1713 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرَدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قَالُوا : فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يَفْطَنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَمَا الْمِسْكِينُ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : فَمَنِ الْمِسْكِينُ ؟ وَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ : فَمَا الْمِسْكِينُ ؟ لِأَنَّ مَنْ وُضِعَتْ لِمَنْ يَعْقِلُ ، وَقَدْ تَابَعَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ : فَمَا الْمِسْكِينُ ؟ جَمَاعَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا الْحَالَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا السَّائِلُ مِسْكِينًا ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ تَكُونَ مَا هَهُنَا مِنْ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا أَرَادَ وَمَنْ بَنَاهَا ، وَكَمَا قَالَ : وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى بِمَعْنَى : أَرَادَ وَمَنْ خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ الْمِسْكِينُ حَقًّا عَلَى الْكَمَالِ ، وَهُوَ الَّذِي بَالَغَتْهُ الْمَسْكَنَةُ بِهَذَا الطَّوَّافِ لِأَنَّ هُنَاكَ مِسْكِينًا أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنَ الطَّوَّافِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى ، وَلَا يَسْأَلُ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، هَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ ، لَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْآثَارِ ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي ، الْحَدِيثَ ، فَقَدْ سَمَّتْهُ مِسْكِينًا ، وَهُوَ طَوَّافٌ عَلَى الْأَبْوَابِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَاتِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّائِلَ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجَ مِسْكِينٌ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ ، قَالُوا : وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يُقِيمُهُ وَيَكْفِيهِ ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرَّاعِي : أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وِفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ قَالُوا : أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لِهَذَا الْفَقِيرِ حَلُوبَةً ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ ، وَذَهَبُ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِسْكِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُوا هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمِسْكِينِ سَفِينَةً مِنْ سُفُنِ الْبَحْرِ ، وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قَالُوا : فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْحَالِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْمَسَاكِينِ ، قَالُوا : وَلَا حُجَّةَ فِي بَيْتِ الرَّاعِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الْفَقِيرَ كَانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ فِي حَالٍ مَا ، قَالُوا : وَالْفَقِيرُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فَقَرَةٌ مِنْ ظَهْرِهِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ ، فَلَا حَالَ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ ، وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : لَمَّا رَأَى لُبَدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ أَيْ لَمْ يُطِقِ الطَّيَرَانَ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ انْقَطَعَ صُلْبُهُ وَلُصِقَ بِالْأَرْضِ ، قَالُوا : وَهَذَا هُوَ الشَّدِيدُ الْمَسْكَنَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ يَعْنِي مِسْكِينًا قَدْ لُصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مِسْكِينًا لَيْسَ ذَا مَتْرَبَةٍ ، مِثْلَ الطَّوَّافِ وَشَبَهِهِ مِمَّنْ لَهُ الْبُلْغَةُ وَالسَّعْيُ فِي الِاكْتِسَابِ بِالسُّؤَالِ وَالتَّحَرُّفِ ، وَنَحْوَ هَذَا ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ : الْأَصْمَعِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى ، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَمَّا أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْمِسْكِينُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي سَكَّنَهُ الْفَقْرُ أَيْ قَلَّلَ حَرَكَتَهُ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّكُونِ ، يُقَالُ : قَدْ تَمَسْكَنَ الرَّجُلُ وَتَسَكَّنَ إِذَا صَارَ مِسْكِينًا ، وَتَمَدْرَعَ الرَّجُلُ وَتَدَرَّعَ إِذَا لَبِسَ الْمُدَرَّعَةَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى أَهْلِ السَّتْرِ وَالتَّعَفُّفِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى السَّائِلِينَ الطَّوَّافِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : لَيْسَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَلَكِنَّ الْفَقِيرَ الْأَخْلَقُ الْكَسْبَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ · ص 48 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارلَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ · ص 255 1713 ( 5 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ 1714 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ فَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالُوا : فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَجِدُ غَنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يَفْطَنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ . 1714 1715 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْحَارِثِيِّ ، عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ . 39515 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : رُدُّوا الْمِسْكِينَ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ السَّائِلَ الطَّوَّافَ . 39516 - وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : لَيْسَ الطَّوَّافُ بِالْمِسْكِينِ حَقًّا إِنَّمَا الْمِسْكِينُ حَقًّا الْمِسْكِينُ الَّذِي تَبْلُغُ بِهِ الْمَسْكَنَةُ وَالْفَقْرُ وَالضَّعْفُ وَالْحَيَاءُ مَبْلَغًا يُقْعِدُهُ عَنِ التَّطْوَافِ وَالسُّؤَالِ ، وَلَا يَفْطَنُ لَهُ مُتَصَدِّقٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجِدُ شَيْئًا يَبْلُغُ بِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَيْ لَيْسَ فِعْلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِرًّا يَبْلُغُ بِهِ الْأَمْرُ ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ . 39517 - وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ أَيْ لَيْسَ كُلُّ الْبِرِّ لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ بِرٌّ أَيْضًا . 39518 - فَقَالَ يَحْيَى فِي رِوَايَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَمَا الْمِسْكِينُ ؟ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رَوَاةُ الْمُوَطَّأِ . 39519 - وَقَالَ غَيْرُهُمْ فَمَنِ الْمِسْكِينُ ؟ وَهَذَا أَبْيَنُ فِيمَنْ يَعْقِلُ ، وَأَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . 39520 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ . 39521 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا فِي الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ ، قَالُوا : وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يُقِيمُهُ وَيَكْفِيهِ ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ . 39522 - وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ . 39523 - وَهُوَ قَوْلُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ . 39524 - وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ . 39525 - وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِ الرَّاعِي : أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْغِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ 39526 - فَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي الْفَقْرَ ، وَلَهُ الْحَلُوبَةُ يَوْمَئِذٍ . 39527 - وَقَالَ آخَرُونَ : الْمِسْكِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمِسْكِينَ كَانَ يَمْلِكُ سَفِينَةً أَوْ بَعْضَ سَفِينَةٍ تَعْمَلُ فِي الْبَحْرِ ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [ وَزَعَمُوا أَنَّ بَيْتَ الرَّاعِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ] لِأَنَّهُ إِذْ صَارَ فَقِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَلُوبَةٌ لِقَوْلِهِ : كَانَتْ حَلُوبَتُهُ . 39528 - وَقَالُوا : الْفَقِيرُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُفْقِرُ ، وَيُرِيدُونَ الَّذِي نُزِعَتْ فَقْرَةٌ مِنْ ظَهْرِهِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ . 39529 - وَأَنْشَدُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ : لَمَّا رَأَى لِبْدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ 39530 - قِيلَ : أَيْ لَمْ يُطِقِ الطَّيَرَانَ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ ، وَلَصِقَ بِالْأَرْضِ . 39531 - قَالُوا : وَهَذَا هُوَ الشَّدِيدُ الْمَسْكَنَةِ ، وَالْمِسْكِينُ حَقًّا وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أَيْ : قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ . 39532 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مِسْكِينًا لَيْسَ ذَا مَتْرَبَةٍ . 39533 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ . وَهُوَ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الدَّقْعَاءِ وَهِيَ التُّرَابُ . 39534 - وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ . 39535 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ الْأَصْمَعِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ . 39536 - وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ . 39537 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 39538 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ سَوَاءٌ ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنِ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ . 39539 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ . 39540 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَالَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَيْسَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَلَكِنَّ الْفَقِيرَ الْأَخْلَقَ الْكَسْبَ . 39541 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ فَابْنُ بُجَيْدٍ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُجَيْدِ بْنِ قَيْظِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ عَلَى سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ حَدِيثَهُ فِي الْقَسَامَةِ . 39542 - وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ : وَاللَّهِ مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا مِنْهُ وَلَكِنَّهُ أَسَنُّ مِنْهُ . 39543 - وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا جَدَّتَهُ فِي كِتَابِ النِّسَاءِ ، مِنْ كِتَابِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ أَيْضًا جَدَّةُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ نُجَيْدٍ عَنْ جَدَّتِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . 39544 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَشْرُوحًا . 39545 - وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ . 39546 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنِ ابْنِ نُجَيْدٍ . 39547 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُجَيْدٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ نُجَيْدٍ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ يَأْتِينِي السَّائِلُ فَأَتَوَهَّدُ لَهُ بَعْضَ مَا عِنْدِي ، فَقَالَ : ضَعِي فِي يَدِ الْمِسْكِينِ وَلَوْ ظِلْفًا مُحَرَّقًا .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ · ص 455 5 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ 1663 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قَالُوا : فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ . 5 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ جَمْعُ مِسْكِينٍ مِنَ السُّكُونِ ، وَكَأَنَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ سَكَنَتْ حَرَكَاتُهُ ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى : أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( سورة الْبَلَدِ : الْآيَةُ 16 ) أَيْ أُلْصِقَ بِالتُّرَابِ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ . 1713 1663 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَج ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَقَدْ تُفْتَحُ - أَيِ الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ ( بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ ) يَسْأَلُهُمُ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ ، ( فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ ، وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ) - بِفَوْقِيَّةٍ فِيهِمَا - أَيْ عِنْدَ طَوَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ قُوَّتِهِ ، وَرُبَّمَا يَقَعُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَسْكَنَةِ عَنِ الطَّوَّافِ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ غَيْرَهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجُ الْمِسْكِينُ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ الْبِرَّ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 177 ) الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ ( قَالُوا فَمَا ) كَذَا لِيَحْيَى وَحْدَهُ ، وَلِغَيْرِهِ فَمَنْ ، كَذَا ، قِيلَ : وَقَدْ رَوَاهُ قُتَيْبَةُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ مَا ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحِزَامِيِّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الصِّفَةِ ، وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ ، وَمَا يَقَعُ عَنْ صِفَاتِ الْعُقَلَاءِ يُقَالُ فِيهِ مَا نَحْوَ : مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 3 ) ، فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ ، ( الْمِسْكِينُ ) : الْكَامِلُ فِي الْمَسْكَنَةِ ، ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ ) وَسَقَطَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ عَقِبَ اللُّقْمَتَانِ : وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ : ( الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى ) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ - أَيْ يَسَارًا ، ( يُغْنِيهِ ) صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْيَسَارِ الْمَنْفِيِّ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِهِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْتَنِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفِيَ أَصْلِ الْيَسَارِ ، وَلِأَنْ يَكُونَ نَفْيَ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ . ( وَلَا يُفْطَنُ ) - بِضَمِّ الطَّاءِ ، وَفَتْحِهَا - أَيْ لَا يَتَنَبَّهُ ( النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ) - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - ( وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ ) وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الْبُخَارِيِّ : وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : الْمُضَارِعُ الْوَاقِعُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْفِيِّ الْمَرْفُوعِ ، فَيَنْسَحِبُ النَّفْيُ عَلَيْهِ ، أَيْ لَا يُفْطَنُ فَلَا يُتَصَدَّقُ ، وَلَا يَقُومُ فَلَا يَسْأَلُ ، وَبِالنَّصْبِ فِيهِمَا بِأَنْ مُضْمِرَةٍ وُجُوبًا ، لِوُقُوعِهِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ بَعْدَ الْفَاءِ ، انْتَهَى . وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ عَلَى النَّصْبِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ : وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 273 ) ، أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّؤَالِ أَصْلًا ، أَوْ نَفْيُ السُّؤَالِ بِالْإِلْحَافِ خَاصَّةً ، فَلَا يُنَفَى السُّؤَالُ بِغَيْرِهِ ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا . وَقَدْ يُقَالُ : لَفْظَةُ يَقُومُ تَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ فِي السُّؤَالِ ، فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيِ أَصْلِهِ ، وَالتَّأْكِيدُ فِي السُّؤَالِ هُوَ الْإِلْحَافُ ، وَهُوَ الْإِلْحَاحُ ، مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحَافِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى وُجُوهِ الطَّلَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَاشْتِمَالِ اللِّحَافِ فِي التَّغْطِيَةِ . وَزَادَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ فِي حَالِ الْإِلْحَافِ ، أَوْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ ، أَيْ لَا يَسْأَلُونَ لِأَجْلِ الْإِلْحَافِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَهُ طُرُقٌ .