1682 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . أَمَّا قَوْلُهُ : فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، فَمَعْنَاهُ : يُدِيرُ هَذَا عَنْ هَذَا بِوَجْهِهِ ، وَذَلِكَ عَنْهُ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَلِهَذَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ التَّدَابُرِ وَالْإِعْرَاضِ . قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا أَبْصَرْتَنِي أَعْرَضْتَ عَنِّي كَأَنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ وَهْبِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْحِمْصِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسِيُّ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلَقِيَهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ زَادَ أَحْمَدُ : وَخَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَجْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُلَيْمٍ الْبَصْرِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ أَبُو حَفْصٍ - وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِهِ - قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ كَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ ، أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ ، فَإِذَا تَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ ، مِنْهَا تِسْعُونَ لِلَّذِي بَدَأَ بِالْمُصَافَحَةِ ، وَعَشَرٌ لِصَاحِبِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمُصَافَحَةَ وَفَضْلَهَا فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَةِ آثَارٌ شِدَادٌ فِيهَا تَغْلِيظٌ ، مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ دَخَلَ النَّارَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي خِرَاشٍ السَّلَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ . وَحَسْبُكَ بِحَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَغْفِرُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيَقُولُ : أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي التَّحَابِّ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالتَّآلُفِ وَالْعَفْوِ ( وَالتَّجَاوُزِ ) وَبِهَذَا بُعِثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِ صُنْعِهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ · ص 145 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي أيوب لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنَّ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ · ص 144 1682 ( 4 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ 1683 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنَّ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، يَلْتَقِيَانِ ، فَيُعْرِضُ هَذَا ، وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . 39004 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرْوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : يَهْجُرُ ، وَيُهَاجِرُ ، وَالْمُهَاجَرَةُ تَكُونُ مِنْهُمَا ، وَالنَّهْيُ مَقْصُودٌ بِهِ إِلَيْهِمَا ، وَالْإِعْرَاضُ أَنْ يَمِيلَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ ، وَيُصَعِّرَ خَدَّهُ ، وَيُوَلِّيَهُ دُبُرَهُ . 39005 - قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا أَبْصَرْتَنِي أَعْرَضْتَ عَنِّي كَأَنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ 39006 - وَفِي الْحَدِيثِ رُخْصَةٌ فِي هَجْرِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ ، كَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَرْكٌ لِلِقَائِهِ حَتَّى تَزُولَ عَنْهُ ثَوْرَةُ غَضَبِهِ ، أَوْ نَحْوُ هَذَا ، وَالْفَضْلُ فِي ذَلِكَ لِلْمُبْتَدِئِ بِالسَّلَامِ . 39007 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثًا مُسْنَدًا ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ . 39008 - وَهَذَا يُحْتَمَلُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ . 39009 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلَقِيَهُ ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ ، فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ [ زَادَ أَحْمَدُ ] وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ · ص 411 4 - باب مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ 1632 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ . 4 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ 1682 1632 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا زَايٌ ( اللِّيثِيِّ ) الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ الشَّامِ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَقَدْ جَازَ الثَّمَانِينَ . ( عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ) خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الْبَدْرِيِّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مَاتَ غَازِيًا بِالرُّومِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ : بَعْدَهَا . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ ) كَذَا لِيَحْيَى وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَهْجُرَ ( أَخَاهُ ) فِي الْإِسْلَامِ ( فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) بِأَيَّامِهَا ، وَظَاهِرُهُ إِبَاحَةُ ذَلِكَ الثَّلَاثَ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَضَبٍ وَسُوءِ خُلُقٍ فَسُومِحَ تِلْكَ الْمُدَّةَ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ يَزُولُ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَوْ يَقِلُّ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ السُّكُوتُ عَنْ حُكْمٍ الثَّلَاثِ لِتَطَلُّبٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَرَاءَهَا ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ ، وَفِي قَوْلِهِ أَخَاهُ إِشْعَارٌ بِالْعَلِيَّةِ ( يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا ) عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ( وَيُعْرِضُ هَذَا ) الْآخَرُ كَذَلِكَ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَصْلُهُ أَنْ يُولِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ عَرْضَهُ ، أَيْ : جَانِبَهُ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ : فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَيُعْرِضُ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ فِيهِمَا وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ بَيَانٌ لِصِفَةِ الْهَجْرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ يَهْجُرُ وَمَفْعُولِهِ مَعًا . ( وَخَيْرُهُمَا ) أَيْ : أَفْضَلُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا ثَوَابًا ( الَّذِي يَبْدَأُ ) أَخَاهُ ( بِالسَّلَامِ ) لِأَنَّهُ فَعَلَ حَسَنَةً وَتَسَبَّبَ إِلَى فِعْلِ حَسَنَةٍ وَهِيَ الْجَوَابُ ، مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حُسْنِ طَوِيَّتِهِ وَتَرْكِ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْهَجْرِ وَالْجَفَاءِ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَيْسَ بِخَيْرٍ ، وَعَلَى أَنَّ الْأُولَى حَالٌ فَهَذِهِ الثَّانِيَةُ عَطْفٌ عَلَى لَا يَحِلُّ . وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ بِالسَّلَامِ : يَسْبِقُ إِلَى الْجَنَّةِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَدَّ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْهِجْرَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَرَفِيقِهِ حَيْثُ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِهَجْرِهِمْ ، قَالَ : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَةِ أَحَدٍ وَصِلَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يُدْخِلُ عَلَيْهِ مَضَرَّةً فِي دُنْيَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُجَانَبَتُهُ وَبُعْدُهُ ، وَرُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَاطَبَةٍ مُؤْذِيَةٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِهِجْرَانِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسُوقِ وَمُنَابِذِي السُّنَّةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ هِجْرَانُهُمْ دَائِمًا ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْهِجْرَانِ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَنَحْوُهُمْ فَهِجْرَانُهُمْ دَائِمٌ انْتَهَى . وَمَا زَالَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يَهْجُرُونَ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ أَوْ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلَامِهِ مَفْسَدَةٌ ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ خَيْرٌ مِنَ الْمُجِيبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ابْتَدَأَ بِتَرْكِ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ مِنَ التَّقَاطُعِ لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَعِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا : وَفِيهِ أَنَّ السَّلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْهِجْرَانِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَبْرَأُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا بِعَوْدِهِ إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ ، وَالزُّبَيْدِيُّ ، وَسُفْيَانُ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا بِإِسْنَادِ مَالِكٍ وَمِثْلِ حَدِيثِهِ إِلَّا قَوْلَهُ : فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا قَالُوا : فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا .