1134 حَدِيثُ خَامِسَ عَشَرَ لِنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الشِّغَارِ . هَكَذَا رَوَاهُ جُمْلَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ الشِّغَارِ - أَنَّهُ الرَّجُلُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ أَوْ وَلِيَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْهُ ابْنَتَهُ أَيْضًا ، أَوْ وَلِيَّتَهُ ، وَيَكُونُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ; صَدَاقًا لِلْأُخْرَى دُونَ صَدَاقٍ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ أَنَّهُ الشِّغَارُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِلشِّغَارِ فِي اللُّغَةِ مَعْنًى لَا مَدْخَلَ لَهُ هَاهُنَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عِنْدَهُمْ مِنْ شَغَرَ الْكَلْبُ إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْبَوْلِ ، وَذَلِكَ زَعَمُوا لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ حَالِ الصِّغَرِ إِلَى حَالٍ يُمْكِنُ فِيهَا طَلَبُ الْوُثُوبِ على الأنثى لِلنَّسْلِ ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ لِلْكَلْبِ إِذَا فَعَلَهُ عَلَامَةُ بُلُوغِهِ إِلَى حَالِ الِاحْتِلَامِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَرْفَعُ رِجْلَهُ لِلْبَوْلِ إِلَّا وَهُوَ قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ، يُقَالُ مِنْهُ : شَغَرَ الْكَلْبُ يَشْغَرُ شَغْرًا ، إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ فَبَالَ ، أَوْ لَمْ يُبُلْ ، وَيُقَالُ : شَغَرْتُ بِالْمَرْأَةِ أَشَغَرُهَا شَغْرًا إِذَا رَفَعْتُ رِجْلَيْهَا لِلنِّكَاحِ ، فَهَذَا مَعْنَى الشِّغَارِ فِي اللُّغَةِ ; وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَأَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ رَجُلًا وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ بِلَا صَدَاقٍ بَيْنَهُمَا - عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ; وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ خَلِيلٌ فِي كِتَابِهِ أَيْضًا . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ مَكْرُوهٌ لَا يَجُوزُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا وَقَعَ ( هَلْ يَصِحُّ ) بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الشِّغَارِ ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَيُفْسَخُ أَبَدًا ; قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ; قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِي هَذَا إِنْ دَخَلَ ، وَيَثْبُتُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيُفْسَخُ فِي الْأَوَّلِ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا لَمْ يُسَمِّ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا - وَشَرَطَ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهَ ، وَهُوَ يَلِي أَمْرَهَا عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضْعُ الْأُخْرَى ، وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا فَهَذَا الشِّغَارُ ، وَلَا يَصِحُّ وَيُفْسَخُ . قَالَ : وَلَوْ سُمِّيَ لِإِحْدَاهُمَا ، أَوْ لَهُمَا صَدَاقًا ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَالْمَهْرُ فَاسِدٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، وَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَالَ : أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي ، أَوْ أُخْتِي ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ ، فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى ، فَهُوَ الشِّغَارُ ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ نَهَتْ عَنْ صَدَاقِ الْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْغَرَرِ ، وَالْمَجْهُولِ ، وَالنِّكَاحُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ . وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّزْوِيجَ مُضَمَّنٌ بِنَفْسِهِ ، لَا يُبَدِّلُهُ ، وَلَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ فِي الْعَقْدِ إِلَى الصَّدَاقِ . لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ وَرَدَ بِجَوَازِ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ دُونَ صَدَاقٍ ، بِقَوْلِهِ : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يُرِيدُ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَمَا لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يَعْنِي : صَدَاقًا ، فَسَمَّاهُ نِكَاحًا ، وَجَعْلَ فِيهِ الطَّلَاقَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ الصَّدَاقِ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ أَبْطَلَ نِكَاحَ الشِّغَارِ ، أَنَّهُ نِكَاحٌ طَابَقَ النَّهْيَ فَفَسَدَ - امْتِثَالًا لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ، يَعْنِي مَرْدُودًا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ · ص 70 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر في نهي النبي عن الشغار · ص 199 1134 ( 11 ) بَابُ جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ 1085 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الشِّغَارِ . وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ . لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ . 24033 - هَكَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ . 24034 - وَقَالَ فِيهِ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ الشِّغَارِ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ . 24035 - وَلِلشِّغَارِ فِي اللُّغَةِ مَعْنًى لَا مَدْخَلَ لَهُ هَاهُنَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عِنْدَهُمْ مِنْ شِغَارِ الْكَلْبِ إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْبَوْلِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ حَالَ الصِّغَرِ إِلَى حَالٍ يُمْكِنُ فِيهَا الْوُثُوبُ عَلَى الْأُنْثَى لِلنَّسْلِ . 24036 - وَهُوَ عِنْدَهُمْ لِلْكَلْبِ عَلَامَةُ بُلُوغِهِ إِلَى حَالِ الِاحْتِلَامِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَرْفَعُ رِجْلَهُ لِلْبَوْلِ إِلَّا وَهُوَ قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ، يُقَالُ مِنْهُ : شَغَرَ الْكَلْبُ يَشْغَرُ : إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ فَبَالَ ، أَوْ لَمْ يَبُلْ . 24037 - وَيُقَالُ : شَغَرَتِ الْمَرْأَةُ شَغْرًا : إِذَا رَفَعَتْ رِجْلَيْهَا لِلنِّكَاحِ ، فَهَذَا مَعْنَى الشِّغَارِ فِي اللُّغَةِ . 24038 - وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَهُوَ أَنْ يُنْكِحَ الرَّجُلُ وَلَيَّتَهُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْآخَرُ وَلَيَّتَهُ ، وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بُضْعُ هَذِهِ بِبُضْعِ هَذِهِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ . 24039 - وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَلِيلُ أَيْضًا فِي الْعَيْنِ . 24040 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَجُوزُ . 24041 - وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا وَقَعَ ، هَلْ يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ لَا ؟ 24042 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الشِّغَارِ دَخَلَ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَيُفْسَخُ أَبَدًا . 24043 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ بِمِئَةِ دِينَارٍ ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ . 24044 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِي هَذَا إِنْ دَخَلَ ، وَيَثْبُتُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيُفْسَخُ فِي الْأَوَّلِ ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ . 24045 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا لَمْ يُسَمِّ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا ، وَيَشْرُطُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ ، وَهُمَا يَلِيَانِ أَمْرَهُمَا عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضْعُ الْأُخْرَى ، وَلَمْ يُسَمِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَدَاقًا ، فَهَذَا الشِّغَارُ . 24046 - وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ هَذَا النِّكَاحِ ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ ، وَبَعْدَهُ . 24047 - قَالَ : وَلَوْ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَالْمَهْرُ فَاسِدٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، أَوْ نِصْفُ [ مَهْرِ مِثْلِهَا ] إِنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ . 24048 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَالَ : أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ ، وَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِالْأُخْرَى ، فَهُوَ الشِّغَارُ ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ . 24049 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 24050 - وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ . 24051 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِيمن نَكَحَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الشِّغَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ . 24052 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُكْتَبُ النِّكَاحُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ . 24053 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ أَبْطَلَ النِّكَاحَ فِي الشِّغَارِ وَسَائِرِ الْمُهُورِ الْمُحَرَّمَةِ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ ، فَهُوَ فِعْلٌ طَابَقَ النَّهْيَ ، فَفَسَدَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ ، فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ . 24054 - وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا - يَعْنِي سُنَّتَنَا - فَهُوَ رَدٌّ . يَعْنِي مَرْدُودًا . 24055 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَقْدَ فِي الشِّغَارِ صَحِيحٌ ، وَالْمَهْرُ فَاسِدٌ ، وَيَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ : إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ ، وَالْخِنْزِيرَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا مَهْرًا لِمُسْلِمٍ . 24056 - وَكَذَلِكَ الْغَرَرُ ، وَالْمَجْهُولُ ، وَسَائِرُ مَا نَهَى عَنْ مِلْكِهِ ، أَوْ ملك عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَسُنَّتِهِ . 24057 - وَأَجْمَعُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ عَلَى الْمَهْرِ الْفَاسِدِ إِذَا فَاتَ بِالدُّخُولِ ، فَلَا يُفْسَخُ لِفَسَادِ صَدَاقِهِ ، وَيَكُونُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ ، وَالْإِجَارَاتِ ، وَغَيْرِهَا الْمَضْمُونَاتِ بِأَثْمَانِهَا . 24058 - قَالُوا : وَإِذَا لَمْ يُفْسَخْ لِذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا مُنْعَقِدًا حَلَالًا مَا صَارَ حَلَالًا بِالدُّخُولِ . 24059 - وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّزْوِيجَ يُضْمَنُ بِنَفْسِهِ لَا بِالْعِوَضِ ، بِدَلِيلِ تَجْوِيزِ اللَّهِ تَعَالَى النِّكَاحَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يُرِيدُ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ، وَمَا لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، فَلَمَّا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ دُونَ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ إِلَّا عَلَى الزَّوْجَاتِ . 24060 - وَكَوْنُهُنَّ زَوْجَاتٍ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ · ص 215 11 - بَاب جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ 1113 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ . 11 - بَابُ جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ 1134 1113 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) تَحْرِيمًا ( عَنِ الشِّغَارِ ) هَكَذَا لِجُلِّ الرُّوَاةِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ بِمُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَكْسُورَةٌ فَأَلِفٌ فَرَاءٌ مَصْدَرُ شَاغَرَ يُشَاغِرُ شِغَارًا وَمُشَاغَرَةً . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ ( وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ ) أَوْ أُخْتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ( عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ آخَرُ ابْنَتَهُ ) أَوْ وَلِيَّتَهُ ( لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ ) بَلْ يَضَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَدَاقَ الْأُخْرَى ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : شَغَرَ الْبَلَدُ عَنِ السُّلْطَانِ إِذَا خَلَا عَنْهُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الصَّدَاقِ أَوْ لِخُلُوِّهِ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِطِ . وَقَالَ ثَعْلَبٌ : مِنْ قَوْلِهِمْ شَغَرَ الْكَلْبُ إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ كَأَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَلِيَّيْنِ يَقُولُ لِلْآخَرِ : لَا تَرْفَعُ رِجْلَ ابْنَتِي حَتَّى أَرْفَعَ رِجْلَ ابْنَتِكَ ، وَفِي التَّشْبِيهِ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْقَبِيحَةِ تَقْبِيحٌ لِلشِّغَارِ وَتَغْلِيظٌ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَأَكْثَرُ رُوَاةِ مَالِكٍ لَمْ يَنْسُبُوا هَذَا التَّفْسِيرَ لِأَحَدٍ ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا أَدْرِي أَهُو مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ نَافِعٍ أَوْ مَالِكٍ ؟ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَقَالَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ : هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَصَلَهُ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : قَوْلُهُ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ مَرْفُوعًا اتِّفَاقًا وَبَاقِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي ، انْتَهَى . وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ : فَفِي مُسْلِمٍ هُنَا وَالْبُخَارِيِّ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِنَافِعٍ : مَا الشِّغَارُ ؟ قَالَ : فَذَكَرَهُ ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ : الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ . قَالَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ : كَانَ الشِّغَارُ مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ ، يَقُولُ شَاغِرْنِي وَلِيَّتِي بِوَلِيَّتِكَ أَيْ عَاوِضْنِي جِمَاعًا بِجِمَاعٍ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَيْرَ الْبِنْتِ مِنَ الْإِمَاءِ وَالْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ حُكْمُ الْبِنْتِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْأُبِّيُّ بِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ اخْتِصَاصُهُ بِذَوَاتِ الْجَبْرِ وَهُوَ فِي غَيْرِهِنَّ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تُزَوَّجُ عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ فَيَمْضِي بِالدُّخُولِ ، قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِيمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشِّغَارِ زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ : أَنْ يَقُولَ : زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ابْتِدَاءً ؛ فَإِنْ وَقَعَ أَمْضَاهُ الْكُوفِيُّونَ والليث وَالزَّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ ؛ إِذَا صُحِّحَ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ ، وَأَبْطَلَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْبُطْلَانِ فَقِيلَ : لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرْجَيْنِ مَعْقُودٌ بِهِ وَعَلَيْهِ ، وَقِيلَ : لِخُلُوِّهِ مِنَ الصَّدَاقِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فَسَادُهُ فِي عَقْدِهِ فَيُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ ، وَعَلَى الثَّانِي فَسَادُهُ فِي صَدَاقِهِ فَيَمْضِي بِالْبِنَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ غَيْرُهُ : وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي النَّهْيِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ ؟ أَوْ لِلْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا أَدْرَى بِمَا سَمِعَا لِأَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ عَالِمَانِ بِمَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِذَا كَانَ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ فَإِنَّهُ عَجَمِيٌّ تَعَرَّبَ ، وَلِذَا اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَلَيْسَ الْبُطْلَانُ لِتَرْكِ ذِكْرِ الصَّدَاقِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِدُونِ تَسْمِيَتِهِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ يُشْعِرُ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ تَرْكُ ذِكْرِ الصَّدَاقِ ، انْتَهَى . أَيْ مَعَ جَعْلِ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى وَهَذَا صَرِيحُ الشِّغَارِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : يُفْسَخُ وَإِنْ طَالَ وَوَلَدَتِ الْأَوْلَادَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : بِطَلَاقٍ . وَأَمَّا وَجْهُ الشِّغَارِ وَهُوَ أَنْ يُسَمِّيَ لِكُلٍّ صَدَاقًا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ كُلًّا مِنْهُمَا الْآخَرُ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا وَهُوَ أَنْ يُسَمَّى لِإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا وَالْأُخْرَى بِلَا صَدَاقٍ فَالْمُسَمَّى لَهَا حُكْمُ وَجْهِهِ وَالْأُخْرَى كَصَرِيحِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ ، وَأَيُّوبُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَابَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا .