ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ هَاهُنَا ، وَعِيسَى ابْنُ طَلْحَةَ هَذَا مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَأُمُّهُ سُعْدَى ابْنَةُ ابْنِ خَارِجَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي خَارِجَةَ ، وَهُوَ شَقِيقُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ . وَتُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ سَنَةَ مِائَةٍ . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : كَانَ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ صَدِيقًا لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَذَكَرَ خَبَرَهُ فِي تَعْزِيَتِهِ لَهُ فِي رِجْلِهِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : قِيلَ لِعِيسَى بْنِ طَلْحَةَ : مَا الْحِلْمُ ؟ قَالَ : الذُّلُّ . لِمَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا - حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُسْنَدٌ فِي الْمُوَطَّأِ . 959 مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ فَقَالَ : " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " قَالَ : فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : " افْعَلْ وَلَا حَرَجَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ مَالِكٍ اخْتِلَافًا فِي أَلْفَاظِهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ . ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْأَحَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي سَلَامٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ لِلنَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " قَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " قَالَ آخَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ قَالَ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " قَالَ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَزَادَ فِيهِ صَالِحَ بْنَ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ ، وَلِهَذَا مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَرْمِيَ الرَّجُلُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا ، وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ . قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا ، وَفِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ ، مِنْهَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ أَنَّ وَاجِبًا عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا ، مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي وَقْتِ رَمْيِهَا ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى حَلْقِ شَعْرِهِ لِضَرُورَةٍ لَازِمَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا نَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّتِهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ نَحَرَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي عَنِ الْحَلْقِ لِمَنْ لَمْ يُلَبِّدْ ، وَلَمْ يَعْقِصْ وَلَمْ يُضَفِّرْ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحِلَاقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَأَنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ ، وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَنَحَرَ بَدَنَةً أَوْ أَمَرَ بِهَا فَنُحِرَتْ ، وَقَالَ لِلْحَلَّاقِ : دُونَكَ ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ ، وَنَاوَلَ شَعْرَ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ أَبَا طَلْحَةَ ، وَقَسَمَ الْآخَرَ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ قَسْمِ الشَّعْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً تَبَرُّكًا بِهِ . وَجَعَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَوْضِعَ أَبِي طَلْحَةَ أُمُّ سُلَيْمٍ زَوْجَتَهُ ، وَسَائِرُ مَنْ رَوَاهُ يَقُولُونَ : إِنَّهُ حَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ، وَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الَّذِي حَلَقَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ سُنَّةَ الْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ثُمَّ يَحْلِقَ رَأْسَهُ ، فَمَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحَوْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَوَقْتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الْغُرُوبِ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَأَجْمَعُوا أيضا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْمِ مِنَ الْجَمَرَاتِ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَهَا وَوَقْتَهَا الْمُخْتَارَ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَّرَ رَمْيَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يَقُولُ مَرَّةً : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً لَا يَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا . قَالَ : وَقَدْ تَأَخَّرَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا حَتَّى أَتَتْ مِنًى بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَرَمَتْ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ . ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مَنْ أَخَّرَهَا عَامِدًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ : يَرْمِيهَا مِنَ الْغَدِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ تَرَكَهَا عَامِدًا ، وَالنَّاسِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قِيلَ : عَلَى الْعَامِدِ لِذَلِكَ دَمٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا قَبْلُ أَوْ بَعْدُ ، فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَهُ الْإِعَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ الْجَمْرَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، قَالَ : فَإِنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِأَحَدٍ بِرَمْيٍ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْحَلْقُ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَجَمَاعَةُ الْمَكِّيِّينَ ، فِي الَّذِي يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ وَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا كَانَ الرَّمْيُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَذَلِكَ إِنْ نَحَرَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهَا كَانَتْ تَرْمِي الْجِمَارَ بِاللَّيْلِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَالَ : أَنْبَأَ دَاوُدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَرْمِيَ الْجَمْرَةَ وَتُوَافِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ يَوْمَهَا وَأُحِبُّ أَنْ تُوَافِيَهِ ، قَالَ : وَأَنْبَأَ الثِّقَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا وَقَدْ رَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْفَعُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا وَيُضَعَفهُ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ أَجَازَهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ، وقال أبو ثور : إن اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس ، لم تجز مَنْ رَمَاهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَإِنْ أَجْمَعُوا سَلَّمْنَا لِلْإِجْمَاعِ ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ ، وَلَزِمَهُ إِعَادَتُهَا فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا وَقْتًا فَمَنْ تَقَدَّمَهُ لَمْ يُجْزِهِ ، وَزَعَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : أَنَّهُ يُجْزِيهِ ، قَالَ : وَلَوْ عَلِمْتُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَأَوْجَبْتُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ الْإِعَادَةَ ، وَلَمْ يَعْرِفْ قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ الَّذِي حَكَيْنَاهُ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ خُوَازْ مَنْدَادَ أَيْضًا فَهَذَا حُكْمُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الَّتِي تُرْمَى يَوْمَ النَّحْرِ ، وَلَا يُرْمَى مِنَ الْجِمَارِ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرُهَا ، وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَوْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ قَبْلَ رَمْيِهَا لَفَسَدَ حَجُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهِ عِنْدَهُمْ : أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَهْدِيَ ، وَإِنَّمَا أَمَرُوهُ بِالْعُمْرَةِ لِيَكُونَ طَوَافُهُ لِلْإِفَاضَةِ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَنْ قَالَ : مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَعَلَيْهِ هَدْيُ بَدَنَةٍ لَا غَيْرُ ، وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَبَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ اعْتَمَرَ وَأَهْدَى ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ . هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ لَا يَعْرِفُونَهَا ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يَطَأُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ أَنَّهُ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَيُجْزِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي ، وَرِوَايَةُ ثَوْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا ضعيفة ؛ لِأَنَّ أَيُّوبَ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَفْتَيْتُ بِرَأْيٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : إِحْدَاهُنَّ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي ، وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ فِي الَّذِي يَطَأُ أَهْلَهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ : إنَّهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ، وَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ ، لَيْسَ عليه غير ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ حَجُّهُ عِنْدَهُمْ إِذَا وَطِئَهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ ، وَأَمَّا إِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ وَسَوَاءً وَطِئَهَا قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بَعْدُ إِذَا كَانَ قَدْ وَقَفَ لَيْلًا بِعَرَفَةَ ، وَكَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فَهَذِهِ أَحْكَامُ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ فِيمَنْ وَطِئَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنَ الْجِمَارِ حُكْمُهَا ، وَأَمَّا الْجِمَارُ الَّتِي تُرْمَى فِي أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ في غير يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ في غير يَوْمَ النَّحْرِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ فَعَلَهُ أَحَدٌ قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّ طَاوُسًا قَالَ : إِنْ شَاءَ رَمَى مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَنَفَرَ ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ : إِنْ رَمَى أَوَّلَ النَّهَارِ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةِ التَّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَكَانَ يَرْمِيهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيَقُولُ لَنَا : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَلَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ " وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شِعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ ، وَلَا يُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى الْحِلَاقَ فِي الْحَجِّ بِمِنًى أَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : ذَلِكَ وَاسِعٌ ، وَالْحِلَاقُ بِمِنًى أَحَبُّ إِلَيَّ . قَالَ أَبُو ثَابِتٍ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ؟ فَقَالَ : قَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُجْزِئُهُ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ؟ قَالَ : يُجْزِئُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُهُ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ ، وَيَمُرُّ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَرْمِي ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُعِيدُ الطَّوَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَالَ : وَمَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْحِلَاقِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَإِنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَإِنْ لَمْ يُعِدِ الطَّوَافَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ثُمَّ يَحْلِقَ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَمَّا بَدَأَ بِالْحِلَاقِ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الرَّمْيَ يَحِلُّ بِهِ الْحَلْقُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ثُمَّ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، حَلَّ لَهُ الْحَلْقُ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ فَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ شَيْءٌ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِذَا نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ لَمْ يَكُنْ أَيْضًا عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مُعْتَمِرًا لَوْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَنَحَرَهُ حِينَ بَلَغَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِبْدَالُ الْهَدْيِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْحَرَ الْهَدْيَ حَتَّى يفرغ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَيَنْحَرَ الْهَدْيَ ثُمَّ يَحْلِقَ فَلَمَّا أَخْطَأَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْإِبْدَالُ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ انْتِقَاصٌ لِعُمْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَعْتَمِرُ وَلَا يَسُوقُ هَدْيًا فَتَكُونُ عُمْرَتُهُ تَامَّةً ، وَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ عليه غير إِبْدَالُ الْهَدْيِ خَاصَّةً ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ انْتِقَاصٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَهَاتَانِ الْخَلَّتَانِ هُمَا الْمُبْتَغَتَانِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَالَّذِي رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى ، وَالَّذِي رَوَاهُ وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ مجمل ، غير أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُ فِيهِ خِلَافَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَالَّذِي رَوَاهُ خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ رَمَى بَعْدَمَا أَمْسَى ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ انْتِقَاصٌ لِلْحَجِّ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَلَمَّا أَخْطَأَ وَأَخَّرَهَا إِلَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إِلَى اللَّيْلِ فَإِنَّ أَبَا ثَابِتٍ حَكَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ : كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً لَا يَرَاهُ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ تَأَخَّرَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنَةِ أَخِيهَا حَتَّى أَتَتْ مِنًى بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَتْ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى سَحْنُونُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَأْخُذْ بِرُخْصَةِ ابْنِ عُمَرَ لِصَفِيَّةَ فِي ذلك ، ورأى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى اللَّيْلِ ، وَرَمَاهَا بِاللَّيْلِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ دَمٌ ، وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَمٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ رَمَى بِالْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ يَوْمَئِذٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَانَتْ فِي الْيَوْمِ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ يَدُلُّ عَلَى الْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي كَلَامِ النَّاسِ ، فَهَذَا هُوَ النَّصُّ الْقَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا مَا يُزَادُ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فَهُوَ شَيْءٌ لَا يُدْرَى كَيْفَ صِحَّتُهُ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّفْظُ الَّذِي أَنْكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ وَزَادَهُ وَأَتَى بِهِ هُوَ قَوْلُهُ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي الْأَحَادِيثِ ثُمَّ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ فَيَقُولُ : " لَا حَرَجَ " فَسَأَلُهُ رَجُلٌ فَقَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ : " لَا حَرَجَ " فَقَالَ : رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ قَالَ : لَا حَرَجَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِثْلَهُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَهُوَ بِمِنًى ، فِي الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَقَالَ : لَا حَرَجَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ : رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَأَكْثَرُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا النَّحْوِ إِلَّا قَالَ : " لَا حَرَجَ " . وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ ذَبِيحَتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ ذَبِيحَتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الذَّبْحَ بِاللَّيْلِ لَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالضَّحَايَا ، وَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ مَنْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِئُهُ رَمْيُهُ ، إنَّ النَّحْرَ قَدْ حَلَّ لَهُ ، وَقَوْلِهِ : إِنَّ مَنْ قَدَّمَ نَحْرَهُ قَبْلَ رَمْيِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُنْتَقَصُ مِنْ حَجِّهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ هَدْيَهُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، فَإِذَا لَمْ يُفْسِدْ عَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ نَحْرِهِ قَبْلَ رَمْيِهِ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ ، وَلَا أَوجَبَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ مَا نَحَرَهُ مِنْ هَدْيِهِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِيَ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ : اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ أَوْ أَخَّرَهُ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً مِثْلُ تَقْدِيمِ النَّحْرِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، أَوِ الْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ ، أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَدَّمَ مِنْ حَجِّهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَلَا عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ سَاهِيًا مِمَّا يُفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَرَوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ : مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وقَتَادَةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ : أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ حَفِظَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي كُتُبِهِ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ كُلِّهَا شَيْئًا إِذَا كَانَ سَاهِيًا ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وقَتَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَهْرَاقَ دَمًا ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ دَمٌ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ : دَمٌ لِلْقِرَانِ ، وَدَمٌ لِلْحَلْقِ ، وَقَالَ زُفَرُ : عَلَى الْقَارِنِ إِذَا حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمٌ لِلْقِرَانِ وَدَمَانِ لِلْحَلْقِ قَبْلَ النَّحْرِ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيمَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ مَعَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ " لَا حَرَجَ " . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَخَّرَهُ سَاهِيًا - الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي بَعْضِهَا : مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ لَا حَرَجَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّ الْقَائِلَ قَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، وَذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ قَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ، وَقَالَ آخَرُ : ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَهُ رَجُلٌ قَبْلَ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ : " افْعَلْ وَلَا حَرَجَ " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ وَلَا أَخَرَّ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ، مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، بِهِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجًّا ، فَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ ، فَمَنْ قَالَ : سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا ، فَكَانَ يَقُولُ : " لَا حَرَجَ " . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْدَ الرَّمْيِ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : يَرْجِعُ فَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : تُجْزِئُهُ الْإِفَاضَةُ ، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ : " لَا حَرَجَ ، لَا حَرَجَ " ، وَرَوَاهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : وَقَالَ آخَرُ : طُفْتُ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ؟ قَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ، وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ ، هَكَذَا كَمَا ذَكَرْنَا . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فِي النَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ؟ فَقَالَ : " لَا حَرَجَ " .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ · ص 262 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عبد الله بن عمرو في وقوف النبي صلى الله عليه وسلم للناس بمنى والناس يسألونه · ص 319 959 ( 81 ) بَابُ جَامِعِ الْحَجِّ 915 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاسِ بِمِنًى . وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . لَمْ أَشْعُرْ ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْحَرْ ، وَلَا حَرَجَ ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . لَمْ أَشْعُرْ ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، قَالَ ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ قَالَ : فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ ، قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ ، إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ . 19024 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فِي حَجَّتِهِ رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ نحر بُدْنَهُ ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ . 19025 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الْحَاجِّ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا - إِنْ كَانَ مَعَهُ - ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَمَنْ شَاءَ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ رُتْبَتِهِ ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أَصِفُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 19026 - قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 19027 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا ، أَوْ يَلْبَسَ أَوْ يَمَسَّ طِيبًا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ . 19028 - وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ مِنْ ضَرُورَةٍ بِالْفِدْيَةِ ، فَكَيْفَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ؟ . 19029 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ إِنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، يُجْزِئُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، وَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ ، كَمَا لَوْ نَحَرَ الْمُعْتَمِرُ بِمَكَّةَ هَدْيًا سَاقَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِعُمْرَتِهِ . 19030 - وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ : فِيمَنْ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ، أَنَّهُ يَرْمِي ، ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يُعِيدُ الطَّوَافَ . 19031 - قَالَ : وَمَنْ رَمَى ، ثُمَّ طَافَ قَبْلَ الْحِلَاقِ ، حَلَقَ رَأَسَهُ ، وَأَعَادَ الطَّوَافَ . 19032 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ . 19033 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . 19034 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاودُ ، وَالطَّبَرِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، وَلَا عَلَى مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا ، أَوْ أَخَّرَهُ مِنْ رَمْيٍ ، أَوْ نَحْرٍ ، أَوْ حِلَاقٍ ، أَوْ طَوَافٍ ، سَاهِيًا - مِمَّا يَفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ . 19035 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو ، الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، قَوْلُهُ : فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِرَّ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ ، وَلَا حَرَجَ . 19036 - وَحَدِيثُ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ ، عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ، أَوْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، أَوْ أَشْبَاهِ هَذَا ، فَأَكْثَرُوا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا قَالَ : لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ . 19037 - وَقَالَ عَطَاءٌ : مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَنْ نُسُكٍ ، فَلَا حَرَجَ . 19038 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ . 19039 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنه لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 19040 - كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ . 19041 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاودُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالطَّبَرِيُّ . 19042 - وَقَالَ النَّخَعِيُّ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ أَهْرَاقَ دَمًا . 19043 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَارِنًا ، فَعَلَيْهِ دَمَانِ ، دَمٌ لِلْقَرْنِ ، وَدَمٌ لِلْحِلَاقِ . 19044 - وَقَالَ زُفَرُ : عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ لِلْقِرَانِ وَدَمَانِ لِلْحِلَاقِ قَبْلَ النَّحْرِ . 19045 - وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ ، عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . 19046 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي مَنْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ، وَلِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ . 19047 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : لَمْ أَشْعُرْ . 19048 - وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الرَّجُلَ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا ، فَقِيلَ لَهُ : لَا حَرَجَ . 19049 - وَقَدْ جَاءَ مَعْمَرٌ بِمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمِنًى ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَذَبَحْتُ قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ . فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَهُ رَجُلٌ قَبْلَ شَيْءٍ ، إِلَّا قَالَ : افْعَلْ ، وَلَا حَرَجَ . 19050 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَا أَعْلَمُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ جَوَابًا فِي الْمُتَعمدِ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْجَاهِلِ وَالسَّاهِي ، لَفَرَّقُوا بَيْنَهُ فِي أَجْوِبَتِهِمْ ، وَفِي كُتُبِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 19051 - إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَدَّمَ مَنْ نُسُكِهِ شَيْئًا ، أَوْ أَخَّرَهُ ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَاهٍ وَلَا عَامِدٍ ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ بِالْقَوِيَّةِ . 19052 - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، مِثْلُ ذَلِكَ . 19053 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَهُمْ فِيمَنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ ، أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّوَافَ . 19054 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الطَّوَافِ . 19055 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنَّمَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ حَجْرَةَ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ ، أَهْرَاقَ دَمًا . 19056 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْحَجِّ · ص 586 81 - بَاب جَامِعِ الْحَجِّ 942 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاسِ بِمِنًى وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْحَرْ وَلَا حَرَجَ ، ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ : فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ . 81 - بَابُ جَامِعِ الْحَجِّ 959 942 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ مَالِكٍ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ( عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ) بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ ، وَأَبُوهُ طَلْحَةُ أَحَدُ الْعَشَرَةِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ الْعَاصِي ) بِالْيَاءِ وَحَذْفِهَا ، وَالْإِثْبَاتُ أَصَحُّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ : ( أَنَّهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عَلَى نَاقَتِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَمَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَرِوَايَةُ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكٍ : جَلَسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَامَ رَجُلٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَكِبَ نَاقَتَهُ ، وَجَلَسَ عَلَيْهَا ( لِلنَّاسِ بِمِنًى ) زَادَ التِّنِّيسِيُّ ، وَالنَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُهُمَا : فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَقَفَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، وَأُخْرَى : فَخَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ ، قَالَ عِيَاضٌ : جَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ ، وَمَعْنَى خَطَبَ أَيْ عَلَّمَ النَّاسَ لَا أَنَّهَا مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ الْمَشْرُوعَةِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ ذَلِكَ فِي مَوْطِنَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، وَلَمْ يُقَلْ فِي هَذَا خُطَبٌ . وَالثَّانِي : يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ خُطَبِ الْحَجِّ يُعَلِّمُ الْإِمَامُ فِيهَا النَّاسَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ ، وَصَوَّبَ النَّوَوِيُّ هَذَا الثَّانِي . قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنْ قِيلَ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ ، قُلْنَا : نَعَمْ ، لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، لَكِنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَعْضَ السَّائِلِينَ قَالَ : رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لِإِطْلَاقِ الْمَسَاءِ عَلَى مَا بَعْدَهُ فَكَأَنَّ السَّائِلَ عَلِمَ أَنَّ السُّنَّةَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ ضُحًى ، فَلَمَّا أَخَّرَهَا إِلَى الزَّوَالِ سَأَلَ عَنْهُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو مَخْرَجُهُ وَاحِدٌ ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ غَايَتُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَاجْتَمَعَ مِنْ مَرْوِيِّهِمْ ، وَمَرْوِيِّ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَخْطُبُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهَا الْخُطْبَةُ الْمَشْرُوعَةُ لِتَعَلُّمِ بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ خَطَبَ مَجَازًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّعْلِيمِ بَلْ هِيَ حَقِيقِيَّةٌ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ رَمَاهَا ، فَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ ، فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ أَفَاضَ ، وَرَجَعَ إِلَى مِنًى ، انْتَهَى . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ خُطْبَةً . ( وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ ، وَأُخْرَى فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ ( فَجَاءَهُ رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ سَأَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَكَانُوا جَمَاعَةً ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ : كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ ، فَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ ضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ ( فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، أَيْ أَفْطَنْ ، يُقَالُ : شَعُرْتُ بِالشَّيْءِ شُعُورًا إِذَا فَطِنْتَ لَهُ ، وَقِيلَ : الشُّعُورُ : الْعِلْمُ ، وَلَمْ يُفْصِحْ فِي رِوَايَةٍ مَالِكٍ بِمُتَعَلِّقِ الشُّعُورِ ، وَبَيَّنَهُ يُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ الْحَلْقِ ( فَحَلَقْتُ ) شَعْرَ رَأْسِي ( قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، وَالْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ ، جَعَلَ الْحَلْقَ مُسَبَّبًا عَنْ عَدَمِ الشُّعُورِ كَأَنَّهُ يَعْتَذِرُ لِتَقْصِيرِهِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْحَرْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : اذْبَحْ ( وَلَا حَرَجَ ) قَالَ عِيَاضٌ : لَيْسَ أَمْرًا بِالْإِعَادَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِبَاحَةٌ لِمَا فَعَلَ ، لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ فُرِغَ مِنْهُ ، فَالْمَعْنَى : افْعَلْ ذَلِكَ مَتَى شِئْتَ ، وَنَفْيُ الْحَرَجِ بَيِّنٌ فِي رَفْعِ الْفِدْيَةِ عَنِ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي ، وَفِي رَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ السَّاهِي ، وَأَمَّا الْعَامِدُ ، فَالْأَصْلُ أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ عَمْدًا لَا يَأْثَمُ إِلَّا أَنْ يَتَهَاوَنَ ، فَيَأْثَمَ لِلتَّهَاوُنِ لَا لِلتُّرْكِ . ( ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ ) : أَفْطِنْ ، أَوْ أَعْلَمْ ، زَادَ يُونُسُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ ( فَنَحَرْتُ ) الْهَدْيَ ( قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ) الْجَمْرَةَ ( قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ ) أَيْ لَا ضِيقَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَقَالَ آخَرُ : أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ زِيَادَةُ الْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَحَاصِلُ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو السُّؤَالُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ : الْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ ، وَالنَّحْرِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَالْأُولَيَانِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا السُّؤَالُ عَنِ الْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَفِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ : السُّؤَالُ عَنِ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ ، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ : وَالسُّؤَالُ عَنِ الرَّمْيِ وَالْإِفَاضَةِ مَعًا قَبْلَ الْحَلْقِ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ : السُّؤَالُ عَنِ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الذَّبْحِ ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ : السُّؤَالُ عَنِ السَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ ، أَيِ الرُّكْنِ ، فَهَذَا مَا تَحَذَّرَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ، وَبَقِيَ عِدَّةُ صُوَرٍ لَمْ يَذْكُرْهَا الرُّوَاةُ إِمَّا اخْتِصَارًا ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ ، وَبَلَغَتْ بِالتَّقْسِيمِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً مِنْهَا صُورَةُ التَّرْتِيبِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ نَحْرُ الْهَدْيِ أَوْ ذَبْحُهُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى مِنًى ، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى فَنَحَرَ ، وَقَالَ لِلْحَالِقِ : جُزَّ وَلِأَبِي دَاوُدَ : رَمَى ثُمَّ نَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَهْمِ اسْتَثْنَى الْقَارِنَ ، فَقَالَ : لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ ، كَأَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّهُ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَالْعُمْرَةُ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْحَلْقُ عَنِ الطَّوَافِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفُوا فِي الدَّمِ ، فَأَوْجَبَهُ مَالِكٌ فِي تَقْدِيمِ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَلَا يَلْزَمُ بِزِيَادَةِ غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِي تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ شَيْءٍ مِنَ التَّحَلُّلِ . وَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ ، وَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي كُلِّ الْمُخَالَفَةِ ، وَتَأَوَّلَ : لَا حَرَجَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ ، لِأَنَّهُ فُعِلَ عَلَى الْجَهْلِ لَا الْقَصْدِ فَأُسْقِطَ الْحَرَجُ ، وَعُذْرُهُمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِ السَّائِلِ : لَمْ أَشْعُرْ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ فِي شَيْءٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ( قَالَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : ( فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : يَوْمَئِذٍ ( عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ ) عَلَيْكَ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ وَالدَّمِ ، لِأَنَّ اسْمَ الضِّيقِ يَشْمَلُ ذَلِكَ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ لِمَنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَيْ كَالسَّائِلِينَ ، قَالَ : وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ الْمُخَالَفَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ وُجُوبَهَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ وَقْتَ الْحَاجَةِ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَلَمْ يُسْقِطِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَرَجَ ، وَقَدْ أَجْزَأَ الْفِعْلُ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ ، لَأَنَّ الْجَهْلَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَضَعَانِ الْحُكْمَ اللَّازِمَ فِي الْحَجِّ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَنَحْوَهُ ، فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا ، لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، قَالَ : وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْمِلُ قَوْلَهُ : وَلَا حَرَجَ ، عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ فَقَطْ ، ثُمَّ يَخُصُّ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ ، فَلْيَكُنْ فِي الْجَمِيعِ ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَعَ تَعْمِيمِ الشَّارِعِ الْجَمِيعَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ - كَذَا قَالَ - وَجَوَابُهُ : إِنَّ مَالِكًا خَصَّ مِنَ الْعُلُومِ تَقْدِيمَ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ ، فَأَوْجَبَ فِيهِ الْفِدْيَةَ لِعِلَّةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ إِلْقَاءُ التَّفَثِ قَبْلَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنَ التَّحَلُّلِ ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْفِدْيَةَ عَلَى الْمَرِيضِ ، أَوْ مَنْ بِرَأْسِهِ أَذًى إِذَا حَلَقَ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَلْقِ ، مَعَ جَوَازِ ذَلِكَ لَهُ لِضَرُورَتِهِ ، فَكَيْفَ بِالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي ؟ وَخَصَّ مِنْهُ أَيْضًا تَقْدِيمَ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ لِئَلَّا يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ زِيَادَةُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةُ غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ابْنِ شِهَابٍ ، وَمَحَلُّ قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَنْ لَمْ يَزِدْهَا أَوْثَقَ مِنْهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ الَّذِي رَوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا ، وَرَوَى لَهُ الشَّيْخَانِ ، لَكِنَّهُ يُخْطِئُ بَلْ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فِي تَضْعِيفِهِ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَكَلَّمُ فِيهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ : إِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا لِقَوْلِهِ : لَمْ أَشْعُرْ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَوْ وَجَبَ لَمَا سَقَطَ بِالسَّهْوِ ، كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ السَّعْيِ وَالطَّوَافِ ، إِذْ لَوْ سَعَى قَبْلَهُ وَجَبَتْ إِعَادَةُ السَّعْيِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَا قَالَهُ أَحْمَدُ قَوِيٌّ ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ لِقَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُرَخَّصَةُ قَدْ قُرِنَتْ بِقَوْلِ السَّائِلِ : لَمْ أَشْعُرْ ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ ، وَتَبْقَى حَالَةُ الْعَمْدِ عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ فِي الْحَجِّ ، وَأَيْضًا الْحُكْمُ إِذَا رُتِّبَ عَلَى وَصْفٍ يُمْكِنُ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ لَمْ يَجُزْ طَرْحُهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الشُّعُورِ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ ، وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ ، فَلَا يُمْكِنُ طَرْحُهُ بِإِلْحَاقِ الْعَمْدِ بِهِ إِذْ لَا يُسَاوِيهِ ، وَالتَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ : فَمَا سُئِلَ . . . إِلَخْ ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا غَيْرُ مُرَاعًى جَوَابُهُ ، إِنَّ هَذَا الْإِخْبَارَ مِنَ الرَّاوِي يَتَعَلَّقُ بِمَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةِ السَّائِلِ ، وَالْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ حُجَّةٌ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ ، انْتَهَى . وَفِيهِ وُجُوبُ اتِّبَاعِ أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم ، لِأَنَّ الَّذِينَ خَالَفُوهُ لَمَّا عَلِمُوا سَأَلُوا عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ وَجَوَازِ سُؤَالِ الْعَالِمِ وَاقِفًا وَرَاكِبًا ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ فِي الطَّرِيقِ ، لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِمِنًى لَا يُعَدُّ مِنَ الطُّرُقِ ، لِأَنَّهُ مَوْقِفُ عِبَادَةٍ وَذَكَرَ وَوَقَّتَ - حَاجَةً إِلَى التَّعَلُّمِ خَوْفَ الْفَوَاتِ - إِمَّا بِالزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَهُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .