1461 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِعَمْرِو بْنِ يَحْيَى مُرْسَلٌ مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . لَمْ يَخْتَلِفْ ، عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِرْسَالِهِ هَكَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَاهُ كَثِيرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِسْنَادُ كَثِيرٍ هَذَا ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ غَيْرُ صَحِيحٍ . وَأَمَّا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَصَحِيحٌ فِي الْأُصُولِ ، وَقَدْ ثَبَتَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ دَمَهُ ، وَمَالَهُ ، وَعِرْضَهُ ، وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ ، وَقَالَ : إِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، يَعْنِي مِنْ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ ( عَلَى نَفْسِي ) فَلَا تَظَّالَمُوا ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَأَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ ، وَأَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَمَنْ أَضَرَّ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَوْ بِمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ فَقَدْ ظَلَمَهُ ، وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَثَرِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّواقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وللرجال أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ يُثْنِيَانِ عَلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَيَصِفَانِهِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَذُمُّهُ وَيَحْكِي عَنْهُ مِنْ سُوءِ مَذْهَبِهِ مَا يُسْقِطُ رِوَايَتَهُ ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ : ابْنُ مَعِينٍ وَعَلِيٌّ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ ، فَلِهَذَا قُلْتُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَسْتَنِدُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فَقِيلَ : إِنَّهُمَا لَفْظَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ تَكَلَّمَ بِهِمَا جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ : الْفِعْلُ . قَالَ : وَمَعْنَى لَا ضَرَرَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ ضَرَرٌ لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَعْنَى : لَا ضِرَارَ لَا يُضَارُّ أَحَدٌ بِأَحَدٍ ، هَذَا مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ . وَقَالَ الخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ : الَّذِي لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ الْمَضَرَّةُ . وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنُ الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ قُبَيْطَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُعَاذٍ النَّصِيبِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، مَنْ ضَارَّ ضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الضَّرَرُ وَالضِّرَارُ : مِثْلُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، فَالضَّرَرُ أَنْ تَضُرَّ بِمَنْ لَا يَضُرُّكَ ، وَالضِّرَارُ أَنْ تَضُرَّ بِمَنْ قَدْ أَضَرَّ بِكَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الِاعْتِدَاءِ بِالْمِثْلِ وَالِانْتِصَارِ بِالْحَقِّ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ بَعْدَ أَنِ انْتَصَرْتَ مِنْهُ فِي خِيَانَتِهِ لَكَ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، أَوْ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الِابْتِدَاءِ كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَيْسَ لَكَ أَنْ تَخُونَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَانَكَ ، كَمَا من لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخُونَكَ أَوَّلًا ، وَأَمَّا مَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ وَأَخَذَ حَقَّهُ ، فَلَيْسَ بِخَائِنٍ ، وَإِنَّمَا الْخَائِنُ مَنْ أَخْذٍ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَجْحَدُ حَقًّا عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَظْفَرُ الْمَجْحُودُ بِمَالِ الْجَاحِدِ قَدِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَجْحَدَهُ إِيَّاهُ ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُ ، وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، فَرَوَى الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَرَوَى الْأُخْرَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَغَيْرُهُ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ ، وَاعْتِلَالَاتٌ لَيْسَ هَذَا بَابُ ذِكْرِهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا لِمَا فِي مَعْنَى الضِّرَارِ مِنْ مُدَاخَلَةِ الِانْتِصَارِ بِالْإِضْرَارِ مِمَّنْ أَضَرَّ بِكَ ، وَالَّذِي يَصِحُّ فِي النَّظَرِ ، وَيَثْبُتُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ سَوَاءٌ أَضَرَّ بِهِ قَبْلُ أَمْ لَا ، إِلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَصِرَ وَيُعَاقِبَ إِنْ قَدَرَ بِمَا أُبِيحُ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ ، وَالِاعْتِدَاءُ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُ هُوَ مِثْلُ مَا اعْتُدِيَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَالِانْتِصَارُ لَيْسَ بِاعْتِدَاءٍ ، وَلَا ظُلْمٍ ، وَلَا ضَرَرٍ إِذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَتْهُ السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ الِانْتِصَافُ مِنْ حَقِّهِ ، وَيَدْخُلُ الضَّرَرُ فِي الْأَمْوَالِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لَهَا أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ ، فَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ضَرَرًا مُنِعَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَدَخَلَ عَلَى أَخِيهِ ضَرَرًا بِفِعْلِ مَا كَانَ لَهُ فِعْلُهُ فِيمَا لَهُ ، فَأَضَرَّ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِجَارِهِ أَوْ غَيْرِ جَارِهِ ، نَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ : فَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَكْبَرَ ضَرَرًا مِنَ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى الْفَاعِلِ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إِذَا قَطَعَ عَنْهُ مَا فَعَلَهُ - قَطَعَ أَكْبَرَ الضَّرَرَيْنِ ، وَأَعْظَمَهُمَا حُرْمَةً فِي الْأُصُولِ ، مِثَالُ ذَلِكَ : رَجُلٌ فَتَحَ كُوَّةً يَطَّلِعُ مِنْهَا عَلَى دَارِ أَخِيهِ ، وَفِيهَا الْعِيَالُ ، وَالْأَهْلُ ، وَمِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ إِلْقَاءُ بَعْضِ ثِيَابِهِنَّ وَالِانْتِشَارُ فِي حَوَائِجِهِنَّ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْعَوْرَاتِ مُحَرَّمٌ قَدْ وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ اطلع عليه مِنْ خِلَالِ بَابِ دَارِهِ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ ، وَقَدْ جَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي مِثْلِ هَذَا هَدْرًا لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ . وَأَبَى ذَلِكَ آخَرُونَ وَجَعَلُوا فِيهِ الْقِصَاصَ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، فَلِحُرْمَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ رَأَى الْعُلَمَاءُ أَنْ يُغْلِقُوا عَلَى فَاتِحِ الْكُوَّةِ ، وَالْبَابِ مَا فَتَحَ مَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَرَاحَةٌ ، وَفِي غَلْقِهِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ ; لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إِلَى قَطْعِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قَطْعِ أَحَدِهِمَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْدَثَ بِنَاءً فِي رَحَا مَاءٍ أَوْ غَيْرِ رَحَا فَيُبْطِلُ مَا أَحْدَثَهُ عَلَى غَيْرِهِ مَنْفَعَةٌ قَدِ اسْتَحَقَّتْ ، وَثَبْتُ مِلْكِهَا لِصَاحِبِهَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ إِدْخَالَهُ الْمَضَرَّةَ عَلَى جَارِهِ بِمَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَدْمَ مَنْفَعَةَ جَارِهِ وَإِفْسَادَهَا مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ يَبْنِيهِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا بَنَى أَوْ فَعَلَ لِنَفْسِهِ فِعْلًا يَضُرُّ بِهِ بِجَارِهِ وَيُفْسِدُ عَلَيْهِ مِلْكَهُ ، أَوْ شَيْئًا قَدِ اسْتَحَقَّهُ وَصَارَ مَالَهُ . وَهَذِهِ أَصُولٌ قَدْ بَانَتْ عِلَلُهَا ، فَقِسْ عَلَيْهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا تُصِبْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ مُتَقَارِبُ الْمَعَانِي مُتَدَاخِلٌ ، فَاضْبُطْ أَصْلَهُ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ وَجْهٌ آخَرُ مِنَ الضَّرَرِ مَنَعَ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ، كَدُخَانِ الْفُرْنِ ، وَالْحَمَّامِ ، وَغُبَارِ الْأَنْدَرِ ، وَالْأَنْتَانِ ، وَالدُّودِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنَ الزِّبْلِ الْمَبْسُوطِ فِي الرِّحَابِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ مِنْهُ مَا بَانَ ضَرَرُهُ ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ ، وَخَشِيَ تَمَادِيَهُ ، وَأَمَّا مَا كَانَ سَاعَةً خَفِيفَةً مِثْلَ نَفْضِ التُّرَابِ ، وَالْحُصْرِ عِنْدَ الْأَبْوَابِ ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا غِنَى بِالنَّاسِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْءٌ يَبْقَى ، وَالضَّرَرُ فِي مَنْعِ مِثْلِ هَذَا أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ سَاعَةً خَفِيفَةً ، وَلِلْجَارِ عَلَى جَارِهِ فِي أَدَبِ السُّنَّةِ أَنْ يَصْبِرَ مِنْ أَذَاهُ عَلَى مَا يَقْدِرُ ، كَمَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُؤْذِيَهِ وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ ، وَلَقَدْ أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُوَرِّثَهُ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ الْكُوفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانُ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَاكَرَهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ ثَرْثَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ حَمْزَةَ الشُّجَاعِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ مَاكَرَهُ وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ ، فَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يُخَافُ عُقُوبَةُ مَا جَاءَ فِيهِ . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنِ امْرَأَةٍ عَرَضَ لَهَا - يَعْنِي مَسًّا مِنَ الْجِنِّ - فَكَانَتْ إِذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا ، أَوْ جَنِبَتْ ، أَوْ دَنَا مِنْهَا اشْتَدَّ ذَلِكَ بِهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يَقْرَبَهَا ، وَأَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ مَثَّلَ بِامْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِتَطْلِيقَةٍ . قَالَ : وَإِنَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مَخَافَةَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا فَيُمَثِّلَ بِهَا أَيْضًا كَالَّذِي فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُثْلَةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي يَأْتِيهَا مُتَعَمِّدًا ، مِثْلُ فَقْءِ الْعَيْنِ ، وَقَطْعِ الْيَدِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، قَالَ : وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا وَأَقَلُّ ضَرَرًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ · ص 157 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل يَحْيَى الْمَازِنِيِّ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ · ص 221 1461 26 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ 1428 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . 32510 - هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ مُرْسَلًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مُسْنَدًا . 32511 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ ؛ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ - قُبَيْطَةُ - قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُعَاذٍ النَّصِيبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، مَنْ أَضَرَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ . 32512 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ ، قِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ : أحدَهَا : أَنَّهُمَا لَفْظَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَتَكَلَّمَ بهمَا جَمِيعًا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : بَلْ هُمَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَضُرُّ أَحَدٌ أَحَدًا ابْتِدَاءً ، وَلَا يَضُرُّهُ إِنْ ضَرَّهُ ، وَلْيَصْبِرْ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ ، وَإِنِ انْتَصَرَ ، فَلَا يَعْتَدِي وَنَحْوُ هَذَا كَمَا قَالَ : وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ، يُرِيدُ بِأَكْثَرَ مِنَ انْتِصَارِكَ مِنْهُ بِالسَّوَارِ ، أَوْ لَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . 32513 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ الْفِعْلُ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى : لَا يُدْخِلُ عَلَى أَحَدٍ ضِرَرًا لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَعْنَى لَا ضِرَارَ لَا يُضَارُّ أَحَدٌ بِأَحَدٍ هَذَا مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ . 32514 - وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ . 32515 - وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 32516 - وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌ مُتَصَرِّفٌ فِي أَكْثَرِ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَكَادُ أَنْ يُحَاطَ بِوَصْفِهِ إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَنْزِعُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي أَبْوَابِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا طَرَفًا دَالًّا عَلَى مَا سِوَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 32517 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمُقْرِئُ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدِ بْنِ ثَرْثَالٍ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ الْكُوفِيُّ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ الشُّجَاعِيُّ الْبَلْخِيُّ - قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، أَوْ مَاكَرَهُ . 32518 - أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي حَائِطِ جَارِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْقَضَاءِ فِي الْمَرْفِقِ · ص 66 26 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْمَرْفِقِ 1424 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . 26 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْمِيمِ ، مَا ارْتَفَقَ بِهِ ، وَبِهِمَا قُرِئَ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةُ 16 ) وَمِنْهُ مِرْفَقُ الْإِنْسَانِ . 1461 1424 - ( مَالِكٌ : عَنْ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ) بِكَسْرِ الزَّايِ ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى بَعْدَ الثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ ، وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ التَّابِعِيُّ الثِّقَةُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ ) خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، أَيْ لَا يَضُرُّ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ ( وَلَا ضِرَارَ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فِعَالَ ، أَيْ لَا يُجَازِي مَنْ ضَرَّهُ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بَلْ يَعْفُو ، فَالضَّرَرُ فِعْلُ وَاحِدٍ ، وَالضِّرَارُ فِعْلُ اثْنَيْنِ ، فَالْأَوَّلُ إِلْحَاقُ مَفْسَدَةٍ بِالْغَيْرِ مُطْلَقًا ، وَالثَّانِي إِلْحَاقُهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ ، أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْصِدُ ضَرَرَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ جِهَةِ الِاعْتِدَاءِ بِالْمِثْلِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، أَيْ لَا يَضُرُّهُ ابْتِدَاءً وَلَا يُضَارُّهُ إِنْ ضَرَّهُ وَلْيَصْبِرْ ، فَهِيَ مُفَاعَلَةٌ وَإِنِ انْتَصَرَ فَلَا يَعْتَدِي كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ . يُرِيدُ بِأَكْثَرِ مِنَ انْتِصَافِكَ مِنْهُ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( سورة الشُّورَى : الْآيَةُ 43 ) وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ الْفِعْلُ ، أَيْ لَا تُدْخِلْ عَلَى أَحَدٍ ضِرَارًا بِحَالٍ . وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ يَنْصَرِفُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ ، وَالْفُقَهَاءُ يَنْزِعُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُمَا لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ ، أَيْ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِضْرَارُهُ بِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ فِي الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِيفَاءٌ لِحَقٍّ أَوْ رَدْعٍ عَنِ اسْتِدَامَةِ ظُلْمٍ ، فَمَا أَحْدَثَهُ الرَّجُلُ بِعَرْصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ لِخُبْزٍ أَوْ سَبْكِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَمَلِ حَدِيدٍ أَوْ رَحًى فَلَهُمْ مَنْعُهُ ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ اهـ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا ، أَيْ لَا لُحُوقَ أَوْ إِلْحَاقَ ، أَوْ لَا فَعَلَ ضَرَرًا وَضِرَارًا بِأَحَدٍ ، أَيْ لَا يَجُوزُ شَرْعًا إِلَّا لِمُوجِبٍ خَاصٍّ ، فَقَيَّدَ النَّفْيَ بِالشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْقَدَرِ لَا يُنْتَفَى ، وَخَصَّ مِنْهُ مَا وَرَدَ لُحُوقُهُ بِأَهْلِهِ كَحَدٍّ وَعُقُوبَةِ جَانٍ وَذَبْحِ مَأْكُولٍ ، فَإِنَّهَا ضَرَرٌ وَلَاحق بِأَهْلِهِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إِجْمَاعًا ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ، ثُمَّ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْصُولًا بِزِيَادَةِ : وَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ الْعَلَائِيُّ : لَهُ شَوَاهِدُ وَطُرُقٌ يَرْتَقِي بِمَجْمُوعِهَا إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ . وَذَكَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الطَّائِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ لَهُ أَنَّ الْفِقْهَ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ هَذَا أَحَدُهَا ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ حَدِيثُ : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ مَاكَرَهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ ، وَقَالَ : لَكِنَّهُ مِمَّا يَخَافُ عُقُوبَةَ مَا جَاءَ فِيهِ . قَالَ : وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ أَخِيهِ . وَجَابِرٌ ضَعِيفٌ اهـ ، أَيْ فَلَا يُعْتَبَرُ بِزِيَادَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلِلرَّجُلِ . . . إِلَخْ ، فَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تُقْبَلُ مِنَ الثِّقَةِ إِنْ لَمْ يُخَالِفْ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ ، ثُمَّ الْإِنْكَارُ إِنَّمَا هُوَ وُرُودُهَا فِي حَدِيثِ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ؛ إِذْ هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ التَّالِي .