1384 حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدُ ثَابِتٍ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رُبَاعِيًّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْبَكْرُ مِنَ الْإِبِلِ الْفَتي ، وَالْخِيَارُ الْمُخْتَارُ الْجَيِّدُ . قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : نَاقَةٌ خِيَارٌ ، وَجَمَلٌ خِيَارٌ ، وَالْجَمْعُ خِيَارٌ أَيْضًا ، وَيُقَالُ : أَرْبَعَ الْفَرَسُ ، وَأَرْبَعَ الْجَمَلُ ، إِذَا أَلْقَى رُبَاعِيَّتَهُ ، فَهُوَ رُبَاعٌ ، وَالْأُنْثَى رُبَاعِيَّةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْلُومٌ أَنْ اسْتِسْلَافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَمَلَ الْبَكْرَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهَا ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا فِي رَبِيعَةَ ، وَلِهَذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا صَحَّ هَذَا ، عَلِمْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَ الْجَمَلَ لِلْمَسَاكِينِ ، وَاسْتَقْرَضَهُ عَلَيْهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْحَاجَةِ ، ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، كَمَا يَسْتَقْرِضُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ مِنْ مَالِهِ إِذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ ; وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُنَازَعُ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَالِ الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ الْجَمَلِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَقْرَضُ مِنْهُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَدَقَتَهُ وَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهَا وَقْتَ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ ، وَخُرُوجِ السُّعَاةِ وَقْتًا وَاحِدًا يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهِ ، فَلَمَّا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ صَدَقَةً عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ فِي مَاشِيَتِهِ لِقُصُورِ نِصَابِهَا عَنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا قَوْلُ مَنْ لَمْ يُجِزْ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحَلِّهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَقْرَضُ مِنْهُ فِي حِينِ رَدِّ مَا اسْتُقْرِضَ مِنْهُ إِلَيْهِ ، مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِجَائِحَةٍ لَحِقَتْهُ فِي إِبِلِهِ وَمَالِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، فَوَجَبَ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ إِلَيْهِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ الِاسْتِسْلَافُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلرَّجُلِ : أَقْرِضْنِي عَلَى زَكَاتِكَ لِأَهْلِهَا ، فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْكَ زَكَاةٌ بِتَمَامِ مِلْكِكَ لِلنِّصَابِ حَوْلًا فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَهُوَ دَيْنٌ لَكَ أَرُدُّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَوَاتِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ ، فَأَجَازَ ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى إِجَازَةِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحُلُولِ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِمَا فِي يَدِهِ وَلِمَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ بِسِنِينَ ، وَقَالَ زُفَرُ : التَّعْجِيلُ عَمَّا فِي يَدِهِ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ ، وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِسِنِينَ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ الْحُلُولِ إِلَّا بِيَسِيرٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا بِيَسِيرٍ وَلَا كَثِيرٍ ، وَمَنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ إِعَادَتُها كَالصَّلَاةِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ دَاوُدَ ، وَرَوَى خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ لَمْ يُجِزْ تَعْجِيلَهَا قَاسَهَا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ مُؤَقَّتًا ; لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ ; وَمَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا ، قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ لِآجَالٍ مَحْدُودَةٍ أَنَّهُ جَائِزٌ تَعْجِيلُهَا ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، بِأَنَّ الصَّلَاةَ يَسْتَوِي النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَوْقَاتُ الزَّكَاةِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا ، فَأَشْبَهَتِ الدُّيُونَ إِذَا عُجِّلَتْ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَسْلَفِ مِنْهُ الْبَكْرُ جَمَلًا جَيِّدًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِذَلِكَ قَضَاهُ وَبَرِئَ إِلَيْهِ مِنْهُ ، وَلَا حُجَّةَ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي جَوَازِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ نَصَرَ مَذْهَبَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِأَنْ قَالَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي اسْتَقْرَضَ مِنْهُ الْبِكْرَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير بِعِيرَهُ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ ، وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ وَضْعَ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعِهَا وَحُسْنَ الْقَضَاءِ ، قَالَ : وَجَائِزٌ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الْإِمَامُ لِلْفُقَرَاءِ ، وَيَقْضِيَ مِنْ سَهْمِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ لِمَا يَرَاهُ مِنَ النَّظَرِ وَالصَّلَاحِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ من غير شَرْط وَلَا مَنْفَعَةَ تَعْجِيلٍ . ثُمَّ نَعُودُ إِلَى الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الِاسْتِسْلَافِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَنَقُولُ : إِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِقْرَاضُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَسَاكِينِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَرْضًا عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمَا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ لَهُمْ ، قِيلَ لَهُ : لَمَّا بَطَلَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّدَقَةِ لِغِنًى ، وَأَنْ لَا يَسْتَقْرِضَهَا لِنَفْسِهِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَقْرَضَهَا لِأَهْلِهَا وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ ، وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْإِمَامِ إِذَا اسْتَقْرَضَ لِلْمَسَاكِينِ أَنْ يَرُدَّ مِنْ مَالِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالصَّلَاحِ ، إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَوَجْهُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ وَالْمَصْلَحَةُ مَعْلُومٌ ، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ تَعْجِيلِ مَا أَخَذَهُ لِشِدَّةِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ إِلَيْهِ أَضْعَافُ مَا يَلْحَقُهُمْ فِي رَدِّ الْأَفْضَلِ ; لِأَنَّ مَيْلَ النَّاسِ إِلَى الْعَاجِلِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، فَكَيْفَ نُعْطِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِغَنِيِّ ؟ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ جَائِزٌ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَقْرِضُ مِنْهُ قَدْ ذَهَبَتْ إِبِلُهُ بِنَوْعٍ مِنْ جَوَائِحِ الدُّنْيَا ، وَكَانَ فِي وَقْتِ صَرْفِ مَا أُخِذَ مِنْهُ إِلَيْهِ فَقِيرًا تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرًا مِنْ بَعِيرِهِ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ ، وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ وَضْعَ الصَّدَقَةِ فِي مَوْضِعِهَا ، وَحُسْنَ الْقَضَاءِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا وَغَازِيًا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مَعَ الْقَضَاءِ ، وَوَضَعَ الصَّدَقَةَ مَوْضِعَهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَسَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الْخَمْسَةِ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِذَا صَحَّ ثُبُوتُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ بِمَا صَحَّ مِنْ جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ صَحَّ فِيهِ السَّلَمُ عَلَى الصِّفَةِ ، وَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يُجِزْ الِاسْتِقْرَاضَ فِي الْحَيَوَانِ ، وَلَا أَجَازُوا السَّلَمَ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي اسْتِقْرَاضِهِ ، فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ إِلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي اسْتِقْرَاضِهِ لَا يَجُوزُ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : إِنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ صِفَتِهِ ; لِأَنَّ مَشْيَهُ ، وَحَرَكَاتِهِ ، وَمَلَاحَتَهُ ، وَجَرْيَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ وَصْفُهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ ، وَيَرْفَعُ مَنْ قِيمَتِهِ ، وَادَّعُوا النَّسْخَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَقَالُوا : نَسَخَهُ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْمُعَتَقِ نَصِيبُهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ ، إِذْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ نِصْفَ عَبْدٍ مِثْلِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، إِلَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَالسَّلَمُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَسْلَمَ ، فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، وَلِنَهْيهِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، قَالُوا : فَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، فَدَاخِلٌ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَنَوْا هَذَا عَلَى مَا أَصَّلُوا مِنْ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَائِزٍ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ إِلَّا بَيْعًا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْهُ ، أَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى فَسَادِهِ . وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، والليث ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ جَائِزٌ بِالصِّفَةِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ هَذَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ ; وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اسْتِقْرَاضِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَمَلَ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا : إِيجَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةَ الْخَطَأِ فِي ذِمَّةِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ ، وَهِيَ أَخْمَاسٌ : عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ وَذَلِكَ مِنَ الْإِبِلِ : ثَلَاثُونَ جَذَعَةً ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً ، وَفِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا ، فَجُعِلَ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَجَلٍ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجِيزُ السَّلَمَ فِي الْوَصْفِ ، وَأَجَازَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ ، وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ مِنْهُمْ ، وَأَجَازَ الْجَمِيعُ النِّكَاحَ عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِرَبِيعَةَ : إِنَّ أَهْلَ أَنْطَابْلِسَ حَدَّثُونِي أَنَّ خَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ كَانَ يَقْضِي عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَفُ فِي الْحَيَوَانِ ، وَقَدْ كَانَ يُجَالِسُكَ ، وَلَا أَحْسَبُهُ قَضَى بِهِ إِلَّا عَنْ رَأْيِكَ . فَقَالَ لِي رَبِيعَةُ : قَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ ذَلِكَ ، قَالَ يَحْيَى : فَقُلْتُ : وَمَا لَنَا وَلِابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا ، قَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَعَلَّمُ مِنَّا وَلَا نَتَعَلَّمُ مِنْهُ ، وَقَدْ كَانَ يَقْضِي فِي بِلَادِهِ بِأَشْيَاءَ ، فَإِذَا جَاءَ الْمَدِينَةَ ، وَجَدَ الْقَضَاءَ على غير مَا قَضَى بِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا اعْتِلَالُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُمْكِنُ صِفَتُهُ ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ فِي الْحَيَوَانِ ، يَأْتِي الْوَاصِفُ مِنْهَا بِمَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَيُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ كَسَائِرِ الْمَوْصُوفَاتِ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، وَإِذَا أَمْكَنَتِ الصِّفَةُ فِي الْحَيَوَانِ ، جَازَ السَّلَمُ فِيهِ بِظَاهِرِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَصْفُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصِّفَةَ تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ ; لِأَنَّ رَدَّ الْمِثْلِ لَا يُمْكِنُ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَهُمْ فِي الْحَيَوَانِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ إِلَّا الْإِمَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُنَّ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ - فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ - إِنِ اسْتَقْرَضَ أَمَةً وَلَمْ يَطَأْهَا رَدَّهَا بِعَيْنِهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ وَلَمْ يَرُدَّهَا . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا عَقْدَهَا - يَعْنِي صَدَاقَ مِثْلِهَا ، وَإِنْ حَمَلَتْ رَدَّهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، وَقِيمَةُ وَلَدِهَا إِنْ وُلِدُوا أَحْيَاءً يَوْمَ سَقَطُوا وَمَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ ، وَإِنْ مَاتَتْ لَزِمَهُ مِثْلُهَا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا فَقِيمَتُهَا . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزِ اسْتِقْرَاضَ الْإِمَاءِ - وَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - أنَّ الْفُرُوجَ مَحْظُورَةٌ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِنِكَاحٍ ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، وَلِأَنَّ الْقَرْضَ لَيْسَ بِعِقْدٍ لَازِمٍ مِنْ جِهَةِ الْمُقْتَرِضِ ; لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ مَتَى شَاءَ ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَاةَ بِالْخِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا - بِإِجْمَاعٍ - حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ ، فَهَذِهِ قِيَاسٌ عَلَيْهَا ، وَلَوْ جَازَ اسْتِقْرَاضُ الْإِمَاءِ لَحَصَلَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكٍ صَحِيحٍ . وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : اسْتِقْرَاضُ الْإِمَاءِ جَائِزٌ . قَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَالطَّبَرَيُّ : قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا ، وَإِنَّ مِلْكَ الْمُسْتَقْرِضِ صَحِيحٌ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ كُلُّهُ ، وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ قَرْضُهُ فِي نَفْسِ الْقِيَاسِ ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَمْ يَحْظُرِ اللَّهُ اسْتِقْرَاضَ الْإِمَاءِ ، وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ، وَقَدْ أَبَاحَ الِاسْتِسْلَافَ لِلْحَيَوَانِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَصِحَّ الْمَنْعُ مِنْ وَجْهٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ . وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا كُلُّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ مِثْلَهُ ، إِنْ وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ ، لَا قِيمَتُهُ ، قَالُوا : وَكَمَا كَانَ يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ فِي الْقَضَاءِ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ فِي الضَّمَانِ عَنِ الِاسْتِهْلَاكِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْمِثْلِ فِي الْمُسْتَهْلَكَاتِ كُلِّهَا : الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَجَمَاعَةٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ : فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ : مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِمِثْلِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ الْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الطَّعَامُ فَبِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ مَكِيلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَكِيلُ كُلُّهُ ، وَالْمَوْزُونُ الْمَأْكُولُ ، وَالْمَشْرُوبُ ; هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَهُ ، وَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ ; مِثْلَ الرَّصَاصِ وَالْقُطْنِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَالَّذِي اخْتَارَهُ إِسْمَاعِيلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمِثْلُ ; لِأَنَّهُ يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ . قَالَ : وَقَدِ احْتَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْقِيمَةِ فِي الْحَيَوَانِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيمَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ لَهُ بِقِيمَةِ النِّصْفِ الْبَاقِي لِلشَّرِيكِ ، وَلَمْ يَقْضِ بِنِصْفِ عَبْدٍ مِثْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ إِنْ أَعْطَاهُ الْمُسْتَقْرَضُ أَفْضَلَ مِمَّا أُقْرِضَهُ جِنْسًا ، أَوْ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا ، أَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ ، وَأَنَّهُ يَطِيبُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَثْنَى فِيهِ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ ، وَأَطْلَقَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِصِفَةٍ . وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَاضَاهُ ، فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَنَهَاهُمْ ، فَقَالَ : أَلَا كُنْتُمْ مَعَ الطَّالِبِ ، ثُمَّ قَالَ : دَعُوهُ ; فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ، اشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا ، فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَ سِنِّهِ ، فَقَالَ : اشْتَرُوا لَهُ فَوْقَ سِنِّهِ ، فَأَعْطُوهُ ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : أَخَذْتَ حَقَّكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : كَذَلِكَ افْعَلُوا ، خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ، وَهَذَا عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْطٍ مِنْهُمَا فِي حِينِ السَّلَفِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ نَقْلًا عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ رِبًا ، وَلَوْ كَانَ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ أَوْ حَبَّةً ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَوْ حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الصَّدَقَاتِ ، وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ لِجَمِيعِهِمْ ، أَوِ الْوَكِيلِ . وَفِيهِ أَنَّ التَّدَايُنَ فِي الْبِرِّ ، وَالطَّاعَةِ ، وَالْمُبَاحَاتِ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّدَايُنُ فِي الْإِسْرَافِ ، وَمَا لَا يَجُوزُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعَاشِرِ اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ · ص 58 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديثان في رد السلف بأفضل منه · ص 41 1384 ( 43 ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ 1346 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . 1347 - مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ; أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَضَاهُ دَرَاهِمَ خَيْرًا مِنْهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ . 30338 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْمَكْتُوبِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي ; فَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ - اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الصَّدَقَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِسْلَافَهُ الْجَمَلَ الْبَكْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ; وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَهُ الْجَمَلَ لِمَسَاكِينَ بَلْدَةٍ ; لَمَّا رَأَى مِنْ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ ، فَاسْتَقْرَضَهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، كَمَا يَسْتَقْرِضُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ مِنْ مَالِهِ إِذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا تَنَازُعَ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 30339 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَالِ الْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ الْجَمَلُ الْبَكْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : 30340 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَقْرَضُ مِنْهُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاةٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ، إِمَّا لِجَائِحَةٍ لَحِقَتْ مَالَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَصَارَ الْمَالُ لِغَيْرِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لِلزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ صَدَقَتَهُ وَلَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِهَا ، وَكَانَ وَقْتُ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَخُرُوجِ السَّعَاةِ وَقْتًا وَاحِدًا يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهِ ، وَاسْتَوْفَى مِنْهُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي ، فَلَمَّا لَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ صَدَقَةً عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ممن تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ فِي مَاشِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ الَّذِي لَهُ أُخِذَتْ صَدَقَتُهُ ، إِمَّا لِقُصُورِ نِصَابِهِ بِالْآفَةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى مَاشِيَتِهِ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ وَصَفْنَا بَعْضَهُ فَوَجَبَ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ إِلَيْهِ . 30341 - وَمِثَالُ الِاسْتِسْلَافِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلرَّجُلِ : أَقْرِضْنِي عَلَى زَكَاتِكِ لِأَهْلِهَا ، فَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ بِتَمَامِ مِلْكِكِ النِّصَابَ حَوْلًا ، فَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ دَيْنٌ لَكَ أَرُدُّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّدَقَةِ . 30342 - وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا بِحَوْلٍ وَاحِدٍ . 3 4 303 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ . 30344 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحِكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى . 30345 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِمَا فِي يَدِهِ ، وَلِمَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْحَوْلِ وَبَعْدَهُ لِسِنِينَ . 30346 - وَقَالَ : التَّعْجِيلُ عَمَّا فِي يَدِهِ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ . 30347 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِسِنِينَ . 30348 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ إِلَّا بِيَسِيرٍ . 30349 - وَالشَّهْرُ وَنَحْوُهُ عِنْدَهُمْ يَسِيرٌ . 30350 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحَلِّهَا بِيَسِيرٍ ، وَلَا كَثِيرٍ ، وَمَنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَالصَّلَاةِ . 30351 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 30352 - وَرَوَى خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ . 30353 - وَاخْتُلِفَ عَلَى أَشْهَبَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِقَلِيلٍ ، وَلَا كَثِيرٍ كَالصَّلَاةِ . وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 30354 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا : قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا ، وَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُجِزْ . 30355 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا ، فَالْقِيَاسُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ مُؤَقَّتًا كَالْحَجِّ ، وَعَرَفَةَ ، وَرَمَضَانَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَقَّتَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَمَلُهَا قَبْلَ أَوْقَاتِهَا ، وَأَزْمَانِهَا . 30355 م - وَمَنْ أَجَازَ تَعْجِيلَهَا قَبْلَ سَنَتِهَا قَاسَهَا عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ تَعْجِيلِهَا قَبِلَ إِحَالِهَا إِذَا تَبَرَّعَ بِذَلِكَ . 30356 - وَفَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; بِأَنَّ الصَّلَاةَ يَسْتَوِي النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَوْقَاتُ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ حَوْلَ زَيْدٍ فِي الزَّكَاةِ غَيْرُ حَوْلِ عَمْرٍو ، وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَمْ تُشْبِهِ الصَّلَاةَ ; لِمَا وَصَفْنَا . 30357 - وَأَمَّا مَنْ أَبَى جَوَازَ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ فَقَدْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى آلِهِ ، وَعَلَى الْأَغْنِيَاءِ . 30358 - وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتَقْرَضَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يَرُدَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ لَهُمْ . 30359 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : أَنَّ الْمُسْتَقْرَضَ مِنْهُ غَنِيٌّ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ مِنْهُ ، وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ؟ 30360 - وَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِجَاجَ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا ذَهَبَ كُل واحد مِنْهُمَا إِلَيْهِ وَتَأْوِيلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . 30361 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِثْبَاتُ الْحَيَوَانِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِقْرَاضِ ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَافُ . 30362 - وَإِذَا جَازَ اسْتِقْرَاضُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِقْرَاضِ - وَهُوَ الِاسْتِسْلَافُ - جَازَ السَّلَمُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَرَضٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ . 30363 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ · ص 496 43 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ 1365 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . 43 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ - 1384 1365 ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ الْمَدَنِيِّ الْعَالِمِ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ) أَسْلَمَ أَوْ إِبْرَاهِيمَ أَوْ ثَابِتٍ أَوْ هُرْمُزٍ أَوْ سِنَانٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَسَارٍ أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ قُزْمَانَ ، أَقْوَالٌ عَشَرَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَشْهَرُ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ أَسْلَمُ الْقِبْطِيُّ ( مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَقِيلَ كَانَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ ، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ عَلَى الصَّحِيحِ . ( أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ الْأُبِّيُّ : السِّينُ فِي اسْتَسْلَفَ لِلطَّلَبِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ ( بَكْرًا ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ ، وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ كَالْغُلَامِ مِنَ الذُّكُورِ ، وَالْقَلُوصُ الْفِتْيَةُ مِنَ النُّوقِ كَالْجَارِيَةِ مِنَ الْإِنَاثِ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الدَّيْنِ لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِلَّا فَقَدْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ التَّقْلِيلَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ وَفِي الْمُفْهِمِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ عَمَرَ ذِمَّتَهُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ : إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ شَيْنٌ وَفِي آخَرَ : فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَعَوَّذُ مِنْهُ حَتَّى قِيلَ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَدَايَنَ لِضَرُورَةٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لَهَا . فَإِنْ قِيلَ : لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ أَنْ تَكُونَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لَهُ ذَهَبًا ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ الضَّرُورَةُ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا خَيَّرَهُ اخْتَارَ الْإِقْلَالَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، وَمَا عَدَلَ عَنْهُ زُهْدًا فِيهِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَالضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ ، وَأَيْضًا فَالدَّيْنُ إِنَّمَا هُوَ مَذْمُومٌ لِتِلْكَ اللَّوَازِمِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهَا وَقَدْ يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كُرِهَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْمَذَلَّةِ . وَأَمَّا السَّلَفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُعْطِيهِ فَمُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْخَيْرِ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَرْضٌ مَرَّتَيْنِ يَعْدِلُ صَدَقَةً مَرَّتَيْنِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : دِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ ، وَدِرْهَمُ الْقَرْضِ بِسَبْعِينَ . ( فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ) أَيِ الزَّكَاةِ ( قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ) أَيْ بَكْرًا مِثْلَ بَكْرِهِ الَّذِي تَسَلَّفَهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ . وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ ، لَكِنْ فِي النَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ ، فَكَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيٍّ وَوَقَعَ نَحْوُهَا لِلْعِرْبَاضِ . ( فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَةٌ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : إِذَا أَلْقَى الْبَعِيرَ رَبَاعِيَتَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ فَهُوَ رَبَاعِيٌ ، وَرَبَاعِيَاتُ الْأَسْنَانِ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَلِي الثَّنَايَا مِنْ جَانِبِهَا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْطِهِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الطَّاءِ ( إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ) لِلدَّيْنِ ، قَالَ الْبَوْنِيُّ : أَظُنُّهُ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُ لِهَذَا خِيَارَ النَّاسِ اهـ . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : وَهُوَ الْكَرَمُ الْخَفِيُّ اللَّاحِقُ بِصَدَقَةِ السِّرِّ ، فَإِنَّ الْمُعْطَى لَهُ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ صَدَقَةُ سِرٍّ فِي عَلَانِيَةٍ ، وَيُورِثُ ذَلِكَ صُحْبَةً وَوِدَادًا فِي نَفْسِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَتَخْفَى نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَا يُشْكِلُ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَقْضِي مِنْهَا ؟ إِمَّا لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ كَمَا قِيلَ ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، ثُمَّ صَارَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ اسْتِقْرَاضَهُ إِنَّمَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ مِنَ الْغَارِمِينَ ، فَيَكُونُ فَضْلُ الشَّيْءِ صَدَقَةً عَلَيْهِ ، فَلَا يُقَالُ : كَيْفَ قَضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ أَجْوَدَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْغَرِيمُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرِ الصَّدَقَاتِ تَبَرُّعُهُ مِنْهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ، ثُمَّ قَالَ : أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ ، قَالَ : اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَحَفِظَ أَبُو رَافِعٍ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَحَفِظَ أَبُو هُرَيْرَةَ الشِّرَاءَ ، اهـ مُلَخَّصًا . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، وَفِيهِ جَوَازُ قَرْضِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْكَافَّةِ فِيهِ ، وَمَنَعَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا دَلِيلٍ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ زَيْدٍ بِمِثْلِهِ غير أَنَّهُ قَالَ : فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَيْضًا .