ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : كَانَ لَفْظُ الزُّهْرِيِّ إِذَا حَدَّثَنَا عَنْ أَنَسٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : سَمِعْتُ ، سَمِعْتُ . قَدْ ذَكَرْنَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ · ص 183 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ · ص 183 1201 مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ( الْأَنْصَارِيِّ ) فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمَسَائِلَ ) وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَلَمَّا جَاءَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ ) فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الْمَسْأَلَةَ ) الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا . فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَسَطُ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا . فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ ( النَّاسِ ) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَا ( مِنْ تَلَاعُنِهِمَا ) قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا ( عُوَيْمِرٌ ) ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( قَالَ مَالِكٌ : ) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ ( بَعْدُ ) سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَرَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ وَسَاقَهُ بِنَحْوِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ إِلَى آخِرِهِ ، وَقَالَ : فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً . هَكَذَا قَالَ فِي نَسَقِ الْحَدِيثِ ، جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَكَانَتْ فُرْقَتُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً بَعْدُ . وَمِنْ رُوَاةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ مَنْ يَقُولُ عَنْهُ فِيهِ : فَكَانَ طَلَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً . كُلُّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ فِي كَلَامِ سَهْلٍ لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ عِنْدُ جَمَاعَةِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ كَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَمُطَرِّفٍ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَابْنِ بُكَيْرٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي مُصْعَبٍ وَالتِّنِّيسِيِّ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الزُّبَيْرِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ اللِّعَانِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، فَاخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : فَكَانَ فُرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . فَأَدْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ وَجَعَلُوهُ مِنْ قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ . وَفَصَّلَهُ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فِيمَا كَتَبَ ( بِهِ ) إِلَيْهِ الزُّهْرِيُّ ، قَالُوا فِي آخِرِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمْرُوسٍ ( إِجَازَةً ) ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : قُرِئَ عَلَى سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّلَاعُنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ ، قَالَ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، فَفَارَقَهَا ، فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا ، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ غَيْرُ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمَا قُرْآنًا ، وَتَلَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَلَمَّا تَلَاعَنَا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ظَلَمْتُهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَهِيَ الطَّلَاقُ ، فهي الطَّلَاقُ ، فَهِيَ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ ( صَلَاةِ ) الْعَصْرِ إِلَّا ابْنُ إِدْرِيسَ ، وَأَظُنُّهُ حَمَلَ لَفْظَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : السُّؤَالُ عَنِ الْإِشْكَالِ ، وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِـ أَرَأَيْتَ ( عَنِ الْمَسَائِلِ ) كَانَ قَدِيمًا فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَفِيهِ أَنْ يَتَوَلَّى السُّؤَالَ عَنْ مَسْأَلَتِكَ غَيْرُكَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُهِمَّةً ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ قَبُولُ خَبَرِهِ عِنْدَهُ مَا أَرْسَلَهُ يَسْأَلُ لَهُ ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ سَمَاعِ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِقَبِيحٍ قَذْفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْمُعَرَّضَ ( بِهِ ) غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ رَجُلٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ ، أَوْ يُسَمِّيهِ فِي مُشَاتَمَتِهِ ، وَبطْلُبُهُ الْمُعَرَّضُ بِهِ ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِي التَّعْرِيضِ ( بِالْقَذْفِ ) ( الْحَدُّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْمُعَرِّضِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الْقَذْفِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحُدُّ فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيضِ مُرَادُ الْقَاذِفِ . وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ : فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْلِمَ الْمَقْذُوفَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحُجَّةُ لِمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا تَجَسَّسُوا وَلِأَنَّ الْعَجْلَانِيَّ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ فَلَمْ يَبْعَثْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَعْلَمَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَكَرَ الْمَرْمِيَّ بِهِ فِي الْتِعَانِهِ حُدَّ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرُورَةٌ إِلَى قَذْفِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى مَنْ رَمَى زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ ذَكَرَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ ( وَبَيْنَ ) مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَقَدْ رَمَى الْعَجْلَانِيُّ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ وَكَذَلِكَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَلَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا . وَفِيهِ أَنَّ طِبَاعَ الْبَشَرِ أَنْ تَكُونَ الْغَيْرَةُ تَحْمِلُ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْصِمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَالتَّثَبُّتِ وَالتُّقَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَالَمَ إِذَا كَرِهَ السُّؤَالَ ( لَهُ ) أَنْ يَعِيبَهُ وَيَنْجَهَ صَاحِبَهُ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ لَقِيَ شَيْئًا مِنَ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَنِّبَ ذَلِكَ الَّذِي لَقِيَ الْمَكْرُوهَ بِسَبَبِهِ وَيُعَاتِبَهُ لِقَوْلِ عَاصِمٍ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَا يَرْدَعُهُ عَنْ تَفَهُّمِهَا غَضَبُ الْعَالِمِ وَكَرَاهِيَتُهُ لَهَا حَتَّى يَقِفَ عَلَى الثَّلَجِ مِنْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَمَّا يَلْزَمُ عِلْمُهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ ، وَاجِبٌ فِي الْمَحَافِلِ وَغَيْرِ الْمَحَافِلِ ، وَأَنَّهُ لَا حَيَاءَ يَلْزَمُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَسَطُ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالطَّلَاقِ الَّذِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوقِعَهُ حَيْثُ أَحَبَّ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ . ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ ، وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَالِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ الْجَوَابَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُ وَرَجَاهُ فِيمَا بَعْدُ ، وَفِيهِ : أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُورَةً سُورَةً وَآيَةً آيَةً عَلَى حَسَبِ حَاجَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ وَأَمَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَنَزَلَ كُلُّهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا رُوِيَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ قَالُوا : لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، ونَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ جُمْلَةً ( وَاحِدَةً ) إِلَى سَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ يَتَلَاعَنَانِ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ خَلِيفَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَفِي قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنْ رَجُلٍ ، وَلَا امْرَأَةً مِنِ امْرَأَةٍ وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِهَذَا الْعُمُومِ فَقَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَوْجًا مِنْ زَوْجٍ . وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا لِعَانَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكَةِ ، وَلَا بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَالْحُرَّةِ ، وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيَّةِ الْكِتَابِيَّةِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَجٌ ( لَا تَقُومُ عَلَى سَاقٍ ) مِنْهَا : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا لِعَانَ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ ، وَلَا كَافِرَيْنِ . وَهَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ دُونَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاحْتَجُّوا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَمَّا اسْتُثْنُوا مِنْ جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ وَجَبَ أَنْ لَا يُلَاعِنَ إِلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا عَبْدٌ وَلَا كَافِرٌ ، وَلَا يُلَاعِنُ عِنْدَهُمْ إِلَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : اللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ ، وَكُلُّ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ يَجُوزُ لِعَانُهُ . وَاللِّعَانُ أَيْمَانٌ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ ، وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً ( مَا ) سَوَّى فِيهِ بَيْنَ ( الرَّجُلِ ) وَالْمَرْأَةِ ، وَلَكَانَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ ، وَلَا يَشْهَدُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ أَيْمَانَ الْمُنَافِقِينَ شَهَادَةً بِقَوْلِهِ : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ مُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ بِاللِّعَانِ ، وَلَا يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الْأَمَةِ ، وَالْكِتَابِيَّةِ بِاللِّعَانِ . وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْضُرُ مَعَ نَفْسِهِ لِلتَّلَاعُنِ قَوْمًا يَشْهَدُونَ ذَلِكَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي شُهُودِ ) سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُهُودِ الْغِلْمَانِ وَالشُّبَّانِ التَّلَاعُنَ مَعَ الْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ ، لِأَنَّ سَهْلًا كَانَ يَوْمَئِذٍ غُلَامًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَدْرَكَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ابْنُ كَمْ أَنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ - يَعْنِي يَوْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ - قَالَ : ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُبَاحٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْعَجْلَانِيِّ أَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْمُلَاعَنَةِ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَقَعُ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَاتٍ فِي الطُّهْرِ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى طَلَاقٍ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيِلِ : إِذَا فَرَغَا جَمِيعًا مِنَ اللِّعَانِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي أَنَّ لِلْفُرْقَةِ تَأْثِيرًا فِي الْتِعَانِ الْمَرْأَةِ : وُجُوبُهُ عَلَيْهَا ، وَقِيَاسًا عَلَى أَنَّ تَفَاسُخَ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَمَامِ تَحَالُفِهِمَا جَمِيعًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنَ اللِّعَانِ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَأَضَافَ الْفُرْقَةَ إِلَيْهِ لَا إِلَى اللِّعَانِ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ تَفْرِيقَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ إِعْلَامًا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ اللِّعَانِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَمِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا افْتَقَرَ اللِّعَانُ إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ افْتَقَرَ إِلَى تَفْرِيقِهِ كَفُرْقَةِ الْعِنِّينِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ ، الْتَعَنَتْ أَوْ لَمْ تَلْتَعْنُ ( قَالَ ) : وَإِنَّمَا الْتِعَانُ الْمَرْأَةِ لِدَرْءِ الْحَدِّ لا غير ، وَلَيْسَ لِالْتِعَانِهَا فِي زَوَالِ الْفَرَاشِ مَعْنًى ، وَلَمَّا كَانَ لِعَانُ الزَّوْجِ يَنْفِي الْوَلَدَ وَيُسْقِطُ الْحَدَّ رَفَعَ الْفِرَاشَ ( وَقَدْ ذَكَرْنَا حُجَّتَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ) . وَكُلُّ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ الْحِجَازِيِّينَ ، وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ : إِنَّ اللِّعَانَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الطَّلَاقِ ، وَإِنَّ حُكْمَهُ وَسُنَّتَهُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمُ الَّذِي قَدَّمْنَا فِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا . إِلَّا عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ التَّلَاعُنَ يَنْقُضُ شَيْئًا مِنْ عِصْمَةِ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى يُطَلِّقَ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . عَلَى أَنَّ الْبَتِّيَّ قَدِ اسْتَحَبَّ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ ، وَلَمْ يَسْتَحِبُّهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ قَدْ أَحْدَثَ حُكْمًا . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ ) : مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . يَعْنِي الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا إِذَا تَلَاعَنَا ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الطَّلَاقَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَعَ مَا يُعَضِّدُهُ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرَيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي الْعَجْلَانِ جَاءَ إِلَى عَاصِمٍ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ وَزَادَ فِيهِ : وَكَانَتِ امْرَأَةُ عُوَيْمِرٍ حُبْلَى فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ ، قَالَ : وَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ عَنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لِلْأُمِّ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ عُوَيْمِرٌ عَنْ ذَلِكَ : لَيْسَ بهَذَا حَقًّا إِنْ أَنَا رُمِيتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذِبٍ ، قَالَ : فَمَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ، فَهَذَا نَصٌّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ ) . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ . إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ إِذَا أَبَى مِنْ الِالْتِعَانِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْحَدَّ ، وَعَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانَ ، فَلَمَّا ( لَمْ ) يَنْتَقِلِ اللِّعَانُ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ لَمْ يَنْتَقِلِ الْحَدُّ إِلَى الزَّوْجِ ، وَيُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يُلَاعِنَ ، لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : إِنْ لَمْ يَلْتَعِنِ الزَّوْجُ حُدَّ ، لِأَنَّ اللِّعَانَ لَهُ بَرَاءَةٌ كَمَا الشُّهُودُ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ ( الْأَجْنَبِيُّ ) بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حُدَّ فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الْقِيَاسُ فِي الْحُدُودِ ، وَفِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ : إِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ ، وَإِنْ قَتَلْتُ قُتِلْتُ ، وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْتُ . وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ : عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَيْضًا ( أَنَّهُ ) لَمَّا لَحِقَ الزَّوْجَةَ مِنَ الْعَارِ بِقَذْفِ الزَّوْجِ لَهَا مِثْلُ مَا لَحِقَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا . وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ مَعَ شُهُودِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ ، كَانَ لَهُ شُهُودٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ إِلَّا دَرْءُ الْحَدِّ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْفِرَاشِ وَنَفْيُ الْوَلَدِ ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللِّعَانِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ اللِّعَانُ لِلزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهَدَاءُ غَيْرُ نَفْسِهِ . وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْمُلَاعِنُ هَلْ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالُوا : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا سَوَاءٌ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يُكْذِبْهَا ، وَلَكِنَّهُ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَرُوِيَ ذَلِكَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ عَلَى اخْتِلَافٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ : إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَرُدَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ ، وَهَذَا عِنْدِي قَوْلٌ ثَالِثٌ خِلَافُ مَنْ قَالَ : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ، وَخِلَافُ مَنْ قَالَ : لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّلَاعُنُ يَقْتَضِي التَّبَاعُدَ ، فَإِذَا حَصَلَا مُتَبَاعِدَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إِعْلَامٌ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاللِّعَانِ ، وَأَنَّ السَّبِيلَ عَنْهَا مُرْتَفِعَةٌ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا مطلق غير مُقَيَّدٌ ( بِشَيْءٍ ) . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَقَالَ : حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ، قَالَ : ( لَا ) مَالَ لَكَ : إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ( فَهُوَ ) بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الْأَبْهَرِيُّ : وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ، فَإِنَّمَا عُوقِبَ الْمُلَاعِنُ بِمَنْعِ التَّرَاجُعِ لِمَا أَدْخَلَ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي النَّسَبِ كَمَا عُوقِبَ الْقَاتِلُ عَمْدًا أَنْ لَا يَرِثَ ، وَاحْتُجَّ أَيْضًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا بِمَنْعِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمَا لِمَا قَطَعَا مِنْ نَسَبِ الْوَلَدِ ، وَلَمْ يَتَصَادَقَا فِيهِ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ الْمُتَزَوِّجُ فِي الْعِدَّةِ لِمَا أَدْخَلَ فِي النَّسَبِ عُوقِبَ بِالْمَنْعِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَرَفْعِ فِرَاشِهِمَا ، لِأَنَّهُ أَفْرَشَ غَيْرَ فِرَاشِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأُصُولُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ الِاحْتِجَاجِ لَهُمَا ، وَالزَّانِي قَدِ افْتَرَشَ غَيْرَ فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ النِّكَاحِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ وَأَغْلَالٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ . ( وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ النَّاكِحِ فِي الْعِدَّةِ هُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ( فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ) مِثْلُ ذَلِكَ ( وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ) وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ فَلَمَّا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَحْرِيمِهَا دَخَلَتْ تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ : لَمَّا لَحِقَ الْوَلَدُ وَجَبَ أَنْ يَعُودَ الْفِرَاشُ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَيُوجِبُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَامِلًا ، وَأَنَّهَا جَاءَتْ بعدَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ فِي دَرَجِ حَدِيثِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، فَلَا أَرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا ألْيَتَيْنِ ، فَلَا أَرَاهَا إِلَّا ( قَدْ ) صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتِ السُّنَّةُ بَعْدَهُمَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى لِأُمِّهِ ، قَالَ : ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ : وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا . وَلَيْسَ لِلْحَمْلِ وَلَا لِلْوَلَدِ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، فَلِذَلِكَ أَخَّرْنَاهُ إِلَى بَابِ نَافِعٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ اللِّعَانِ ، فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ ذَكَرَ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ - يُرِيدُ أَرْبَعَ أَيْمَانٍ - يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي وَإِنْ نَفَى حَمْلَهَا زَادَ : وَلَقَدِ اسْتَبْرَيْتُهَا وَمَا الْحَمْلُ مِنِّي ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَالْخَامِسَةَ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ تَقُومُ هِيَ فَتَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي ، وَإِنَّ حَمْلِي لَمِنْهُ . تَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَالْخَامِسَةَ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ اللِّعَانِ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ ، عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يُلَاعِنُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : رَأَيْتُكِ تَزْنِي ، أَوْ يَنْفِي حَمْلًا أَوْ وَلَدًا مِنْهَا ، قَالَ : وَالْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ . وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْبَتِّيِّ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَجِبُ بِالْقَذْفِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِادِّعَاءِ الرُّؤْيَةِ ، أَوْ نَفْيِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : يَا زَانِيَةُ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَائِمَةٌ مِنَ الْآثَارِ ، فَمِنْهَا حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : قَوْلُهُ فِيهِ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ؟ وَكَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا ( قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ) قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجِدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ ، فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ عِنْدَهُمْ رَجُلًا ، فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي . فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا هِلَالُ ( فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ مَخْرَجًا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَذَفَ هِلَالُ ) ابْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ قِيلَ لَهُ : وَاللَّهِ لَيَجْلِدَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِينَ . فَقَالَ : اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَضْرِبَنِي وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي رَأَيْتُ حَتَّى اسْتَبَنْتُ ، وَسَمِعْتُ حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ . فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَتْ بِالرُّؤْيَةِ ، فَلَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ ، وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ رُؤْيَةً حُدَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ . ( وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ قِيَاسٌ عَلَى الشُّهُودِ ) وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِي اللِّعَانِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ النَّسَبِ ، وَلَا يَصِحُّ ارْتِفَاعُهُ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ نَفْيِ الْوَلَدِ ، فَلِهَذَا قَالُوا : إِنَّ الْقَذْفَ ( الْمُجَرَّدَ ) لَا لِعَانَ فِيهِ ، وَفِيهِ الْحَدُّ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَقِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إِلَّا بِرُؤْيَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا قَالَ لَهَا : يَا زَانِيَةً ، وَجَبَ اللِّعَانُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَالَ : يَا زَانِيَةً ، أَوْ : رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ ، أَوْ : زَنَيْتِ . وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ كَمَا قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَلَمْ يَقُلْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِرُؤْيَةٍ وَلَا بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَسَوَّى بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَمَنْ قَذَفَ محصنة غير زَوْجَته وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ لَاعَنَ ، فَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ حُدَّ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ مَا لَاعَنَ الْأَعْمَى ، وَلَهُمْ فِي هَذَا حُجَجٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي مُلَاعَنَةِ الْأَخْرَسِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ إِذَا فُهِمَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَيَصِحُّ يَمِينُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ فَيُنْكِرُ اللِّعَانَ ، فَلَا يُمْكِنُنَا إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُولُ الْمُلَاعِنُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةً بِنْتَ فُلَانٍ . وَيُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الْإِمَامُ وَيُذَكِّرُهُ اللَّهَ وَيَقُولُ لَهُ : إِنِّي أَخَافُ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْتَ أَنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ، فَإِنْ رَآهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيَقُولُ : إِنَّ قَوْلَكَ : وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ مُوجِبَةٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَإِنْ أَبَى تَرْكَهُ يَقُولُ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ فُلَانَةً مِنَ الزِّنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَخَذَ الشَّافِعِيُّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا حَيْثُ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا ، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ عِنْدَ الْخَامِسَةَ ، يَقُولُ : إِنَّهَا مُوجِبَةٌ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عويمر ونزول آية اللعان · ص 197 ( 13 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ 1156 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ؛ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا . فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا . فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا . قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ! فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . 25997 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ تَوْجِيهِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ اللِّعَانِ مَا ظَهَرَ لَنَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ اللِّعَانِ أَيْضًا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى . 25998 - زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ فِي الْقَذْفِ ; لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ 25999 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُعَرَّضَ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا جَاءَ طَالِبًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَرَّضَ بِقَذْفِ رَجُلٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ أَوْ يُسَمِّيهِ فِي مُشَاتَمَةٍ أَوْ مُنَازَعَةٍ ، وَيَطْلُبُ الْمُعَرَّضُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْحَدِّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْمُعَرِّضِ أَنَّهُ قَصَدَ الْقَذْفَ لِلْمُعَرَّضِ بِهِ ، وَزَوْجَةُ عُوَيْمِرٍ لَمْ يَمَسَّهَا وَلَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَلَا جَاءَتْ طَالِبَةً . 26000 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا وَوُجُوهُ مَعَانِي أَقْوَالِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26001 - وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ " أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ " وَسُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ " لَا نَقْتُلُهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِزِنَاهُ بِهَا . 26002 - وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26003 - وَفِيهِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوقِعَهُ حَيْثُ شَاءَ . 26004 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 26005 - وَيَسْتَحِبُّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَجْزَأَ عِنْدَهُمْ . 26006 - وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ قَاضٍ وَسَائِرِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ يَقُومُ فِي اللِّعَانِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِيهِ مَقَامَ الْإِمَامِ . 26007 - وَفِي قَوْلِ عُوَيْمِرٍ " أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَجِبُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنْ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةً مِنَ امْرَأَةٍ . 26008 - وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ فَقَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَوْجًا مَن زَوْجٍ . 26009 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ سَنَذْكُرُهَا حَيْثُ ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26010 - وَفِيهِ أَنَّ الْحَكَمَ يُحْضِرُ مَعَ نَفْسِهِ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ قَوْمًا يَشْهَدُونَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! 26011 - وَفِي شُهُودِ سَهْلٍ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُهُودِ الشَّبَابِ مَعَ الشُّيُوخِ عِنْدَ الْحُكَّامِ ; لِأَنَّ سَهْلًا كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 26012 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : ابْنُ كَمْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ يَعْنِي يَوْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، قَالَ : ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 26013 - وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَشَبَابًا غَيْرَهُ مَعَ الشُّيُوخِ ، وقَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 26014 - وَفِي قَوْلِهِ " أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَنُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ " يَعْنِي آيَاتِ اللِّعَانِ - دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ؛ 26015 - فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ " رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ " ، أَوْ يَنْفِي حَمْلًا بِهَا أَوْ وَلَدًا مِنْهَا ، إِلَّا أَنَّ الْأَعْمَى عِنْدَهُ يُلَاعِنُ إِذْا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ يُدْرِكُهُ بِالْحِسِّ وَاللَّمْسِ . 26016 - وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِادِّعَاءِ رُؤْيَةِ الزِّنَا وَنَفْيِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ . 26017 - وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ " يَا زَانِيَةُ " جُلِدَ الْحَدَّ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ 26018 - وَسَتَأْتِي أَحْكَامُ نَفْيِ الْحَمْلِ وَمَا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26019 - وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِيمَا يُوجِبُ اللِّعَانُ . 26020 - وَعِنْدَهُ قَائِمَةٌ مِنَ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 26021 - مِنْهَا حَدِيثُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ ؟ 26022 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا ! فَقَالَ عَاصِمٌ : مَا ابْتُلِيتَ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي . فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعْرِ ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ ! فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ : أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ " ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا ، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ . 26023 - وَحَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا يَتَفَخَّذُهَا ، لَمْ أَهْجُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ . . . ؟ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ! فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ الْآيَةَ . 26024 - وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلُّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 26025 - قَالُوا : فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَقَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَةِ الزِّنَا ، فَلَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ حِفْظُ النَّسَبِ ، وَلَا يَصِحُّ فَسَادُ النَّسَبِ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ ، وَبِهَا يَصِحُّ نَفْيُ الْوَلَدِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بِنَفْسِ الْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ ، وَقِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ فِي الزِّنَا إِلَّا بِرُؤْيَةٍ . 26026 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ " يَا زَانِيَةُ " وَجَبَ اللِّعَانُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ . 26027 - وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَالَ لَهُمَا " يَا زَانِيَةُ " أَوْ " رَأَيْتُكِ تَزِنِينَ " أَوْ " زَنَيْتِ " . 26028 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 26029 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . 26030 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ؛ فَأَوْجَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ الْحَدَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَأَوْجَبَ اللِّعَانَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَسَوَّى بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . 26031 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَعْمَى يُلَاعِنُ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الرُّؤْيَةُ . 26032 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ ؛ 26033 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ . 26034 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَلِقُ لِسَانُهُ فَيُنْكِرُ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ فَلَا يُمْكِنُنَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ . 26035 - وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ إِذَا أَبَى من اللِّعَانِ بَعْدَمَا ادَّعَاهُ مِنْ رُؤْيَةِ الزِّنَا أَوْ بَعْدَ قَذْفِهِ لَهَا ؛ 26036 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ . 26037 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللِّعَانَ لِلزَّوْجِ بَرَاءَةٌ كَالشَّهَادَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَرَاءَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْأَجْنَبِيُّ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حُدَّ ، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ . 26038 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ : إِنْ قَتَلْتُ قُتِلْتُ ، وَإِنْ نَطَقْتُ جُلِدْتُ ، وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ . 26039 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ولامرأته : عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ . 26040 - وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْآثَارَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 26041 - وَاخْتَلَفُوا ؛ هَلْ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ إِذَا أَقَامَ شُهُودَهُ بِالزِّنَا ؟ 26042 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ ، كَانَ لَهُ شُهُودٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا عَمَلَ لَهُمْ إِلَّا دَرْءُ الْحَدِّ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْفِرَاشِ وَنَفْيُ الْوَلَدِ فَلَا بُدَّ مِنَ اللِّعَانِ لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَعْمِلُ شَهَادَتُهُمْ فِي دَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ وَإِيجَابِهِ عَلَيْهَا . 26043 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهَدَاءُ غَيْرَ نَفْسِهِ . 26044 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ . 26045 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ ؛ 26046 - فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَكْثَرُ السُّلَفِ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُدَّتْ ، وَحَدُّهَا الرَّجْمُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، أَوِ الْجَلْدُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا . 26047 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ الْآيَةَ . 26048 - وَرَوَى يَزِيدُ النَّحْوِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُتَلَاعِنَانِ أُقِيمَ الْجَلْدُ أَوِ الرَّجْمُ . 26049 - وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ الْآيَةَ ، قَالَ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تُلَاعِنَ رُجِمَتْ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، وَجُلِدَتْ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا . 26050 - وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . 26051 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ : أَرَيْتَ إِنْ لَمْ تَلْعَنْ ؟ قَالَ : إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُبِسَتْ أَبَدًا حَتَّى تَلْتَعِنَ . 26052 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ جَنَبُوا عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِدَعْوَى زَوْجِهَا وَيَمِينِهِ دُونَ إِقْرَارٍ مِنْهَا وَلَا بَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَيْهَا ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً دَرَأُوا بِهَا الْحَدَّ عَنْهَا . 26053 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ . . . " ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْمُلَاعَنَةُ إِذَا أَبَتْ مِنَ اللِّعَانِ . 26054 - وَقَدْ نَقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ هَاهُنَا أَصْلَهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ . 26055 - وَلَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا . 26056 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُ فِي كَيْفِيَّةِ اللِّعَانِ فَاخْتِلَافٌ مُتَقَارِبٌ . 26057 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : يَحْلِفُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ؛ يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي ! وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ! وَتَحْلِفُ هِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ؛ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي ! وَالْخَامِسَةُ : غَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 26058 - وَقَالَ اللَّيْثُ : يَشْهَدُ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةً عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَتَشَهُّدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 26059 - وَنَحْوُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ . 26060 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ زَوْجَتِي فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ مِنَ الزِّنَا - وَيُشِيرُ إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الْإِمَامُ وَيُذَكِّرُهُ اللَّهَ ، وَيَقُولُ لَهُ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَادِقًا . فَإِنْ رَآهُ يُرِيدُ الْمُضِيَّ أَمَرَ مَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيَقُولُ : إِنَّ قَوْلَكَ " وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " مُوجِبَةٌ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ! فَإِنْ أَبَى إِلَّا اللِّعَانَ تَرَكَهُ الْإِمَامُ ، فَيَقُولُ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ فُلَانَةَ بِنْتِ فَلَانٍ مِنَ الزِّنَا . 26061 - وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : فَإِنْ رَمَاهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ قَالَ : مِنَ الزِّنَا مَعَ فُلَانٍ . 26062 - وَإِنْ نَفَى وَلَدَهَا قَالَ مَعَ كُلِّ شَهَادَةٍ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَإِنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَوَلَدُ زِنًا ؛ مَا هُوَ مِنِّي . 26063 - فَإِنْ كَانَ حَمْلًا قَالَ : وَإِنَّ الْحَمْلَ - إِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ مِنَ زِنًا - مَا هُوَ مِنِّي . 26064 - فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الِالْتِعَانِ . 26065 - ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ أَنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا . 26066 - فَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ قَالَتْ : وإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ . 26067 - وَإِنْ كَانَ وَلَدًا قَالَتْ : وَإِنَّ هَذَا لِوَلَدِهِ ، وَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَمَانِي بِهِ . 26068 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَالْخَامِسَةَ اللَّعْنُ ، وَتَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعًا ، وَالْخَامِسَةَ الْغَضَبُ ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ نَفَاهُ شَهِدَ أَرْبَعًا أَنَّهُ لِصَادِقٌ فِيمَا رَمَاهَا مِنَ الزِّنَا وَنَفْيِ الْوَلَدِ ، يَذْكُرُ الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ نَفَاهُ حَتَّى يَلْزَمَ أُمَّهُ . 26069 - وَقَالَ زُفَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ يُخَاطِبُهَا وَتُخَاطِبُهُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنَا . وَتَقُولُ هِيَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنَ الزِّنَا . 26070 - وَرَوَى مِثْلَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . 26071 - وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا هَذَا ، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا . ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِكَ ، وَالْخَامِسَةُ : عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِي هَذَا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ · ص 282 13 - بَاب مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ 1185 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ ، جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَقَامَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . 13 - بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ مَصْدَرُ لَاعَنَ سَمَاعِيٌّ لَا قِيَاسِيٌّ ، وَالْقِيَاسِيُّ الْمُلَاعَنَةُ مِنَ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ ، يُقَالُ : مِنْهُ الْتَعْنَ أَيْ لَعَنَ نَفْسَهُ ، وَلَاعَنَ إِذَا فَاعَلَ غَيْرَهُ مِنْهُ ، وَرَجُلٌ لُعْنَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ كَهُمْزَةٍ إِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّعْنِ لِغَيْرِهِ ، وَبِسُكُونِ الْعَيْنِ إِذَا لَعَنَهُ النَّاسُ كَثِيرًا ، الْجَمْعُ لُعَنٌ كَصُرَدٍ ، وَلَاعَنَتْهُ امْرَأَتُهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا فَتَلَاعَنَا وَالْتَعَنَا ، لَعَنَ بَعْضٌ بَعْضًا ، وَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لِعَانًا حَكَمَ ، وَفِي الشَّرْعِ : كَلِمَاتٌ مَعْلُومَةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُضْطَرِّ إِلَى قَذْفِ مَنْ لَطَّخَ فِرَاشَهُ وَأَلْحَقَ الْعَارَ بِهِ أَوْ إِلَى وَلَدٍ ، وَسُمِّيَتْ لِعَانًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَلِمَةِ اللَّعْنِ ؛ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَلَاعِنِينَ يَبْعُدُ عَنِ الْآخَرِ بِهَا إِذْ يَحْرُمُ النِّكَاحُ بِهَا أَبَدًا ، وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللِّعَانِ عَلَى لَفْظَيِ الشَّهَادَةِ وَالْغَضَبِ وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمَا الْكَلِمَاتُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ فِي قِيَامِ الْحُجَجِ مِنَ الشَّهَادَاتِ وَالْأَيْمَانِ ، وَالشَّيْءُ يُشَهَّرُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ ، وَعَلَيْهِ جَرَتْ أَسْمَاءُ السُّوَرِ ، وَلِأَنَّ الْغَضَبَ يَقَعُ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ ، وَجَانِبُ الرَّجُلِ أَقْوَى ، وَلِأَنَّ لِعَانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى لِعَانِهَا وَالسَّبْقُ وَالتَّقْدِيمُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ . 1201 1185 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ) بْنِ مَالِكٍ ( السَّاعِدِيَّ ) الْخَزْرَجِيَّ الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، تَصْغِيرُ عَامِرٍ ، ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ ( الْعَجْلَانِيَّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ هَذَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ : عُوَيْمِرُ بْنُ أَشْقَرَ ، وَفِي الِاسْتِيعَابِ : عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَلَعَلَّ أَبَاهُ كَانَ يُلَقَّبُ أَشْقَرَ أَوْ أَبْيَضَ ، وَفِي الصَّحَابَةِ عُوَيْمِرُ ابْنُ أَشْقَرَ آخَرُ مَازِنِيٌّ ، رَوَى لَهُ ابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا فِي الْأَضَاحِي ( جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ) بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِيِّ ( الْأَنْصَارِيِّ ) شَهِدَ أُحُدًا ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ جَازَ الْمِائَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ عُوَيْمِرٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : وَكَانَ ، أَيْ عَاصِمٌ ، سَيِّدُ بَنِي عَجْلَانَ ( فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَاصِمٍ أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِ رَجُلٍ ( وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ) أَجْنَبِيًّا مِنْهَا ( أَيَقْتُلُهُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ أَيْ أَيَقْتُلُ الرَّجُلَ ؟ ( فَتَقْتُلُونَهُ ؟ ) قِصَاصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 45 ) وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ؟ وَلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، وَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) الْآيَةُ ، قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ : إِنْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَّا بَيْتَهُ فَرَأَى رَجُلًا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنْ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَذَهَبَ ، وَإِنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ ، وَإِنْ قَالَ وَجَدْتُ فُلَانًا مَعَهَا ضُرِبَ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ . ( أَمْ كَيْفَ ) مَفْعُولٌ بِهِ لِقَوْلِهِ : ( يَفْعَلُ ) أَيْ : أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ ؟ وَأَمْ تَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ ، يَعْنِي إِذَا رَأَى الرَّجُلُ هَذَا الْمُنْكَرَ الشَّنِيعَ وَالْأَمْرَ الْفَظِيعَ وَثَارَتْ عَلَيْهِ الْغَيْرَةُ ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ الشَّنَآنِ وَالْعَارِ ؟ وَيُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعُ ، سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْقَتْلِ مَعَ الْقِصَاصِ ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ ( أَمِ ) الْمُنْقَطِعَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَا يَلِي الْهَمْزَةَ ، وَالْهَمْزَةُ تَسْتَأْنِفُ كَلَامًا آخَرَ ، الْمَعْنَى : أَيَصْبِرُ عَلَى الْعَارِ أَوْ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ أَمْرًا آخَرَ ؟ لِذَا قَالَ : ( سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ بِحَذْفِ الْمَقُولِ لِدَلَالَةِ السَّابِقِ عَلَيْهِ ( فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَائِلَ ) الْمَذْكُورَةَ ، ( وَعَابَهَا ) قَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ قَذْفَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ لِاعْتِقَادِهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ حُكْمِ اللِّعَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ : الْبَيِّنَةُ أَوِ الْحَدُّ فِي ظَهْرِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ السُّؤَالَ لِقُبْحِ النَّازِلَةِ وَهَتْكِ سِتْرِ الْمُسْلِمِ ، أَوْ لِمَا كَانَ نَهَى عَنْهُ مِنْ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ كَثْرَتِهِ سَدًّا لِبَابِ سُؤَالِ أَهْلِ التَّشْغِيبِ ، أَوْ لِمَا فِي كَثْرَتِهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَوْ سَكَتُوا عَنْهَا لَمْ تَلْزَمْهُمْ وَتُرِكَتْ لِاجْتِهَادِهِمْ فِيهَا كَمَا قَالَ : اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ ، وَلِقَوْلِهِ : أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ . قَالَ الْمَازَرِيُّ : أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَسَائِلُ مُضْطَرًّا إِلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا ، وَقَدْ كَانَ يُسْأَلُ عَنِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَكْرَهُ ، وَعَاصِمٌ إِنَّمَا سَأَلَ لِغَيْرِهِ من غَيْرَ حَاجَةٍ ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهِ التَّعْنِيتِ فَهَذَا الَّذِي يُكْرَهُ ( حَتَّى كَبُرَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، عَظُمَ ( عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌّ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ) جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ ( فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ؛ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَعَابَهَا ( فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ عَنْهَا ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْحَاجَةُ فِي السُّؤَالِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَايَنَ الْمُقَدِّمَاتِ فَخَافَ الِانْتِهَاءَ إِلَى الْمَكْرُوهِ ، وَكَذَلِكَ اتُّفِقَ ، وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ فَإِنَّهُ قَالَ : الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ وَقَعَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ الْحُكْمَ وَسَأَلَ عَنْ جَوَازِ أَمْرٍ يَصِلُ بِهِ إِلَى شِفَاءِ غَلِيلِهِ وَإِزَالَةِ غَيْرَتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ هَذَا إِذَا فَعَلَهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ الِاسْتِعْدَادُ وَعِلْمُ النَّوَازِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْفُقَهَاءُ مَا يَفْرِضُونَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ كَرِهَ الْحَدِيثَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَرَآهُ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ ( فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَ النَّاسِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِهَا ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) فِيهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِأَرَأَيْتَ عَنِ السَّائِلِ كَانَ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ وَالسُّؤَالُ عَمَّا يُشْكَلُ ( وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ ) قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ ( أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ ) زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 ) ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أُنْزِلَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ ، وَفِي رِوَايَةٍ نَزَلَ بِلَا هَمْزَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ ( فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ) زَوْجَتِكَ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، أَوْ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورُ ، أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مُرْسَلًا أَنَّ عَاصِمًا لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ لِأَحَدِنَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ ؟ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي بِنْتِ أَخِيهِ ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُقَاتِلٍ : لَمَّا سَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ ابْتُلِيَ بِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ رَمَاهَا بِابْنِ عَمِّهِ ، الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَالْخَلِيلُ ثَلَاثَتُهُمْ بَنُو عَمِّ عَاصِمٍ . وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي رَمَى عُوَيْمِرٌ امْرَأَتَهُ بِهِ شَرِيكُ بْنُ سَحْمَاءَ ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّ عُوَيْمِرٍ ، لِأَنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدَةَ بْنَ مُغِيثِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ ، وَسَحْمَاءُ بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمَدِّ ، أُمُّ شَرِيكٍ ، وَهِيَ حَبَشِيَّةٌ أَوْ يَمَانِيَّةٌ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ مُقَاتِلٍ : فَقَالَ عُوَيْمِرٌ لِعَاصِمٍ : يَا ابْنَ عَمِّ ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ عَلَى بَطْنِهَا ، وَإِنَّهَا لَحُبْلَى وَمَا قَرُبْتَهَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُتَّهَمَ شَرِيكٌ بِكُلٍّ مِنِ امْرَأَتَيْ عُوَيْمِرٍ وَهِلَالٍ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ هِلَالًا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ( فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُلَاعَنَةِ ( قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : بَعْدَ الْعَصْرِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ ( وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَتَلَاهُنَّ أَيِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، قَالَتْ : كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . ( فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ) شَرْطٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ حَبَسْتَهَا فَقَدْ ظَلَمْتَهَا ( فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ( قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِطَلَاقِهَا ، وَبِهِ تَمَسَّكَ الْقَائِلُ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِلَّا بِإِيقَاعِ الزَّوْجِ ، فَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ لَمْ يُنْقِصِ التَّلَاعُنُ مِنَ الْعِصْمَةِ شَيْئًا ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي طَلَّقَ ابْتِدَاءً . وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَلَى أَنَّ الْبَتِّيَّ قَدِ اسْتَحَبَّ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ قَبْلَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ قَدْ أَحْدَثَ حُكْمًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَهَا ، أَيْ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، فَأَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا أَيْ لَا مِلْكَ لَكَ عَلَيْهَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَقَعَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُلَاعِنِ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي شَرَحَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ : اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَفَظُ فَطَلَّقَهَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِاللِّعَانِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْمِهِنَّ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَلَا أَنْ يَخْطُبَهَا إِنْ كَانَ بَائِنًا ، وَإِنَّمَا اللِّعَانُ فُرْقَةُ فَسْخٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ ) أَيِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ( بَعْدُ ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ( سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ) فَلَا يَجْتَمِعَانِ بَعْدَ الْمُلَاعَنَةِ أَبَدًا ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا سَوَاءٌ صَدَقَتْ أَوْ صَدَقَ ، وَوَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ : الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفُ ذَلِكَ عَلَى تَلَاعُنِهِمَا مَعًا ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَحْنُونٌ : بِفَرَاغِ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْتِعَانَ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا شرع لدفع الْحَدُّ عَنْهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِ نَفْيَ النَّسَبِ وَلُحُوقَ الْوَلَدِ وَزَوَالَ الْفِرَاشِ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّوَارُثِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ فَرَاغِ الرَّجُلِ ، وَفِيمَا إِذَا عُلِّقَ طَلَاقُ الْمَرْأَةِ بِفُرَاقِ أُخْرَى ثُمَّ لَاعَنَ الْأُخْرَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُوقِعَهَا الْحَاكِمُ لِظَاهِرِ أَحَادِيثِ اللِّعَانِ وَيَكُونُ فُرْقَةَ طَلَاقٍ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ . وَقَدْ زَادَ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ : وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ غَيْرَ سُوَيْدٍ اهـ . لَكِنْ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهِ سُوَيْدٌ ، عَنْ مَالِكٍ فَلَهُ أَصْلٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ مِثْلَ رِوَايَةِ سُوَيْدٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَصْدُقُ عُوَيْمِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا : أَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةٍ عُوَيْمِرٍ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، فَقَالَ هِلَالٌ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ وَلِيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ حَتَّى بَلَغَ : إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 - 9 ) الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ أَنَّهُمَا تَلَاعَنَا ، وَأَنَّ الْوَلَدَ جَاءَ عَلَى صِفَةِ شَرِيكٍ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ : وَكَانَ هِلَالٌ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ الْحَافِظُ : اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ نُزُولَهَا فِي شَأْنِ عُوَيْمِرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ نُزُولَهَا فِي شَأْنِ هِلَالٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ هِلَالٌ ، وَصَادَفَ مَجِيءَ عُوَيْمِرٍ أَيْضًا ، فَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا مَعًا ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ النَّوَوِيُّ ، وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ : لَعَلَّهُمَا اتُّفِقَ لَهُمَا ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْقَائِلَ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَفِي قِصَّةِ هِلَالٍ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) الْآيَةَ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتَ لَكَاعَ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، مَا كُنْتُ لِآتِيَ بِهِمْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، الْحَدِيثَ . وَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْقِصَصُ وَيَتَّحِدُ النُّزُولُ . وَرَوَى الْبَزَّارُ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ : لَوْ رَأَيْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ فَاعِلًا بِهِ ؟ قَالَ : كُنْتُ فَاعِلًا بِهِ شَرًّا ، قَالَ : فَأَنْتَ يَا عُمَرُ ، قَالَ : كُنْتُ أَقُولُ لَعَنَ اللَّهُ الْأَبْعَدَ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النُّزُولَ سَبَقَ بِسَبَبِ هِلَالٍ فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِرٌ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِمَا وَقَعَ لِهِلَالٍ أَعْلَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُكْمِ ، وَلِذَا قَالَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ : فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، وَفِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ ، فَيُؤوَّلُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا أُنْزِلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ ، وَبِهَذَا أَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ في الشامل ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَنَسٍ : إِنَّ هِلَالًا أَوَّلُ مَنْ لَاعَنَ . وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى تَجْوِيزِ نُزُولِ الْآيَةِ مَرَّتَيْنِ قَالَ : وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الرُّوَاةِ الْحُفَّاظِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ ذِكْرَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ فِيمَنْ لَاعَنَ ، كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ أَخِي الْمُهَلَّبِ فَقَالَ : هُوَ خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِهِ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هُوَ وَهْمٌ مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ بِذَلِكَ . وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا الْقِصَّةُ لِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ قَالَ : وَلَكِنْ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ ذِكْرُ شَرِيكٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُبْهَمَاتِهِ : اخْتَلَفُوا فِي الْمُلَاعِنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : عُوَيْمِرٌ ، وَهِلَالٌ ، وَعَاصِمٌ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : أَظْهَرُهَا عُوَيْمِرٌ وَكَلَامُ الْجَمِيعِ مُتَعَقَّبٌ . أَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ ، وَكَيْفَ يُجْزَمُ بِخَطَأِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَمَا نَسَبَهُ لِلطَّبَرِيِّ لَمْ أَجِدْهُ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَعِيَاضٌ تَفَرَّدَ بِهِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ فَمَرْدُودٌ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ . وَأَمَّا جُنُوحُ النَّوَوِيِّ ، كَالْوَاحِدِيِّ لِلتَّرْجِيحِ فَمَرْجُوحٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُمْكِنَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ ، وَقَوْلُهُ : وَقِيلَ عَاصِمٌ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ عَاصِمًا لَمْ يُلَاعِنْ قَطُّ وَإِنَّمَا سَأَلَ لِعُوَيْمِرٍ ، وَوَقَعَ مِنْ عَاصِمٍ نَظِيرُ مَا وَقَعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، أَيْ مِنْ الِاسْتِشْكَالِ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَعَقَّبَتْ حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ الْخِلَافَ بِأَنَّ مُلَاعَنَةَ عُوَيْمِرٍ ، وَهِلَالٍ ثَبَتَا ، فَكَيْفَ يُخْتَلَفُ فِيهِمَا ؟ وَإِنَّمَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَيِّهِمَا كَمَا سَبَقَ . وَقَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ زَانِيًا شَرِيكٌ مَمْنُوعٌ ؛ إِذْ لَمْ يُوجَدْ زَانِيًا وَإِنَّمَا هُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ، فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْمِيَّ بِهِ شَرِيكٌ ، وَأَفَادَ عِيَاضٌ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّ قِصَّةَ اللِّعَانِ كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا مَرَّ ، ذُكِرَ جُمْلَةٌ مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَقَبْلَهُ فِي الطَّلَاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَفُلَيْحٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَيُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، الْأَرْبَعَةُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ .