1492 حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَثَلَاثُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا فِي إِسْنَادِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهِشَامُ بْنُ الْغَازِي ، ( وَغَيْرُهُمْ ) عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً . لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ يَبِيتُ ثَلَاثًا إِلَّا وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَمَا بِتُّ لَيْلَةً مُذْ سَمِعْتُهَا إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا حَقُّ امْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَفَسَّرَهُ فَقَالَ : يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ ، وَقَالَ فِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ : إِنَّهُ يُحَدِّثُهُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَالٌ يُوصِي فِيهِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ ، إِلَّا عِنْدَهُ وَصِيَّته . وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا حَقٌّ امْرِئٍ يَبِيتُ وَعِنْدَهُ مَالٌ يُوصِي فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ تَفْسِيرُ الْمَالِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : مَالٌ ، أَوْلَى عِنْدِي مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : شَيْءٌ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ قَلِيلُ الْمَالِ وَكَثِيرُهُ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ التَّافِهُ مِنَ الْمَالِ ، أَنَّهُ لَا يَنْدُبُ إِلَى الْوَصِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ يُوصِي فِيهِ الْحَدِيثَ هَكَذَا قَالَ : لَا يَحِلُّ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، وَالتَّأْكِيدُ في ذَلِكَ ، وَهَذَا عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، أَوْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، أَوْ أَمَانَةٌ فَيُوصِي بِذَلِكَ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَقَدْ شَذَّتْ طَائِفَةٌ فَأَوْجَبَتِ الْوَصِيَّةَ لَا يُعَدُّونَ خِلَافًا عَلَى الْجُمْهُورِ ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : الْمَعْرُوفُ وَاجِبٌ كَمَا يَجِبُ تَرْكُ الْمُنْكِرِ ، قَالُوا : وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذِكْرُ الْوَصِيَّةِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ وَالْمَوَارِيثِ ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ حُكْمَ الْوَالِدَيْنِ وَسَائِرِ الْوَارِثِينَ فِي الْقُرْآنِ نَسَخَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الْوَصِيَّةِ ، وَجَعَلَ لَهُمْ مَوَارِيثَ مَعْلُومَةً عَلَى حَسْبَمَا أَحْكَمَ مِنْ ذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ أَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتِ الْوَصِيَّةَ ( لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) الْوَارِثِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيِّينَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِينَ ، وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : هَذَا الْحَدِيثُ نَسَخَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ ، وَلِلْكَلَامِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْحَضِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ نَدْبٌ لَا إِيجَابٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوصِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ السَّهْوُ ، وَالْغَلَطُ ، وَلَا الْجَهْلُ بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ جَمِيعًا ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ ؟ قَالَا : لَا قُلْتُ : فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ ؟ فَقَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَجَعَلَهَا مِثْلَ قَوْلِهِ : مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قَالَ : وَالْمَعْرُوفُ هُوَ التَّطَوُّعُ بِالْإِحْسَانِ ، وَالْمُتَّقُونَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْوَاجِبِ سَوَاءٌ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ مَنْ شَاءَ أَوْصَى ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُوصِ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ مِثْلُهُ وَعَلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا تَرَكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، ولا بعيرا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا تَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَصِيَّةَ وَنَدْبُهُ أُمَّتَهُ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ كَأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ فِي هَذَا ، لِأَنَّ مَا يُخَلِّفُهُ هُوَ فَصَدَقَةٌ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَإِذَا كَانَ مَا يُخَلِّفُهُ صَدَقَةً ، فَكَيْفَ يُوصِي مِنْهُ بِثُلْثٍ ؟ أَوْ كَيْفَ يَشَبَّهُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهِ ؟ وَغَيْرُهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ إلا بالثلث خَاصَّةً ، وَمَا يُخَلِّفُهُ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ فَصَدَقَةٌ كُلُّهُ عَلَى مَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْخَيْرُ هَاهُنَا الْمَالُ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وَقَوْلِهِ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وَقَوْلِهِ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ وَقَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا الْخَيْرُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا الْمَالُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ يَعْنِي الْغِنَى وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، ولا بعيرا وَلَا شَاةً ، وَقَالَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي صَدَقَةٌ ، وَقَالَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَّرْثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَالِ الَّذِي تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْوَصِيَّةُ ، أَوْ تَجِبُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، أَوْ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَ بِمَالٍ فِيهِ وَصِيَّةٌ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ مَالٌ فِيهِ وَصِيَّةٌ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ لِمَنْ شَاءَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْوَلَدِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي مَالِهَا ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ قَالَ : الْخَيْرُ أَلْفٌ فَمَا فَوْقَهَا ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( قَالَ ) : مَنْ تَرَكَ مَالًا يَسِيرًا فَلْيَدَعْهُ لِوَرَثَتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ . وَعَنْ عَائِشَةَ فِيمَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا فَلَا يُوصِي ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَصِيَّةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً فِي الْكِتَابِ لِلْوَالِدَيْنِ ، وَالْأَقْرَبِينَ كَانَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ ، ثُمَّ نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَحَضَّ عَلَيْهَا ، وَقَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، فَاسْتَقَامَ الْأَمْرُ وَبَانَ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . فَالْوَصِيَّةُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مَرْغُوبٌ فِيهَا غَيْرُ وَاجِبٍ شَيْءٌ مِنْهَا . وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ مَالٍ قَلَّ ، أَوْ كَثُرَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى ، وَلَا يَتَجَاوَزُ فِي الْوَصِيَّةِ وَمَا اسْتَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَلْخِيصُ وُجُوهِ الْقَوْلِ فِيهِ مُسْتَوْعِبًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ ، وَقَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَقَوْلُهُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ فَكَانَ لَا يَرِثُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرُهُمْ إِلَّا وَصِيَّةً إِنْ كَانَ لِلْأَقْرَبِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ مِيرَاثَ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَقَرَّ وَصِيَّةَ الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ نُسِخَتْ لْلوَارِثِيْنَ خَاصَّةً الْوَالِدَيْنِ مِنْهُمْ ، وَالْأَقْرَبِينَ وَبَقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ لِغَيْرِ الْوَارِثِينَ ، وَالِدَيْنِ كَانُوا أَوْ أَقْرَبِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ ، قَالُوا كُلُّهُمْ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . اللَّفْظُ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن الصباح الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَهُمْ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنِ الْمِيرَاثِ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ النَّاقِدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْقُطَيْعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( هَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَارْتَفَعَ فِيهِ الْقَوْلُ وَوَجَبَ التَّسْلِيمُ ) ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْأَقَارِبِ أَفْضَلُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا وَرَثَةً ، وَكَانُوا فِي حَاجَةٍ ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ عَلِمتهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِقَرَابَتِهِ الْكُفَّارِ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ ، وَقَدْ أَوْصَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَّيٍ لِأَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ الَّذِينَ لَا يَرْثُونَ ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَوْصَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا بِأَثَاثِ الْبَيْتِ ، وَرُوِيَ عَنْ سَالِمٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ الضَّحَّاكُ : إِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ ، وَقَالَ طَاوُسٌ : مَنْ أَوْصَى فَسَمَّى غَيْرَ قَرَابَتِهِ وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ رُدَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ ، عَنْ طَاوُسٍ ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ( وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ ) ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ إِلَى قَرَابَتِهِ ثُلُثَيِ الثُّلُثِ وَيَمْضِي ثُلُثُهُ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجُ عَنْهُ ، حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجِينَ ، جَازَ مَا صَنَعَ وَبِئْسَمَا فَعَلَ - إِذَا تَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ وَأَوْصَى لِغَيْرِهِمْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْأَقَارِبِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدُ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ، فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فِي ثُلُثِهِ ، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلَّهَا وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِهِ ، وَهُمْ لَا مَحَالَةَ مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ وَحَسْبُكَ بِجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْحَدِيثِ يُجِيزُونَ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْمُرَادَ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ . ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي غَيْرِ قَرَابَتِهِ ، قَالَ : يُمْضَى حَيْثُ أَوْصَى ، وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَيْضًا ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَتَبَ إِلَى جَابِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي غَيْرِ قَرَابَتِهِ ، فَكَتَبَ جَابِرٌ : أَنْ أَمْضِهِ كَمَا قَالَ : وَإِنْ أَمَرَ بِثُلُثِهِ أَنْ يُلْقَى فِي الْبَحْرِ ، قَالَ حُمَيْدٌ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : أَمَّا فِي الْبَحْرِ فَلَا وَلَكِنْ يَمْضِي كَمَا قَالَ . وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : لِلرَّجُلِ ثُلُثُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ يَطْرَحُهُ فِي الْبَحْرِ إِنْ شَاءَ . وَوَكِيعٌ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرِو الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ . وَالْمُبَارَكُ بْنُ حَسَّانٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ابْنَ آدَمَ ، اثْنَتَانِ لَمْ يَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَكَ وَأُزَكِّيَكَ ، وَصَلَاةُ عِبَادِي عَلَيْكَ . وَدُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ فُلَانٌ قَالَ : أَوَلَيْسَ كَانَ عِنْدَنَا آنِفًا ؟ قَالُوا : بَلَى قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَخَذَهُ أَسَفٌ عَلَى غَضَبٍ ، الْمَحْرُومُ مِنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ . وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْنَا بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا زِيَادَةً فِي أَعْمَالِنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَرَكْتُ الْأَسَانِيدَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُوَاةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَهِيَ أَحَادِيثُ حِسَانٌ ، وَلَيْسَتْ فِيهَا حُجَّةً مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، لِأَنَّ فِي نَقَلَتِهَا ضَعْفًا ، وأصح مِنْهَا : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، قَلْتَ : لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا . زَادَ عَبْدُ الْوَارِثِ : وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ فَقَالَ : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ : مَالِي مَالِي وَمَا لَك مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ( بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ) : ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدِ مَوْتِهِ . وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : مِثْلُ الَّذِي يُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِثْلُ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ . وَرَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ ، وَجَمَاعَةٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ قَالَ : أَنْ تُؤْتِيَهُ ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْعَيْشَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَلَمْ يُضَارَّ فِيهَا ، وَلَمْ يَجْنَفْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنِ الْكِبَارِ ثُمَّ قَرَأَ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ : فِي الْوَصِيَّةِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ : فِي الْوَصِيَّةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ الْحَدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ . وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ( وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ أَنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَلَمْ يَقُلْ مَعْمَرٌ : ابْنُ جَابِرٍ الْحَدَّانِيُّ ) . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْجَنَفُ أَنْ يُوصِيَ لِابْنِ ابْنَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ ، وَيَقُولُ طَاوُسٌ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ الْجَنَفِ مِثْلَ قَوْلِ طَاوُسٍ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ أَنْ يُوصِيَ لِلْأَجَانِبِ وَيَتْرُكَ الْأَقَارِبَ ، وَأَصْلُ الْجَنَفِ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلُ ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِثْمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِهَا ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ ابْنُ خُوَازِ مَنْدَادَ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ، وَلِلْوَارِثِ الْخِيَارِ فِي إِجَازَتِهَا أَوْ رَدَّهَا ، فَإِنْ أَجَازُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ تَنْفِيذٌ لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَتْ وَصِيَّةً صَحِيحَةً ، فَإِنْ أَجَازُوا فَهِيَ عَطِيَّةٌ مِنْهُمْ مُبْتَدَأَةٌ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا تَجُوزُ ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَحَسْبُهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ التَّابِعَيْنِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ يُجِيزُونَهَا ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا عَطِيَّةً مِنَ الْوَرَثَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، فَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا فِيهَا الْجَوَازَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِحُّ مِلْكُهُمْ وَتَصِحُّ عَطِيَّتُهُمْ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي إِذَا أَوْصَى لِوَرَثَتِهِ ، أَوْ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ وَاسْتَأْذَنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ مَرِيضًا وَاسْتَأْذِنْ وَرَثَتَهُ فِي أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ ، أَوْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَأَذِنُوا لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ مَحْجُورٌ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ، لَزِمَهُمْ مَا أَجَازُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَلْزَمُهُمْ حَتَّى يُجِيزُوا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَسَوَاءٌ أَجَازُوا ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ أَوْ صِحَّتِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُمْ لَوْ أَجَازُوا ذَلِكَ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُمْ إِذَا أَجَازُوا مَا أَوْصَى بِهِ مُورِّثُهُمْ لِوَارِثٍ مِنْهُمْ ، أَوْ أَجَازُوا وَصِيَّتَهُ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدِ مَوْتِهِ لَزِمَهُمْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَبْضٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، فَهَذِهِ أُصُولُ مَسَائِلِ الْوَصَايَا ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَتَتَّسِعُ جِدًّا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ الْآيَةَ ، فَمَعْنَاهُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ تَبْدِيلُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُتَوَفَّى إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ إِمْضَاؤُهُ ، فَإِنْ أَوْصَى بِمَا لَا يَجُوزُ مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ ، أَوْ خِنْزِيرٍ ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي ، فَهَذَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ ، وَلَا يَجُوزُ إِمْضَاؤُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ إِمْضَاءُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، أَوْ لِوَارِثٍ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، وَأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَيَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ عَلَى ذَلِكَ يَحْيَا وَيَمُوتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَوْصَى فِيمَا رَزَقَهُ اللَّهُ بِكَذَا وَكَذَا ، وَأَنَّ هَذِهِ وَصِيَّتُهُ إِنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا قَبْلَ الْمَوْتِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ لَا يُقَرُّ عَامِلٌ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِلَّا الْأَشْعَرِيَّ ، يَعْنِي أَبَا مُوسَى ، فَأَقَرُّوهُ أَرْبَعَ سِنِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُغَيِّرَ وَصِيَّتَهُ وَيَرْجِعَ فِيمَا شَاءَ مِنْهَا ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ مِنْ عَتَاقَةٍ ، وَغَيْرِهَا إِلَّا التَّدْبِيرَ ، وَلَهُ أَنَ يَنْقُضَ وَصِيَّتَهُ كُلَّهَا ، وَيُبَدِّلَهَا بِغَيْرِهَا ، وَيَصْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ إِلَّا التَّدْبِيرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : الْمُدَبَّرُ فِي الْعَتَاقَةِ كَالْمُعْتَقِ إِلَى شَهْرٍ ، لِأَنَّهُ أَجْلٌ آتٍ لَا مَحَالَةَ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ ، وَالْعِتْقُ إِلَى أَجَلٍ فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ : إِذَا قَالَ الرَّجُلَ : إِنْ مُتُّ فَفُلَانٌ حُرٌّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ، وَإِنْ قَالَ : إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، فَفُلَانٌ حُرٌّ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَهُ بَاعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ فَمَاتَ عَتَقَ ، فَإِنْ صَحَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ : فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَأَرَادَ الْوَصِيَّةَ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ قَالَ : فُلَانٌ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، وَإِنْ أَرَادَ التَّدْبِيرَ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْجِعْ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ قَالَ : عَبْدِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ، وَلَمْ يُرِدِ الْوَصِيَّةَ ، وَلَا التَّدْبِيرَ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هُوَ وَصِيَّةٌ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ مُدَبَّرٌ إِنْ لَمْ يُرِدِ الْوَصِيَّةَ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، فَكُلُّ هَذَا عِنْدَهُمْ وَصِيَّةٌ ، وَالْمُدَبَّرُ عِنْدَهُمْ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهَا ، وَالْمُدَبَّرُ وَغَيْرُ الْمُدَبَّرِ مِنْ سَائِرِ مَا يَنْفُذُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الثُّلُثِ مِنَ الْوَصَايَا عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَفِيمَا شَاءَ مِنْهُ إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : لَا يَكُونُ الرُّجُوعُ فِي الْمُدَبَّرِ إِلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ : قَدْ رَجَعْتُ رُجُوعًا ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمُدَبَّرُ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يَرْجِعُ فِي الْمُدَبَّرِ بِمَا يَرْجِعُ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَجَازَهُ الْمُزَنِيُّ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا قَالَ : قَدْ رَجَعْتُ فِي مُدَبَّرِي فُلَانٍ فَقَدْ بَطَلَ التدبير ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ ، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةً ، إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فِي الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا ، وَفِي إِجَازَتِهِمْ وَطْءَ الْمُدَبَّرَةِ مَا يَنْقُضُ قِيَاسَهَمْ عَلَى الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ مُدَبَّرًا ، وَأَنَّ عَائِشَةَ دَبَّرَتْ جَارِيَةً لَهَا ثُمْ بَاعَتْهَا وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَمُجَاهِدٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ · ص 290 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ · ص 357 1492 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ ( 1 ) بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1463 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . 33206 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ : عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَالٌ يُوصَي فِيهِ ، تَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلَتَانِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ . 33207 - وَقَالَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَبِيتُ ثَلَاثًا ، إِلَّا وَوَصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . 33208 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33209 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ . 33210 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، أَوْ أَمَانَةٌ ، فَيُوصِي بِذَلِكَ . 33211 - وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، فَأَوْجَبُوا الْوَصِيَّةَ فَرْضًا إِذَا تَرَكَ الرَّجُلَ مَالًا كَثِيرًا ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا فِي وُجُوبِهَا شَيْئًا ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً مَعْلُومَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 33212 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ : بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمَعْرُوفُ : التَّطَوُّعُ بِالْإِحْسَانِ ، قَالُوا : وَالْوَاجِبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُتَّقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ . 33213 - وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ وَهَذَا لَا يُحْتَجُّ لَهُ; لِأَنَّ مَا تَخَلَّفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا . 33214 - قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ . 33215 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ . 33216 - فَأَيُّ وَصِيَّةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا صَدَقَةً ، لَا مِيرَاثَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ . 33217 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ 33218 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا 33219 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِنْسَانِ : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ الْخَيْرُ عِنْدَهُمْ هُنَا الْمَالُ . 33220 - كَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ 33221 - وكَذَلِكَ قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ قَالُوا : الْغِنَى . 33222 - وَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْخَيْرِ بِمَعْنَى الْمَالِ وَالْغِنَى ، وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، فَلَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا ، وَلَا مَالًا يُوصَى فِيهِ . 33223 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا شَاةً ، وَلَا بَعِيرًا ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ . 33224 - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى : أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ ؟ قَالَ : أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 33225 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33226 - وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَالِ الَّذِي تُسْتَحَبُّ فِيهِ الْوَصِيَّةُ ، أَوْ تَجِبُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا . 33227 - فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِيهِ وَصِيَّةٌ . 33228 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ مَالٌ فِيهِ وَصِيَّةٌ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ لِمَنْ شَاءَ . 33229 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَالًا يَسِيرًا ، فَلْيَدَعْهُ لِوَرَثَتِهِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ . 33230 - وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . 33231 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي ثَمَانِي مِائَةِ دِرْهَمٍ . 33232 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَرْبَعٌ مِنَ الْوَلَدِ ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ : لَا وَصِيَّةَ فِي مَالِهَا . 33233 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : الْخَيْرُ - يَعْنِي فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ - أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ . 33234 - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَنْ تَرَكَ ثَمَانِي مِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا ، فَلَا يُوصِ . 33235 - وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ وَقَالَ : الْخَيْرُ أَلْفٌ فَمَا فَوْقَهَا . 33236 - وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، مَرْغُوبٌ فِيهَا ، وَأَنَّهَا جَائِزَةٌ لِمَنْ أَوْصَى فِي كُلِّ مَالٍ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، مَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ . 33237 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 33238 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ . 33239 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آيَةَ الْوَصِيَّةِ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ . 33240 - قَالَ ذَلِكَ : مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ . 33241 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ . 33242 - وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مُرْسَلَةً فَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ فِي الْبَيَانِ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، إِذْ كَانَ لَا يَرِثُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرُهُمْ إِلَّا وَصِيَّةً إِنْ كَانَ لِلْأَقْرَبِينَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِيرَاثَ الْأَبَوَيْنِ ، وَأَمَرَ بِوَصِيَّةِ الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ . 33243 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ : وَالْأَقْرَبُونَ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ لَيْسُوا بِوَارِثِينَ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَأَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْ آيَةِ الْوَصِيَّةِ الْوَالِدَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَا عَلَى دِينِ وَلَدِهِمَا; لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ وَارِثَانِ لَا يُحْجَبَانِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَارِثٍ مِنَ الْأَقْرَبِينَ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33244 - وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ تَجِبُ لَهُ الْوَصِيَّةُ لَانْتَقَضَتْ قِسْمَةُ اللَّهِ لَهُمْ فِيمَا وَرَّثَهُمْ وَصَارَ لَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ . 33245 - فَمِنْ هُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33246 - وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ لَا يُجِيزُ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ . وَقَدْ قَالَ : لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ . 33247 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيِّينَ ، وَدَاوُدَ ، وَسَمُّوا السُّنَّةَ بَيَانًا ، لَا نَسْخًا . 33248 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، وَقَالُوا : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : نَسَخَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مِنَ الْوَصِيَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33249 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . 33250 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33251 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهُمْ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ . 33252 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ قَطْعًا مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَلَقِّيًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْقَبُولِ ، فَسَقَطَ الْكَلَامُ فِي إِسْنَادِهِ . 33253 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ ، هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لَهُمْ أَمْ لَا ؟ 33254 - فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا النَّدْبُ كَمَا وَصَفْنَا . 33255 - وَقَالُوا : الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ إِذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ أَفْضَلُ . 33256 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ وَاجِبَةٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ ، وَإِنَّمَا انْتُسِخَ الْوَارِثُونَ ، وَالْآيَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِيجَابِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ . 33257 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ : 33258 - فَقَالَ طَاوُسٌ : تُرَدُّ وَصِيَّتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ . 33259 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . 33260 - وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ . 33261 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - أَبُو الشَّعْثَاءِ - : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ رُدَّ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَا الثُّلُثِ ، وَيَمْضِي لِمَنْ أَوْصَى لَهُ ثُلُثُ الثُّلُثِ . 33262 - وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا . 33263 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33264 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 33265 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، وَتَرَكَ قَرَابَتَهُ مُحْتَاجِينَ ، فَبِئْسَ مَا صَنَعَ ، وَفِعْلُهُ مَعَ ذَلِكَ مَاضٍ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ ، مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ . 33266 - وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ . 33267 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ . 33268 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ . 33269 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ . 33270 - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَوْصَتْ لِمَوْلَاتِهَا . 33271 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ ؟ فَقَالَ : يَمْضِي ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُلْقَى ثُلُثُهُ فِي الْبَحْرِ . 33272 - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : أَمَّا فِي الْبَحْرِ ، فَلَا ، وَلَكِنْ يَمْضِي كَمَا قَالَ . 33273 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لِلرَّجُلِ ثُلُثُهُ يَطْرَحُهُ فِي الْبَحْرِ إِنْ شَاءَ . 33274 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . 33275 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ فِي هَذَا وَعَنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» . 33276 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَنْ لَمْ يُجِزِ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً . 33277 - فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فِي ثُلُثِهِ ; لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ كُلَّهَا وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِهِ فَقَدْ أَجَازَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصِيَّةَ بِعِتْقِهِمْ ، وَهُمْ - لَا مَحَالَةَ - مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ . 33278 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ ، وَأَمَّا مَنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْوَارِثَ ، فَقَدْ حَافَ وَجَارَ ، وَأَتَى الْجَنَفَ ، وَالْجَنَفُ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلُ ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ : الْإِثْمُ وَالْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ . 33279 - رَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْجَنَفُ : أَنْ يُوصِيَ لِابْنِ ابْنَتِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ . 33280 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ ، أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهَما الْمَوْتُ ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ، وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ 33281 - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، ثُمَّ قَرَأَ : غَيْرَ مُضَارٍّ إِلَى قَوْلِهِ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَإِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ 33282 - وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ جَازَتْ ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ . 33283 - وَلَهُمْ فِي إِجَازَتِهِا إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ قَوْلَانِ : 33284 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ إِجَازَتَهُمْ لَهَا تَنْفِيذٌ مِنْهُمْ لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ . 33285 - ( وَالْأُخْرَى ) : أَنَّهَا لَا تَكُونُ وَصِيَّةً أَبَدًا ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ قِبَلِ الْوَرَثَةِ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى حُكْمِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ عِنْدَهُمْ . 33286 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا . 33287 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ : الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ جَائِزَةٌ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ النَّاقِدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . 33288 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ مُسْنَدًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَذَلِكَ رِوَايَةُ الثِّقَاتِ لَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ . 33289 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ ، أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ أَوْ لَا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَمْ يَقُلْ : إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ ، وَحَسْبُهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا . 33290 - وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : إِنَّمَا مُنِعَ الْوَارِثُ مِنَ الْوَصِيَّةِ; لِئَلَّا يَأْخُذَ مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . 33291 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ تَجْوِيزَ الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَأَجَازَهُ الْوَرَثَةُ جَازَ ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب بَيْعِ الْخِيَارِ · ص 478 38 - بَاب بَيْعِ الْخِيَارِ 1356 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ . 38 - بَابُ بَيْعِ الْخِيَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ طَلَبُ الخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ . 1374 1356 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ ) تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ مَالِكٍ : الْبَيِّعَانِ تَثْنِيَةُ بَيِّعٍ ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ ) خَبَرُ كُلُّ أَيْ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ الْمُتَبَايِعَانِ . ( مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ الْفَاءِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ يَفْتَرِقَا بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ ، وَنَقَلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ سَلَمَةَ افْتَرَقَا بِالْكَلَامِ وَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ( سُورَةُ الْبَيِّنَةِ : الْآيَةُ 4 ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لِأَنَّهُ بِالِاعْتِقَادِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْ لَازَمَهُ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ آخَرَ فِي عَقِيدَتِهِ كَانَ مُسْتَدْعِيًا لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُ بِبَدَنِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ ، وَالْحَقُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُفَضَّلِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ بِالْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ اتِّسَاعًا ( إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ) مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ : مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : يَعْنِي بِالْمُطْلَقِ الْمَسْكُوتَ عَنْ تَعْيِينِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ ، وَبِالْمُقَيَّدِ مَا عُيِّنَ فِيهِ أَمَدُ الْخِيَارِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَصْلًا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ مَفْهُومِ الْغَايَةِ أَيْ فَإِنْ تَفَرَّقَا فَلَا خِيَارَ إِلَّا فِي بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ ، وَقِيلَ إِنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْحُكْمِ ، وَالْمَعْنَى الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا فِي بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ عَدَمُ الْخِيَارِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى إِلَّا بَيْعًا جَرَى فِيهِ التَّخَايُرُ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ فِي الْمَجْلِسِ : اخْتَرْ فَيَخْتَارُ فَيُلْزَمُ بِالْعَقْدِ ويسقط خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَعَلَى هَذَيْنِ لَا يَكُونُ أَصْلًا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ ، انْتَهَى . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْخِيَارَ إِذَا أُطْلِقَ شَرْعًا فُهِمَ مِنْهُ إِثْبَاتُهُ لَا قَطْعُهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ ، وَرَدَّهُ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَدَّهُ غَيْرَهُمْ . قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : رَفَعَهُ مَالِكٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَذَلِكَ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : إِذَا رَأَيْتَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَصِحُّ هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنَ شِهَابٍ رُوِيَ عَنْهُمَا نَصًّا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهُمَا مِنْ أَجَلِّ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا نَصًّا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا عَنْ مَالِكٍ ، وَرَبِيعَةَ بِخَلَفٍ عَنْهُ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهُوَ مِنْ فُقَهَائِهَا فِي عَصْرِ مَالِكٍ عَلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ حَتَّى جَرَى مِنْهُ فِي مَالِكٍ قَوْلٌ خَشِنٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْغَضَبُ لَمْ يُسْتَحْسَنْ مِثْلُهُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَنْ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا اسْتُتِيبَ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنَّ يَدَّعِيَ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ قَالَ هَذَا الْبَعْضُ وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا ( قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ ) أَيْ لَيْسَ لِلْخِيَارِ عِنْدَنَا حَدٌّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا حَدَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ بَلْ هُوَ عَلَى حَالِ الْمَبِيعِ ، انْتَهَى . وَفِي قَوْلِهِ : لَا أَعْلَمُ مَنْ رَدَّهُ غَيْرَهُمْ قُصُورٌ كَبِيرٌ مِنْ مِثْلِهِ ، فَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعْظَمِ السَّلَفِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَائِهَا السَّبْعَةِ ، وَقِيلَ إِلَّا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَقِيلَ لَهُ قَوْلَانِ نَفْيُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ إِذْ هِيَ أَسْبَابٌ لِتَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَتَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا هُوَ الْأَصْلُ ، فَالْبَيْعُ لَازِمٌ تَفَرَّقَا أَمْ لَا . وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْمُتَشَاغِلَيْنِ بِالْبَيْعِ ، فَإِنَّ بَابَ الْمُفَاعَلَةِ شَأْنُهَا اتِّحَادُ الزَّمَانِ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَيَكُونُ الِافْتِرَاقُ بِالْأَقْوَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 130 ) وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطَّلَاقِ التَّفَرُّقُ بِالْأَدْيَانِ ، فَكَمَا أَنَّ الْمُتَضَارِبَيْنِ صَدَقَ عَلَيْهِمَا حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ الْمُتَبَايِعَانِ ، وَيَكُونُ الِافْتِرَاقُ مَجَازًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ؛ وَلِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ ، فَوَصْفُ الْمُفَاعَلَةِ هُوَ عِلَّةٌ لِلْخِيَارِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ بَطَلَ الْخِيَارُ لِبُطْلَانِ سَبَبِهِ ، وَحَمْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْبَيْعُ مَجَازٌ ، كَتَسْمِيَةِ الْخُبْزِ قَمْحًا وَالْإِنْسَانِ نُطْفَةً ، وَلَا يَرِدُ أَنَّا تَمَسَّكْنَا بِالْمَجَازِ وَهُوَ حَمْلُ الِافْتِرَاقِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ لِأَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الْمَجَازِ الثَّانِي لِاعْتِضَادِهِ بِالْقِيَاسِ وَالْقَوَاعِدِ سَلَّمْنَا عَدَمَ التَّرْجِيحِ فَلَيْسَ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ، فَالْحَدِيثُ مُجْمَلٌ فَيَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَهَذَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهَذَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهُ هَلِ الثَّمَنُ أَوِ الْمَثْمُونُ ، وَهُوَ أَيْضًا خِيَارٌ مَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ فَيَبْطُلُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 1 ) لِلْوُجُوبِ وَهُوَ يُنَافِي الْخِيَارَ ، وَقَوْلُ أَبِي عُمَرَ لَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْوَفَاءِ بِهِ مِنَ الْعُقُودِ مَا وَافَقَ السُّنَّةَ لَا مَا خَالَفَهَا كَمَا لَوْ عَقَدَا عَلَى الرِّبَا فِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا خَالَفَهَا ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَأْخُذْ بِالْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُسْقِطُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ إِذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَمْ يَحْتَجْ لِلِاسْتِقَالَةِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَجْوِبَةِ ، وَقَوْلُ عِيَاضٍ : الزِّيَادَةُ قَوِيَّةٌ فِي وُجُوبِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ رَدَّهُ الْأَبِيُّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ قِيَامُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَصَدَ أَخْذَ الْخِيَارِ حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِهِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْقِيَامُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ طَلَبِ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ ، فَالزِّيَادَةُ تُسْقِطُ خِيَارَهُ إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَبِ الْإِقَالَةِ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا قَالَ بِعْتُكَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَقُلِ الْمُشْتَرِي : قَدْ قَبِلْتُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ سِجْنٍ كَيْفَ يَفْتَرِقَانِ . وَقَدْ أَكْثَرَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْحَدِيثِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ أَنْ يَتَوَارَى أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : هُوَ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا ، وَقَالَ الْبَاقُونَ : هُوَ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : كَانَ إِذَا ابْتَاعَ بَيْعًا وَهُوَ قَاعِدٌ قَامَ لِيُجِيبَ لَهُ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : إِذَا بَاعَ انْصَرَفَ لِيَجِبَ الْبَيْعُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِعْلُهُ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَفْعَلُ ، انْتَهَى . وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بِحَسَبِ فَهْمِهِ مِنَ اللَّفْظِ لَا مِنْ نَفْسِ الْمُصْطَفَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَأَيُّوبُ والليث فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ ، وَتَابَعَ نَافِعًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ · ص 105 37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ 1 - بَاب الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1447 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبْدِلَهَا فَعَلَ إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا ، فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَلَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ ، كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ . 37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ 1 - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1492 1447 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا ) نَافِيَةٌ ، أَيْ لَيْسَ ( حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالْوَصْفُ بِهِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، أَوْ ذُكِرَ لِلتَّهْيِيجِ لِتَقَعَ الْمُبَادَرَةُ لِامْتِثَالِهِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْإِسْلَامِ عَنْ تَارِكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الَّذِي يَمْتَثِلُ لِأَمْرٍ وَيَجْتَنِبُ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ لِمُسْلِمٍ ، وَوَصِيَّةُ الْكَافِرِ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَبَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهَا شُرِعَتْ زِيَادَةً فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَالْكَافِرُ لَا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَالْإِعْتَاقِ وَهُوَ يَصِحُّ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ ( لَهُ شَيْءٌ ) صِفَةٌ لِامْرِئٍ ( يُوصَى فِيهِ ) صِفَةٌ لِشَيْءٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا حَقُّ امْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالْوَصِيَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَسَّرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، أَيْ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ . . . إِلَخْ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ . وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ عَوْنٍ جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طُرُقِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعِ ابْنَ عَوْنٍ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِنْ عَنَى عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِهِمَا فَمُسْلِمٌ ، لَكِنَّ الْمَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ كَمَا يَأْتِي ، وَإِنْ عَنَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَمَرْدُودٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ لَهُ مَالٌ أَوْلَى عِنْدِي مِنْ رِوَايَةِ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْمَالِ ، كَذَا قَالَ وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا فَرِوَايَةُ شَيْءٌ أَشْمَلُ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْمُتَمَوِّلَ وَغَيْرَهُ كَالْمُخْتَصَّاتِ اهـ . ( يَبِيتُ ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِمُسْلِمٍ ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ آمَنَّا أَوْ ذَاكِرًا أَوْ مَوْعُوكًا كَمَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ ، وَالْخَبَرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ( يَبِيتُ ) خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ : مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَةُ لَيْلَتَيْنِ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَارْتَفَعَ الْفِعْلُ بَعْدَ حَذْفِ ( أَنْ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ( سورة الرُّومِ : الْآيَةُ 24 ) قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغَيُّرُ الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَإِنَّمَا قَدْ رَأَتْ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ مُبْتَدَأٌ فَيُقَدَّرَانِ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً ، فَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ يَعْلَمُ هَذَا وَيَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى ، وَرَدَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ أَنْ يَبِيتَ فَصَرَّحَ بِأَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ فَسَادٌ وَلَا تَغَيُّرُ مَعْنًى إِذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ ظَرْفٌ وَالْآيَةُ مُبْتَدَأٌ ، فَاخْتِلَافُ الْإِعْرَابِ فِيهِمَا لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْقِيَاسِ ؛ إِذِ التَّنْظِيرُ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيرِ أَنَّ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَابِ ، وَالْفِعْلُ مَرْفُوعٌ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ( لَيْلَتَيْنِ ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ . وَلِأَبِي عَوَانَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ : لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ . وَلِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، وَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا ، فَفُسِحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرُ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ ، وَالْمَعْنَى : لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَلَوْ قَلَّ ( إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ ) بِخَطِّهِ أَوْ بِغَيْرِ خَطِّهِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي تَخْصِيصِ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ بِالذِّكْرِ تَسَامُحٌ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ، أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ زَمَنًا مَا وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَجَاوُزُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا أَثْبَتُ مِنَ الضَّبْطِ بِالْحِفْظِ لِأَنَّهُ يَخُونُ غَالِبًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ . وَخَصَّ أَحْمَدُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ أَيْ بِشَرْطِهَا مَشْهُودٌ عَلَيْهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِضْمَارَ الْإِشْهَادِ فِيهِ بَعْدُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا لَهُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 106 ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَصِيَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَكَرَ الْكِتَابَةَ مُبَالَغَةً فِي زِيَادَةِ التَّوَثُّقِ وَإِلَّا فَالْوَصِيَّةُ الْمَشْهُودُ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً اهـ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ : إِذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةٌ بِخَطِّ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ وَعُلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ وَلَا يَعْزِمُ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَدَاوُدُ وَآخَرُونَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِهَا حَتَّى نَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى الْإِجْمَاعِ سِوَى مَنْ شَذَّ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا حَقُّ الْجَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْجَأُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وَصِيَّةٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ ، وَبِهَذَا أَجَابَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحَقُّ لُغَةً الشَّيْءُ الثَّابِتُ ، وَيُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ أَيْضًا لَكِنْ بِقِلَّةٍ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ : فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ عَلَى أَوْ نَحْوُهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ ، بَلِ اقْتَرَنَ هَذَا الْحَقُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ تَفْوِيضُهُ الْوَصِيَّةَ إِلَى إِرَادَةِ الْمُوصِي فِي رِوَايَةِ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا عَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ لَا يَحِلُّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ رَاوِيهَا ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى ، وَأَرَادَ بِنَفْيِ الْحِلِّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ . وَأَجَابَ أَبُو ثَوْرٍ بِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ يُخْشَى ضَيَاعُهُ عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ وَدَيْنٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَنْجِيزِهِ وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا ، فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ سَاغَ لَهُ ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجِبُ لِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ لِعَيْنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلْغَيْرِ بِتَنْجِيزٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، وَمَحِلُّ وُجُوبِهَا إِذَا عَجَزَ عَنْ تَنْجِيزِ مَا عَلَيْهِ وَكَانَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ ، فَإِنْ قَدَرَ أَوْ عَلِمَ غَيْرُهُ فَلَا وُجُوبَ ، فَعُلِمَ أَنَّهَا قَدْ تَجِبُ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَجَا مِنْهَا كَثْرَةَ الْأَجْرِ ، وَقَدْ تُكْرَهُ فِي عَكْسِهِ وَتُبَاحُ فِيمَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ ، فَتُحَرَّمُ كَمَا إِذَا كَانَ فِيهَا إِضْرَارٌ لِحَدِيثِ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، رَفَعَهُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ فَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا تَرَكَهَا ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى ، عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ : لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَةٌ عِنْدِي . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُوصِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : أَلَا تُوصِي ؟ قَالَ : أَمَّا مَالِي فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِهِ ، وَأَمَا رِبَاعِي فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَ وَلَدِي فِيهَا أَحَدٌ . وَجَمَعَ الْحَافِظُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيَتَعَاهَدُهَا ثُمَّ صَارَ يُنْجِزُ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ مُعَلَّقًا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي قَوْلِهِ لَهُ شَيْءٌ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَمَنَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَمُطْلَقُهَا يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ ، لَكِنْ خَصَّهَا السَّلَفُ بِالْمَرِيضِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْخَبَرِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِهِ ، وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى التَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ وَالِاحْتِرَازِ قَبْلَ الْفَوْتِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَأُهُ الْمَوْتُ ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِنٍّ يُفْرَضُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْعٌ جَمٌّ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ جَائِزٌ أَنْ يَمُوتَ فِي الْحَالِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ وَيَجْمَعَ فِيهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ وَيَحُطُّ عَنْهُ الْوِزْرَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ ، وَأُسَامَةُ اللَّيْثِيُّ ، وَيُونُسُ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، مَصْدَرٌ كَالْعِتْقِ ( رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ) كَوَصِيَّةٍ بِمَالٍ ( فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ ) يُبَدِّلُ ( مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ ) لِأَنَّ عَقْدَهَا مُنْحَلٌّ ( وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ) فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُبَدِّلْ لَزِمَتْ فِي ثُلُثِهِ . ( وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ ) يُلْقِيَ ، أَيْ يُبْطِلَ ( تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبْدِلَهَا ) بِغَيْرِهَا ( فَعَلَ ) بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِلَا إِبْدَالٍ ( إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا ) لَهُ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٌ بِنَحْوِ أَنْ يَقُولَ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ( فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ ) لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ ) قَالَ الطِّيبِيُّ ، وَالْكِرْمَانِيُّ : مَا نَافِيَةٌ وَلَهُ شَيْءٌ صِفَةُ امْرِئٍ وَيُوصَى فِيهِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ وَيَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَالْمُسْتَثْنَى خَبَرٌ ، وَمَفْعُولُ ( يَبِيتُ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : ذَاكِرًا أَوْ آمِنًا . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : تَقْدِيرُهُ مَوْعُوكًا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْوَصِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَرِيضِ ، نَعَمْ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَا يُنْدَبُ أَنْ يَكْتُبَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَقَّرَةِ وَلَا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْوَفَاءِ لَهُ عَنْ قُرْبٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيتِهِ وَلَا مَا ذَكَرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ ) مَنَعَ ( مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنَ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا ) فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ ( وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ لَزِمَ الْحَجْرُ ( وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ ) لِأَنَّهُ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ .