1642 حَدِيثٌ ثَانٍ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . قَدْ ذَكَرْنَا سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ ، فَالْيَمَنُ افْتُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَافْتُتِحَ بَعْضُهَا فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ بِمُقَاتَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْمُتَنَبِّي الْكَذَّابِ بِصَنْعَاءَ ، قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ ، كَمَا قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ فِي بَنِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ قُتِلَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرِيضٌ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ - وَهُوَ الْأَكْثَرُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ . وَأَمَّا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ فَكَانَ افْتِتَاحُهُمَا فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُ غَيْبٌ كَانَ بَعْدَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ ، فَقَدِ افْتُتِحَتْ بَعْدَهُ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَالْيَمَنُ بَعْضُهَا ، وَقَدْ خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْعِرَاقِ ، وَكَانَ مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَبَرُوا بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْيَمَنِ ، وَعَلَى الشَّامِ ، وَعَلَى الْعِرَاقِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفَضْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ لَهَا فَضْلًا مَعْرُوفًا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبَرِهِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا وَمِنْ مَكَّةَ لا غير ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُبِسُّونَ ، فَمَنْ رَوَاهُ يُبِسُّونَ - بِرَفْعِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ - مِنْ أَبَسَّ يَبُسُّ عَلَى الرُّبَاعِيِّ ، فَقَالَ : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبَلَدَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، قَالُوا : وَالْإِبْسَاسُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِبْسَاسِ الْحَلُوبَةِ عِنْدَ حِلَابِهَا كَيْ تَدِرَّ بِاللَّبَنِ ، وَهُوَ أَنْ تُجْرِيَ يَدَكَ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّكَ تُزَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَهَا وَتُحَسِّنُهُ لَهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ : وَالدَّهْرُ ذُو دُرَّةٍ مِنْ غَيْرِ إِبْسَاسِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ يُبِسُّونَ بِالرَّفْعِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَفَسَّرَ ابْنُ حَبِيبٍ الْكَلِمَةَ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْسِيرِ ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مِنَ السَّيْرِ كُلَّ الْإِنْكَارِ . وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ : يَبِسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُ ، وَفَسَّرَهُ : يَسِيرُونَ ، قَالَ : مِنْ قَوْلِهِ : وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا يَعْنِي : سَارَتْ ، وَيُقَالُ : سَالَتْ . وَذَكَرَ حَبِيبٌ ، عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ تَفْسِيرِ ابْنِ بُكَيْرٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : يَبَسُّونَ : يَدْعُونَ ، وَأَظُنُّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِفَتْحِ الياء وضم الْبَاءِ ، وَرِوَايَةَ ابْنِ بُكَيْرٍ بِكَسْرِهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَالْبَسُّ أَيْضًا : الْمُبَالَغَةُ فِي فَتِّ الشَّيْءِ ، وَمِنْهُ قِيلَ فِي الدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ : الْبَسِيسُ ، قَالَ الرَّاجِزُ : أَخُبْزًا خُبْزًا وَبَسًّا بَسَّا يُرِيدُ عَمَلًا بَسِيسًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ غَيْرُهُ : يَبُسُّونَ يُسْرِعُونَ السَّيْرَ ، وَقِيلَ : يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبُلْدَانِ وَيَتَشَفَّوْنَ مِنْ أَخْبَارِهَا لِيَتَحَمَّلُوا إِلَيْهَا ، وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَأَمَّا الرُّبَاعِيُّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا الثُّلَاثِيُّ فَفِيهِ لُغَتَانِ : بَسَّ يَبِسُّ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - ، وَيَبُسُّ بِضَمِّهَا ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدِي : قَتَرَ وَأَقْتَرَ فِيهِ لُغَتَانِ : قَتَرَ عَلَى الثُّلَاثِيِّ ، وَأَقْتَرَ عَلَى الرُّبَاعِيِّ ، وَفِي الثُّلَاثِيِّ لُغَتَانِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ : مِنْهُ يَقْتِرُ بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَيَقْتُرُ بِضَمِّهَا ، وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَوْجَهِ : يُقَتِّرُوا مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَيَقْتُرُوا مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَيَقْتِرُوا مِنْهُ أَيْضًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي يَبِسُّونَ عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا الَّذِينَ اعْتَمَدْنَا عَلَيْهِمْ فِي التَّقْيِيدِ ، فَعَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَفَسَّرُوهُ : يَسِيرُونَ عَلَى نَحْوِ رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَتَفْسِيرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى غَيْرُ هَذَا الضَّبْطِ ، وَمَنْ رَوَى فِي مُوَطَّأِ يَحْيَى غَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى مَا لَمْ يَرْوِ يَحْيَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يُنْكِرُ رِوَايَةَ يَحْيَى ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَحَبِيبٌ وَغَيْرُهُمْ كَذَلِكَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ : يَبُسُّونَ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ - ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، فَقِيلَ فِيهِ : خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْفِتَنَ فِيهَا دُونَهَا فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ : مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّلَاةِ فِيهِ ، وَمُجَاوِرَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يَنْفِي خُبْثَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لِلْفَارِّ عَنْ صُحْبَتِهِ وَجِوَارِهِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ جُمْلَةَ مَنْ خَرَجَ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَكُونُوا خُبْثًا ، بَلْ كَانُوا دُرَرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . هِشَامٌ ، عَنْ زَوْجِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ ، ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ · ص 223 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ في فتح اليمن والشام والعراق · ص 26 1642 1641 - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . 38564 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمِنَ الْغَيْبِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فُتِحَتْ بَعْدَهُ تِلْكَ الْبُلْدَانُ ، وَتَحَمَّلَ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38565 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَبُسُّونَ . فَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا أَيْضًا . 38566 - وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ ، وَيَحْيَى مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . 38567 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : يَبُسُّونَ : يَدْعُونَ . 38568 - وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ : مَعْنَاهُ يَسِيرُونَ مِنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا . 38569 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ يُبِسُّونَ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَفَسَّرَهُ فَقَالَ : يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْخُرُوجَ . 38570 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، وَفَسَّرَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ : يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبَلَدَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ ، وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ إِلْبَاسِ الْحَلُوبَةِ عِنْدَ حِلَابِهَا كَيْ تُدِرَّ بِاللَّبَنِ ، وَهُوَ أَنْ يَجُرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا أَنَّهُ يُزَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَهَا . 38571 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . فَالْخَيْرُ هَاهُنَا مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ لِأَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي الصَّلَاةُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الصَّلَاةِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، وَأَفْضَلُ بِأَلْفِ دَرَجَةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ . 38572 - وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ هَذَا مَكَّةَ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ كَمَا تُفْتَحُ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَالْيَمَنُ بَعْدَهُ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا لِأَنَّ الْهِجْرَةَ عَلَى أَهْلِهَا خَاصَّةً فَرْضًا أَنْ لَا يَنْصَرِفَ أَحَدٌ مِنْ مُهَاجِرِيهَا إِلَيْهَا أَبَدًا ، وَلَا يَسْتَوْطِنُهَا ، وَلَا يَنْزِلُهَا إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ، وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَتِ الْبَيْعَةُ لِلْأَنْصَارِ ، إِلَّا أَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ لَيْسَ مِمَّنْ وَصَفْنَا حُكْمَهُ . 38573 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا · ص 352 1594 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . 1642 1594 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ ) أَخِيهِ ( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مُصَغَّرٌ الْأَزْدِيِّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَبَعْدَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ ، صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْمَدِينَةِ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : وَخَلِيفَةُ اسْمُ أَبِيهِ الْقَرِدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ ، وَلِذَا يُقَالُ لَهُ : ابْنُ الْقَرِدِ ، وَقِيلَ : اسْمُ أَبِيهِ نُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ، وَيُقَالُ فِيهِ : النُّمَيْرِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ النَّمِرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ زَهْرَانَ . ( قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُفْتَحُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، وَنَائِبُهُ ( الْيَمَنُ ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَنْ يَمِينِ الشَّمْسِ أَوْ بِيَمَنِ بْنِ قَحْطَانَ ( فَيَأْتِي قَوْمٌ ) مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ( يَبُسُّونَ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، رَوَاهُ يَحْيَى وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ غَيْرُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَقَالَ : مَعْنَاهُ يَسِيرُونَ مِنْ قَوْلِهِ : وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ : الْآيَةُ 5 ] ؛ أَيْ سَارَتْ . وَذَكَرَ حَبِيبٌ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، فَإِنْكَارُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا بَلْ تَابَعَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِفَتْحِ التحتية وضم الْمُوَحَّدَةِ ثُلَاثِيًّا أَيْضًا مِنْ بَابِ نَصَرَ ؛ أَيْ يُسْرِعُونَ السَّيْرَ ، وَقِيلَ : يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ ، وَقِيلَ : يَسْأَلُونَ عَنِ الْبُلْدَانِ وَأَخْبَارِهَا لِيَتَحَمَّلُوا إِلَيْهَا ، وَهَذَا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ لُغَةً . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ يُبِسُّونَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ رُبَاعِيٍّ مِنْ أَبَسَّ ، وَقَالَ : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، أَيْ : وَيُزَيِّنُونَ الْبَلَدَ الَّذِي جَاؤوا مِنْهُ وَيُحَبِّبُونَهُ إِلَيْهِمْ ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ حَبِيبٍ - قَالَهُ أَبُو عُمَرَ مُلَخَّصًا . ( فَيَتَحَمَّلُونَ ) مِنَ الْمَدِينَةِ ( بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ) مِنَ النَّاسِ ( وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ ) لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْفِتَنَ فِيهَا دُونَهَا فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ : لِفَضْلِ مَسْجِدِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَمُجَاوِرَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ . ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) بِمَا فِيهَا مِنَ الْفَضَائِلِ كَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا وَثَوَابِ الْإِقَامَةِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي تُسْتَحْقَرُ دُونَهَا مَا يَجِدُونَهُ مِنَ الْحُظُوظِ الْفَانِيَةِ الْعَاجِلَةِ بِسَبَبِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهَا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ أَوْ قَرِيبَهُ : هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ - وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ غَيْرَ الَّذِينَ يَبِسُّونَ ، فَكَأَنَّ الَّذِي حَضَرَ الْفَتْحَ أَعْجَبَهُ حُسْنُ الْيَمَنِ وَرَخَاؤُهُ فَدَعَا قَرِيبَهُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِ ، فَيَحْتَمِلُ الْمَدْعُوُّ بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعِهِ ، لَكِنْ صَوَّبَ النَّوَوِيُّ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ إِخْبَارٌ عَنْ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعِهِ بَأْسًا فِي سَيْرِهِ إِلَى الرَّخَاءِ وَالْأَمْصَارِ الْمُنْفَتِحَةِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُهُ ، وَلَفْظُهُ : تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَخْرُجُ النَّاسُ إِلَيْهَا يَبِسُّونَ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا : لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَنْطَلِقُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَافِ يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاءَ فَيَجِدُونَ ثُمَّ يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِ إِلَى الرَّخَاءِ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَالْأَرْيَافُ جَمْعُ رِيفٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا قَارَبَ الْمِيَاهَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ وَالْخِصْبُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( وَتُفْتَحُ الشَّامُ ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَنْ شِمَالِ الْكَعْبَةِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامٍ : ثُمَّ تُفْتَحُ الشَّامُ ( فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّهَا وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسِرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : يُزَيِّنُونَ وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى بِلَادِ الْخِصْبِ ( فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ) مِنَ النَّاسِ رَاحِلِينَ إِلَى الشَّامِ ( وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ ) مِنْهَا لِأَنَّهَا حَرَمُ الرَّسُولِ وَجِوَارُهُ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ وَمَنْزَلُ الْبَرَكَاتِ ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) فَضْلَهَا مَا فَعَلُوا ذَلِكَ ، فَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ كَالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَوْ بِمَعْنَى لَيْتَ فَلَا جَوَابَ لَهَا ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيهِ تَجْهِيلٌ لِمَنْ فَارَقَهَا لِتَفْوِيتِهِ عَلَى نَفْسِهِ خَيْرًا عَظِيمًا . ( وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ ( فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ) مِنَ النَّاسِ رَاحِلِينَ إِلَى الْعِرَاقِ ( وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ ) مِنْهُ ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ذَلِكَ وَالْوَاوُ فِي الثَّلَاثَةِ لِلْحَالِ ، وَهَذَا مِنْ أعْلَامِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أَخْبَرَ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَقَالِيمِ وَأَنَّ النَّاسَ يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَيُفَارِقُونَ الْمَدِينَةَ فَكَانَ مَا قَالَهُ عَلَى تَرْتِيبِ مَا قَالَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ : تُفْتَحُ الشَّامُ ثُمَّ الْيَمَنُ ثُمَّ الْعِرَاقُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَمَنَ قَبْلَ الشَّامِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ شَيْءٌ مِنَ الشَّامِ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ ، فَرِوَايَةُ تَقْدِيمِ الشَّامِ عَلَى الْيَمَنِ مَعْنَاهُ أَنَّ اسْتِيفَاءَ فَتْحِ الْيَمَنِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الشَّامِ ، وَقَوْلُ الطُّهْرِيِّ : أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَنَّ الْيَمَنَ تُفْتَحُ فَيَأْتِي مِنْهَا قَوْمٌ حَتَّى يَكْثُرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهَا ، تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ تَنْكِيرَ قَوْمٍ وَوَصْفُهُ بِـ يَبِسُّونَ ثُمَّ تَوْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لَا يُسَاعِدُ مَا قَالَهُ ، لِأَنَّ تَنْكِيرَ قَوْمٍ لِتَحْقِيرِهِمْ وَتَوْهِينِ أَمْرِهِمْ ، ثُمَّ وَصْفُ يُبِسُّونَ وَهُوَ سُوقُ الدَّوَابِّ يُشْعِرُ بِرِكَّةِ عُقُولِهِمْ وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ رَكَنَ إِلَى الْحُظُوظِ الْبَهِيمِيَّةِ وَحُطَامِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَأَعْرَضُوا عَنِ الْإِقَامَةِ فِي جِوَارِ الرَّسُولِ ، وَلِذَا كَرَّرَ قَوْمًا وَوَصَفَهُ فِي كُلِّ قَرِينَةٍ بِـ يُبِسُّونَ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْهَيْئَةِ الْقَبِيحَةِ ، قَالَ : وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ أَنْ يُنَزِّلَ يَعْلَمُونَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِيَنْفِيَ عَنْهُمُ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَوْ ذَهَبَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى التَّمَنِّي لَكَانَ أَبْلَغَ لِأَنَّ التَّمَنِّيَ طَلَبُ مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ ، أَيْ : لَيْتَهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَغْلِيظًا وَتَشْدِيدًا . انْتَهَى . وَفِي إِسْنَادِهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَوَكِيعٌ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِهِ ، غَايَتُهُ أَنَّ وَكِيعًا قَدِمَ الشَّامَ .