1811 عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ - مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مُسْنَدَةٌ ، وَاثْنَانِ مُرْسَلَانِ ، أَحَدُهُمَا : عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ . حَدِيثٌ أَوَّلُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شِعْبَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ . هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : شِعْبَ الْجِبَالِ ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ غَلَطٌ ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ النَّاسُ شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَشَعَفُ الْجِبَالِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ : رُؤُوسُهَا ، وَشَعَفَةُ كُلِّ شَيْءٍ : أَعْلَاهُ . قَالَ الْأَخْفَشُ : الشَّعَفُ : أَطْرَافُ الْجِبَالِ وَظُهُورُهَا وَأَعْلَاهَا ، الْوَاحِدَةُ شَعَفَةٌ . قَالَ الشَّاعِرُ : كُنَّا كَزَوْجٍ مِنْ حَمَامٍ تَرْتَقِي شَعَفَ الْجِبَالِ تَرْعَى النَّهَارَ وَلَا تُرَاعِ بِذِي حَابِلٍ أَوْ نِصَالِ وَأَمَّا الشِّعْبُ ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ شِعْبُ الْجِبَالِ : مَا تَشَعَّبَ مِنْهَا وَمَا تَوَعَّرَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ خَبَرًا عَنْ حَالِ آخِرِ الزَّمَانِ ، وَمَا الْمَحْمُودُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحُضُّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى لُزُومِ الْخَوَاصِّ لِلْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ ، وَيَقُولُ : مَنْ بَدَا جَفَا ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ فِي الْعُزْلَةِ وَالْفِرَارِ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَوَاضِعِهَا مِنَ الْحَوَاضِرِ وَغَيْرِهَا ، وَالْفِتْنَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِتْنَةَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَفِتْنَةَ النَّظَرِ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَفِتْنَةَ الدُّخُولِ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِتَنِ ، وَلَمْ يُرِدِ الْفِتْنَةَ النَّازِلَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْحَامِلَةَ عَلَى الْقِتَالِ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفِتَنِ ، بَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْفِتَنِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْعُزْلَةِ وَالِانْفِرَادِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَزَمَانِنَا هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لُمَعًا فِي الْعُزْلَةِ ، وَفَضْلِهَا ، وَفَضْلِ اعْتِزَالِ النَّاسِ ، وَلُزُومِ الْبُيُوتِ فِي بَابِ أَبِي طُوَالَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ آثَارًا مَرْفُوعَةً حِسَانًا تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعُزْلَةِ أَيْضًا وَالْجِهَادِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا هَهُنَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَضٌّ عَلَى كَسْبِ الْغَنَمِ ، وَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ لَهَا ، وَتَبَرُّكٌ بِهَا ، إِلَى مَا رُوِيَ فِيهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ ، وَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ لِرَعْيِهَا وَمُعَانَاتِهَا ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خيثمة مُصْعَبِ بْنُ سَعِيدٍ الضَّرِيرُ بِحَلَبَ إِمْلَاءً قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : مَرَرْنَا بِثَمَرِ الْأَرَاكِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ ، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَجْتَنِيهِ وَأَنَا أَرْعَى الْغَنَمَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَرَعَيْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي الْآيَةَ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمِسْوَرِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَسِّرِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غَالِبِ بْنِ سَالِمٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ صَاحِبُ الِاسْتِوَائِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ خَارِجَةَ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ الْفِتْنَةُ ، فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ أَرِنِي أَمْرًا أَتَمَسَّكُ بِهِ قَالَ : فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ بينهما حائط ، فَقُلْتُ : لَوْ تَسَنَّمْتُ هَذَا الْحَائِطَ لَعَلِّي أَهْبِطُ عَلَى قَتْلَى أَشْجَعَ فَيُخْبِرُونِي ؟ فَهَبَطْتُ الْحَائِطَ ، فَإِذَا أَنَا بِأَرْضٍ ذَاتِ شَجَرٍ ، وَإِذَا بِنَهْرٍ ، فَقُلْتُ : أَنْتُمُ الشُّهَدَاءُ ؟ قَالُوا : لَا ، بَلْ نَحْنُ الْمَلَائِكَةُ قَالَ : قُلْتُ : فَأَيْنَ الشُّهَدَاءُ ؟ قَالُوا : اصْعَدْ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى ، قَالَ : فَصَعِدْتُ دَرَجَةً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهَا ، ثُمَّ صَعِدْتُ أُخْرَى فَإِذَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِبْرَاهِيمُ عِنْدَهُ شَيْخٌ ، وَإِذَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ لِأُمَّتِي قَالَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ؟ إِنَّهُمْ أَهْرَقُوا دِمَاءَهُمْ وَقَتَلُوا إِمَامَهُمْ ، فَهَلَّا فَعَلُوا كَمَا فَعَلَ خَلِيلِي سَعْدٌ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : لَقَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهَا ، أنْطَلِقُ فَأنْظُرُ مَعَ مَنْ كَانَ سَعْدٌ فَأَكُونَ مَعَهُ قَالَ : فَأَتَيْتُ سَعْدًا فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ ، فَمَا أَكْبَرَ بِهَا فَرَحًا ، وَقَالَ : لَقَدْ خَابَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلًا قَالَ : فَقُلْتُ : أَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ غَنَمٍ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَاشْتَرِ غَنَمًا فَكُنْ فِيهَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شِعْبَ الْجِبَالِ · ص 219 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي سعيد يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا · ص 205 1811 1817 - مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ; أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ . 40817 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا : شِعَبَ الْجِبَالَ ، فَصَحَّفَ ; وَإِنَّمَا هُوَ شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَاحِدَتُهَا شَعْفَةٌ ; وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ وَأَعَالِيهَا . 40818 - وَأَمَّا الْفِتَنُ فَكَثِيرَةٌ ; فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَمَا يَلْقَاهُ الْمُؤْمِنُ مِمَّنْ يَحْسُرُهُ وَيُؤْذِيهِ حَتَّى يَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ ، أَوْ مِمَّنْ يَرَاهُ يَفُوقُهُ فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْحَالِ ; فَتَكُونُ فِتْنَةً لَهُ . 40819 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ آثَارًا فِي مَعَانِي الْفِتَنِ كَثِيرَةً . 40820 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَغْيِيرِ الْأَزْمِنَةِ ، وَعَلَى فَضْلِ الْعُزْلَةِ . 40821 - وَقَدْ ذَكَرْتُ مِنْ فَضْلِ اعْتِزَالِ النَّاسِ ، وَالْبُعْدِ عَنْ شُرُورِهِمْ ، وَمَا نَدَبَ إِلَيْهِ ، وَحَضَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 40822 - ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; أَنَّهُ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ يَحْبِسُ طَائِرًا ، فَقَالَ : وَدِدْتُ أَنِّي حَيْثُ صِيدَ هَذَا الطَّائِرُ ; لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَلَا أُكَلِّمُهُ . 40823 - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الْيَأْسُ غِنًى ، وَالطَّمَعُ فَقْرٌ حَاضِرٌ ، وَفِي الْعُزْلَةِ رَاحَةٌ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ . 40824 - وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ ; يَكُفُّ فِيهِ بَصَرَهُ وَنَفْسَهُ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمَجَالِسَ فِي الْأَسْوَاقِ ; فَإِنَّهَا تُلْغِي وَتُلْهِي . 40825 - وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : أَقَلُّ لِعَيْبِ الرَّجُلِ ، لُزُومُهُ بَيْتَهُ . 40826 - وَقَالَ حُذَيْفَةُ : وَدِدْتُ أَنِّي وَجَدْتُ مَنْ يَقُومُ لِي فِي مَالِي ; فَدَخَلْتُ فِي بَيْتِي ، وَأَغْلَقْتُ عَلَيَّ بَابِي ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أَحَدٌ ، وَلَمْ أَخْرُجْ إِلَى أَحَدٍ ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - . 40827 - وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَسَارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ لِي بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ : مَا فَعَلَ خَالُكَ ؟ قُلْتُ : لَزِمَ الْبَيْتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ، فَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَّا إِلَى قُبُورِهِمْ . 40828 - وَهَذَا الْبَابُ قَدْ أَشْبَعْنَاهُ بِالْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ سَائِرِ السَّلَفِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 40829 - وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ ; حَيْثُ يَقُولُ : لَيْسَ هَذَا زَمَانُ قَوْلِكَ مَا الْحُكْـ مُ عَلَى مَنْ يَقُولُ : أَنْتِ حَرَامُ ؟ وَالْحَقِي بَائِنًا بِأَهْلِكِ ، أَوْ أَنْـ ـتَ عَتِيقٌ مُحَرَّرٌ يَا غُلَامُ وَمَتَى تُنْكَحُ الْمُصَابَةُ فِي الْعِدْ دَةِ عَنْ شُبْهَةٍ ؟ وَكَيْفَ الْكَلَامُ فِي حَرَامٍ أَصَابَ سِنَّ غَزَالٍ فَتَوَلَّى وَلِلْغَزَالِ بُغَامُ ؟ إِنَّمَا ذَا زَمَانُ كَدٍّ إِلَى الْمَوْتِ وَقُوتٍ مُبَلِّغٍ وَالسَّلَامُ
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ · ص 594 1764 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ . 1811 1764 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ) وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ، ثُمَّ الْمَازِنِيُّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ مِنْ ثِقَاتِ تَابِعِي الْحِجَازِ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ ، وَالْحَارِثُ صَحَابِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : سِنَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ ( الْخُدْرِيِّ ) - بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - مِنَ الْمُكْثِرِينَ ( أَنَّهُ قَالَ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ ) - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ فِي لُغَةٍ رَدِيَّةٍ ، أَيْ : يَقْرُبُ ( أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي الرِّوَايَةِ اسْمُ يَكُونَ مُؤَخَّرًا ، وَخَيْرَ مَالِ خَبَرُهَا مُقَدَّمًا ، وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ الِاهْتِمَامُ ، إِذِ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ الِاعْتِزَالُ ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْغَنَمِ ، فَلِذَا أَخَّرَهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِرَفْعِ خَيْرُ اسْمٌ ، وَنَصْبُ غَنَمًا خَبَرٌ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَالْخَبَرُ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ . ( يَتَّبِعُ بِهَا ) - بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ - افْتِعَالٌ مِنِ اتَّبَعَ اتِّبَاعًا ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا مِنْ تَبِعَ - بِالْكَسْرِ - يَتْبَعُ بِالْفَتْحِ ، أَيْ : بِالْغَنَمِ ، ( شَعَفَ ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، فَفَاءٍ ، أَيْ : رُءُوسَ ( الْجِبَالِ ) - بِالْجِيمِ - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى شَعَبَ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ النَّاسُ شَعَفَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَفَاءٍ ، جَمْعُ شَعَفَةٍ ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ ، وَهِيَ رُءُوسُ الْجِبَالِ . ( وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ) أَيِ : الْمَطَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى شَعَفَ ، أَيْ : بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَالصَّحَارِي ؛ إِذْ هُمَا مَوَاضِعُ الرَّعْيِ حَالَ كَوْنِهِ ( يَفِرُّ بِدِينِهِ ) أَيْ : بِسَبَبِهِ مِنَ النَّاسِ أَوْ مَعَ دِينِهِ ( مِنَ الْفِتَنِ ) طَلَب لِلسَّلَامَةِ لَا لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعُزْلَةِ لِلْخَائِفِ عَلَى دِينِهِ ، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إِزَالَتِهَا ، فَتَجِبُ الْخُلْطَةُ عَيْنًا ، أَوْ كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَوْلَى لِاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا ، كَإِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِبَادَةٍ ، وَفَضَّلَ قَوْمٌ الْعُزْلَةَ ، لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ ، وَلِيَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ ، وَيَأْنَسَ بِدَوَامِ الذِّكْرِ . نَعَمْ تَجِبُ الْعُزْلَةُ عَلَى مَنْ لَا يَسْلَمُ دِينُهُ بِالصُّحْبَةِ ، وَتَجِبُ الصُّحْبَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَاتَّبَعَهُ ، وَالْبَاطِلَ فَاجْتَنَبَهُ ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ لِيَعْمَلَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِيمَانِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِي الْفِتَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الْمَاجِشُونُ ، وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ ، نَعَمْ أَخْرَجَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ ، وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي ، وَالسِّيَاحَةِ ، وَالْعُزْلَةِ اهـ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .