَتَّى يَحِلَّ وَقْتُ صَلَاةٍ ؛ فَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُحْرِمَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْشِي ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَحْرَمَ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالُوا : الْفَرْضُ التَّلْبِيَةُ ، كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَرْضُ الْإِهْلَالُ ، وَهُوَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَالْإِهْلَالُ التَّلْبِيَةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْإِهْلَالِ فِي اللُّغَةِ فِي بَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَسْأَلَةً مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْفَرْضُ الْإِحْرَامُ ، وَهُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا إِحْرَامَ إِلَّا لِمَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْفَرْضُ الْإِحْرَامُ ، قَالَ : وَالْإِحْرَامُ التَّلْبِيَةُ ، قَالَ : وَالتَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مِثْلُ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ كَبَّرَ ، أَوْ هَلَّلَ ، أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ ، فَهُوَ مُحْرِمٌ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْحَجُّ إِلَيْهَا مُفْتَقِرٌ ، وَلَا يُجْزِئُ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَهُمْ غَيْرُهَا ، وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نصا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأُصُولُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ عِنْدَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ أَنْ يُسَمَّى حَجًّا ، أَوْ عُمْرَةً ، قَالَ : وَإِنْ لَبَّى بِحَجٍّ يُرِيدُ عُمْرَةً فَهِيَ عُمْرَةٌ ، وَإِنْ لَبَّى بِعُمْرَةٍ يُرِيدُ حَجًّا ، فَهُوَ حَجٌّ ، وَإِنْ لَبَّى لَا يُرِيدُ حَجًّا ، وَلَا عُمْرَةً ، فَلَيْسَ بِحَجٍّ ، وَلَا عُمْرَةٍ ، وَإِنْ لَبَّى يَنْوِي الْإِحْرَامَ ، وَلَا يَنْوِي حَجًّا ، وَلَا عُمْرَةً فَلَهُ الْخِيَارُ يَجْعَلُهُ أَيْنَمَا شَاءَ ، وَإِنْ لَبَّى فَقَدْ نَوَى أَحَدَهُمَا فَنَسِيَ ، فَهُوَ قَارِنٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَذَكَرَ ابْنُ خَوَازِ بَنْدَادَ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : النِّيَّةُ بِالْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ تُجْزِئُ ، وَإِنْ نَسِيَ فذلك واسع ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِنْ نَوَى فَكَبَّرَ وَلَمْ يُسَمِّ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً أَجْزَتْهُ النِّيَّةُ غَيْرَ أَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ مِنْ شَرْطِهِ التَّلْبِيَةُ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ إِلَّا بِتَلْبِيَةٍ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، قَالَ : وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ : التَّلْبِيَةُ إِنْ فَعَلَهَا فَحَسَنٌ ، وَإِنْ تَرَكَهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ الْمُحْرِمَ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا تَوَجَّهَ مِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَتَوَجَّهَ وَهُوَ نَاسٍ ، أَيَكُونُ فِي تَوَجُّهِهِ مُحْرِمًا ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَرَاهُ مُحْرِمًا فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ قَرِيبٍ لَبَّى ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ رَأَيْتُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْإِهْلَالَ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّلْبِيَةِ وَبِغَيْرِ التَّلْبِيَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْإِحْرَامَ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، أَوْ يُشْعِرَ الْهَدْيَ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِإِشْعَارِهِ الْإِحْرَامَ ، أَوْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَيْتِ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِتَوَجُّهِهِ الْإِحْرَامَ فَيَكُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ مُحْرِمًا ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْحِينِ الَّذِي يَقْطَعُ فِيهِ التَّلْبِيَةَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ ، وَإِلَى أَيْنَ تَنْتَهِي تَلْبِيَتُهُ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ · ص 125 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارصفة تلبية رسول الله · ص 87 738 ( 9 ) بَابُ الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ 699 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا . لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ . لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ . وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ . 15543 - كَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ نَافِعٍ ، أَيْضًا . 15544 - وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 15545 - وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ هَذَا فِي تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) دُونَ زِيَادَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ . 15546 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةُ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ . 15547 - وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي فَتْحِ إِنَّ وَكَسْرِهَا ، وَقَوْلِهِ : إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ . وَأَهَّلُ الْعَرَبِيَّةِ يَخْتَارُونَ فِي ذَلِكَ الْكَسْرَ . 15548 - وَأَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ فِيهَا . 15549 - فَقَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 15550 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 15551 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُزَادَ فِيهَا مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 15552 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا شَيْئًا يُعْجِبُهُ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشَ الْآخِرَةِ . 15553 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَاتِ فِي التَّلْبِيَةِ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِيهَا مَا شَاءَ . 15554 - قَالَ أَبُو عُمَرُ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْقَطَّانُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . ، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . 15555 - قَالَ : وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَالنَّبِيُّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) يَسْمَعُ ، فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا . 15556 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 15557 - وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ . لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْكَ ، وَمَرْغُوبًا إِلَيْكَ . 15558 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تَلْبِيَتِهِ : لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا . تَعَبُّدًا وَرِقًّا . 15559 - وَمَنْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ احْتَجَّ بِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ . وَقَالَ : مَا كُنَّا نَقُولُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 15560 - رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عِجْلَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ سَعْدٍ . 15561 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ مِنَ الذِّكْرِ فَلَا بَأْسَ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي . 15562 - وَمَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ عِبَادِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - رَبَّهُمْ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ ، وَالْإِقَامَةِ عَلَى طَاعَتِهِ . 15563 - يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ ، إِذَا أَقَامَ بِهِ . 15564 - وَقَالَ الرَّاجِزُ : لَبِّ بِأَرْضٍ مَا تَخَطَّاهَا الْغَنَمْ . 15565 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْخَلِيلُ . 15566 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أَذَّنَ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ . 15567 - رَوَى جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ : أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ . قَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ الصَّوْتُ ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ . فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ . قَالَ : فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يُلَبُّونَ . 15568 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالِي : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مَقَامِهِ ، قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ : أَجِيبُوا رَبَّكُمْ ، فَقَالُوا : اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ . 15569 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ أَيْ إِجَابَتِي إِلَيْكَ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ . 15570 - وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَيْ أَسْعَدِنَا سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ ، وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ . 15571 - وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَى وَسَعْدَيْكَ سَعَادَةً لَكَ . 15572 - وَكَانَ ثَعْلَبٌ يَقُولُ : إِنَّ بِالْكَسْرِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ أَحَبُّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ الَّذِي يَكْسِرُهَا يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالَّذِي يَفْتَحُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَبَّيْكَ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ لَكَ . أَيْ لَبَّيْكَ ، وَلِهَذَا السَّبَبِ . 15573 - وَاسْتَحَبَّ الْجَمِيعُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْمُحْرِمِ بِالتَّلْبِيَةِ بِإِثْرِ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا . 15574 - وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُحْرِمُ بِالتَّلْبِيَةِ بِإِثْرِ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ ، أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ ، وَكَرِهَ أَنْ يُحْرِمَ بِإِثْرِ الْفَرِيضَةِ دُونَ نَافِلَةٍ ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِثْرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلَا حَرَجَ . 15575 - وَقَالَ غَيْرُهُ : وَيُحْرِمُ بِإِثْرِ نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ إِذَا كَانَتْ صَلَاةً يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ لَمْ يَبْرَحْ حَتَّى يَحِلَّ وَقْتُ صَلَاةٍ فَيُصَلِّي ، ثُمَّ يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَمْشِي ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَحْرَمَ . 15576 - وَقَالَ الْعُلَمَاءُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قَالُوا : الْفَرْضُ التَّلْبِيَةُ . 15577 - قَالَهُ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَغَيْرُهُمْ . 15578 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَرْضُ الْإِهْلَالُ ، وَالْإِهْلَالُ التَّلْبِيَةُ . 15579 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ : الْفَرْضُ الْإِحْرَامُ . وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ . 15580 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا إِحْرَامَ إِلَّا لِمَنْ أَحْرَمَ وَلَبَّى . 15581 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْفَرْضُ : الْإِحْرَامُ ، وَالْإِحْرَامُ : التَّلْبِيَةُ ، وَالتَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ مِثْلُ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ . 15582 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّفْظُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي حِينِ فَرْضِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، وَالْحَجُّ إِلَيْهَا مُفْتَقِرٌ ، وَلَا تُجْزِئُ التَّلْبِيَةُ عَنْهَا عِنْدَهُمَا . إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَجُوزُ عِنْدَهُ سَائِرُ الْوُجُوهِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عَنِ التَّلْبِيَةِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ . 15583 - وَلَمْ أَجِدْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَصًّا فِي ذَلِكَ ، وَأُصُولُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ عِنْدَهُ . 15584 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 15585 - وَأَوْجَبَ التَّلْبِيَةَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : دَاوُدُ ، وَغَيْرُهُ . 15586 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ أَنْ يُسَمَّى : حَجًّا ، أَوْ عُمْرَةً . 15587 - قَالَ : وَإِنْ لَبَّى حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لِحَجِّهِ يُرِيدُ عُمْرَةً فَهِيَ عُمْرَةٌ ، وَإِنْ لَبَّى بِحَجٍّ يُرِيدُ عُمْرَةً فَهِيَ عُمْرَةٌ ، وَإِنْ لَبَّى بِعُمْرَة وهو يُرِيدُ حَجًّا فَهُوَ حَجٌّ ، وَإِنْ لَبَّى لَيْسَ يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَيْسَ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ ، وَإِنْ لَبَّى يَنْوِي الْإِحْرَامَ وَلَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَهُ الْخِيَارُ يَجْعَلُهُ أَيُّهُمَا شَاءَ ، وَإِنْ لَبَّى وَقَدْ نَوَى أَحَدَهُمَا فَنَسِيَ ، فَهُوَ قَارِنٌ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ . هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 15588 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ الْمُحْرِمَ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا تَوَجَّهَ مِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَتَوَجَّهَ وَهُوَ نَاسٍ أَنْ يَكُونَ فِي تَوَجُّهِهِ مُحْرِمًا ؟ . فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَرَاهُ مُحْرِمًا ، فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ قَرِيبٍ لَبَّى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ تَطَاوَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى خَرَجَ مَنْ حَجِّهِ رَأَيْتُ أَنْ يُهَرِيقَ دَمًا . 15589 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِهْلَالَ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ ، وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّلْبِيَةِ وَبِغَيْرِ التَّلْبِيَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْإِحْرَامَ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، أَوْ يُشْعِرُ الْهَدْيَ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِإِشْعَارِهِ : الْإِحْرَامَ ، أَوْ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْبَيْتِ وَهُوَ يُرِيدُ بِتَوَجُّهِهِ : الْإِحْرَامَ ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ مُحْرِمًا . 15590 - وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى عَلَى مَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ مِنْ أَوَّلِ إِحْرَامِهِ إِلَى آخِرِ حَجِّهِ دَمًا يُهَرِيقُهُ . 15591 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَيَانِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمَا ، ثُمَّ لَمْ يُلَبِّ إِلَى آخِرِ الْحَجِّ شَيْئًا . وَفَى هَذَا الْبَابِ :
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ · ص 361 9 - بَاب الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ 731 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ ، قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ . 9 - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهِ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُهِلٌ بِهِ . 738 731 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مَصْدَرُ لَبَّى ، أَيْ قَالَ لَبَّيْكَ ، وَلَا يَكُونُ عَامِلُهُ إِلَّا مُضْمَرًا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ مُلَبِّيًا يَقُولُ ( لَبَّيْكَ ) لَفْظٌ مُثَنَّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَقَالَ يُونُسُ : اسْمٌ مُفْرَدٌ وَأَلِفُهُ إِنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا قُلِبَتْ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ . وَعَنِ الْفَرَّاءِ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَأَصْلُهُ لَبَّا لَكَ فَثُنِّيَ عَلَى التَّأْكِيدِ أَيْ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ ، وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةٌ بَلْ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إِجَابَةٌ بَعْدَ إِجَابَةٍ لَازِمَةٍ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَمِثْلُهُ حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ . وَقِيلَ : مَعْنَى لَبَّيْكَ اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إِلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تُلَبِّ دَارَكَ أَيْ تُجَاهَهَا ، وَقِيلَ : مَحَبَّتِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمُ : امْرَأَةٌ لَبَّةٌ ، أَيْ مُحِبَّةٌ ، وَقِيلَ : إِخْلَاصِي لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : حَسَبٌ لُبَابٌ ، أَيْ خَالِصٌ ، وَمِنْهُ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ ، وَقِيلَ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ أَقَامَ ، وَقِيلَ : قُرْبًا مِنْكَ مِنَ الْإِلْبَابِ وَهُوَ الْقُرْبُ ، وَقِيلَ : خَاضِعًا لَكَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَائِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي حَجِّ بَيْتِهِ . ( اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ) أَيْ يَا أللَّهُ أَجَبْنَاكَ فِيمَا دَعَوْتَنَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ بِأَسَانِيدَ قَوِيَّةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، وَأَقْوَى مَا فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ : أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، قَالَ : يَا رَبِّ ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ ، قَالَ : فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يُجِيبُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ ؟ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ : فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ ، فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إِكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إِنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، ( لَبَّيْكَ ) فِي ذِكْرِهِ ثَلَاثًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُلَغَاءُ ، وَأَمَّا تَكْرِيرُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( سُورَةُ الرَّحْمَنِ : الْآيَةُ 13 ) وَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ : الْآيَةُ 15 ) فَلَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ فِي شَيْءٍ . ( لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ وَفَتْحِهَا تَعْلِيلٌ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَمَعْنَى الْفَتْحِ لِهَذَا السَّبَبِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَهِجَ الْعَامَّةُ بِالْفَتْحِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ بَلْ فِي التَّلْبِيَةِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْكَسْرُ أَجْوَدُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِجَابَةَ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ ، وَأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالْفَتْحُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ قِيلَ : أَجَبْتُكَ لِهَذَا السَّبَبِ ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً . وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ وَهُوَ خِلَافٌ . نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ الْفَتْحَ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ الْكَسْرَ ، وَابْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَكِنْ قَالَ فِي اللَّامِعِ وَالْعُدَّةِ أَنَّهُ إِذَا كُسِرَ صَارَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا قَرَّرَ فِي الْبَيَانِ . ( وَالنِّعْمَةَ لَكَ ) بِكَسْرِ النُّونِ ، الْإِحْسَانُ وَالْمِنَّةِ مُطْلَقًا ، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّنْعِيمَ قَالَ تَعَالَى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ( سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : الْآيَةُ 11 ) أَيِ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ ، وَجَوَّزَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ الْمَوْجُودَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرُ إِنَّ هُوَ الْمَحْذُوفُ . ( وَالْمُلْكَ ) بِالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ كَذَلِكَ أَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَرَنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلَّقُ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا حَمْدَ إِلَّا لَكَ ، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمُلْكِ ، ( لَا شَرِيكَ لَكَ ) فِي مُلْكِكَ ( قَالَ ) نَافِعٌ : ( وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا ) فَيَقُولُ : ( لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي الْمَرْفُوعِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِلَفْظِ اللَّهُمَّ ، ( وَسَعْدَيْكَ ) قَالَ عِيَاضٌ : إِفْرَادُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَلَبَّيْكَ ، وَمَعْنَاهُ سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ وَلِذَا ثَنَّى ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، قَالَ الْجِرْمِيُّ : لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا ، ( وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ ) أَيِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَمِنْ فَضْلِهِ أَيْ بِقُدْرَتِهِ وَكَرَمِهِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا مِنْ إِصْلَاحِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : الْآيَةُ 80 ) ( لَبَّيْكَ وَالرُّغْبَى إِلَيْكَ ) ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ ، قَالَ : وَنَظِيرُهُ الْعَلْيَاءُ وَالْعُلْيَا وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى ، قَالَ عِيَاضٌ : وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ فِيهِ أَيْضًا الْفَتْحَ مَعَ الْقَصْرِ مِثْلَ : سَكْرَى ، وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ وَالْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ . ( وَالْعَمَلُ ) إِلَيْكَ أَيِ الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إِلَيْكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ وَالْعَمَلُ لَكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّلْبِيَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ التَّحَرِّي لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ ، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَيِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ، أَجَابَ الْأَبِيُّ بِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا ، وَأَنَّ الشَّيْءَ وَحْدَهُ كَذَلِكَ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فَزِيَادَتُهُ لَا تَمْنَعُ مِنْ إِتْيَانِهِ بِتَلْبِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ فَهِمَ عَدَمَ الْقَصْرِ عَلَى أُولَئِكَ الْكَلِمَاتِ ، وَأَنَّ الثَّوَابَ يَتَضَاعَفُ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ ، وَاقْتِصَارُ الْمُصْطَفَى بَيَانٌ لِأَقَلِّ مَا يَكْفِي . وَأَجَابَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَلْطُ السُّنَّةِ بِغَيْرِهَا ، بَلْ لَمَّا أَتَى بِمَا سَمِعَهُ ضَمَّ إِلَيْهِ ذِكْرًا آخَرَ فِي مَعْنَاهُ ، وَبَابُ الْأَذْكَارِ لَا تَحْجِيرَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَحْرِيفِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنَّ الذِّكْرَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ حَسَنٌ ، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ هَذَا الَّذِي زَادَهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ فِي دُعَاءِ اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، انْتَهَى . وَالْجَوَابَانِ مُتَقَارِبَانِ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ إِلَى آخِرِ مَا زَادَهُ هُنَا . قَالَ الْحَافِظُ : فَعُرِفَ أَنَّهُ اقْتَدَى بِأَبِيهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ ، وَزَادَ : لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ، ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ . انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَكَرَاهَتِهَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمُ التَّلْبِيَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ثُمَّ فَعَلَهَا هُوَ ، وَلَمْ يَقُلْ : لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا ، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلِمَهُ . وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِفِعْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ . وَفِي النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِهَا وَلَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ . وَلِلْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، قَالَ : إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ ، وِلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا ، وَفِي مُسْلِمٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ عَنْ جَابِرٍ : حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ .... إِلَى آخِرِهِ . قَالَ : وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ . وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا ، وَأَمَّا عَدَمُ نَهْيِهِمْ عَنِ الزِّيَادَةِ فَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمَنْعُ ، كَمَا أَنَّ زِيَادَتَهُ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْبِيَةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَيَجْزِي عِنْدَهُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ كَمَا قَالَهُ هُوَ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَغَيْرَهُ يَقُومُ فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ مَقَامَ التَّكْبِيرِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : سُنَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَأَوْجَبُ مَالِكٌ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ وَلَمْ يُوجِبْهُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ بِوُجُوبِهَا ابْنُ حَبِيبٍ وَالْبَاجِيُّ ، وَقَالَ : قَوْلُ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ ، مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَهُوَ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ شَرْطًا ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ لَفْظُهَا ، بَلْ يَكْفِي مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ ذِكْرٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَابَعَ مَالِكًا اللَّيْثُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِهِ .