حَدِيثٌ أَوَّلُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، تَابِعِيٌّ ، مَدَنِيٌّ ، ثِقَةٌ . وَهُوَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، كَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ أَعْتَقَ جَدَّهُ أَبَا عَيَّاشٍ ، هَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مَوْلَى أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ ( خَالِدِ بْنِ ) سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا فِي نَسَبِهِ ، وَوَلَائِهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، وَسَمِعَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مِنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ ( خَالِدِ بْنِ ) سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَرَأَى ابْنَ عُمَرَ ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ : حَجَجْتُ وَابْنُ عُمَرَ بِمَكَّةَ عَامَ حَجَّ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ ، وَرَأَيْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَتَخَطَّا حَتَّى تَوَكَّأَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَسَارَّ الْإِمَامَ بِشَيْءٍ . وَكَانَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ، وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، قَبْلَ خُرُوجِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ ، وَكَانَ مَالِكٌ يُثْنِي عَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَكَانَ لِمُوسَى عِلْمٌ بِالْمَغَازِي وَالسِّيرَةِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِيمَا نَقَلَ منْ أَثَرٍ فِي الدِّينِ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا - رَحِمَهُ اللَّهُ . لِمَالِكٍ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَانِ مُسْنَدَان . 914 مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ ، فَبَالَ ، فَتَوَضَّأَ ، فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ، فَرَكِبَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ أُنَاسٍ بِعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، إِلَّا أَشْهَبَ وَابْنَ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْهَبُ ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَ بِهِ الْمُعَافي ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَرْحُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إِسْنَادِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِكُرَيْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ جَمِيعًا عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مثله بمعناه ، أَدْخَلَا بَيْنَ كُرَيْبٍ وَبَيْنَ أُسَامَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ أُسَامَةَ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَصِحَّةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَأَنْ لَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرٌ صَحِيحٌ ( فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، ثُمَّ الدَّفْعُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَغِيبِهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَالْوُقُوفُ الْمَعْرُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ جَمِيعًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَالْمَسْجِدُ مَعْرُوفٌ ، وَمَوْضِعُ الْوُقُوفِ بِجِبَالِ الرَّحْمَةِ مَعْرُوفٌ ، وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ مَوْضِعَ وُقُوفٍ ; لِأَنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ الَّذِي أُمِرَ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا مَوْضِعَ لِلْقَوْلِ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ فَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ أَوِ اغْتَسَلَ بِهِ مِنْ بَوْلِهِ ، وَذَلِكَ يُسَمَّى وُضُوءًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ الَّتِي هِيَ النَّظَافَةُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ; أَيْ لَمْ يُكْمِلْ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ ، وَالْإِسْبَاغُ الْإِكْمَالُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَلَكِنَّهُ تَوَضَّأَ مِنَ الْبَوْلِ . هَذَا وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ، لَيْسَ بِالْبَالِغِ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَالِكٌ أَثْبَتُ مَنْ رَوَاهُ ، فَلَا وَجْهَ لِلِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ عَلَى ( بَعْضِ ) أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ( وَلَمْ ) يُكْمِلِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ لَيْلًا ، وَأَرَادَ النَّوْمَ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرُبَّمَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَنَامَ ، وَهُوَ لَمْ يُكْمِلِ الدَّفْعَ لِلصَّلَاةِ ، وَهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُضَافَ مِثْلُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَعَلَّ الَّذِي حَكَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَضْبِطْ . وَالْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ عِنْدَ النَّوْمِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ ( لِأَنَّهُ ) لَا يَرْفَعُ فِيهِ حَدَثَهُ ، وَفِعْلُهُ سُنَّةٌ وَخَيْرٌ ، وَلَيْسَ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ يَجِدُ من الفراغ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وُضُوءًا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ النُّهُوضِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَالنُّهُوضُ إِلَيْهَا مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ . فَكَيْفَ يَشْتَغِلُ عَنْهَا بِمَا لَا مَعْنًى لَهُ ؟ ! أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا حَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعِهَا نَزَلَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ لَهَا ؟ أَيْ تَوَضَّأَ لَهَا كَمَا يَجِبُ ، فَالْوُضُوءُ الْأَوَّلُ عِنْدِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لا غير ( لِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : الصَّلَاةُ أَيْ تَوَضَّأْ لَهَا ، إِذْ رَآهُ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : بَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّبَعَهُ عُمَرُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَمْ أُومَرُ أَنْ أَتَوَضَّأَ كُلَّمَا بُلْتُ ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً ، وَهَذَا عَلَى مَا قُلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ عَلَى ( حَسَبِ ) مَا ذَكَرْنَاهُ . ( وَمِنْ بَيْنِ مَا يُرْوَى فِي اسْتِنْجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَاءِ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِنِسْوَةٍ عِنْدَهَا : مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَغْسِلُوا عَنْهُمْ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، فَإِنِّي أَسْتَحِيهُمْ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ . ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدٍ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْحُوَيْرِثِ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ ( فَأَتَى بِطَعَامِهِ ) فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ : مَا أُصَلِّي فَأَتَوَضَّأُ ، وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ إِلَّا لِلصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ كُلَّمَا بَالَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا دَفَعَ بِالْحَاجِّ ، وَالنَّاسُ مَعَهُ لَا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَمْ يَدْفَعْ مَعَ الْإِمَامِ لِعِلَّةٍ وَعُذْرٍ ، وَدَفَعَ وَحْدَهُ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ بِالنَّاسِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ تِلْكَ ( الصَّلَاتَيْنِ ) فِي الْمُزْدَلِفَةِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّيهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ جَمْعٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا مِنْ عُذْرٍ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُصَلِّيهِمَا حَتَّى يَأْتِيَ جَمْعًا ، وَلَهُ السَّعَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا دُونَ جَمْعٍ أَعَادَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ صَلَّاهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَسَوَاءٌ صَلَّاهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَوْ بَعْدَهُ ، عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا إِذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأُسَامَةَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا : إِنْ صَلَّى بِعَرَفَاتٍ أَجْزَأَهُ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ جَمْعٍ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَسَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ . وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا عَلِمْتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إِلَّا هُنَاكَ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَلَمْ يُصَلِّهِمَا إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْذُرَهُ ، وَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا تُجْزِئَهُ صِلَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَنْ أَجَازَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ سَفَرٌ ، وَلِلْمُسَافِرِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْمُسَافِرِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَلَهُ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ . قَالَ مَالِكٌ : يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ يَجْمَعُ أَيْضًا بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ . قَالَ : وَإِنِ احْتَبَسَ إِنْسَانٌ دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ لِمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ يَعْنِي صَلَاتَيْ عَرَفَةَ ، وَصَلَاتَيِ الْمُزْدَلِفَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِلَّا لِوَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ : قَالَ : إِنْ صَلَّيْتَ فِي رَحْلِكَ فَصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ : جَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا ، وَعِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ فَلِكُلِّ مُسَافِرٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَحْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَحُكْمَ الْأَذَانِ بَيْنَهُمَا وَالْإِقَامَةِ ، وَمَنْ أَجَازَ أَنْ تُنَاخَ الْإِبِلُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَالنَّظَرِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْهُ هَاهُنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَامَةَ حِينَ قَالَ لَهُ : الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يُرِيدُ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ أَمَامَكَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا . ( رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى يَعْنِي الشِّعْبَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ · ص 155 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأحاديث ابن عمر وأسامة بن زيد وأبي أيوب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا · ص 146 913 ( 65 ) بَابُ صَلَاةِ الْمُزْدَلِفَةِ 868 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا . 869 - مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ ، فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ . فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةَ . يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ فَرَكِبَ . فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ . ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ . ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ . ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا . وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . 870 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا . 871 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا . 18409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ فِي حَجَّتِهِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ ؛ أَخَّرَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ . 18410 - وَأجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْحَاجِّ كُلِّهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . 18411 - وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِتِلْكَ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا 18412 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . 18413 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُصَلِّيهِمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا . 18414 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُصَلِّي الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ . 18415 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 18416 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّيهِمَا بِإِقَامَةٍ إِقَامَةٍ . 18417 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ لِي مَالِكٌ : كُلُّ صَلَاةٍ إِلَى الْأَئِمَّةِ ، فَلِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ . 18418 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقْتًا وَاحِدًا ، سَنَّ ذَلِكَ لَهُمَا ، وَإِذَا كَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَاحِبَتِهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا . 18419 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا صُلِّيَتْ فِي جَمَاعَةٍ لِوَقْتِهَا أَنَّ مِنْ سُنَّتِهَا الْأَذَانَ لَهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ . 18420 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ يَعْجَبُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِذْ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَرْوِهِ ، وَتَرَكَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي رَوَى . 18421 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ مَالِكًا رَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فِيهِ ذِكْرُ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا عَجِبَ مِنْهُ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَعْدِلُونَ بِابْنِ مَسْعُودٍ وَاحِدًا ، وَخَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَأَخَذُوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَدِينِيٌّ لَمْ يَرْوُوهُ ، فَقَالُوا بِهِ ، وَتَرَكُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ . 18422 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ جَمِيعًا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَا : صَلَّى بِنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا بِإِقَامَةٍ ، فَلَمَّا سَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَنَعَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنْعَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِثْلَ ذَلِكَ . 18423 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَمَعَ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . 18424 - وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . قَالَ : فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : صَلَّيْتُهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَكَانِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . 18425 - وَفِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ . 18426 - رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 18427 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ : حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا كَذَلِكَ . 18428 - قَالُوا : وَإِنْ كَانَ قَصَّرَ بَعْضُ مَنْ نَقَلَ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا بِالْمُزْدَلِفَةِ ، فَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ . 18429 - وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ بِالْمُزْدَلِفَةِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ . 18430 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَتَيْنِ ؛ إِقَامَةٍ إِقَامَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا - حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِالْمُزْدَلِفَةِ ( الْمَغْرِبَ ) ثَلَاثًا ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . 18431 - هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، مِنْهُمُ : اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ . 18432 - وَلَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ مَعْمَرٌ . 18433 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ : قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مسدد قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ إِقَامَةٍ ، لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . 18434 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 18435 - وَبِهِ قَالَ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . 18436 - وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا . 18437 - وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ حَسَنٌ قَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : يُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . 18438 - وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةِ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . 18439 - وَقَالَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 18440 - وَتَحَمَّلَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ . 18441 - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ . 18442 - قَالُوا : إِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) بِالْأَذَانِ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْأُولَى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا لِعَشَائِهِمْ فَأَذَّنَ لِيَجْمَعُوهُمْ ، ثُمَّ أَقَامَ . 18443 - قَالُوا : وَكَذَلِكَ نَقُولُ إِذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنِ الْإِمَامِ لِعَشَائِهِمْ أَوْ غَيْرِهِ ، أَمَرَ الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنِينَ فَأَذَّنُوا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ . 18444 - قَالُوا : وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 18445 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ . 18446 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّيهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ جَمْعٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . 18447 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُصَلِّيهِمَا حَتَّى يَأْتِيَ جَمْعًا وَلَهُ السَّعَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا دُونَ جَمْعٍ عَادَ . 18448 - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قِيلَ لَهُ : الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ . 18449 - وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ . 18450 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ صَلَّاهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَسَوَاءٌ صَلَّاهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا إِذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ . 18451 - وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ . 18452 - وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ مَنْ صَلَّاهُمَا بِعَرَفَاتٍ أَجْزَأَهُ . 18453 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَاسَ مَنْ قَالَ بِهَذَا صَلَاةَ جَمْعٍ عَلَى صَلَاةِ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا . 18454 - وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ جَمْعٍ ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ . 18455 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 18456 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَسَالِمٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . 18457 - وَأَمَّا حَدِيثُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى مَالِكٍ ، وَعَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ . 18458 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُنَّتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالدَّفْعُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَيْضًا . 18459 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ : فَنَزَلَ ، فَبَالَ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ فَقِيلَ : إِنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ النَّوْمِ . 18460 - وَالَّذِي تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ أَنَّهُ اسْتَنْجَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي شَرِيعَتِهِ وَيَدَعُ الْعَمَلَ فِي نُهُوضِهِ إِلَى مَنْسَكٍ مِنْ مَنَاسِكِهِ ; أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعِهَا نَزَلَ ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ لَهَا ؟ . 18461 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ فَأَتْبَعَهُ عُمَرُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ ، فَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ لِلصَّلَاةِ ، وَقَالَ : لَمْ أُومَرْ أَنْ أَتَوَضَّأَ كُلَّمَا بُلْتُ . 18462 - وَذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَتَوَضَّأُ . فَقَالَ : مَا أُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ ! ! . 18463 - وَرَوَى سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ : اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبَالًا ، وَاتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى ! يَعْنِي الشِّعْبَ . 18464 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا دَفَعَ بِالْحَاجِّ وَالنَّاسُ مَعَهُ لَا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب صَلَاةِ الْمُزْدَلِفَةِ · ص 539 900 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ ، فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ . فَرَكِبَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . 914 900 ( مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ ، الْمَدَنِيِّ ( عَنْ كُرَيْبٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ، وَمُوَحَّدَةٍ ( مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ) الْمَدَنِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ الْأَثْبَاتُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَشْهَبَ وَابْنَ الْمَاجِشُونِ ، فَقَالَا عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ ، وَالصَّحِيحُ إِسْقَاطُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إِسْنَادِهِ ( أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ ) ، أَيْ رَجَعَ مِنْ وُقُوفِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ ، لِأَنَّ عَرَفَةَ اسْمٌ لِلْيَوْمِ ، وَعَرَفَاتٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفًا ، لَكِنْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ عَرَفَةَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ أَيْضًا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ ، وَالْمُرَادُ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ( نَزَلَ فَبَالَ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ : لَمَّا أَتَى الشِّعْبُ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ : الشِّعْبُ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ ، وَلِلْفَاكِهِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ : الشِّعْبُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الْآنَ الْمَغْرِبَ ، وَالْمُرَادُ بِالْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ بَنُو أُمَيَّةَ ، كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ الْمَغْرِبَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ هُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عِكْرِمَةُ فَقَالَ : اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبَالًا وَاتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى ، رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ ، وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ جَابِرٍ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَنُقِلَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ الْقَاسِمِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِجْزَاءِ ، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَحْمَدُ ( فَتَوَضَّأَ ) بِمَاءِ زَمْزَمَ ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ مُسْنَدِ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَهُ لِغَيْرِ الشُّرْبِ ( فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ) أَيْ خَفَّفَهُ ، فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ : فَتَوَضَّأَ وَضَوْءًا خَفِيفًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، أَوْ خَفَّفَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِبِ عَادَتِهِ ، أَوِ الْمُرَادُ اللُّغَوِيُّ وَاسْتُبْعِدَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَيِ اسْتَنْجَى بِهِ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ ، وَمَعْنَى الْإِسْبَاغِ الْإِكْمَالُ ، أَيْ لَمْ يُكْمِلْ وُضُوءَهُ فَيَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ، لَكِنَّ الْأُصُولَ تَدْفَعُهُ لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ سَبَقَ أَبَا عُمَرَ إِلَى مَا اخْتَارَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَقَدْ تَابَعَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَرْمَلَةَ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ أَخُو مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ بِمِثْلِ لَفْظِهِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ أَخُوهُمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا بِلَفْظِ : فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِلَفْظِ : فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَحَدٌ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ . وَأَمَّا اعْتِلَالُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُشْرَعُ مَرَّتَيْنِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالٍ أَنَّهُ تَوَضَّأْ ثَانِيًا عَنْ حَدَثٍ طَارِئٍ ، وَلَيْسَ شَرْطُ تَجْدِيدِهِ إِلَّا لِمَنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ، بَلْ أَجَازَهُ جَمَاعَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَهُ ، أَوْ إِنَّمَا تَوَضَّأَ ، أَوَّلًا لِيَسْتَدِيمَ الطَّهَارَةَ ، وَلَا سِيَّمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، لِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ حِينَئِذٍ ، وَخَفَّفَ الْوُضُوءَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا تَرَكَ إِسْبَاغَهُ حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ لِيَكُونَ مُسْتَصْحِبًا لِلطَّهَارَةِ فِي طَرِيقِهِ ، وَتَجَوَّزَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ ، فَلَمَّا نَزَلَ وَأَرَادَهَا أَسْبَغَهُ . ( فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَتَذْكُرُ أَوْ تُرِيدُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَتُصَلِّي ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ؟ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ : حَضَرَتِ الصَّلَاةُ مَثَلًا ( قَالَ : الصَّلَاةُ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَخَبَرُهُ ( أَمَامَكَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ مَوْضِعُ هَذِهِ الصَّلَاةِ قُدَّامَكَ ، وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ ، فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْحَالِ ، وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ ، أَوِ التَّقْدِيرُ وَقْتُ الصَّلَاةِ قُدَّامَكَ ، فَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ، إِذِ الصَّلَاةُ نَفْسَهَا لَا تُوجَدُ قَبْلَ إِيجَادِهَا ، وَإِذَا وُجِدَتْ لَا تَكُونُ أَمَامَهُ ، أَوْ مَعْنَى أَمَامَكَ : لَا تَفُوتُكَ وَسَتُدْرِكُهَا ، وَفِيهِ تَذْكِيرُ التَّابِعِ مَا تَرَكَهُ مَتْبُوعُهُ لِيَفْعَلَهُ ، أَوْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ ، أَوْ يُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ صَوَابِهِ . ( فَرَكِبَ ) نَاقَتَهُ الْقَصْوَاءَ ( فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ ) بِمَاءِ زَمْزَمَ ( فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ) فِيهِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ دُونَ فَصْلٍ بِصَلَاةٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْدَثَ ( ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ) بِالنَّاسِ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ . ( ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ ) مِنَّا ( بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ) رِفْقًا بِالدَّوَابِّ ، أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ تَشْوِيشِهِمْ بِهَا ( ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ ، فَصَلَّاهَا ) بِالنَّاسِ ، وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ : أَنَّهُمْ لَمْ يَزِيدُوا بَيْنَ الصلاتين عَلَى الْإِنَاخَةِ ، وَلَفْظُهُ : فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ ، وَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ ، فَصَلُّوا ثُمَّ حَلُّوا ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَفَّفَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاتَيْنِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بالعمل الْيَسِيرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْجَمْعُ وَجَمْعُ التَّأْخِيرِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ بِسَبَبِ السَّفَرِ ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِسَبب النُّسُكِ ، وَأَغْرَبَ الْخَطَابِيُّ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاجُّ الْمَغْرِبَ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَلَوْ أَجْزَأَتْهُ فِي غَيْرِهَا لَمَّا أَخَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَقْتِهَا الْمُوَقَّتِ لَهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ . ( وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ) أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْجَمْعِ ، لِأَنَّ الْجَمْعَ يَجْعَلُهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، فَوَجَبَ الْوَلَاءُ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ ، وَلَوْلَا اشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ لَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّوَاتِبَ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ ، وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَمَرَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ ، فَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَهُمَا ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ ، وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقُلْتُ بِهِ . وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ إِنْ أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ كَوْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ؛ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَذَانَيْنِ وَالْإِقَامَتَيْنِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ كَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ مَالِكٍ حَيْثُ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْكُوفِيِّينَ ، مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَمَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَرْوِهِ ، وَيَتْرُكُ مَا رُوِيَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَنَا أَعْجَبُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ حَيْثُ أَخَذُوا بِرِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَتَرَكُوا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ أَحَدًا . وَأَجَابَ الْحَافِظُ بِأَنَّ مَالِكًا اعْتَمَدَ صَنِيعَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ فِي الْمُوَطَّأِ فَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ، ثُمَّ أَوَّلَهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَأَذِنَ لَهُمْ لِيَجْتَمِعُوا لِيَجْمَعَ بِهِمْ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفَهُ وَلَوْ تَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ عُمَرَ ، لِكَوْنِهِ الْإِمَامَ الَّذِي يُقِيمُ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ ، لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ فِي حَقِّ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يَحْتَاجُ فِي جَمْعِهِمْ إِلَى مَنْ يُؤَذِّنُهُمْ . وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةِ ، أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ ، وَعَنْهُ صِفَةٌ رَابِعَةٌ : الْإِقَامَةُ لَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَخَامِسَةٌ : الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَسَادِسَةٌ : تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِيهِمَا ، رَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . فَلِلَّهِ دَرُّ مَالِكٍ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ ، لَمَّا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَأَخَذَ بِمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ لِاعْتِضَادِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ فِي الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ أَنَّ الْوَقْتَ لَهُمَا جَمِيعًا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ أَوْلَى بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنَ الْأُخْرَى ، لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَائِتَةً تُقْضَى ، وَإِنَّمَا هِيَ صَلَاةٌ تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا ، وَكُلُّ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي وَقْتِهَا فَسُنَّتُهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَتُقَامَ فِي الْجَمَاعَةِ وَهَذَا بَيِّنٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوُضُوءِ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ مُوسَى فِي الصَّحِيحَيْنِ .