1715 حَدِيثٌ تَاسِعٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِعًى مَقْصُورٌ مِثْلُ غِنًى ، وَسِوًى ، وَمِنًى ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ مَقْصُودِهِ بِالْحَدِيثِ ، وَالْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى كَافِرٍ بِعَيْنِهِ لَا إِلَى جِنْسِ الْكَافِرِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ وَتُكَذِّبُهُ ، وَقَدْ جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ كَافِرٌ أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِنٍ ، وَيُسْلِمُ الْكَافِرُ فَلَا يَنْتَقِصُ أَكْلُهُ وَلَا يَزِيدُ ، وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَهُ مُفَسِّرًا لَهُ ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ سُهَيْلٍ فِي بَابِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيُرْوَى أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْمَقَالَةَ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا خَبَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَىُ بْنُ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَلْمَانَ الْأَغَرُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ جَهْجَاهٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ ، قَالَ : فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِي ، وَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طِوَالًا لَا يُقَدُّمُ عَلَيَّ أَحَدٌ ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا ، فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى حَلَبَ لِي سَبْعَةَ أَعْنُزٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا أَسْلَمْتُ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا فَرُوِيتُ وَشَبِعْتُ ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا ؟ فَقَالَ : بَلَى وَلَكِنَّهُ أَكَلَ فِي معى مُؤْمِنٍ اللَّيْلَةَ ، وَأَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي معى كَافِرٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِد . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا أَيْضًا لَفْظُ عُمُومٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا إِذْ كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، فَلَمَّا آمَنَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَكَفَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِمَّا كَانَ يَكْفِيهِ إِذْ كَانَ كَافِرًا خُصُوصًا لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، إِشَارَةً إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا الْكَافِرُ ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معى وَاحِدٍ - يَعْنِي هَذَا الْمُؤْمِنَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ وَهُوَ يُرِيدُ رَجُلًا فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ : وَقِيلَ رَجُلَانِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يَعْنِي قُرَيْشًا ، فَجَاءَ بِلَفْظِ عُمُومٍ ، وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ ، وَمِثْلُهُ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ هَذَا عُمُومٌ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ الْأَكُولِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ ، وَأَنَّهَا خَلَّةٌ مَذْمُومَةٌ ، وَصِفَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ ، وَأَنَّ الْقِلَّةَ مِنَ الْأَكْلِ أَحْمَدُ وَأَفْضَلُ ، وَصَاحِبُهَا عَلَيْهَا مَمْدُوحٌ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، وَبِيَدِهِ ، وَخَلْقِهِ ، وَصُنْعِهِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مَعِيٍّ وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ · ص 53 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ · ص 261 1715 ( 6 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ 1716 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . 39548 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَدْحُ الْمُؤْمِنِ بِقِلَّةِ رَغْبَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَزُهْدِهِ فِيهَا بِأَخْذِ الْقَلِيلِ مِنْهَا فِي قُوَّتِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلَبْسِهِ وَكَسْبِهِ ، وَأَنَّهُ يَأْكُلُ لِيَحْيَا ، لَا لِيَسْمَنَ ، كَمَا جَاءَ عَنِ الْحُكَمَاءِ . 39549 - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ . 39550 - وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَمْتَدِحُ بِقِلَّةِ الْأَكْلِ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي أَشْعَارِهَا فَكَيْفَ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ . 39551 - وَأَمَّا مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ مِنْ كَافِرٍ وَسَفِيهٍ ، فَإِنَّمَا هِمَّتُهُ فِي شِبَعِ بَطْنِهِ ، وَلَذَّةِ فَرْجِهِ . 39552 - وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ حَقَّ الْمُؤْمِنِ شَأْنُهُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَهَذَا مَجَازٌ دَالٌّ عَلَى الْمَدْحِ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْأَكْلِ ، وَالْقَنَاعَةِ فِيهِ ، وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ · ص 458 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ 1665 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ . 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ 1715 1665 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) - بِكَسْرِ الزَّايِ ، وَخِفَّةِ النُّونِ - ( عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ ، مَقْصُورٌ - كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ ، إِمَّا لِأَنَّهُ الرِّوَايَةُ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْفَتْحُ وَالْمَدُّ ، وَجَمْعُ الْمَقْصُورِ : أَمْعَاءٌ ، كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ ، وَالْمَمْدُودُ أَمْعِيَةٌ ، كَحِمَارٍ وَأَحْمِرَةٍ وَهِيَ الْمَصَارِينُ ، وَعُدِّيَ بِفِي عَلَى مَعْنَى دَفْعِ الْأَكْلِ فِيهَا ، وَجَعَلَهَا مَكَانًا لِلْمَأْكُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ : 10 ) أَيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ . ( وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ) هِيَ عِدَّةُ أَمْعَاءِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا ثَامِنَ لَهَا كَمَا بُيِّنَ فِي التَّشْرِيحِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ ، فَكَمْ مِنْ كَافِرٍ يَكُونُ أَقَلَّ أَكْلًا وَشُرْبًا مِنْ مُسْلِمٍ وَعَكْسُهُ ، وَكَمْ مِنْ كَافِرٍ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ ، انْتَهَى . وَجُمْلَةُ مَا قِيلَ فِيهِ عَشْرَةُ أَوْجُهٍ : فَقِيلَ : لَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ مُرَادَةً ، بَلِ الْمُرَادُ قِلَّةُ أَكْلِ الْمُؤْمِنِ ، وَكَثْرَةُ أَكْلِ الْكَافِرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ ( سورة مُحَمَّدٍ : الْآيَةُ 12 ) ، وَتَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْثِيرِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ( سورة لُقْمَانَ : الْآيَةُ 27 ) ، وَالْمَعْنَى أَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِ التَّقَلُّلُ فِي الْأَكْلِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَةِ وَعِلْمِهِ أَنَّ قَصْدَ الشَّرْعِ مِنَ الْأَكْلِ سَدُّ الْجُوعِ وَالْعَوْنُ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَلِخَشْيَتِهِ مِنْ حِسَابِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا أَرْجَحُ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ لِكَوْنِهِ يَأْكُلُ بِشَرَهِهِ لَا يُشْبِعُهُ إِلَّا مِلْءُ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ ، وَالْمُؤْمِنُ يُشْبِعُهُ مِلْءُ مِعًى وَاحِدٍ لِقِلَّةِ حِرْصِهِ وَشَرَهِهِ عَلَى الطَّعَامِ . وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ إِلَى اخْتِيَارِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ ، فَإِذَا وُجِدَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْوَصْفِ لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ ، فَلَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ لَا يُسَمِّي ، فَيَأْكُلُ مَعَهُ الشَّيْطَانُ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِ الْإِسْلَامَ التَّامَّ ؛ لِأَنَّهُ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ كَمُلَ إِيمَانُهُ اشْتَغَلَ فِكْرُهُ بِالْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ ، فَيَمْنَعُهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَكَثْرَةُ الْفِكْرَةِ ، وَالْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ مِنِ اسْتِيفَاءِ شَهْوَتِهِ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحِ : إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ ، وَلَا يَشْبَعُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَقْتَصِدُ فِي مَطْعَمِهِ . وَأَمَّا الْكَافِرُ فَشَأْنُهُ الشَّرَهُ ، فَيَأْكُلُ كَالْبَهِيمَةِ لَا بِمَصْلَحَةِ قِيَامِ الْبِنْيَةِ . وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ : قَدْ ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِمْ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ الْحَلَالَ وَالْكَافِرُ الْحَرَامَ ، وَالْحَلَالُ أَقَلُّ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ حَضُّ الْمُسْلِمِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ كَثْرَتَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : شَهَوَاتُ الطَّعَامِ سَبْعٌ : الطَّبْعُ ، وَالنَّفْسُ ، وَالْعَيْنُ ، وَالْفَمُ ، وَالْأَنْفُ ، وَالْأُذُنُ ، وَالْجُوعُ ، وَهِيَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي يَأْكُلُ بِهَا الْمُسْلِمُ . وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْكُلُ بِالْجَمِيعِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّبْعَةِ فِي الْكَافِرِ صِفَاتٍ هِيَ الْحِرْصُ ، وَالشَّرَهُ ، وَطُولُ الْأَمَلِ ، وَالطَّمَعُ ، وَالْحَسَدُ ، وَحُبُّ السِّمَنِ ، وَسُوءُ الطَّبْعِ ، وَبِالْوَاحِدِ فِي الْمُسْلِمِ سَدُّ خَلَّتِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : السَّبْعَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ ، وَالشَّهْوَةِ ، وَالْحَاجَةِ . وَالْقَوْلُ الْعَاشِرُ : أَنَّ اللَّامَ فِي الْكَافِرِ عَهْدِيَّةٌ ، فَهُوَ خَاصٌّ بِمَعْنَى كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ التَّالِي ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُ الرَّجُلِ فِيهِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : لِأَنَّ الْمُعَايَنَةَ وَهِيَ أَصَحُّ عُلُومِ الْحَوَاسِّ تَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ ، وَمَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْعُمُومِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 173 ) ، فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ رَجُلٌ وَاحِدٌ . أَخْبَرَ الصَّحَابَةُ أَنَّ قُرَيْشًا جَمَعَتْ لَهُمْ ، وَجَاءَ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِالْعِلْمِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .