1379 حَدِيثٌ سَابِعٌ وَعِشْرُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلَ عَلَى الْغَنِيِّ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ إِذَا مَطَلَ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَوْصِيلِ الدَّيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ وَكَانَ صَاحِبُهُ طَالِبًا لَهُ ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَتَخْتَلِفُ آثَامُهُ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهِ ؛ لِأَنَّ لِلظُّلْمِ وُجُوهًا كَثِيرَةً ، فَأَعْظَمُهَا الشِّرْكُ وَأَقَلُّهَا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ مِنْ خَفَائِهِ ، وَجُمْلَتُهَا لَا تُحْصَى كَثْرَةً ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ أَخْذُكَ مَا لَيْسَ لَكَ وَوَضْعُكَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَمِنْهُ قَالُوا : وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ أَيْ لَمْ يَضَعِ الشَّبَهَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ ثُمَّ يَتَصَرَّفُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَقَالَ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ يَا عِبَادِي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الظُّلْمَ فَلَا تَظَالَمُوا ، وَقَالَ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : إِذَا مَطَلَ الْغَنِيُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَمَّاهُ ظَالِمًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ لَا يَحِلُّ مَا أُبِيحَ مِنْهُ لِغَرِيمِهِ مِنْ أَخْذِ عِوَضِهِ ، وَالْقَوْلِ فِيهِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ وَسُوءِ الْأَفْعَالِ ، وَلَوْلَا مَطْلُهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ غَيْبَةً ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ يُرِيدُ مِنْ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ أَبَاحَ لِمَنْ مُطِلَ بِدَيْنِهِ أَنْ يَقُولَ فِيمَنْ مَطَلَهُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ وَاللَّيُّ الْمَطْلُ وَالتَّسْوِيفُ ، وَالْوَاجِدُ الْغَنِيُّ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَبْرَةُ بْنُ أَبِي دُلَيْلَةَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مُسَيْكَةَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا - عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدِي نَحْوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ تَضَيَّفَ قَوْمًا فَلَمْ يُضَيِّفُوهُ ، فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ إِنَّهُمْ لِئَامٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ، وَلَوْلَا مَنْعُهُمْ لَهُ مِنْ حَقِّ الضِّيَافَةِ مَا جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ مَا فِيهِمْ ؛ لِأَنَّهَا غَيْبَةٌ مُحَرَّمَةٌ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُلْتَ فِي أَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِذَا قُلْتَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ وَهَكَذَا لَمَّا كَانَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمًا أُبِيحَ لِغَرِيمِهِ عِرْضُهُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَعُقُوبَتَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْمُعَاقَبَةُ لَهُ بِأَخْذِ مَالِهِ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَخْذُ حَقِّهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَكَيْفَ أَمْكَنَهُ مِنْ مَالِهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَقَدْ شَكَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا سُفْيَانَ لَا يُعْطِيهَا مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ ، فَقَالَ لَهَا : خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تُعَاقِبَهُ بِأَخْذِ مَالِهَا مِنْ حَقٍّ عِنْدَهُ ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ . حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ عَلَى جَوَازِ حَبْسِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الدَّيْنِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ أَوْ تَثْبُتَ عُسْرَتُهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَبِقَوْلِهِ : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ قَالُوا : وَمِنْ عُقُوبَتِهِ الْحَبْسُ ، هَذَا إِذَا كَانَ دَيْنُهُ بِعِوَضٍ حَاصِلٍ بِيَدِهِ إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ وُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ عِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمُ الْيَسَارُ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَدَمُ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمُ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْعَدَمُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْرِجْ خَلْقَهُ إِلَى الْوُجُودِ إِلَّا فَقُرَاءَ ثُمَّ تَطْرَأُ الْأَمْلَاكُ عَلَيْهِمْ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِالْعِوَضِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْيَسَارِ ، فَإِنِ ادَّعَى الْفَقْرَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَمَطْلُهُ وَمُدَافَعَتُهُ ظُلْمٌ ، وَأَمَّا إِذَا صَحَّ يَسَارُهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَحَبْسُهُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِإِجْمَاعٍ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يَجِيءُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ، فَمَعْنَاهُ الْحَوَالَةُ يَقُولُ : وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْهُ ، وَهَذَا يُبَيِّنُهُ وَيَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِيهِ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتَّبِعْهُ ، وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ نَدْبٌ وَإِرْشَادٌ لَا إِيجَابٌ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ، قَالَ مَالِكٌ : هَذَا أَمْرُ تَرْغِيبٍ ، وَلَيْسَ بِالَّذِي يُلْزِمُهُ السُّلْطَانُ النَّاسَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطِيعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْحَوْلِ بِالدَّيْنِ ، فَقَالَ : انْظُرْ مَا أَقُولُ لَكَ : أَحِلْ بِمَا قَدْ حل مِنْ دَيْنِكَ فِيمَا حَلَّ وَفِيمَا لَمْ يَحِلْ ، وَلَا تُحِلْ مَا لَمْ يَحْلُلْ فِي شَيْءٍ ، وَلَا فِيمَا حَلَّ وَفِيمَا لَمْ يَحِلْ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الْحَوَالَةِ ، فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيهَا : أَنَّ مَنِ احْتَالَ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَلَى آخَرَ فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ أَبَدًا أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ إِلَّا أَنْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ ، فَإِنْ غَرَّهُ انْصَرَفَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ حَمَالَةٌ ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ أَبَدًا ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ الْحَوَالَةُ ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ تَوِيَ الْمَالُ أَوْ لَمْ يَتْوَ إِلَّا أَنْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ قَدْ عَلِمَهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : إِذَا أُحِيلَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَوْتٍ وَلَا إِفْلَاسٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : إِنْ أَحَالَهُ وَلَمْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عَلِمَهُ مِنْ غَرِيمِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ ، فَإِنْ غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا أَحَالَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَوْتٍ وَلَا إِفْلَاسٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ التَّوَى ، وَالتَّوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ يَحْلِفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ بَيِّنَةٌ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : هَذَا تَوَاءٌ وَإِفْلَاسُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَيْضًا تَوَاءٌ . وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : الْحَوَالَةُ لَا تُبَرِّئُ الْمُحِيلَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَرَاءَةَ ، فَإِنِ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ بَرِئَ الْمُحِيلُ إِذَا أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ ، وَإِنْ أَحَالَهُ عَلَى مُفْلِسٍ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ ، وَإِنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَأَبْرَأَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ : إِذَا أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ فَأَفْلَسَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِمَحْضَرِهِمَا ، وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا رَجَعَ حَضَرُوا أَوْ لَمْ يَحْضُرُوا . وَقَالَ اللَّيْثُ فِي الْحَوَالَةِ : لَا يَرْجِعُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَبْرَأُ صَاحِبُ الْأَصْلِ بِالْحَوَالَةِ . وَقَالَ زُفَرُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ فِي الْحَوَالَةِ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا قَالَ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ ، أَوْ أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ غَرَّ غَرِيمَهُ مِنْ غَيْرِ مَلِيءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى مَلِيءٍ ، وَإِذَا أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ ثُمَّ لَحِقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ آفَةُ الْفَلْسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا كَانَ لَهُ فِعْلُهُ ثُمَّ أَتَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ صَحَّ انْتِقَالُ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَلَا يُفْسَخُ ذَلِكَ أَبَدًا ، وَمَا اعْتَرَاهُ بَعْدُ مِنَ الْفَلَسِ فَمُصِيبَتُهُ مِنَ الْمُحْتَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ غَيْرَ ذِمَّةِ غَرِيمِهِ الَّذِي احْتَالَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمِلْأَ لَمَّا شُرِطَ فِي الْحَوَالَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ زَوَالَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَ الْمَالِ عَلَيْهِ ، وَشَبَّهَهُ بِبَيْعِ الذِّمَّةِ بِالذِّمَّةِ فِي الْحَوَالَةِ كَابْتِيَاعِ عَبْدٍ بِعَبْدٍ ، فَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ مَوْتُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، قَالُوا : وَإِفْلَاسُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ إِبَاقِ الْعَبْدِ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُرْجَى رُجُوعُهُ وَتَسْلِيمُهُ ، كَذَلِكَ إِفْلَاسُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْحَوَالَةِ مِنَ الْمَعَانِي ، وَالْأَصْلُ فِيهَا حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَوَالَةُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا خَارِجَةٌ عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، وَعَنْ بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِوَرِقٍ ، وَلَيْسَ يَدًا بِيَدٍ كَمَا أَنَّ الْعَرَايَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا خَارِجٌ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَكَمَا أَنَّ الْقِرَاضَ وَالْمُسَاقَاةَ أَصْلَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا خَارِجَانِ عَنْ مَعْنَى الْإِجَارَاتِ ، فَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ تَفْقَهْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ الْكَفَالَةِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ · ص 285 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أَبِي هُرَيْرَةَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ · ص 266 1379 ( 40 ) بَابُ جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحَوْلِ . 1341 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 30140 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا يَكُونُ الْمَطْلُ مِنَ الْغَنِيِّ متى يكون إِذَا كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ طَالِبًا لِدَيْنِهِ رَاغِبًا فِي أَخْذِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا غَنِيًّا وَمَطَلَهُ وَسَوَّفَ بِهِ ، فَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ . 30141 - وَقَدْ أَتَى الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي الظَّالِمِينَ بِمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ فَقِهَهُ عَنْ قَلِيلِ الظُّلْمِ وَكَثِيرِهِ مُنْتَهِيًا ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ ، بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ . 30142 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَعْظَمُهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 30143 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 30144 - وَقَالَ : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا 30145 - أَيْ خَابَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ بَعْضِهَا ، أَوْ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهَا عَلَى حَسَبِ مَا ارْتَكَبَ مِنَ الظُّلْمِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ . 30146 - وَقَالَ : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا 30147 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الظُّلْمَ فَلَا تَظَالَمُوا . 30148 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ . 30149 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اسْتِحْلَالِ عِرْضِهِ ، وَالْقَوْلِ فِيهِ ، وَلَوْلَا مَطْلُهُ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ مِنْهُ . 30150 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ 30151 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ . 30152 - فَمَعْنَى قَوْلِهِ : يُحِلُّ عِرْضَهُ : أَيْ يُحِلُّ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَوْلَا مَطْلُهُ وَلَيَّهُ . 30153 - وَمَعْنَى : وَعُقُوبَتَهُ : قَالُوا : السِّجْنُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يُثْبِتَ عُسْرَتَهُ ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ نَظِرَةٌ . 30154 - حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : إِذَا مَطَلَ الْغَنِيُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ ظَالِمًا . 30155 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ ، فَلْيَتْبَعْ فَمَعْنَاهُ الْحَوَالَةُ . 30156 - يَقُولُ : إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحِلْ عَلَيْهِ . 30157 - وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، إِرْشَادٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا . 30158 - وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ إِذَا رَضِيَ بِذِمَّةِ غَرِيمِهِ ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلِمَ مِنْهُ غِنًى أَلَّا يَسْتَحِيلَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ . 30159 - وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَأَوْجَبُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَرْضًا إِذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا . 30160 - وَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِيهَا ، فِي بَابِهَا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ · ص 484 40 - بَاب جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ 1361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 40 - بَابُ جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ أَيِ التَّحَوُّلِ لِلدَّيْنِ على غير الْمَدِينِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةُ 108 ) أَيْ تَحَوُّلًا ، يُقَالُ : حَالَ مِنْ مَكَانِهِ حِوَلًا ، وَعَادَ فِي حُبِّهَا عِوَدًا . - 1379 1361 ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ) الْقَادِرِ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ فَقِيرًا . قَالَ عِيَاضٌ : الْمَطْلُ مَنْعُ قَضَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ وَطَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ ، وَإِنَّ الْغَنِيَّ هُوَ الْمَمْطُولُ . عِيَاضٌ : وَهُوَ بَعِيدٌ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَعَلَيْهِ فَالتَّقْدِيرُ أَنْ يُمْطِلَ بِضَمِّ الْيَاءِ ، فَالْمَصْدَرُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، وَفِي صِحَّةِ بِنَائِهِ كَذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، انْتَهَى . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ وَفَاءُ الدَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَنِيًّا وَلَا يَكُونُ غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَالْفَقِيرُ أَوْلَى ، وَأَصْلُ الْمَطْلِ الْمَدُّ ، تَقُولُ : مَطَلْتُ الْحَدِيدَةَ أَمْطُلُهَا مَطْلًا إِذَا مَدَدْتَهَا لِتَطُولَ ، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْمَطْلُ الْمُدَافَعَةُ . ( ظُلْمٌ ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ ، وَالْمَاطِلُ وَضَعَ الْمَنْعَ مَوْضِعَ الْقَضَاءِ اهـ . وَخَرَجَ بِالْغَنِيِّ الْمُعْسِرُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ مَا يَجِبُ مِنْ إِنْظَارِهِ ، قَالَ سَحْنُونٌ ، وَأَصْبَغُ : تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمَاطِلِ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا تُرَدُّ . وَفِي الْإِكْمَالِ : اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ جُرْحَةٌ أَوْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً . وَفِي الْفَتْحِ : لَفْظُ ( مَطْلُ ) يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ الطَّلَبِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْغَنِيَّ لَوْ أَخَّرَ الدَّفْعَ مَعَ عَدَمِ طَلَبِ صَاحِبِهِ الْحَقَّ لَهُ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَضِيَّةَ كَوْنِهِ ظُلْمًا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ : مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اعْتِبَارُ تَكْرَارِهِ ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ عَدَمُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ وَانْتِفَاءَ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ ، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَطْلِ . ( وَإِذَا أُتْبِعَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ رِوَايَةً وَلُغَةً ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَعِيَاضٌ ، وَقَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ : أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ ، وَالصَّوَابُ التَّخْفِيفُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : شَدَّدَهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالْوَجْهُ إِسْكَانُهَا ، يُقَالُ : تَبِعْتُ فُلَانًا بِحَقِّي أَتْبَعُهُ تَبَاعَةً بِالْفَتْحِ إِذَا طَلَبْتَهُ ، وَأَنَا لَهُ تَبِيعٌ بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْمَعْنَى إِذَا أُحِيلَ ( أَحَدُكُمْ ) فَضَمِنَ مَعْنَى أُحِيلَ فَعُدِّيَ بِعَلَى فِي قَوْلِهِ ( عَلَى مَلِيءٍ ) بِالْهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِمْلَاءِ ، يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ : صَارَ مَلِيئًا ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَلِيٌّ كَغَنِيٍّ لَفْظًا وَمَعْنًى ، قَالَ الْحَافِظُ : فَاقْتَضَى أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ وَمَنْ رَوَاهُ بِتَرْكِهَا فَقَدْ سَهَّلَهُ ، انْتَهَى . وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْوَجْهَيْنِ . ( فَلْيَتْبَعْ ) بِإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ رِوَايَةً وَلُغَةً ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَدِّهَا ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ : إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِ يَعْلَى بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كَمَا تَرَى ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا بِالْمَعْنَى ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ الْجَادَّةِ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : إِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتَّبِعْهُ ، وَهَذِهِ بِشَدِّ التَّاءِ خِلَافٌ ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَوَهِمَ مَنْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَقِيلَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الصَّارِفَ لَهُ عَنْهُ إِلَى النَّدْبِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُحِيلِ بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ عَنْهُ ، وَتَرْكُ تَكْلِيفِهِ التَّحْصِيلَ وَالْإِحْسَانَ مُسْتَحَبٌّ ، وَبِأَنَّ الصَّارِفَ كَوْنُهُ أَمْرًا بَعْدَ نَهْيٍ ، وَهُوَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فَيَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الْأُصُولِ ، وَإِذَا أُتْبِعَ بِالْوَاوِ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَلَا تَعَلُّقَ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْأُولَى ، وَلِلتِّنِّيسِيِّ وَغَيْرِهِ : فَإِذَا أُتْبِعَ بِالْفَاءِ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمًا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ ظُلْمٌ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرِ الْمَطْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلِيءَ لَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ إِذَا امْتَنَعَ ، بَلْ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ قَهْرًا عَلَيْهِ وَيُوَفِّيهِ ، فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ فِي الْحَقِّ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ ، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ الْعِلَّةُ عَدَمُ وَفَاءِ الْحَقِّ لَا الظُّلْمُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَدْ يُدَّعَى أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَقَاءَ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَذْفٍ بِهِ يَحْصُلُ الِارْتِبَاطُ فَيُقَدَّرُ فِي الْأَوَّلِ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالْمُسْلِمُ فِي الظَّاهِرِ يَجْتَنِبُهُ فَمَنْ أُتْبِعَ . . . . . إِلَخْ . وَفِي الثَّانِي : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالظُّلْمُ تُزِيلُهُ الْحُكَّامُ وَلَا تُقِرُّهُ ، فَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ وَلَا يَخْشَى مِنَ الْمَطْلِ ، انْتَهَى . وَالظُّلْمُ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَأَعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( سُورَةُ لُقْمَانَ : الْآيَةَ 13 ) . كُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ ذُو كَرَمٍ لَا تَجْزَعَنَّ فَمَا فِي ذَاكَ مِنْ بَاسِ إِلَّا اثْنَتَانِ فَلَا تَقْرَبْهُمَا أَبَدًا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْإِضْرَارُ لِلنَّاسِ وَقَالَ تَعَالَى : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( سُورَةُ طه : الْآيَةُ 111 ) أَيْ خَابَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِحَسَبَ مَا ارْتَكَبَ مِنَ الظُّلْمِ . وَقَالَ : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةَ 19 ) وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَيْكُمْ فَلَا تَظَالَمُوا . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ، أَيْ مَطْلُ الْغَنِيِّ يُبِيحُ التَّظَلُّمَ مِنْهُ بِأَنْ يُقَالَ : ظَلَمَنِي وَمَطَلَنِي وَعُقُوبَتُهُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَنَحْوِهِمَا إِذَا لَدَّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ .