خطبة المصنف
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) . الْحَمْدُ لِلَّهِ الْهَادِي مَنِ اسْتَهْدَاهُ ، الْوَاقِي مَنِ اتَّقَاهُ ، الْكَافِي مَنْ تَحَرَّى رِضَاهُ ، حَمْدًا بَالِغًا أَمَدَ التَّمَامِ وَمُنْتَهَاهُ . وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَكْمَلَانِ عَلَى نَبِيِّنَا وَالنَّبِيِّينَ ، وَآلِ كُلٍّ ، مَا رَجَا رَاجٍ مَغْفِرَتَهُ وَرُحْمَاهُ ، آمِينَ .
هَذَا ، وَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْعُلُومِ الْفَاضِلَةِ ، وَأَنْفَعِ الْفُنُونِ النَّافِعَةِ ، يُحِبُّهُ ذُكُورُ الرِّجَالِ وَفُحُولَتُهُمْ ، وَيُعْنَى بِهِ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ وَكَمَلَتُهُمْ ، وَلَا يَكْرَهُهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رُذَالَتُهُمْ وَسَفَلَتُهُمْ . وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ تَوَلُّجًا فِي فُنُونِهَا ، لَا سِيَّمَا الْفِقْهُ الَّذِي هُوَ إِنْسَانُ عُيُونِهَا . وَلِذَلِكَ كَثُرَ غَلَطُ الْعَاطِلِينَ مِنْهُ مِنْ مُصَنِّفِي الْفُقَهَاءِ ، وَظَهَرَ الْخَلَلُ فِي كَلَامِ الْمُخِلِّينَ بِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
وَلَقَدْ كَانَ شَأْنُ الْحَدِيثِ فِيمَا مَضَى عَظِيمًا ، عَظِيمَةً جُمُوعُ طَلَبَتِهِ ، رَفِيعَةً مَقَادِيرُ حُفَّاظِهِ وَحَمَلَتِهِ . وَكَانَتْ عُلُومُهُ بِحَيَاتِهِمْ حَيَّةً ، وَأَفْنَانُ فُنُونِهِ بِبَقَائِهِمْ غَضَّةً ، وَمَغَانِيهِ بِأَهْلِهِ آهِلَةً ، فَلَمْ يَزَالُوا فِي انْقِرَاضٍ ، وَلَمْ يَزَلْ فِي انْدِرَاسٍ حَتَّى آضَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ صَارَ أَهْلُهُ إِنَّمَا هُمْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ ، ضَعِيفَةُ الْعُدَدِ . لَا تُعْنَى عَلَى الْأَغْلَبِ فِي تَحَمُّلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَمَاعِهِ غُفْلًا ، وَلَا تَتَعَنَّى فِي تَقْيِيدِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ كِتَابَتِهِ عُطْلًا ، مُطَّرِحِينَ عُلُومَهُ الَّتِي بِهَا جَلَّ قَدْرُهُ ، مُبَاعَدِينَ مَعَارِفَهُ الَّتِي بِهَا فُخِّمَ أَمْرُهُ .
فَحِينَ كَادَ الْبَاحِثُ عَنْ مُشْكِلِهِ لَا يُلْفِي لَهُ كَاشِفًا ، وَالسَّائِلُ عَنْ عِلْمِهِ لَا يَلْقَى بِهِ عَارِفًا ، مَنَّ اللَّهُ الْكَرِيمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيَّ وَلَهُ الْحَمْدُ أَجْمَعُ بِكِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ ، هَذَا الَّذِي بَاحَ بِأَسْرَارِهِ الْخَفِيَّةِ ، وَكَشَفَ عَنْ مُشْكِلَاتِهِ الْأَبِيَّةِ ، وَأَحْكَمَ مَعَاقِدَهُ ، وَقَعَّدَ قَوَاعِدَهُ ، وَأَنَارَ مَعَالِمَهُ ، وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ ، وَفَصَّلَ أَقْسَامَهُ ، وَأَوْضَحَ أُصُولَهُ ، وَشَرَحَ فُرُوعَهُ وَفُصُولَهُ ، وَجَمَعَ شَتَاتَ عُلُومِهِ وَفَوَائِدِهِ ، وَقَنَصَ شَوَارِدَ نُكَتِهِ وَفَرَائِدِهِ . فَاللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ ، وَالْإِعْطَاءُ وَالْمَنْعُ أَسْأَلُ ، وَإِلَيْهِ أَضْرَعُ وَأَبْتَهِلُ ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ ، مُتَشَفِّعًا إِلَيْهِ بِكُلِّ شَفِيعٍ ، أَنْ يَجْعَلَهُ مَلِيًّا بِذَلِكَ وَأَمْلَى وَافِيًّا بِكُلِّ ذَلِكَ وَأَوْفَى . وَأَنْ يُعَظِّمَ الْأَجْرَ وَالنَّفْعَ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ .
( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) . وَهَذِهِ فَهْرَسَةُ أَنْوَاعِهِ : الْأَوَّلُ مِنْهَا : مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنَ الْحَدِيثِ . الثَّانِي : مَعْرِفَةُ الْحَسَنِ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : مَعْرِفَةُ الضَّعِيفِ مِنْهُ . الرَّابِعُ : مَعْرِفَةُ الْمُسْنَدِ . الْخَامِسُ : مَعْرِفَةُ الْمُتَّصِلِ .
السَّادِسُ : مَعْرِفَةُ الْمَرْفُوعِ . السَّابِعُ : مَعْرِفَةُ الْمَوْقُوفِ . الثَّامِنُ : مَعْرِفَةُ الْمَقْطُوعِ ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُنْقَطِعِ .
التَّاسِعُ : مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ . الْعَاشِرُ : مَعْرِفَةُ الْمُنْقَطِعِ . الْحَادِيَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الْمُعْضَلِ ، وَيَلِيهِ تَفْرِيعَاتٌ ، مِنْهَا فِي الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ ، وَمِنْهَا فِي التَّعْلِيقِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ وَحُكْمُ الْمُدَلِّسِ . الثَّالِثَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الشَّاذِّ . الرَّابِعَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الْمُنْكَرِ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الِاعْتِبَارِ وَالْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ . السَّادِسَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ وَحُكْمُهَا . السَّابِعَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الْأَفْرَادِ .
الثَّامِنَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ الْمُعَلَّلِ . التَّاسِعَ عَشَرَ : مَعْرِفَةُ الْمُضْطَرِبِ مِنَ الْحَدِيثِ . الْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُدْرَجِ فِي الْحَدِيثِ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ . الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ الْمَقْلُوبِ . الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ صِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ، وَمَنْ تُرَدُّ رِوَايَتُهُ .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ وَأَحْكَامِهَا وَسَائِرِ وُجُوهِ الْأَخْذِ وَالتَّحَمُّلِ ، وَعِلْمٌ جَمٌّ . الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ ، وَكَيْفِيَّةُ ضَبْطِ الْكِتَابِ وَتَقْيِيدِهِ ، وَفِيهِ مَعَارِفُ مُهِمَّةٌ رَائِقَةٌ . السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَشَرْطِ أَدَائِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنْ نَفَائِسِ هَذَا الْعِلْمِ .
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ آدَابِ الْمُحَدِّثِ . الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ . التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ .
النَّوْعُ الْمُوفِي ثَلَاثِينَ : مَعْرِفَةُ الْمَشْهُورِ مِنَ الْحَدِيثِ . الْحَادِي وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الْغَرِيبِ وَالْعَزِيزِ مِنَ الْحَدِيثِ . الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ .
الثَّالِثُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُسَلْسَلِ . الرَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ . الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُصَحَّفِ مِنْ أَسَانِيدِ الْأَحَادِيثِ وَمُتُونِهَا .
السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ . السَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ . الثَّامِنُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الْمَرَاسِيلِ الْخَفِيِّ إِرْسَالُهَا .
التَّاسِعُ وَالثَلَاثُونَ : مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . الْمُوفِي أَرْبَعِينَ : مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ الْأَكَابِرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْأَصَاغِرِ .
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُدَبَّجِ وَمَا سِوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ . الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ . الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الْآبَاءِ عَنِ الْأَبْنَاءِ .
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : عَكْسُ ذَلِكَ : مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ . السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ مَنِ اشْتَرَكَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ رَاوِيَانِ مُتَقَدِّمٌ وَمُتَأَخِّرٌ ، تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ وَفَاتَيْهِمَا . السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ .
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ . التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُفْرَدَاتِ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالرُّوَاةِ وَالْعُلَمَاءِ . الْمُوفِي خَمْسِينَ : مَعْرِفَةُ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى .
الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ كُنَى الْمَعْرُوفِينَ بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْكُنَى . الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ أَلْقَابِ الْمُحَدِّثِينَ . الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ .
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ . الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ : نَوْعٌ يَتَرَكَّبُ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ . السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الرُّوَاةِ الْمُتَشَابِهِينَ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ ، الْمُتَمَايِزِينَ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الِابْنِ وَالْأَبِ .
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى غَيْرِ آبَائِهِمْ . الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الْأَنْسَابِ الَّتِي بَاطِنُهَا عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا . التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ : مَعْرِفَةُ الْمُبْهَمَاتِ .
الْمُوفِي سِتِّينَ : مَعْرِفَةُ تَوَارِيخِ الرُّوَاةِ فِي الْوَفَيَاتِ وَغَيْرِهَا . الْحَادِي وَالسِتُّونَ : مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ مِنَ الرُّوَاةِ . الثَّانِي وَالسِتُّونَ : مَعْرِفَةُ مَنْ خَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ .
الثَّالِثُ وَالسِتُّونَ : مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ وَالْعُلَمَاءِ . الرَّابِعُ وَالسِتُّونَ : مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي مِنَ الرُّوَاةِ وَالْعُلَمَاءِ . الْخَامِسُ وَالسِتُّونَ : مَعْرِفَةُ أَوْطَانِ الرُّوَاةِ وَبُلْدَانِهِمْ .
وَذَلِكَ آخِرُهَا ، وَلَيْسَ بِآخِرِ الْمُمْكِنِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّنْوِيعِ إِلَى مَا لَا يُحْصَى ، إِذْ لَا تُحْصَى أَحْوَالُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَصِفَاتُهُمْ ، وَلَا أَحْوَالُ مُتُونِ الْحَدِيثِ وَصِفَاتُهَا ، وَمَا مِنْ حَالَةٍ مِنْهَا وَلَا صِفَةٍ إِلَّا وَهِيَ بِصَدَدِ أَنْ تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وَأَهْلِهَا ، فَإِذَا هِيَ نَوْعٌ عَلَى حِيَالِهِ ، وَلَكِنَّهُ نَصَبٌ مِنْ غَيْرِ أَرَبٍ ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .