1004 حَدِيثٌ رَابِعَ عَشَرَ لِأَبِي النَّضْرِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ : هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ : أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا ، وَجَاهَدَنَا كَمَا جَاهَدُوا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلَى ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ؟ قَالَ : فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ ؟ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، هَكَذَا مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ يَسْتَنِدُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، أَيْ : أَشْهَدُ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ ، وَالسَّلَامَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ ، وَمِنَ التَّبْدِيلِ ، وَالتَّغْيِيرِ ، وَالْمُنَافَسَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ تُخْلِفُهُمْ بَعْدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهَذَا عِنْدِي فِي الْجُمْلَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلتَّخْصِيصِ ; لِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَهُ ، وَأَصَابَتْ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْخُصُوصُ وَالتَّعْيِينُ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَأَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ تَخَلَّفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ ، فَأَفْضَلُهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَنْ شَذَّ ، وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ أَفْضَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لَمْ يَسْتَثْنُوا مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ مِمَّنْ مَاتَ بَعْدَهُ . وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ : أَنَا أَشْهَدُ لِهَؤُلَاءِ ، أَوْ أَنَا شَهِيدٌ لِهَؤُلَاءِ ، وَنَحْوِ هَذَا ، فَقَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ ، وَمَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ سُفْيَانُ : وَثَبَّتَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الصُّعَيْرِ ، قَالَ : أَشْرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ شَهِدْتُ عَلَى هَؤُلَاءِ فَزَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمًا ، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ، وَإِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أَخَافَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُبَّانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيَهُمُّ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ ، وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، وَقَالَ : أَنَا الشَّاهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ، وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ وَالِاثْنَيْنِ ، ثُمَّ يَسْأَلُ : أَيُّهُمَا أَكْثَرُ قُرْآنًا فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ ، وَيُكَفِّنُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عِنْدَهُمْ بِالصَّوَابِ أَوْلَى . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ تِلْكَ الْخَرْجَةَ اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَتَشَهَّدَ ، فَلَمَّا قَضَى تَشْهُدَهُ كَانَ أَوَّلُ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ : أَنِ اسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قَتَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ رَبِّهِ ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ رَبِّهِ ، فَفَطِنَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلَ النَّاسِ ، وَعَرَفَ إِنَّمَا يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكَ ، سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يدا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِشُهَدَاءَ أُحُدٍ هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ · ص 228 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقول النبي لشهداء أحد هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ · ص 233 1004 960 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي هَذَا الْبَابِ : مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ؛ أنه بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ : هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ ؟ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا ، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلَى ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ بَكَى ، ثُمَّ قَالَ : أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ . 20166 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي انْقِطَاعِهِ . 20167 - وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ . 20168 - مِنْهَا : حَدِيثُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمًا ، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : أَنَا فَرَطٌ لَكُمْ ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَإِنِّي - وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا . 20169 - ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، فَذَكَرَهُ . 20170 - قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ : هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، يَقُولُ : أَنَا شهيد لَهُمْ ، وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى لَهُمْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَيَكُونُ لَهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا ، يَقُولُ : أَنَا شَهِيدٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ صَدَقُوا بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ، حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ ، فَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . 20171 - فَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُمْ قَاطِعَةٌ بِالْجَنَّةِ ، وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 20172 - وَفِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَالشَّهَادَةُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، مَا لَا خِلَافَ ، وَلَا شَيْءَ فِي مَعَانِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا ذَابِّينَ عَنْ دِينِ اللَّهِ ، وَعَنْ رَسُولِهِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْفَصْلِ مَعَ السَّلَامَةِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَمُوبِقَاتِ الذُّنُوبِ الَّتِي أَكْثَرُ أَسْبَابِهَا الْإِفْرَاطُ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَالْمُنَافِسَةُ فِيهَا . 20173 - وَلِشُهَدَاءِ أُحُدٍ عِنْدَنَا كُلُّ مَنْ مَاتَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهِيدًا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا أَوْ سَرِيَّةٍ بَعَثَهَا . 20174 - وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ فِي عُصَارَةِ إِيمَانِهِ كَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَغَيْرِهِ ممَنْ لَمْ يتلبس مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يُدَنِّسُهُ . 20175 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : بَلَى ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ، فَإِنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ . وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْكَائِنِينَ بَعْدَهُ ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ بَدْرِ وَالْحُدَيْبِيَةَ مَنْ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ ، فَقَالَ : لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ، كَمَا شَهِدَ لِلشُّهَدَاءِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ لِهَؤُلَاءِ . 20176 - وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ جِلَّةِ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْقَطْعِ : أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الشُّهَدَاءِ ، مِثْلُ : حَمْزَةَ ، وَجَعْفَرٍ ، وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ مِمَّنْ مَوْتُهُمْ قَبْلَهُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَشَهِدَ بِالْجَنَّةِ لَهُمْ ، أَفْضَلُ مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِي قَالَ فِيهِمْ : أَلَا لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ، وَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا ، مَا قَدْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ . 20177 - وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، أَوْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، يَعْنِي مَنْ بَقِيَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 20178 - وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَفْضَلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَالْحُدَيْبِيَةِ ، لَمْ يَسْتَثْنُوا مَنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدَهُ . 20179 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يَصِحُّ فِي التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ وَصَحِيحِ الِاعْتِبَارِ وَالْأَثَرِ مما شَهِدَ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْأُصُولُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ ، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ، أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْمَشَاهِدَ ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَنْ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفَضْلِ ، وَقَالَ : لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ . 20180 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . 20181 - وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا 20182 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ مَاتَ شَهِيدًا فِي حَيَاتِهِ ، وَمَنْ مَاتَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاضٍ عَنْهُ . 20183 - وَأَمَّا الْبَاقُونَ بَعْدَهُ ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنَ الْقَوْلِ عَامَّةٌ فِيهِمْ مَعَ ثَنَاءِ اللَّهِ ( - عَزَّ وَجَلَّ - ) عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكَفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا . 20184 - وَأَمَّا التَّعْيِينُ فِيهِمْ ، وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي نَظَرٍ وَلَا اعْتِبَارٍ ، وَلَا يُحِيطُ بِذَلِكَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْمُطَّلِعُ عَلَى النِّيَّاتِ الْحَافِظُ لِلْأَعْمَالِ ، إِلَّا مَنْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ صَحِيحٌ بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ ، جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ ، لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ شَارَكُوهُ فِي مِثْلِ فَضْلِهِ ذَلِكَ ، وَمَنْ فَضَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَصْلَةٍ ، وَشَهِدَ لَهُ بِهَا جَازَ أَنْ يُفَضَّلَ بِهَا فِي نَفْسِهِ ، لَا عَلَى غَيْرِهِ . 20185 - وَقَدْ شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِفَضَائِلَ وَخَصَائِلَ مِنَ الْخَيْرِ كَثِيرَةٍ أَثْنَى بِهَا عَلَيْهِمْ ، وَوَصَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا ، أَفْرَدَهُ بِهَا ، وَلَمْ يشرك مَعَهُ غَيْرَهُ فِيهَا . 20186 - وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، تَجِبُ الْحُجَّةُ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ قَالَ : فَلَانٌ أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ إِذَا كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَدَبِهِ ، وَمَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِئَلَّا يُومِئَ لِلْمَفْضُولِ بِغِيبَةٍ ، وَيَحُطُّهُ فِي نَفْسِهِ فَيُخرِجُهُ وَيُخْزِيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ دِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ غَيْبِ أُمُورِهِمْ وَحَقَائِقِ شَأْنِهِمْ ، إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لَا يتقدم بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دِينِهِ ، لَأَفْشَاهُ ، إِنْ عَلِمَهُ ، وَمَنْ أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ فِي تَعْلِيمِهِ وَتَبْلِيغِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ، عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : فَلَانٌ أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ ، بَاطِلٌ ، وَلَيْسَ بِدِينٍ وَلَا شَرِيعَةٍ . 20187 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ : مَنْ أَفْضَلُ عِبَادِي ، وَلَا هَلْ فَلَانٌ أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ ، وَلَا ذَلِكَ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ أَحَدٌ فِي الْقَبْرِ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَدَحَ خِصَالًا ، وَحَمِدَ أَوْصَافًا مَنِ اهْتَدَى إِلَيْهَا حَازَ الْفَضَائِلَ ، وَبِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْهَا كَانَ فَضْلُهُ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَنَلْهَا ، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهَا ، لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الْفَضْلِ مَنْزِلَةَ مَنْ نَالَهُ . 20188 - هَذَا طَرِيقُ التَّفْضِيلِ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ . 20189 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلَا تَرَى الْحُكَّامَ إِنَّمَا يَقْضُونَ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ الشَّهَادَاتِ بِمَا يَظْهَرُ وَيَغْلِبُ ، وَلَا يَقْطَعُونَ عَلَى غَيْبٍ فِيمَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ يَقْضُونَ وَلَمْ يُكَلَّفُوا إِلَّا الْعِلْمَ الظَّاهِرَ ، وَالْبَاطِنُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . 20190 - وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ 20191 - وَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي : مَا يُعَاضدُ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 20192 - وَرَوَى سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا ، وَسُئِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، فَقَالَ : مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا اقْتُدِيَ بِهِ فِي دِينٍ ، يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ . 20193 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابْنُ أَبِي خيثمة قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَا أُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْعَشْرَةِ ، وَلَا غَيْرَهُمْ ، عَلَى صَاحِبِهِ . وَكَانَ يَقُولُ : هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ . 20193 م - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : أَدْرَكْتُ شُيُوخَنَا بِالْمَدِينَةِ ، وَهَذَا رَأْيُهُمْ . 20194 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، كُنَّا نُقَاتِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَقُولُ : أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، ثُمَّ عُثْمَانُ ، ثُمَّ يَسْكُتُ فَلَا يُفَضِّلُ أَحَدًا وَكَانَ أَفْهَمَ النَّاسِ لِنَافِعٍ وَأَعْلَمَهُمْ بِحَدِيثِهِ ، وَكَانَ نَافِعٌ عِنْدَهُ أَحَدَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي دِينِهِ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ صَحِيحًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا قَالَ قَوْلَهُ هَذَا . 20195 - وَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ ، لَا يُعَضِّدُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأُصُولِ ، وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، لَا حُجَّةَ فِيهِ وَقَدْ مَالَتِ الْعَامَّةُ بِجَهْلِهَا إِلَيْهِ ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَقَدْ نَقَضُوهُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ عَلِيًّا فِي التَّفْضِيلِ رَابِعُ الْأَرْبَعَةِ . 20196 - وَفِي حَدِيثِهِمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ لَا يُفَضِّلُونَ أَحَدًا بَعْدَ عُثْمَانَ ، وَأَنَّهُمْ يَسْكُتُونَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ عَنْ تَفْضِيلِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ ، فَقَدْ نَقَضُوا مَا أَبْرَمُوا ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى جَهْلِ عَامَّةِ هَذَا الزَّمَانِ . 20197 - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَنْ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ ، فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ ، وَمَنْ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ، وَهُوَ عَارِفٌ لِعُثْمَانَ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ ، فَذَكَرْتُ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَيَسْكُتُونَ ، فَتَكَلَّمَ فِيهِمْ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ . 20198 - وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ . 20199 - وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِينَ مَضَوُا التَّفْضِيلُ بَيْنَ النَّاسِ . 20200 - ذَكَرَهُ الْمَغَامِيُّ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ : فَضَائِلُ مَالِكٍ . 20201 - وَقَدْ عُورِضَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . 20202 - رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَفْضَلَ أَهْلِ الْمُدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . 20203 - وَهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ فِيهِ تَصْحِيفٌ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ هَكَذَا . 20204 - وإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَمْضَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، هَكَذَا مِنَ الْقَضَاءِ ، لَا مِنَ الْفَضْلِ . 20205 - وَقَدْ عَارَضُوا حَدِيثَ عُمَرَ أَيْضًا بِقَوْلِ حُذَيْفَةَ . 20206 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُفَيْرُ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : لَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقْرَبُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَسِيلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 20207 - وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْ حُذَيْفَةَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقْرَبُهُمْ وَسِيلَةً عِنْدَ اللَّهِ . 20208 - وَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُ بِالنِّهَايَةِ فِي الْفَضْلِ ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا نُفَاضِلُ ، فَنَقُولُ الْحَدِيثَ . 20209 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ رَدَّ حَدِيثَ جَابِرٍ وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا يَقْبَلُهُ ، بَلْ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَوْلَى بِالرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَظْرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا . 20210 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الشَّعْبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَادٍ الدُّولَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ . قَالَ : حَدَّثَني إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِي مَضَوْا أَنْ يُفَاضِلُوا بَيْنَ النَّاسِ . 20211 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْوَلِيدِيَّ ، يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِنَا الَّذِينَ أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا يُفَضِّلُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْعَشْرَةِ ، لَا مَالِكٌ ، وَلَا غَيْرُهُ . 20212 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، يَقُولُ : لَا أَشْهَدُ لِأَحَدٍ بِالْجَنَّةِ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . 20213 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَقْدِيمُ الشَّيْخَيْنِ ؛ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ . 20214 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ : مَنْ تُقَدِّمُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : أُقَدِّمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ، قَالَ : وَلَمْ يَزَلْ عَلَى هَذَا . 20215 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ؛ وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْآثَارِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَوَلِّي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِمْ ، وَنَشْرِ فَضَائِلِهِمْ ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ . 20216 - وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافُهُ ، والْحَمْدُ لِلَّهِ . 20217 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُغِيثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ الْيَزَنِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ ، كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ، ثُمَّ طَلَعَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هَذَا ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا . 20218 - قَالَ عُقْبَةُ : فَكَانَتْ آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 20219 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِخْوَانُنَا أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا ، وَهَاجَرُوا كَمَا هَاجَرْنَا ، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا ، وَمَضَوْا عَلَى آجَالِهِمْ ، وَبَقِينَا فِي آجَالِنَا ، فَبِمَ تَجْعَلُهُمْ خَيْرًا مِنَّا ؟ فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا ، وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ ، أَوْ قَالَ : فَأَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ ، وَلَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي . 20220 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ، مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سعد ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، قَالَ : فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ سَهْلٍ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ ، وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي ! ! فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي . 20221 - قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) ، قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ : يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي ، فَيُقَالُ : هَلْ تَعْرِفُ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ، وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ . 20222 - فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا ، أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا . 20223 - وَرَوَى الزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حسينٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي ، فَيُحَلَّؤُنَ عَنِ الْحَوْضِ ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى . 20224 - ورَوَى يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 20225 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَ الْحَوْضِ وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَتَقَصَّيْنَاهَا بِأَلْفَاظِهَا وَطُرُقِهَا فِي بَابِ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مِنْ كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 56 988 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ : هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ ، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلَى ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ؟ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ قَالَ : أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ . 1004 988 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ) سَالِمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ( مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ ( أَنَّهُ بَلَغَهُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ يَسْتَنِدُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ كَثِيرَةٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ ) أَيْ لِأَجْلِهِمْ وَفِي شَأْنِهِمْ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مَقْتُولِينَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَهُمْ سَبْعُونَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأَنَسٌ فِي الصَّحِيحِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ وَهُوَ الْمُؤَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 165 ) اتَّفَقَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْلُ أُحُدٍ ، وَأَنَّ إِصَابَتَهُمْ مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ سَبْعِينَ وَأَسْرِ سَبْعِينَ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِمْ إِنْ ثَبَتَتْ فَإِنَّمَا نَشَأَتْ مِنَ الْخِلَافِ فِي تَفْصِيلِهِمْ وَلَيْسَتْ زِيَادَةً حَقِيقَةً . ( هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ) بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ بَذْلِ أَجْسَامِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ وَتَرْكِ مَنْ لَهُ الْأَوْلَادُ أَوْلَادَهُ كَأَبِي جَابِرٍ تَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ طَيِّبَةً بِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ بِوَعْدِ خَالِقِهِمْ حَتَّى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ كَأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حِينَ خَرَجَ : اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَى أَهْلِي كَعَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكِبَرِ سِنِّهِ ، فَخَرَجَ رَجَاءَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْيَمَانُ ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ ، فَحُذِفَ الْمَشْهُودُ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَيْ أَشْهَدُ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ وَمِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى . فَجَعَلَ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : أَشْهَدُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ وِلَايَةٌ وَقِيَادَةٌ ؛ فَوُصِلَتْ بِحَرْفِ عَلَى لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالرَّقِيبِ الْمُؤْتَمَنِ عَلَى أُمَّتِهِ عُدِّيَ بِعَلَى ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا ؟ ) فَلِمَ خُصَّ هَؤُلَاءِ بِشَهَادَتِكَ عَلَيْهِمْ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلَى ) أَنْتُمْ إِخْوَانُهُمْ . . . إِلَخْ ، ( وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي ) فَلِذَا خَصَّصْتُهُمْ بِالشَّهَادَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ هُوَ لَا أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ( فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ) كَرَّرَهُ لِمَزِيدِ أَسَفِهِ عَلَى فِرَاقِ الْمُصْطَفَى ( ثُمَّ قَالَ : أَئِنَّا لَكَائِنُونَ ) أَيْ مَوْجُودُونَ ( بَعْدَكَ ) اسْتِفْهَامُ تَأَسُّفٍ لَا حَقِيقِيٍّ لِاسْتِحَالَتِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِمَّنْ خَلَّفَهُمْ بَعْدَهُ ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَصَابَ الدُّنْيَا بَعْدَهُ وَأَصَابَتْ مِنْهُ ، أَمَّا الْخُصُوصُ وَالتَّعْيِينُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ .