عطاء الخراساني أبو عثمان وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، قِيلَ : عَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ عَطَاءُ بْنُ مَيْسَرَةَ - مَوْلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ - وَقِيلَ مَوْلًى لِهُذَيْلٍ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ : أَنَّهُ مَوْلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ، أَصْلُهُ مِنْ مَدِينَةِ بَلْخٍ مِنْ خُرَاسَانَ ، وَسَكَنَ الشَّامَ ، وَهُوَ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ ، وَكَانَ فَاضِلًا عَالِمًا بِالْقُرْآنِ عَامِلًا ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَمَعْمَرٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَغَيْرُهُمْ . وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ التَّارِيخِ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ضَمْرَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ سَأَلَهُ ، فَقَالَ : نَحْنُ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ ، قَالَ : وَعَطَاءٌ مَوْلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ ، وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ لَهُ ، وَذَكَرَ حِكَايَةَ أَيُّوبَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : إِنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ حَدَّثَ عَنْكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، أَوْ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : كَذَبَ ، مَا حَدَّثْتُهُ ، إِنَّمَا بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ . فَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ لَهُ ; مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ ، وَلَيْسَ الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ مِمَّنْ يُجْرَحُ بِقَوْلِهِ وَلَا بِرِوَايَتِهِ ، مِثْلَ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْفُضَلَاءِ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، وَلَهُ أَخْبَارٌ طَيِّبَةٌ عَجِيبَةٌ فِي فَضَائِلِهِ - لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا - مِنْهَا : مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ عَنْ ( إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، قَالَ : كَانَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ يَتَكَلَّمُ إِذَا صَلَّى بِكَلِمَاتٍ ، فَغَابَ يَوْمًا ، فَتَكَلَّمَ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ : اسْكُتْ ، إِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَسْمَعَ الْخَبَرَ إِلَّا مِنْ أَهْلِهِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، قَالَ : كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، فَكَانَ يَدْعُو بِدَعَوَاتٍ ، فَغَابَ ، فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ ، قَالَ : فَأَنْكَرَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ صَوْتَهُ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا يَا أَبَا الْمِقْدَامِ ، فَقَالَ : اسْكُتْ ، فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَسْمَعَ الْخَبَرَ إِلَّا مِنْ أَهْلِهِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، ، وَعَطَاءٌ ثِقَةٌ ، قَدْ رَأَى ابْنَ عُمَرَ وَسَمِعَ مِنْهُ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ مِنْ مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ ، أَحَدُهَا مُسْنَدٌ ، وَالِاثْنَانِ مُرْسَلَانِ . 956 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيّ مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لِأَصْحَابِي ، وَقَدِ امْتَلَأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا ، فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي ، ثُمَّ قَالَ : احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ الشَّيْخَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَشْهَرُ فِي التَّابِعِينَ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيهِ عَطَاءٌ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ ، وَأَظُنُّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ كُوفِيٌّ ، وَأَنَّهُ ( الَّذِي ) يَرْوِي الْحَدِيثَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، ظَنَّ أَنَّهُ هُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : الشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَكُلُّهُمْ قَالَ فِيهِ : انْسُكْ بِشَاةٍ ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِ الْمُحْدَثِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْحَكَمُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَمَعَكَ دَمٌ ؟ قَالَ : لَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ : فَحَلَقْتُ رَأْسِي وَنَسُكْتُ ، وَهَذَا مُتَعَارِضٌ ، وَأَصَحُّ مَا فِيهِ التَّخْيِيرُ فِي النُّسُكِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَهُوَ كُوفِيٌّ ، لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْقَاهُ عَطَاءٌ ، وَهُوَ أَشْبَهُ - عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَقَالَ : حَمَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى الْجُهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذَا ، مَا عِنْدَكَ شَاةٌ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَقَالَ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ خَاصَّةً ، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : قَعَدْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَقَالَ كَعْبٌ : فِيَّ نَزَلَتْ ، وَكَانَ فِيَّ أَذًى مِنْ رَأْسِي ، فَحَمَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجُهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى ، أَتَجِدُ شَاةً ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَالصَّوْمُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : كُنَّا فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسًا : فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، فَقَالَ : فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ ؟ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمِينَ ، فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي حَتَّى تَقَعَ فِي حَاجِبِي ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى بَلَغَ مِنْكَ هَذَا ، ادْعُ الْحَلَّاقَ ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ ، فَحَلَقَ رَأْسِي ، قَالَ : هَلْ تَجِدُ مِنْ نَسِيكَةٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ ، فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَلِلنَّاسِ عَامَّةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ بِالْكُوفَةِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ الْكُوفِيَّ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْقَاهُ عَطَاءٌ - وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُمَهَّدًا مَبْسُوطًا فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ · ص 271 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ · ص 301 956 912 - مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرْمِ بِالْكُوفَةِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لِأَصْحَابِي . وَقَدِ امْتَلَأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا . فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي ، ثُمَّ قَالَ : احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ . وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ . 18934 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ ذِكْرُ مِقْدَارِ الطَّعَامِ كَمَا هُوَ ، وَلَا فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ ، وَالشَّيْخُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، الَّذِي لَقِيَهُ بِسُوقِ الْبُرْمِ بِالْكُوفَةِ ، قِيلَ : هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَقِيلَ : هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، وَكِلَاهُمَا كُوفِيٌّ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ وَيُعْرَفُ بِهِ . 18935 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ عَنْهُمَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، وَبَابِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، مِنَ التَّمْهِيدِ . وَذَكَرْنَا هُنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذَا مُسْتَوْعَبَةً فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، وَأَكْثَرُهَا وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَلُ الْعُلَمَاءِ وَقَبُولُهُمْ . 18936 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَبْلَغِ الْإِطْعَامِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى 18937 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ : مُدَّانِ مُدَّانِ ، بِمُدِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، سِتَّةُ مَسَاكِينَ . 18938 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ . 18939 - وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِدْيَةِ : مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ ، وَمِنَ التَّمْرِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالزَّبِيبِ صَاعٌ . 19840 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا مِثْلَهُ ، جَعَلَ نِصْفًا مِنْ بُرٍّ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَشَعِيرٍ ، وَهُوَ أَصْلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ . 18941 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَرَّةً كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، ومَرَّةً قَالَ : إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا ، فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا ، فَنِصْفُ صَاعٍ . 18942 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْإِطْعَامَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَأَنَّ الصِّيَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَنَّ النُّسُكَ شَاةٌ ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَنَافِعٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْإِطْعَامُ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَالصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ . وَلَمْ يُتَابِعْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي السُّنَّةِ ، فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مِنْ خِلَافِهِ . 18943 - قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ 18944 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَرَضُ : أَنْ تَكُونَ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ . وَالْأَذَى : الْقَمْلُ . 18945 - وَقَالَ عَطَاءٌ : الْمَرَضُ : الصُّدَاعُ ، وَالْقَمْلُ ، وَغَيْرُهُ . 18946 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . 18947 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ : حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الْفِدْيَةِ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ كَعْبٍ ، وَلَا رَوَاهَا عَنْ كَعْبٍ إِلَّا رَجُلَانِ ثِقَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَهِيَ سُنَّةٌ أَخَذَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ . 18948 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : سَأَلْتُ عَنْهَا عُلَمَاءَنَا كُلَّهُمْ حَتَّى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، فَلَمْ يُثْبِتُوا كَمْ عِدَّةُ الْمَسَاكِينِ . 18949 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعُوا أَنَّ الْفِدْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ . 18950 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَلْقُهُ لِرَأْسِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالنُّسُكِ . 18951 - وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، أَوْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ : 18952 - فَقَالَ مَالِكٌ : بِئْسَ مَا فَعَلَ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا ; إِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ قُوتِهِ ، أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 18953 - وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، فِي حَلْقَةِ رَأْسِهِ وَقَدْ أَذَاهُ هَوَامُّهُ . 18954 - وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الضَّرُورَةِ مُخَالِفًا لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمَّا لَمْ تَسْقُطِ الْفِدْيَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، عُلِمَ أَنَّ الضَّرُورَةَ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ . 18955 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ ; لِشَرْطِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَأَمَّا إِذَا حَلَقَ ، أَوْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، لَا غَيْرُ . 18956 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَلَقَ ، أَوْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . 18957 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْعَامِدُ ، وَالنَّاسِي ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ . 18958 - وَقَالَ إِسْحَاقُ ، وَدَاودُ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; إِنْ صَنَعَهُ نَاسِيًا . 18959 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ ، أَوْ أَطْلَى ، أَوْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ . 18960 - وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَمًا ، وَلَا يُجِيزُ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ . 18961 - وَقَالَ دَاوُدُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي حَلْقِ شَعْرِ جَسَدِهِ . 18962 - وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ 18963 - فَقَالَ مَالِكٌ : يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ ، أَيْنَ شَاءَ بِمَكَّةَ ، أَوْ بِغَيْرِهَا ، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ ، سَوَاءً عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ ، وَالْإِطْعَامُ ، وَالصِّيَامُ . 18964 - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ . 18965 - وَالذَّبْحُ عِنْدَ مَالِكٍ هَاهُنَا سُنَّةٌ ، وَلَيْسَ بِهَدْيٍ . 18966 - قَالَ : الْهَدْيُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ ، وَالنُّسُكُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ . 18967 - وَحُجَّتُهُ فِي أَنَّ النُّسُكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَدِيثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَتَّى إِذَا خَافَ الْمَوْتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ إِنْ حُسَيْنًا أَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ ، فَأَشَارَ عَلِيٌّ بِحَلْقِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا ، فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا . 18968 - فَهَذَا أَوْضَحُ فِي أَنَّ الدَّمَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى جَائِزٌ أَنْ يُهْرَاقَ بِغَيْرِ مَكَّةَ . 18969 - وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ ، إِذَا نُحِرَ فِي الْحَرَمِ ، أَنْ يُعْطَاهُ غَيْرُ أَهْلِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّ الْبُغْيَةَ فِيهِ إِطْعَامُ الْمَسَاكِينِ . 18970 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الصَّوْمَ جَائِزٌ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ . 18971 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الدَّمُ ، وَالْإِطْعَامُ ، لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِمَكَّةَ ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ ; لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي الصَّوْمِ لِجِيرَانِ بَيْتِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ . 18972 - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ . 18973 - وَقَالَ عطاء : مَا كَانَ مِنْ دَمٍ ، فَبِمَكَّةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ ، أَوْ صِيَامٍ ، فَحَيْثُ شَاءَ . 18974 - وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مِثْلُهُ . 18975 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الدَّمَ وَالْإِطْعَامَ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ . 18976 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يُوجِبُ مَالِكٌ الْفِدْيَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ . 18977 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 18978 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 18979 - وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي بَابِ جَامِعِ الْحَجِّ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب فِدْيَةِ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ · ص 580 940 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لِأَصْحَابِي ، وَقَدْ امْتَلَأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا ، فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي ثُمَّ قَالَ : احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ . وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : إِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ ، وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ النُّسُكَ أَوْ الصِّيَامَ أَوْ الصَّدَقَةَ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعَرِهِ شَيْئًا وَلَا يَحْلِقَهُ وَلَا يُقَصِّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ ، إِلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ ، وَلَا يَقْتُلَ قَمْلَةً وَلَا يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَلَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ ثَوْبِهِ ، فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ نَتَفَ شَعَرًا مِنْ أَنْفِهِ أَوْ مِنْ إِبْطِهِ أَوْ اطَّلَى جَسَدَهُ بِنُورَةٍ أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ ، أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، إِنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ ، وَمَنْ جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ افْتَدَى . 956 940 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ ) كَانَ فَاضِلًا عَالِمًا بِالْقُرْآنِ عَامِلًا ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَإِدْخَالُهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ : قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَلِمَالِكٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا ( أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، جَمْعُ بُرْمَةٍ وَهِيَ الْقِدْرُ مِنَ الْحَجَرِ . ( بِالْكُوفَةِ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَقُولُونَ إِنَّ هَذَا الشَّيْخَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِيِ لَيْلَى ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ فِي التَّابِعِينَ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيهِ عَطَاءٌ شَيْخٌ ، وَأَظُنُّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ كُوفِيٌّ وَأَنَّهُ الَّذِي يَرْوِي الْحَدِيثَ عَنْ كَعْبٍ ظَنَّ أَنَّهُ هُوَ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ عَنْ كَعْبٍ ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ الشَّيْخُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَطَاءٌ ، فَهُوَ كُوفِيٌّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْقَاهُ عَطَاءٌ ، وَهُوَ أَشْبَهُ عِنْدِي ، انْتَهَى . وَرِوَايَةُ ابْنِ مَعْقِلٍ - وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ - فِي الصَّحِيحَيْنِ ( عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ( وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لِأَصْحَابِي ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : قِدْرٍ لِي ، وَفِي رِوَايَةٍ : تَحْتَ بُرْمَةٍ لِي ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْقِدْرَ بُرْمَةٌ ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ إِضَافَتِهِ لَهُ تَارَةً وَلِأَصْحَابِهِ أُخْرَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، ( وَقَدِ امْتَلَأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا ) ، زَادَ أَحْمَدُ : حَتَّى حَاجِبِي وَشَارِبِي ( فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي ثُمَّ قَالَ : احْلِقْ هَذَا الشَّعَرَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَدَعَا الْحَلَّاقُ فَحَلَقَ رَأْسَهُ ( وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ) مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ ، ( وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ ) بِقَوْلِهِ لِي : أَتَجِدُ شَاةً ؟ قُلْتُ : لَا ( أنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ ) فَلَمْ يَأْمُرْنِي بِهِ ، فَلَا يُخَالِفُ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّاةِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : فَحَلَقْتُ رَأْسِي وَنَسَكْتُ ، وَلَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ تَدُورُ عَلَى نَافِعٍ ، قَالَ : فَحَلَقَ فَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَهْدِيَ بَقَرَةً ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ فِي الْوَاسِطَةِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ ، وَعَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ كَعْبٌ وَفَعَلَهُ إِنَّمَا هُوَ شَاةٌ ، بَلْ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : لَفْظُ بَقَرَةٍ مُنْكَرٌ شَاذٌّ ، ثُمَّ لَا يُعَارِضُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ سَأَلَهُ : أَتَجِدُ شَاةً ؟ قَالَ : لَا - لِاحْتِمَالٍ أَنَّهُ وَجَدَهَا بَعْدَمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجِدُهَا فَنَسَكَ بِهَا . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ : فَحَلَقْتُ وَصُمْتُ فَإِمَّا أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ الصَّوْمَ أَيْضًا بِاجْتِهَادِهِ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِمُجْمَلِ الْقُرْآنِ لِإِطْلَاقِ الْفِدْيَةِ فِيهِ وَتَقْيِيدِهَا بِالسُّنَّةِ ، وَحُرْمَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ عَنِ الْمُحْرِمِ وَالرُّخْصَةِ لَهُ فِي حَلْقِهَا إِذَا أَذَاهُ الْقَمْلُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَوْجَاعِ ، وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْعَامِدِ بِلَا عُذْرٍ ، فَإِنَّ إِيجَابَهَا عَلَى الْمَعْذُورِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، وَأَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ لِعُذْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَتَخَيَّرُ الْعَامِدُ ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الدَّمُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : إِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ ، وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُمَا شَاءَ ) بِزِيَادَةِ مَا ( النُّسُكَ أَوِ الصِّيَامَ أَوِ الصَّدَقَةَ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ ) زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لِقَوْلِهِ : حَيْثُ شَاءَ - بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 95 ) وَالْإِطْلَاقِ فِي آيَةِ : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 196 ) ، وَلَمَّا بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجْمَلَهَا فِي أَحَادِيثِ كَعْبٍ لَمْ يُقَيِّدْ بِمَكَّةَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، مِنَ الصَّلَاحِ ضِدِّ الْفَسَادِ ، وَهُوَ حَرَامٌ ( أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعَرِهِ شَيء وَلَا يَحْلِقَهُ ) ؛ يُزِيلَهُ بِمُوسَى أَوْ مِقَصٍّ أَوْ نُورَةٍ ، ( وَلَا يُقَصِّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ إِلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ ) كَقَمْلٍ وَصُدَاعٍ ، ( فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ) بِقَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 196 ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : فِيَّ نَزَلَتِ الْآيَةُ خَاصَّةً ، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً ، وَفِي لَفْظِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ خَاصَّةً ، ثُمَّ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ لِأَصَحِّ قَوْلَيْ مَالِكٍ : إِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ . ( وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ ) لِأَنَّهُ إِزَالَةُ أَذًى أَوْ تَرَفُّهٌ ، ( وَلَا يَقْتُلَ قَمْلَةً ) وَاحِدَةً ، وَأَوْلَى مَا زَادَ ، ( وَلَا يَطْرَحَهَا مِنْ رَأَسِهِ إِلَى الْأَرْضِ ) قَيْدٌ ( وَلَا مِنْ جِلْدِهُ ) جَسَدِهِ ( وَلَا مِنْ ثَوْبِهِ ، فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ ) أَيْ مِلْءَ يَدٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ لُغَةً مِلْءَ الْيَدَيْنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ نَتَفَ شَعَرًا مَنْ أَنْفِهِ أَوْ مِنْ إِبِطِهِ أَوِ اطَّلَى ) بِشَدِّ الطَّاءِ ، افْتَعَلَ ( جَسَدَهَ بِنُورَةٍ ) بِضَمِّ النُّونِ ؛ حَجَرُ الْكَاسِ ، ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى أَخْلَاطٍ تُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ زِرْنِيخٍ وَغَيْرِهِ ، يُسْتَعْمَلُ لِإِزَالَةِ الشَّعَرِ ، ( أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةِ رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ ، أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ ، وَمَنْ جَهِلَ ) وَفِي نُسْخَةٍ نَسِيَ ( فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ افْتَدَى ) لِأَنَّهُ أَلْقَى التَّفَثَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ ، وَقَدْ أُمِرَ كَعْبٌ بِالْفِدْيَةِ فِي الْحَلْقِ قَبْلَ مَحِلِّهِ لِضَرُورَتِهِ ، فَكَيْفَ بِالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي .