994 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لَعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ - مُرْسَلٌ تَتَّصِلُ مَعَانِيهِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى صِحَاحٍ كُلِّهَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ - وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةَ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي ، أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نِعَمًا ، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا . فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ : أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنَ الْأَرْضِ وَبَرَةَ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَقَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْمَلَ مِنْ هَذَا الْمَسَاقِ ، وَأَتَمَّ أَلْفَاظًا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا مِمَّا فِي مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا غَزْوَةَ حُنَيْنٍ وَغَنِمَ فِيهَا - وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لِثُبُوتِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ، لِأَنَّ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ عُرِفَ ذَلِكَ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ سُؤَالِ الْعَسْكَرِ لِلْخَلِيفَةِ حُقُوقَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ قَسْمِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّ الْجِعْرَانَةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، وَفِيهَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنَائِمَ حُنَيْنٍ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَجَابِرٍ ؛ وَقِسْمَةُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيٌّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهُمْ أَوْلَى بِرُخَصِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا تُقْسَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ حَمُولَةً فَيَقْسِمُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى صَحِيحٍ ، مَعَ ثُبُوتِ الْأَثَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْجَلِيلِ لِنَفْسِهِ ، وَنَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَا يَعِيبُهُ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ ؛ وَعَلَيْهِ إِذَا دَفَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ، ضَرُورَةٌ أَوْ مَعْنَى يُوجِبُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - حَاكِيًا عَنْ يُوسُفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ - وَلَا فَخْرَ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي السُّنَنِ ، وَعَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِآثَارِ مَنْ مَضَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَّابًا وَلَا بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ السُّوءُ ، وَأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ أَهْلِ وَقْتِهِ حَالًا ، وَأَجْمَلَهُمْ خِصَالًا ؛ وَقَدْ سَوَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالْكَذِبِ ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى هَذَا ؛ وَفِي ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ جَبَانًا وَبَخِيلًا ، وَلَا يَكُونُ كَذَّابًا ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِمَا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي بَابِ صَفْوَانَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَجْمَعَ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ فِي السُّلْطَانِ أَقْبَحُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ عُيُوبِهِ وَأَهْدَمِهَا لِسُلْطَانِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُوثِقُ مِنْهُ بِوَعْدٍ وَلَا وَعِيدٍ ؛ وَفِي الْكَذِبِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَسَادُ أَمْرِهِ - كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِنَّ فَسَادَ هَذَا الْأَمْرِ بِأَنْ يُعْطُوا عَلَى الْهَوَى لَا عَلَى الْغِنَاءِ ، وَأَنْ يَكْذِبُوا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ؛ وَكَذَلِكَ الْبُخْلُ وَالْجُبْنُ فِي السُّلْطَانِ ، أَقْبَحُ وَأَضَرُّ وَأَشَدُّ فَسَادًا مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلِلْكَلَامِ فِي سِيرَةِ السُّلْطَانِ مَوْضِعٌ غَيْرَ كِتَابِنَا هَذَا . وَيَرْوِي أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ بَايِعِ الْحَجَّاجَ ، فَإِنَّ فِيكَ خِصَالًا لَا تَصْلُحُ مَعَهَا لِلْخِلَافَةِ - وَهِيَ : الْبُخْلُ وَالْغَيْرَةُ وَالْعِيُّ . وَيُرْوَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ - فاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي بَيْعَةِ يَزِيدَ ، وَهُوَ خَبَرٌ لَا إِسْنَادَ لَهُ ؛ فَجَاوَبَهُ ابْنُ عُمَرَ : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ اللَّهُمَّ إِنَّ ابْنَ مَرْوَانَ يُعَيِّرُنِي بِالْبُخْلِ وَالْغَيْرَةِ وَالْعِيِّ ، فَلَوْ وُلِّيتُ وَأَعْطَيْتُ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَقَسَمْتُ بَيْنَهُمْ فَيْئَهُمْ ، أَيُّ حَاجَةٍ كَانَ بِهِمْ حِينَئِذٍ إِلَى مَالِي فَيُبْخِلُونِي ؟ وَلَوْ جَلَسْتُ لَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ فَقَضَيْتُ حَوَائِجَهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى بَيْتِي فَيَعَرِفُوا غَيْرَتِي ؛ وَمَا مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَوَعَظَ بِهِ بِعَيِّيٍّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَالْخَائِطُ وَاحِدُ الْخُيُوطِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَالْمِخْيَطُ الْإِبْرَةُ . وَمَنْ رَوَى أَدُّوا الْخِياطَ وَالْمِخَيْطَ ، فَإِنَّ الْخِيَاطَ قَدْ يَكُونُ الْخُيُوطُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْخِيَاطُ وَالْمِخْيَطُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهِيَ الْإِبْرَةُ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ - يَعْنِي ثُقْبَ الْإِبْرَةِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمِخْيَطَ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - الْإِبْرَةُ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : وَيُقَالُ : خِيَاطٌ وَمِخْيَطٌ ، كَمَا قِيلَ : لِحَافٌ وَمِلْحَفٌ ، وَقِنَاعٌ وَمِقْنَعٌ ، وَإِزَارٌ وَمِئْزَرٌ ، وَقِرَامٌ وَمِقْرَمٌ ؛ وَهَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْقَلِيلِ لِيَكُونَ مَا فَوْقَهُ أَحْرَى بِالدُّخُولِ فِي مَعْنَاهُ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يَعْمَلُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ أَحْرَى أَنْ يَرَاهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ الْغُلُولَ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ حُكْمُهُ حَرَامٌ نَارٌ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى الْغُلُولِ وَحُكْمِهِ وَحُكْمِ الْغَالِّ وَحُكْمِ عُقُوبَتِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَالشَّنَارُ لَفْظَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعْنَى الْعَارِ وَالنَّارِ ، وَمَعْنَاهَا الشَّيْنُ وَالنَّارُ ، يُرِيدُ أَنَّ الْغُلُولَ شَيْنٌ وَعَارٌ وَمَنْقَصَةٌ فِي الدُّنْيَا ، وَنَارٌ وَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ . وَالْغُلُولُ مِمَّا لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمُجَازَاةِ ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ - وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ صَاحِبُهُ ، فَإِنَّ جُمْلَةَ أَصْحَابِهِ مُتَعَيَّنَةٌ ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا بُدُّ مِنَ الْمُجَازَاةِ فِيهِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْخَطَّابُ الضَّرِيرُ بمصر ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، - وَهُوَ أَوْثَقُ مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي مَالٍ أَوْ عِرْضٍ ؛ فَلْيَأْتِهِ فَلْيَسْتَحِلُّهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِهِ ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ - يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ - وَحْدَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ - فَإِنَّهُ أَرَادَ : إِلَّا الْخُمُسُ فَإِنَّهُ إِلَيَّ أَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِي ، وَأَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ بِاجْتِهَادِي ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلَى الْمُوجِفِينَ مِمَّنْ حَضَرَ الْقِتَالَ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْمَشْرُوفِ وَالرَّفِيعِ وَالْوَضِيعِ وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ - بِالسَّوَاءِ ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ - إِذَا كَانَ حُرًّا ذَكَرًا غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ ؛ وَلِلرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَدْخَلٌ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وِرَاثَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ سَهْمِ الْفَارِسِ - عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ فَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُونَ : لِلْفَارسِ سَهْمَانِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِرَاكِبِهِ : سَهْمًا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ نَفْيُ الصَّفِيِّ ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدْ أَخَذَ وَبَرَةً مِنَ الْبَعِيرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ أَوْجَبَ الصَّفِيَّ : كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ الصَّفِّيَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ عَنِ الصَّفِيِّ ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ إِذْ خَاطَبَهُمْ ؛ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا صَفِيَّ - وَلَمْ تَعْرِفْهُ وَاحْتَجَّتْ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَهْمُ الصَّفِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْلُومٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَصْطَفِي مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا وَاحِدًا لَهُ عَنْ طِيبِ أَنْفُسِ أَهْلِهَا ثُمَّ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ؛ وَأَمْرُ الصَّفِيِّ مَشْهُورٌ فِي صَحِيحِ الْآثَارِ ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مِنَ الصَّفِيِّ . رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ ، خَرَجَ بِهَا . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَمْرٍو . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - إِنْ صَحَّ - أَنَّ الصَّفِيَّ كَانَ قَبْلَ خَيْبَرَ ، لِأَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ قَبْلَ حُنَيْنٍ ، وَقَدْ خُولِفَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ . وَفِي الصَّفِيِّ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ قُرَّةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ قَالَ : قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ ، فَإِذَا فِيهِ : مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ ، إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَأَدَّيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالصَّفِيِّ ، أَوْ قَالَ : وَسَهْمَ الصَّفِيَّ - فَأَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَرَوَى أَبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : وَتُعْطُوا سَهْمَ اللَّهِ مِنَ الْمَغَانِمِ ، وَالصَّفِيِّ . وَرَوَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ ؛ وَكَانَ إِذَا لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ ، ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ وَلَمْ يَخِيبْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، وَأَزْهَرُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، قَالَت : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - عَنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّفِيَّ ؟ فَقَالَ : كَانَ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ ، وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيُّ إِنْ شَاءَ عَبْدًا وَإِنْ شَاءَ أَمَةً ، وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ طُرًّا عَلَى أَنَّ سَهْمَ الصَّفِيِّ لَيْسَ - لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْتَفَعَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ حُكِيَ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْإِجْمَاعَ ، قَالَ : يُؤْخَذُ الصَّفِيُّ وَيَجْرِي مَجْرَى سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ كَانَ بَيْنَهُمُ الصَّفِيُّ ثَابِتًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي الصَّفِيِّ مُتَعَارِضَةٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ يَثْبُتُ ؛ وَأَمَّا سَهْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِلْعُلَمَاءِ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخُمُسِ أَقْوَالٌ مِنْهَا : أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى مَنْ سُمِّيَ فِي الْآيَةِ ، قَالَ : ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرَأَوْا أَنْ يُقْسَمَ الْخُمُسُ أَرْبَاعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ فِيهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُجْعَلُ فِي الْخَيْلِ وَالْعِدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا : قَتَادَةُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضَعُ الْإِمَامُ سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ أَمْرٍ يَنْفَعُ الْإِسْلَامَ : مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ ، وَكُرَاعٍ ، وَسِلَاحٍ ، وَإِعْطَاءِ أَهْلِ الْعَنَاءِ وَالْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالنَّفْلِ عِنْدَ الْحَرْبِ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ : سَهْمُ الرَّسُولِ وَسَهْمُ ذِي الْقُرْبَى سَقَطَا بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِلْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ . وَأَمَّا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : يُجْعَلُ الْخُمُسُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي قَسْمِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى ، وَقَالَ : يُعْطِيهُمُ الْإِمَامُ وَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي قَسْمِ الْخُمُسِ ، فَعَلَى مَا أَصِفُ لَكَ : قَالَ مَالِكٌ : قِسْمَةُ الْخُمُسِ كَقِسْمَةِ الْفَيْءِ ، وَهُمَا جَمِيعًا يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ قَالَ : وَيُعْطَى أَقْرِبَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمَا عَلَى مَا يَرَى الْإِمَامُ ، قَالَ : وَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ تَكَافَأْ أَهْلُ الْبُلْدَانِ فِي الْحَاجَةِ ، بَدَأَ بِالَّذِي الْمَالُ فِيهِمْ ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْبُلْدَانِ أَشَدَّ حَاجَةً ، نَقَلَ إِلَيْهِمْ أَكْثَرَ الْمَالِ . قَالَ : ابْنُ الْقَاسِمِ : وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى التَّفْضِيلَ فِي الْعَطَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَلَا يَخْرُجُ مَالٌ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ غَيْرِهِ حَتَّى يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ مَا يُغْنِيهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ ؛ قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيزَ الْوَالِي عَلَى وَجْهِ الدِّينِ أَوِ الْأَمْرِ يَرَاهُ قَدِ اسْتَحَقَّ بِهِ الْجَائِزَةَ . قَالَ : وَالْفَيْءُ حَلَالٌ لِلْأَغْنِيَاءِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : الْفَيْءُ مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ ، وَالْغَنِيمَةُ مَا غُلِبُوا عَلَيْهِ قَسْرًا ؛ قَالَ : وَسَهْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخُمُسِ هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الْخُمُسِ فَلِلطَّبَقَاتِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ فِي آيَةِ الْخُمُسِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : فَهَذَا مِنْ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَاقٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْخُمُسُ إِلَى الْإِمَامِ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ ، وَهَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ : لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، فَأَسْقَطَ بَيْنَهُمْ ذَا الْقُرْبَى . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ سَمَّى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْآيَةِ ، قَالَ : وَخُمُسُ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَاحِدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآيَةُ : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ ، وَالْغَنِيمَةُ : مَا أُخِذَ عَنْوَةً ، وَأَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَأَجْلَوْهُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَتَرَكُوهُ بِالرُّعْبِ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَنِيمَةِ : الْخُمُسُ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَفِي الْفَيْءِ الْخُمُسُ أَيْضًا ، قَالَ : الْغَنِيمَةُ : مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ وَهِيَ لِمَنْ حَضَرَ الْوَقِيعَةَ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ ، قَالَ : وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى مَنْ سَمَّى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَسَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَخَالَفَهُ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، فَقَالَا : الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْفَيْءُ : مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَفِيهِ الْخُمُسُ أَيْضًا . قَالَ : وَعَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ فِي الْفَيْءِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ ؛ وَلَيْسَ لِلْمَمَالِيكِ فِيهِ شَيْءٌ ، وَلَا لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّدَقَةِ ، قَالَ : وَيُسَوَّى فِي الْعَطَاءِ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : خُمُسُ الْغَنِيمَةِ مَقْسُومٌ عَلَى مَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي الْآيَةِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، لِأَنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ سُمِّيَ مَعَهُ فِي الْآيَةِ ، قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِيمَنْ عُدِمَ مِنْ سُهْمَانِ الصَّدَقَاتِ . قَالَ : وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْسِمِ الْخُمُسُ عَلَى سِتٍّ ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِلَّهِ مِفْتَاحُ كَلَامٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ : أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ؛ قَالَ : وَيُقْسَمُ سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى عَلَى بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوهُ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ فِي الْفَيْءِ خُمُسًا ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَلَا الْأَثَرِ ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَوْلُ مَنْ تَابَعَهُ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ عُنُوا بِالْآيَةِ فِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، فَهُوَ مَوْجُودٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْخُمُسِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ - الْحَدِيثَ . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ غَيْرَ هَذَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فِي آيَةِ الْخُمُسِ ، هُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ - يَعْنِي بَنِي هَاشِمٍ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ سَهْمَ الرَّسُولِ ، وَسَهْمَ ذِي الْقُرْبَى ؛ وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَسَّمَ الْخُمُسُ أَخْمَاسًا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا اعْتِلَالُ الْفُقَهَاءِ وَاعْتِلَالُ أَصْحَابِهِمْ لِمَذَاهِبِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَشَيْءٌ لَا يَقُومُ بِهِ كِتَابٌ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ اتَّسَعَ لَهُمْ فِيهِ الْقَوْلُ وَطَالَ جِدًّا ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِلَابِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، خَشْيَةَ التَّطْوِيلِ وَالْعُدُولِ عَنِ الْمُرَادِ فِيهِ ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَذَاهِبَ الْفُقَهَاءِ فِي قِسْمَةِ الْخُمُسِ ، لِمَا جَرَى فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْخُمُسِ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لِيَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . فَذَكَرْنَا مَا لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي كَيْفِيَّةِ رَدِّ الْخُمُسِ عَلَى أَهْلِهِ ، وَوَجْهَ قِسْمَتِهِ ، لِيَقِفَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا عَلَى ذَلِكَ ؛ وَلَعَلَّنَا أَنْ نُفْرِدَ لِلْخُمُسِ وَالْفَيْءِ أَيْضًا كِتَابًا نُورِدُ فِيهِ أَقَاوِيلَ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهِ الْحُجَّةِ وَالِاعْتِلَالِ لِأَقْوَالِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُسْنَدَةُ فِي مَعَانِي الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَتَتْهُ وُفُودُ حُنَيْنٍ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَ : وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاحِلَتَهُ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ ، فَقَالُوا : اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا ، اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا ، حَتَّى أَلْجَأُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لَكُمْ بِعَدَدِ شَجَرِ تِهَامَةَ نِعَمًا ، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَلْفَوْنَنِي جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا ؛ ثُمَّ مَالَ إِلَى رَاحِلَتِهِ ، فَأَخَذَ مِنْهَا وَبَرَةً فَوَضَعَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ ، وَلَا هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ؛ فَأَدُّوُا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ ; فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَارًا وَشَنَارًا ؛ فَقَامَ رَجُلٌ وَمَعَهُ كُبَّةُ شَعْرٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْذَعَةً لِي فَقَالَ : أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَهُوَ لَكَ ؛ فَقَالَ : أَمَّا إِذْ بَلَغْتَ مَا أَرَى ، فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا - وَنَبَذَهَا . وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ أَحَاطَ بِمَعَانِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَأَلْفَاظِهِ ؛ وَزَادَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : تَعَلَّقَ ثَوْبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ بِشَجَرَةِ - وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ يَسْأَلُونَهُ الْمَغَانِمَ ، فَحَسِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا بِرِدَائِهِ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : أَرْسِلُوا رِدَائِي تُرِيدُونَ أَنْ تُبْخِلُونِي ؛ فَوَاللَّهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ شَجَرِ تِهَامَةَ نِعَمًا ، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، وَلَا تَجِدُونِي بَخِيلًا ، وَلَا جَبَانًا ، وَلَا كَذَّابًا . فَقَالُوا : إِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِكَ سَمُرَةٌ فَخَلَّصُوهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي حَلَبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مَحْكُولٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بِعِيرٍ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ - وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ وَقَعَ عِنْدَهُ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الْأَشْدَقِ ، عَنْ مَحْكُولٍ ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بِعِيرٍ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي مِنْ هَذَا الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرَ هَذِهِ الوبرة إِلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ؛ فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ ، فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ وَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ ، فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الْغَمَّ وَالْهَمَّ . قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ الْأَنْفَالَ وَيَقُولُ : لِيَرُدَّ قَوِيُّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ضَعِيفِهِمْ . هَكَذَا ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى - بِإِسْنَادِهِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ الْأَنْمَاطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ ، سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ الْأَسْوَدَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ النَّاسُ - مُقْفِلَةٌ مِنْ حُنَيْنٍ - اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ فَسَأَلُوهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَعْطُونِي رِدَائِي ، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نِعَمًا ، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أُوتِيكُمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَا أَمْنَعُكُمُوهُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةَ · ص 37 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ · ص 177 994 ( 13 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ 950 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعِرَّانَةَ سَأَلَهُ اَلنَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ ، فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ ، حَتَّى نَزْعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَتَخَافُونَ أن لا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا ، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ : ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا ، وَلَا جَبَانًا ، وَلَا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي النَّاسِ ، فَقَالَ : أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ ؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ ، وَنَارٌ ، وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ، ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنَ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ ، أَوْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفَسِي بِيَدِهِ ، مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . 19901 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19902 - مِنْ أَحْسَنِهَا : مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19903 - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ . 19904 - رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 19905 - وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . 19906 - إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ يَقْتَضِي مَعَانِيَ حَدِيثِ مَالِكٍ كُلَّهَا ، وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ يَقْتَضِي بَعْضَهَا . 1990 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي التَّمْهِيدِ . 19908 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ سُؤَالِ الْعَسْكَرِ لِلْخَلِيفَةِ حُقُوقَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمَ ، فَيَصِلُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى حَقَّهِ ، وَيَسْتَعْجِلُ الِانْتِفَاعَ بِهِ . 19909 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ قَسَمَ بَيْنَهُمْ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْفِلُ فِي الْبَدْأَةِ وَالرَّجْعَةِ . 19910 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا ، فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْخَى خَلْقِ اللَّهِ وَأَكْثَرَهُمْ جُودًا وَسَمَاحَةً . 19911 - وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ . 19912 - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا رَأَيْتُ أَجْوَدَ ، وَلَا أَمْجَدَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19913 - وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الْبُخْلِ ، وَكَانَ يَقُولُ : أَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ . 191914 - وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قَطُّ ، فَقَالَ : لَا . 19915 - وَأَمَّا شَجَاعَتُهُ وَنَجْدَتُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَثْبَتَ جَنَانًا ، وَلَا أَجْرَأَ قَلْبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19916 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ . 19917 - وَأَمَّا الْكَذِبُ ، فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ صِدِّيقًا نَبِيًّا ، وَكَفَى بِهَذَا . 19918 - وَفِيهِ : جَوَازُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّ الْجِعِرَّانَةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ . 19919 - وَفِيهَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَنَائِمَ حُنَيْنٍ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَجَابِرٍ . 19920 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ . 19921 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ . 19922 - قَالَ مَالِكٌ : وَهُمْ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ . 19923 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ . 19924 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أن لا تُقْسَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، إِلَّا أَنْ يَجِدَ حَمُولَةً ، فَيَقْسِمُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ . 19925 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ . 19926 - وَفِيهِ جَوَازُ ذَمِّ الرَّجُلِ الْفَاضِلِ لِنَفْسِهِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ إِلَّا دَفْعَ الْعَيْبِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَكَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ . 19927 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، النَّاظِرَ لَهُمْ ، الْمُدِبرَ لِأُمُورِهِمْ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَّابًا وَلَا بَخِيلًا ، وَلَا جَبَانًا . 19928 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أن لا يَكُونَ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ السُّوءُ وَأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ أَهْلِ وَقْتِهِ حَالًا ، وَأَجْمَلَهُمْ خِصَالًا ، إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ . 19929 - وَقَوْلُهُ : لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا ، وَلَا كَذَّابًا ؛ لِأَنَّ الْبَخِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ الْأَمْرَ وَلَا يَفْعَلُ . 19930 - يَقُولُ : فَلَا تَجِدُونِي كَذَّابًا أَبَدًا . 19931 - وَقَدْ سَوَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالْكَذِبِ . 19932 - وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى هَذَا . 19933 - وَفِي ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ : أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ بَخِيلًا وَجَبَانًا ، وَلَا يَكُونُ كَذَّابًا . 19934 - وَالْكَذَّابُ عِنْدَهُمْ : الْمَعْرُوفُ مِنْهُ كَثْرَةُ الْكَذِبِ ، لِأَنَّ فَعَّالًا لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُبَالَغَةِ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ كَاذِبٍ . 19935 - وَأَجْمَعَ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ فِي السُّلْطَانِ أَقْبَحُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ مِنَ السُّلْطَانِ إِذَا كَانَ كَذُوبًا بِوَعْدٍ وَلَا وَعِيدٍ ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادُ أَمْرِهِ . 19936 - قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّ فَسَادَ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُعْطُوا عَلَى الْهَوَى ، لَا عَلَى التُّقَى ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ . . . . . . . . 19937 - وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْغَنَائِمِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ ، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ . 19938 - وَلَمْ تَكُنْ مُبَاحَةً لِأَحَدٍ قَبْلَ هَذِهِ الْأمةِ . 19939 - وَهِيَ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتُهُ مِنْ مَالِ كُلِّ حَرْبِيٍّ . 19940 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . 19931 - وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الْغَنَائِمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ . 19942 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ . 19943 - وَيُرْوَى : الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَالْخَائِطُ : وَاحِدُ الْخَيْطِ ، وَالْمِخْيَطُ : الْإِبْرَةُ . 19944 - وَمَنْ رَوَاهُ الْخِيَاطَ ، فَقَدْ يَكُونُ الْخِيَاطُ : الْخُيُوطَ ، وَيَكُونُ الْخِيَاطُ الْمِخْيَطَ ، وَهِيَ الْإِبْرَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ 19945 - وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرِّوَايَةَ : الْمِخْيَطُ بِكَسْرِ الْمِيمِ . 19946 - وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَالُ خِيَاطٌ وَمِخْيَطٌ ، كَمَا يُقَالُ لِحَافٌ وَمِلْحَفٌ وَقِنَاعٌ وَمِقْنَعٌ ، وَإِزَارٌ وَمِئْزَرٌ ، وَقِرَامٌ وَمِقْرَمٌ . 19947 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْقَلِيلِ لِيَكُونَ مَا فَوْقَهُ أَحْرَى بِالدُّخُولِ فِي مَعْنَاهُ . 19948 - كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 19949 - وَفْيِهِ أَنَّ الْغُلُولَ كَثِيرَهُ وَقَلِيلَهُ حَرَامٌ ، وَأَنَّهُ عَارٌ وَشَنَارٌ ، وَالشَّنَارُ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ الْعَارَ وَالنَّارَ . 19955 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَجْمَعُ الشَّيْنَ وَالنَّارَ . 19951 - وَمَعْنَى ذَلِكَ : مَنْقَصَةٌ فِي الدُّنْيَا ، وَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ . 19952 - وَالْغُلُولُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقِصَاصِ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ ، أَوْ فِي الْآخِرَةِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ . 19953 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : إِلَّا الْخُمُسُ ، فَإِنَّ الْعَمَلَ فِيِهِ بِرَأْيِي وَاجْتِهَادِي ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَهْلِهَا ، مِمَّنْ حَضَرَ الْقِتَالَ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ . 19954 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعَبْدِ وَالْأَجِيرِ وَالْمَرْأَةِ وَالتَّاجِرِ مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَذَكَرْنَا كَيْفَ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ لِلْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ فِي مَوْضِعِهِ أَيْضًا . 19955 - وَأَمَّا الْخُمُسُ ، فَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى قِسْمَتَهُ أَخْمَاسًا ، وَقَالَ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَيْءِ ، وَقِسْمَتُهُ مَرْدُودَةٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ . 19956 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ . 19957 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 19958 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ : لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَأَسْقَطَ سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَهْمَ ذِي الْقُرْبَى . 19959 - وَقَالَ : سَقَطَا بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19960 - وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى . 19961 - وَقَالُوا : إِنَّهُ لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ . 19962 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 19963 - وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْخُمُسِ ، وَقَالَ : إِنَّنَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ . . . الْحَدِيثَ . 19964 - وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ غَيْرُهُ . 99965 - وَقَالَ بِدُخُولِ بَنِي الْمُطَّلِبِ مَعَ هَاشِمٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ . 19966 - وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ فَيَقْتَصِرُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ . 19967 - فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى ، الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فِي آيَةِ الْخُمُسِ بَنُو هَاشِمٍ . 19968 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَدْ خَالَفْنَا فِي ذَلِكَ قَوْمَنَا . 19969 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً . 19970 - وَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي إِدْخَالِ بَنِي الْمُطَّلِبِ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ : مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ . 19971 - وَالْحُجَّةُ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ تَطُولُ ، وَشَرْطُنَا الِاخْتِصَارُ . 19972 - وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ : اخْتَلَفَ النَاسُ فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَهْمُ الرَّسُولِ وَسَهْمُ ذِي الْقُرْبَى ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يجعلوه - يعني سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكِرَاعِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَانَ ، كَذَلِكَ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . 19973 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ : مَا صَنَعَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْخُمُسِ حِينَ وُلِّيَ ؟ قَالَ : صَنَعَ بِهِ اتَّبَعَ فِيهِ أَثَرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُدَّعَا عَلَيْهِ خِلَافُهُمَا . 19974 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ ، فَجُعِلَ لَهُمْ سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى . 19975 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ ، قَالَ : لَمَّا مُنِعْنَا الصَّدَقَةَ جُعِلَ لَنَا سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى خُمُسُ الْخُمُسِ . 19976 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُوسَى ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ الْجَزَّارِ عَنْ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : خُمُسُ الْخُمُسِ . 19977 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قَالَ : أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ مِنَ النَّاسِ ، وَالْخُمُسُ الْبَاقِي لِلَّهِ ، وَلِلرَّسُولِ مِنْهُ خُمُسٌ ، وَخُمُسٌ لِذِي الْقُرْبَى ، وَخُمُسٌ لِلْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ خُمُسٌ ، وَلِابْنِ السَّبِيلِ خُمُسٌ . 19978 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ذُو الْقُرْبَى قَرَابَةُ الْإِمَامِ . 19979 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 119980 - وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : إِذَا أُطْعِمَ طُعْمَةً فَهِيَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ . 19981 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 19982 - وَهُوَ حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِهِ . 19983 - وَقُلْنَا فِي مَعْنَاهُ هُنَاكَ إِنَّهَا وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ وَالْعَمَلُ فِيهَا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ . 19984 - وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرَى ذَلِكَ لِقَرَابَتِهِ . 19985 - وَكَانَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَرَوْنَ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ لِبَنِي هَاشِمٍ . 19986 - وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ ، يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : كُنَّا نَرَى أَنَّهُ لَنَا فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا - يَعْنِي قُرَيْشًا . 19987 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوَلِّنِي خُمُسَ الْخُمُسِ ، فَلَا أُنَازَعُ فِي وِلَايَتِهِ ، فَفَعَلَ ، فَكُنْتُ إِلَيْهِ إِلَى آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةً ، وَنَحْنُ عَنْهُ فِي غِنًى ، فَاقْسِمْهُ أَنْتَ فِيهِمْ - يَعْنِي بَنِي هَاشِمٍ ، فَلَمَّا خَرَجْتُ قَالَ لِيَ الْعَبَّاسُ - وَكَانَ دَاهِيَةً - : لَقَدْ أَخْرَجْتَ عَنَّا أَوْ عَنْ أَيْدِينَا ، وَلَنْ يَعُودَ إِلَيْنَا . 19988 - قَالَ عَلِيٌّ : فَمَا دُعِيتُ إِلَيْهِ بَعْدُ . 19989 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : دَعَانَا عُمَرُ أَنْ يُنْكِحَ مِنْهُ أَيَامَانَا ، وَيَخْدِمَ مِنْهُ عَائِلَنَا ، وَيُعْطِيَنَا مِنْهُ مَا يَكْفِينَا ، فَأَبَيْنَا إِلَّا أَنْ نُعْطَاهُ كُلَّهَ فَأَبَى . 19990 - وَلَا يَصِحُّ أَنَّ عَلِيًّا دُعِيَ إِلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ ، فَأَبَى لِئَلَّا يُؤْخَذَ عَلَيْهِ خِلَافُهُ الْخَلِيفَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِي مُدَّةِ خِلَافَتِهِ مَغْنَمٌ . 19991 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِأَنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ سُمِّيَ مَعَهُ فِي الْآيَةِ ، قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِيمَنْ غَرِمَ مِنْ أَهْلِ سُهْمَانِ الصَّدَقَاتِ . 19992 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ ( . . . . . ) سَهْمُهُ مِنَ الْخُمُسِ خُمُسُهُ ، وَالصَّفِيُّ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ ، وَلَمْ نَجِدْ لِلصَّفِيِّ ذِكْرًا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . 19993 - وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ . 19994 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 19995 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ . 19996 - وَإِنَّمَا سَكَتَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَالِكٌ عَنِ السَّبْيِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ . 19997 - وَكَانَ الصَّفِيُّ مَنْ يَصْطَفِيهِ الْإِمَامُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ فَرَسًا ، أَوْ أَمَةً ، أَوْ عَبْدًا ، أَوْ بَعِيرًا عَلَى حَسَبِ حَالِ الْغَنِيمَةِ . 19998 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّفِيَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19999 - إِلَّا أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ حُكِيَ عَنْهُ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْإِجْمَاعَ . 20000 - فَقَالَ : الْآثَارُ فِي الصَّفِيِّ ثَابِتَةٌ ، وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَهَا . 20001 - قَالَ : فَيُؤْخَذُ الصَّفِيُّ وَيُجْرَى مَجْرَى سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 20002 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَسَمَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنَائِمَ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُمُ اصْطَفَوْا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِأَنْفُسِهِمْ غَيْرَ سِهَامِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 20003 - وَلَلْعُلَمَاءِ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقْوَالٌ مِنْهَا : 20004 - أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى مَنْ سمى فِي الْآيَةِ . 20005 - وَبِهِ قَالَ الطَّبَرَيُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ . 20006 - وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ . 20007 - وَقَالَ آخَرُونَ : يُجْعَلُ فِي الْخَيْلِ وَالْعِدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 20008 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَيْضًا : قَتَادَةُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 20009 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضَعُ الْإِمَامُ سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ أَمْرٍ يَنْفَعُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكِرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، وَأَعْطَى أَهْلَ الْبَلَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةً ، وَتَنَفَّلَ مِنْهُ عِنْدَ الْحَرْبِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ · ص 42 13 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ 978 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعِرَّانَةَ ، سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ ، فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي ، أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ : أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ ؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . 13 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيِ الْخِيَانَةِ فِي الْمَغْنَمِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ آخِذَهُ يَغُلُّهُ أَيْ يُخْفِيهِ فِي مَتَاعِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 161 ) وَعِيدٌ عَظِيمٌ . 994 978 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ ، الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا ( عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( بْنِ شُعَيْبِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، صَدُوقٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَدَرَ ) رَجَعَ ( مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةَ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ وَشَدِّ الرَّاءِ ، وَالْأُولَى أَفْصَحُ ( سَأَلَهُ النَّاسُ ) وَزَادَ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ فَقَالُوا : اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا ( حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ ) أَيْ سَمَرَةَ بِفَتْحِ المهملة وضم الْمِيمِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ ذَاتِ شَوْكٍ ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْفِلَةً مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَتِ النَّاسُ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمَرَةَ ( فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ ) أَيْ عَلَقَ شَوْكُهَا بِهِ ( حَتَّى نَزْعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ ) وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ : فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ وَهُوَ مجازا ، وَالْمُرَادُ خَطِفَتْهُ الْأَعْرَابُ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ النَّسَائِيُّ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ( رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي ) وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ : فَوَقَفَ وَقَالَ : أَعْطُونِي رِدَائِي ، يَعْنِي خَلِّصُوهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَعْطُوهُ لِي ، وَإِنْ كَانُوا خَطَفُوهُ فَالرَّدُّ بِلَا تَخْلِيصٍ ( أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أُقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ ) رَدَّ ( اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرَّدُّ وَالرُّجُوعُ ، وَمِنْهُ سُمِّي الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا لِرُجُوعِهِ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ ، فَكَأَنَّ أَمْوَالَ الْكُفَّارِ سُمِّيَتْ فَيْئًا لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ إِذِ الْإِيمَانُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْكَفْرُ طَارٍ عَلَيْهِ . ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) إِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا ، وَهُوَ قَسَمٌ كَانَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا ( لَوْ أَفَاءَ ) بِالْهَمْزِ وَلَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ ( اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمَرِ ) بِفَتْحِ المهملة وضم الْمِيمِ شَجَرٌ ( تِهَامَةَ ) جَمْعُ سَمَرَةٍ بِالتَّاءِ ، شَجَرَةٌ طَوِيلَةٌ مُتَفَرِّقَةُ الرَّأْسِ قَلِيلَةُ الظِّلِّ صَغِيرَةُ الْوَرَقِ وَالشَّوْكِ صُلْبَةُ الْخَشَبِ ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هِيَ الْعِضَاهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ آخِرُهُ هَاءٌ وَصْلًا وَوَقْفًا ، شَجَرُ الشَّوْكِ كَطَلْحٍ وَعَوْسَجٍ وَسِدْرٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَرَقُ السُّمَرَةِ أَثْبَتُ وَظِلُّهَا أَكْثَفُ ، وَيُقَالُ هِيَ شَجَرَةُ الطَّلْحِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ : لَوْ أَنَّ لَكُمْ بِعَدَدِ شَجَرِ تِهَامَةَ وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ : لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ ( نَعَمًا ) بِفَتْحَتَيْنِ ، وَالنَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ ( لَقَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ بَيْنَكُمْ ( ثُمَّ لَا تَجِدُونِي ) بِنُونٍ وَاحِدَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : تَجِدُونَنِي بِنُونَيْنِ ( بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا ) أَيْ إِذَا جَرَّبْتُمُونِي لَا تَجِدُونِي ذَا بُخْلٍ وَلَا ذَا جُبْنٍ وَلَا ذَا كَذِبٍ ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ الْوَصْفِ مِنْ أَصْلِهِ لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الثَّلَاثَةُ ؛ لِأَنَّ كَذَّابًا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ ، وَجَبَانًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ، وَبَخِيلًا مُحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَفِي جَمْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ هذه الصفات لَطِيفَةٍ لِأَنَّهَا مُتَلَازِمَةٌ ، وَكَذَا أَضْدَادُهَا الصِّدْقُ وَالْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ ، وَأَصْلُ الْمَعْنَى هُنَا الشَّجَاعَةُ ، فَإِنَّ الشُّجَاعَ وَاثِقٌ مِنْ نَفْسِهِ بِالْخُلْفِ مِنْ كَسْبِ سَيْفِهِ فَبِالضَّرُورَةِ لَا يَبْخَلُ ، وَإِذَا سَهُلَ عَلَيْهِ الْعَطَاءُ لَا يَكْذِبُ بِالْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ لِأَنَّ الْخُلْفَ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنَ الْبُخْلِ ، وَقَوْلُهُ : لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ تَنْبِيهٌ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا سَمَحَ بِمَالِ نَفْسِهِ فَلِأَنْ يَسْمَحَ بِقَسْمِ غَنَائِمِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْلَى ، وَاسْتِعْمَالُ ثُمَّ هُنَا لَيْسَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَاهَا وَإِنْ كَانَ الْكَرَمُ يَتَقَدَّمُ الْعَطَاءَ ، لَكِنَّ عِلْمَ النَّاسِ بِكَرَمِ الْكَرِيمِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعَطَاءِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِثُمَّ الدَّلَالَةَ عَلَى تَرَاخِي الْعِلْمِ بِالْكَرَمِ عَنِ الْعَطَاءِ ، وَإِنَّمَا التَّرَاخِي هُنَا لِعُلُوِّ رُتْبَةِ الْوَصْفِ كَأَنَّهُ قَالَ : وَأَعْلَى مِنَ الْعَطَاءِ بِمَا لَا يُتَعَارَفُ أَنْ يَكُونَ الْعَطَاءُ عَنْ كَرَمٍ ، فَقَدْ يَكُونَ عَطَاءً بِلَا كَرَمٍ كَعَطَاءِ الْبَخِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَفِيهِ ذَمُّ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهَا ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَسَعَةِ الْجُودِ وَالصَّبْرِ عَلَى جُفَاةِ الْأَعْرَابِ ، وَجَوَازُ وَصْفِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِخَوْفِ ظَنِّ أَهْلِ الْجَهْلِ بِهِ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْفَخْرِ الْمَذْمُومِ وَرِضَى السَّائِلِ بِالْحَقِّ لِلْوَعْدِ إِذَا تَحَقَّقَ مِنَ الْوَاعِدِ التَّنْجِيزُ ، وَأَنَّ الْخِيَارَ لِلْإِمَامِ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ إِنْ شَاءَ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ . ( فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عَنْ نَاقَتِهِ ( قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ : أَدُّوا الْخِيَاطَ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَحْتِيَّةٍ بِزِنَةِ لِحَافٍ أَيِ الْخَيْطَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْخَائِطِ وَأَعُدُّ الْخُيُوطَ الْمَعْرُوفَةَ وَإِنِ احْتَمَلَ الْخِيَاطُ الْإِبْرَةَ لَكِنْ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ : ( وَالْمِخْيَطَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ فَإِنَّهُ الْإِبْرَةُ بِلَا خِلَافٍ ، وَهَذَا خَرَجَ عَلَى التَّقْلِيلِ لِيَكُونَ مَا فَوْقَهُ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي مَعْنَاهُ ( فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ ) شَيْءٌ يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْنٌ أَوْ سُبَّةٌ فِي الدُّنْيَا ( وَنَارٌ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( وَشَنَارٌ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ أَقْبَحُ الْعَيْبِ وَالْعَارِ ( عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الشَّنَارُ لَفْظَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعْنَى النَّارِ وَالْعَارِ وَمَعْنَاهَا الشَّيْنُ وَالنَّارُ يُرِيدُ أَنَّ الْغُلُولَ شَيْنٌ وَعَارٌ وَمَنْقَصَةٌ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابٌ وَنَارٌ فِي الْآخِرَةِ . ( قَالَ : ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنَ الْأَرْضِ وَبَرَةً ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ شَعْرَةً ( مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ) شَكَّ الرَّاوِي ، وَلِلنَّسَائِيِّ : ثُمَّ مَالَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَأَخَذَ مِنْهَا وَبَرَةً فَوَضَعَهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ( ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ ) الْوَبَرَةِ ( إِلَّا الْخُمُسُ ) فَإِنَّهُ لِي أَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِي ( وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ) بِاجْتِهَادِي لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ مَقْسُومَةٌ عَلَى الْمُقَاتِلِينَ : الشَّرِيفُ وَالْمَشْرُوفُ وَالرَّفِيعُ وَالْوَضِيعُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالسَّوَاءُ ، لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلِاجْتِهَادِ بِالِاتِّفَاقِ الْمُتَلَقَّى عن المصطفى ؛ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَهْمِ الْفَارِسِ كَمَا تَقَدَّمَ . زَادَ النَّسَائِيُّ : فَقَامَ رَجُلٌ وَمَعَهُ كُبَّةُ شَعْرٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةً ، فَقَالَ : أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ ، فَقَالَ : أَمَّا إِذَا بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا وَنَبَذَهَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَسَيْفُهُ مُلَطَّخٌ دَمًا فَقَالَ : دُونَكِي هَذِهِ الْإِبْرَةَ تَخِيطِينَ بِهَا ثِيَابَكِي ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهَا فَسَمِعَ الْمُنَادِيَ يَقُولُ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَلْيَرُدُّهُ حَتَّى الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ ، فَرَجَعَ عَقِيلٌ فَأَخَذَهَا فَأَلْقَاهَا فِي الْغَنَائِمِ .