ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القرشي الْعَدَوِيِّ الْأَعْرَجِ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ ، مَدَنِيٌّ ، ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، وَلِيَ الْكُوفَةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَلَمَّا وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكُوفَةَ ضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا الزِّنَادِ يَسْتَكْتِبُهُ ، وَاسْتَقْضَى عَبْدُ الْحَمِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ الشَّعْبِيَّ أَيَّامَ إِمَارَتِهِ ، وَكَانَ فَاضِلًا نَاسِكًا ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَعْرَجَ وَصَاحِبُ شُرْطَتِهِ أَعْرَجَ ، فَقَالَ فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدَلٍ الشَّاعِرُ أَبْيَاتًا ، مِنْهَا قَوْلُهُ : وَأَمِيرُنَا وَأَمِيرُ شُرْطَتِنَا مَعًا لِكِلَيْهِمَا يَا قَوْمَنَا رِجْلَانِ 1655 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ . فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ . فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفَعُوا عَنِّي . ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ . فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ . فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فِرَارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ ! فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ ، نَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطّأ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - لَمْ يَقُلْ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالَّذِي فِي الْمُوَطَّأ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ . وَرِوَايَةُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَظُنُّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ . وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ نَصْرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ . وَأَمَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ فَمَشْهُورٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ الصَّدَقَةِ ، الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِيهِ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَرْوِيهِ مَالِكٌ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هَذَا عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَيَرْوِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ بِبَبَّةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ - وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ - عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى . رَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ؛ فَقِيلَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقِيلَ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَالصَّوَابُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِ صَلَاةِ الضُّحَى ، فَابْنُ شِهَابٍ يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ نَفْسِهِ ، وَيَرْوِي عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، فَاعْلَمْ . وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فَقَدَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَأَمَّا أَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَمَعْرُوفٌ أَيْضًا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ وَأَهْلِ النَّسَبِ ، وَلَهُ ابْنٌ يُسَمَّى الْعَبَّاسَ ، وَلَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ النَّسَبِ أَخَوَانِ ; أَحَدُهُمَا الصَّلْتُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، كَانَ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ عِنْدَهُ بِنْتَانِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ فَقِيهًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّهُ كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْعِلْمِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً ، وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْنٍ كَانَ جَوَادًا ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ : لَوْلَا نَدَى الْحَارِثِ مَاتَ النَّدَى وَانْقَطَعَ الْمَسْؤولُ وَالسَّائِلُ فَأَمَّا قَوْلُ الذُّهْلِيِّ بِأَنَّ بَبَّةُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَمْ يُطَالِعْ مَا قَالَهُ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي : خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَعْمَالِهِ يُطَالِعُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْرِفُ أَحْوَالَ أَهْلِهَا ، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مَرَّتَيْنِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ هَذِهِ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا مَرَّتَيْنِ . ذَكَرَ خَلِيفَةُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ : لَمَّا صَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْلَ حَلَبَ شَخَصَ - وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَحَاصَرَا أَهْلَ إِيلِيَا ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عُمَرُ هُوَ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ وَيَكْتُبُ لَهُمْ أَمَانًا ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَدِمَ عُمَرُ فَصَالَحَهُمْ فَأَقَامَ أَيَّامًا ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَانَ خُرُوجُهُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : فِيهَا خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَانْصَرَفَ مِنْ سَرْغَ وَبِهَا الطَّاعُونُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ فِي ذِكْرِ سَرْغَ وَمَعْنَى الطَّاعُونِ وَأَخْبَارٍ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ مَا يُغْنِي عَنْ تَكْرَارِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيٌّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ فَوَجَدْتُهُ قَائِلًا فِي خِبَائِهِ ، فَانْتَظَرْتُهُ فِي فَيْءِ الْخِبَاءِ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَضَوَّرَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ غَزْوَةِ سَرْغَ ؛ يَعْنِي حِينَ رَجَعَ مِنْ أَجْلِ الْوَبَاءِ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْخَلِيفَةِ أُمَرَاءَ عَدَدًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِوُجُوهٍ يُصَرِّفُهُمْ فِيهَا ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَسَّمَ الشَّامَ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُنْدٌ وَنَاحِيَةٌ مِنَ الشَّامِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَحْسَبُ الرَّابِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ ، ثُمَّ لَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى جَمَعَ الشَّامَ لِمُعَاوِيَةَ . وَقَدِ اسْتَخْلَفَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ ، وَمَا أَظُنُّهُ اسْتَخْلَفَ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَطُّ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَخْلَفَ خَالًا لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ . وَأَمَّا عُمَّالُهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَكَثِيرٌ ، وَكَانَ يَعْزِلُ وَيُوَلِّي كَثِيرًا ، لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ؛ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَمَلِ وَالْوِلَايَةِ وَأَنْ لَا بَأْسَ لِلصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ فَاضِلًا عَالِمًا يَأْمُرُ بِالْحَقِّ وَيَعْدِلُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَشُورَةِ مَنْ يُوثَقُ بِفَهْمِهِ وَعَقْلِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ الْمُعْضِلِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِذَا كَانَ سَبِيلُهَا الِاجْتِهَادَ وَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ الْقَائِلِينَ فِيهَا عَيْبُ مُخَالِفِهِ وَلَا الطَّعْنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا - وَهُمُ الْقُدْوَةُ - فَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ اجْتِهَادَهُ وَلَا وَجَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ . إِلَى اللَّهِ الشَّكْوَى ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أُمَّةٍ نَحْنُ بَيْنَ أَظْهُرِهَا تَسْتَحِلُّ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ إِذَا خُولِفَتْ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ مِنَ الْخَطَأ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَادَهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ خَالَفَهُ فِيهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَيْلُ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يُبِنْ مَوْقِعَ الصَّوَابِ فِيهِ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ وَذَوِي الرَّأْيِ وَيُشَاوِرَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ غَيْرِ اجْتِهَادِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَى الْأَصْلَحِ وَالْأَخْذُ بِمَا يَرَاهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ النَّظَرُ ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ عِنْدَ الْخِلَافِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى : تَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ ! فَقَالَ : نَعَمْ ، أَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهَ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ ... فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشَّبَهُ فِي مَسْأَلَتِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ إِذَا نَزَلَ وَقَامَ الْحِجَاجُ فَالْحُجَّةُ وَالْفَلْجُ بِيَدِ مَنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكِتَابِ نَصٌّ لَا يُخْتَلَفُ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ وَجَبَ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ يُسَمَّى عِلْمًا وَيُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ ؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَجْرُونَ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ ، وَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ شَيْئًا لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْعِالْمَ قَدْ يُوجَدُ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي الْعِلْمِ دُونَهُ مَا لَا يُوجَدُ مِنْهُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَوْضِعَ عُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ وَمَكَانَهُ مِنَ الْفَهْمِ وَدُنُوَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا جَهِلَهُ عُمَرُ ، وَهَذَا وَاضِحٌ يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَقَدْ جَهِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدِيثَ رُجُوعِ عُمَرَ مِنْ أَجْلِ الطَّاعُونِ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنَ الشَّامِ حِينَ سَمِعَ بِهَا وَبَاءً فلم يعرفه ، وَقَالَ : إِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّ الصَّائِفَةَ لَا تَخْرُجُ الْعَامَ ، فَرَجَعَ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ لَا يُنَفِّذُ قَضَاءً وَلَا يَفْصِلُهُ إِلَّا عَنْ مَشُورَةِ مَنْ بِحَضْرَتِهِ وَيَصِلُ إِلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ مَوْضِعِهِ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ذِكْرُ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : عَهِدَ عُمَرُ إِلَى الْقُضَاةِ أَنْ لَا يَصْرِمُوا الْقَضَاءَ إِلَّا عَنْ مَشُورَةٍ وَعَنْ مِلًا وَتَشَاوُرٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ عِلْمِ عَالِمٍ أَنْ يَجْتَزِئَ بِهِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ غَيْرِهِ ، وَتَمَثَّلَ : خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ أَثِيرًا عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا يُرِيَانِي قَالَ سَيْفٌ : وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُعَلِّمًا لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ، إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَهْلِ كِتَابٍ ، وَإِنَّهُمْ سَائِلُوكَ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَلَا تَقْضِيَنَّ إِلَّا بِعِلْمٍ ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَسَلْ وَاسْتَشِرْ ، فَإِنَّ الْمُسْتَشِيرَ مُعَانٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، وَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكَ فَقِفْ حَتَّى تَتَبَيَّنَ أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ ، وَلَا تَصْرِمَنَّ قَضَاءً فِيمَا لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّتِي إِلَّا عَنْ مِلًا ... وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنَ الْإِنْصَافِ لِلْعِلْمِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَبُولِهِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ أَوْضَحُ وَأَقْوَى مَا نَرَى مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَبِمَحْضَرِهِمْ فِي أَمْرٍ قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَقُلْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْتَ وَاحِدٌ ، وَالْوَاحِدُ لَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، إِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْكَافَّةِ ! مَا أَعْظَمَ ضَلَالَ مَنْ قَالَ بِهَذَا ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وَقُرِئَتْ فَتَثَبَّتُوا ، فَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ إِذَا جَاءَ بِنَبَأ يُتَثَبَّتُ فِي خَبَرِهِ وَلَمْ يُنَفَّذْ لَاسْتَوَى الْفَاسِقُ وَالْعَدْلُ ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَالْقَوْلُ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَمَا التَّوْفِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَدْ مَضَى فِي مَعْنَى الطَّاعُونِ أَخْبَارٌ وَتَفْسِيرٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ لَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهَا هَاهُنَا ، وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الطَّاعُونَ طَعْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَتُسَمِّيهِ أَيْضًا رِمَاحَ الْجِنِّ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ لَمْ أَذْكُرْهَا لِأَنِّي عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَامَ فِي النَّاسِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ بِالشَّامِ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ قَدْ ظَهَرَ ، وَإِنَّمَا هُوَ رِجْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ طَاعُونٌ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَالَ : تَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ . فَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ : لَقَدْ كُنْتَ فِينَا وَلَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِكَ ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُوَ رَحْمَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ مُعَاذًا وَآلَ مُعَاذٍ فِيمَنْ تَذْكُرُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ . قَالَ دُحَيْمٌ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ شُرَحْبِيلَ بْنَ شُفْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ رِجْسٌ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ . فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهَا رَحْمَةُ بِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ . أَظُنُّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَرُوِينَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَالْفَارِّ ؛ أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمِتُّ - وَكَذَبَا ؛ فَرَّ مَنْ لَمْ يَجِئْ أَجَلُهُ ، وَأَقَامَ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيِّ · ص 361 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث الطاعون إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدِمُوا عَلَيْهِ · ص 67 1655 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ 1656 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَقَالَ عُمَرُ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ، فَدَعْوَتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ اثْنَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : أَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ؟ نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدِمُوا عَلَيْهِ : وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . 38725 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهُ مِنْهَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا فِي ظَاهِرِهِ الَّذِي سَبَقَ وَذُكِرَ . 38726 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْقُدُومِ عَلَى الْوَبَاءِ فَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْنًى صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ ، وَأَنَّ مَا أَصَابَ الْمَرْءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، مَعَ إِبَاحَةِ الْأَخْذِ بِالْحَذَرِ وَالْحَزْمِ وَالْفِرَارِ عَنِ الْمَهْلَكَةِ الظَّاهِرَةِ . 38727 - وَقَدْ أَحْكَمَتِ السُّنَّةُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا مَا قَطَعَ وُجُوهَ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدِمَ عَلَى مَوْضِعِ طَاعُونٍ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ عَنْهُ إِذَا كَانَ قَدْ نَزَلَ فِي وَطَنِهِ وَمَوْضِعِ سُكْنَاهُ . 38728 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ خَبَرًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ طَاعُونٌ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ ، فَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَقَالَ : لَقَدْ كُنْتَ فِينَا وَأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُوَ رَحْمَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، اللَّهُمَّ فَاذْكُرْ مُعَاذًا فِي مَنْ تَذْكُرُهُ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ . 38729 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَاتَ مُعَاذٌ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ . 38730 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ : إِنَّهُ رِجْسٌ ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ . فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ ، فَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ . 38731 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ قَوْلَهُ : وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ . 38732 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَا فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ . 38733 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ ، وَحَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْبَدَنِ . 38734 - وَرَوَيْنَا أَنْ زِيَادًا كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ : إِنِّي قَدْ ضَبَطْتُ الْعِرَاقَ بِيَمِينِي ، وَشِمَالِي فَارِغَةٌ ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ : مُرُوا الْعَجَائِزَ يَدْعُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَفَعَلْنَ ، فَخَرَجَ بِأُصْبُعِهِ طَاعُونٌ ، فَمَاتَ مِنْهُ . 38735 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّهُ قَالَ : الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ ، كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ . 38736 - وَرَوَيْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَعَلَى الْفَارِّ أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ . وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمُتُّ وَإِنَّمَا فَرَّ مَنْ لَمْ يَجِئْ أَجَلُهُ ، وَقَامَ فَمَاتَ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ . 38737 - وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى انْصِرَافِهِ عَنِ الطَّاعُونِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ نَزَلَ بِالشَّامِ وَدَخَلَهَا يَوْمَئِذٍ . 38738 - وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ ، عَنْ قَاسِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغَ ، يَعْنِي حِينَ رَجَعَ مِنْ أَجْلِ الْوَبَاءِ . 38739 - قَالَ عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ : وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالشَّامِ : إِذَا سَمِعْتَ بِالطَّاعُونِ قَدْ وَقَعَ عِنْدَكُمْ ، فَاكْتُبْ إِلَيَّ أَخْرُجْ إِلَيْهِ . 38740 - وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : وَفِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَانْصَرَفَ مِنْ سَرْغَ وَبِهَا الطَّاعُونُ . 38741 - وَقَالَ ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ : مَا تَقُولُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - فِي الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ ؟ قَالَ : هُوَ الْقَدَرُ تَخَافُونَهُ ، وَلَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ . 38742 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَخْبَارَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَخْبَارًا غَيْرَهَا فِي مَعْنَاهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا مِنْهَا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ . قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ ، فَمَاتُوا ، فَدَعَا اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) . 38743 - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ ، فَخَرَجَ أُنَاسٌ ، وَبَقِيَ أُنَاسٌ ، فَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَقِيَ ، فَنَجَا الَّذِينَ خَرَجُوا ، وَهَلَكَ الَّذِينَ أَقَامُوا ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ ، خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ، وَدَوَابَّهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ . 38744 - وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : يُقَالُ : إِنَّهُ مَا فَرَّ أَحَدٌ مِنَ الطَّاعُونِ فَسَلِمَ مِنَ الْمَوْتِ . 38745 - قَالَ : وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ، وَرِبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رِبَاطٍ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَعْنَبِيُّ : وَلَمَّا اسْتَفَزَّ الْمَوْتُ كُلَّ مُكَذِّبٍ : صَبَرْتُ وَلَمْ يَصْبِرْ رِبَاطٌ وَلَا عَمْرُو . 38746 - وَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي قَوْلِهِ : كُلٌّ يُوَافِي بِهِ الْقَضَاءُ إِلَى الْمَوْتِ وَيُوفِيهِ رِزْقَهُ كَمِلَا كُلٌّ فَقَدْ أَمْهَلَهُ أَمَلٌ يُلْهِي وَلَكِنْ خَلْفَهُ الْأَجَلَا يَا بُؤْسَ لِلْغَافِلِ الْمُطِيعِ عَنْ أَيِّ عَظِيمٍ مِنْ أَمْرِهِ غَفَلَا .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ · ص 371 7 - باب مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ 1607 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَأَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَإِ ، فَقَالَ عُمَرُ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَإِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ : إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ . 7 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ بِوَزْنِ فَاعُولٍ مِنَ الطَّعْنِ عَدَلُوا بِهِ عَنْ أَصْلِهِ وَوَضَعُوهُ دَالًّا عَلَى الْمَوْتِ الْعَامِّ كَالْوَبَاءِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ فِي وُقُوعِهِ فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ وَأَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِسَبَبِ فَسَادِ الْهَوَاءِ أَوِ انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ فَيَحْدُثُ ذَلِكَ كَمَا زَعَمَ الْأَطِبَّاءُ لَدَامَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَفْسَدُ تَارَةً وَيَصِحُّ أُخْرَى ، وَالطَّاعُونُ يَذْهَبُ أَحْيَانًا وَيَجِيءُ أَحْيَانًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ ، وَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ سِنِينَ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ وَرُبَّمَا يُصِيبُ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يُصِيبُ مَنْ هُوَ بِجَانِبِهِمْ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ مِزَاجِهِمْ ، وَرُبَّمَا يُصِيبُ بَعْضَ أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ وَيَسْلَمُ مِنْهُ بَاقِيهِمْ ، وَمَا يُذْكَرُ مِنْ أَنَّهُ وَخْزُ إِخْوَانِكُمُ الْجِنِّ ، فَقَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدَةِ وَلَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ الْبَالِغِ ، وَعَزَاهُ فِي أَكَامِ الْمَرْجَانِ لِمُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ أَوْ كِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ، قِيلَ : إِذَا كَانَ الطَّعْنُ مِنَ الْجِنِّ فَكَيْفَ يَقَعُ فِي رَمَضَانَ وَالشَّيَاطِينُ تُصَفَّدُ فِيهِ وَتُسَلْسَلُ ؟ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ يَطْعَنُونَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ وَلَا يَظْهَرُ التَّأْثِيرُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . 1655 1607 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) الْعَدَوِيِّ أَبِي عُمَرَ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ نَاسِكٌ وَلِيَ الْكُوفَةَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَاتَ بِحَرَّانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِيهِمَا ( ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَبَوْهُ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَقَبُهُ بَبَّةُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ) سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ ، قَالَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ ، وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : سَنَةَ سَبْعَ عَشرة ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَاسْتَخْلَفَهُ مَرَّاتٍ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ وَمَا أَظُنُّهُ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ قَطُّ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَخْلَفَ مَرَّةً عَلَى الْمَدِينَةِ خَالًا لَهُ يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَفِيهِ خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَعْمَالِهِ يُطَالِعُهَا وَيَنْظُرُ أَحْوَالَ أَهْلِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : خَرَجَ لِيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ وَكَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ فَأَلِفٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، وَسُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ وَأَسَاءَ وَقَعَ بِهَا فِي مُحَرَّمٍ وَصَفَرٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ ( بِسَرْغَ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ قَرْيَةٌ بِوَادِي تَبُوكَ يَجُوزُ فِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ ، وَقِيلَ : هِيَ مَدِينَةٌ افْتَتَحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ وَهِيَ وَالْيَرْمُوكُ وَالْجَابِيَةُ مُتَّصِلَاتٌ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَرْحَلَةً ( لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ ) بِالْفَتْحِ جَمْعُ جُنْدٍ ( أَبُو عُبَيْدَةَ ) عَامِرُ ( ابْنُ الْجَرَّاحِ ) أَحَدُ الْعَشَرَةِ ( وَأَصْحَابُهُ ) خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حُسْنَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِي ، وَكَانَ عُمَرُ قَسَّمَ الشَّامَ أَجْنَاد : الْأُرْدُنُ جُنْدٌ ، وَحِمْصُ جُنْدٌ ، وَدِمَشْقُ جُنْدٌ ، وَفِلَسْطِينُ جُنْدٌ ، وَقِنَّسْرِينَ جُنْدٌ ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جُنْدٍ أَمِيرًا ، ثُمَّ لَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى جَمَعَ الشَّامَ لِمُعَاوِيَةَ . ( فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ ) مَهْمُوزٌ وَقَصْرُهُ أَفْصَحُ مِنْ مَدِّهِ أَيِ الطَّاعُونَ ( قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ) وَعِنْدَ سَيْفٍ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ . ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) لِي ( ادْعُ ) لِيَ ( الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) الَّذِينَ صَلُّوا لِلْقِبْلَتَيْنِ ( فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ) فِي الْقُدُومِ أَوِ الرُّجُوعِ ( وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرِ ) تَفَقُّدِ حَالِ الرَّعِيَّةِ ( وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ ) حَتَّى تَفْعَلَهُ . ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ ) أَيِ الصَّحَابَةُ قَالُوا ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ ( وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ : تَجْعَلَهُمْ قَادِمِينَ ( عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ) أَيِ الطَّاعُونِ . ( فَقَالَ عُمَرُ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا عَنْهُ ( ثُمَّ قَالَ ) عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : ( ادْعُ لِيَ الْأَنْصَارَ ، فَدَعَوْتُهُمْ ) فَحَضَرُوا عِنْدَهُ ( فَاسْتَشَارَهُمْ ) فِي ذَلِكَ ( فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ) فِيمَ قَالُوا ( وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ) لَهُمْ : ( ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِيَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ شَيْخٍ وَهُوَ مَنْ طَعَنَ فِي السِّنِّ ( مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ قِيلَ : هُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرُوا عَامَهُ إِذْ لَا هِجْرَةَ بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : هُمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ مَشْيَخَةُ قُرَيْشٍ ، وَأُطْلِقَ عَلَى مَنْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ مُهَاجِرٌ صُورَةً وَإِنِ انْقَطَعَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بِالْفَتْحِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ . ( فَدَعَوْتُهُمْ ) فَحَضَرُوا عِنْدَهُ ( فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ اثْنَانِ ) وَفِي رِوَايَةٍ رَجُلَانِ ( فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ) الطَّاعُونِ ، وَفِيهِ مَشُورَةُ مَنْ يُوثَقُ بِفَهْمِهِ وَعَقْلِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْمُعْضِلِ ، وَأَنَّ مَسَائِلَ الِاجْتِهَادِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْقَائِلِينَ فِيهَا عَيْبُ مُخَالَفَةٍ وَلَا الطَّعْنُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وَهُمُ الْقُدْوَةُ فَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ اجْتِهَادِهِ وَلَا وَجَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ عَلَيْهِ جَمْعُ الْجَمْعِ وَذَوِي الرَّأْيِ وَيُشَاوِرُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِدَلِيلٍ فَعَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَى الْأَصْلَحِ وَالْأَخْذُ بِمَا يَرَاهُ ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يُوجِبُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يُوجِبُ النَّظَرَ ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَالْعَمَلَ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ ) حِينَ ظَهَرَ لَهُ صَوَابُ رَأْيِ الْمَشْيَخَةِ ( إِنِّي مُصْبِحٌ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ خَفِيفَةِ وَبِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ، أَيْ : مُسَافِرٌ فِي الصَّبَاحِ رَاكِبًا ( عَلَى ظَهْرٍ ) أَيْ : عَلَى ظَهْرِ الرَّاحِلَةِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ ( فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى رَأْيِهِمْ ، وَلَا يَبْعُدُ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلِأَنَّهُ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَحَصَلَ تَرْجِيحُ الرَّأْيِ بِالْكَثْرَةِ ، لَا سِيَّمَا رَأْيَ أَهْلِ السِّنِّ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ ، وَمُسْتَنَدُ الطَّائِفَتَيْنِ فِي اخْتِلَافِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ : الْأَوَّلُ التَّوَكُّلُ وَالتَّسْلِيمُ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ . وَالثَّانِي الْحَذَرُ وَتَرْكُ إِلْقَاءِ الْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ) لِعُمَرَ ( أَ ) تَرْجِعُ ( فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ) لَأَدَّبْتُهُ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَيَّ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ وَافَقَنِي عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، أَوْ لَكَانَ أَوْلَى مِنْكَ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ أَوْ لَمْ أَتَعَجَّبْ مِنْهُ وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْكَ مَعَ عِلْمِكَ وَفَضْلِكَ كَيْفَ تَقُولُ هَذَا أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يُحْتَاجُ لِجَوَابٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرَكَ مِمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ يُعْذَرُ . ( نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ) زَادَ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَكَانَ يَكْرَهُ خِلَافَهُ ، أَيْ : عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِرَارًا لِشِبْهِهِ فِي الصُّورَةِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شَرْعِيًّا ، وَالْمُرَادُ أَنَّ هُجُومَ الْمَرْءِ عَلَى مَا يُهْلِكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، وَتَجَنُّبُهُ مَا يُؤْذِيهِ مَشْرُوعٌ ، وَقَدْ يُقَدِّرُ اللَّهُ وُقُوعَهُ فِيمَا فَرَضَهُ فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، وَفِيهِ الْمُنَاظَرَةُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ ، ثُمَّ قَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشْبِهُ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ : ( أَرَأَيْتَ ) أَيْ : أَخْبِرْنِي ( لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ ، أَيْ : شَاطِئَانِ وَحَالَتَانِ ( إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ خَصِبَةٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ بِلَا مِيمٍ ( وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا ( أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ( رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعْيَتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ) فَنَقْلُكَ إِيَّاهَا مِنَ الْجَدْبَةِ وَرَعْيُهَا فِي الْخِصْبَةِ فِرَار مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، فَكَذَلِكَ رُجُوعُنَا . زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخِصْبَةَ أَكُنْتَ مُعْجِزَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَسِرْ إِذًا . ( فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ) لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ الْمُشَاوَرَةَ الْمَذْكُورَةَ ( فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِنْ ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي ( هَذَا ) الَّذِي اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ( عِلْمًا ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ ) بِالطَّاعُونِ ( بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ) لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَقْطَعَ لِوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ . قَالَ فِي الْأَحْوَذِيِّ : وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْحَتْفِ وَالْبَلَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا نَجَاةَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذِرِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ ، وَلِئَلَّا يَقُولَ الْقَائِلُ : لَوْ لَمْ أَدْخُلْ لَمْ أَمْرَضْ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ لَمْ يَمُتْ . ( وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) لِئَلَّا يَكُونَ مُعَارَضَةً لِلْقَدَرِ ، فَلَوْ خَرَجَ لِقَصْدِ آخر غير الْفِرَارِ جَازَ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي النَّهْيِ عَنِ الْفِرَارِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْقُدُومِ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ تَعَرُّضٌ لِلْبَلَاءِ ، وَلَعَلَّهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الدَّعْوَى لِمَقَامِ الصَّبْرِ أَوِ التَّوَكُّلِ فَمَنَعَ ذَلِكَ لِاغْتِرَارِ النَّفْسِ وَدَعْوَاهَا مَا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ ، وَأَمَّا الْفِرَارُ فَقَدْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي بَابِ التَّوَغُّلِ فِي الْأَسْبَابِ مُتَصَوِّرًا بِصُورَةِ مَنْ يُحَاوِلُ النَّجَاةَ مِمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ فَيَقَعُ التَّكَلُّفُ فِي الْقُدُومِ كَمَا يَقَعُ التَّكَلُّفُ فِي الْفِرَارِ فَأَمَرَ بِتَرْكِ التَّكَلُّفِ فِيهِمَا . وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَإِذْ لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ وَخَوْفِ الِاغْتِرَارِ بِالنَّفْسِ إِذْ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهَا عِنْدَ الْوُقُوعِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ . ( قَالَ ) ابْنُ عَبَّاسٍ ( فَحَمِدَ اللَّهَ ) تَعَالَى ( عُمَرُ ) عَلَى مُوَافَقَةِ اجتهاده واجْتِهَادِ مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ( ثُمَّ انْصَرَفَ ) رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ النَّبَوِيِّ الْقَاطِعِ لِلنِّزَاعِ ، وَبِهِ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ وَجَبَ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ . وَفِي أَنَّ الْحَدِيثَ يُسَمَّى عِلْمًا لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْصَافِ لِلْعِلْمِ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ ، كَيْفَ لَا وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ ، وَدَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَحْضَرِ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَقُولُوا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنْتَ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْكَافَّةِ . مَا أَضَلَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ : الْآيَةُ 6 ] وَقُرِئَ فَتَثَبَّتُوا فَلَوْ كَانَ الْعَدْلُ إِذَا جَاءَ بِنَبَأٍ تَثَبَّتَ فِي خَبَرِهِ وَلَمْ يُنَفِّذْ لَاسْتَوَى مَعَ الْفَاسِقِ ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ سُورَةُ ص : الْآيَةُ 28 ] ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَزَادَ مَعْمَرٌ قَالَ : وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخِصْبَةَ أَكُنْتَ مُعْجِزَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَسِرْ إِذًا ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَقَالَ : هَذَا الْمَحَلُّ أَوْ هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .